مجلس الوزراء يعلن ترحيبه بالبعثة الأممية للسودان    القوات المسلحة تؤكد حل الدفاع الشعبي    كَيْفَ نَحْمي السُّودان من أخطار سد النهضة ؟! .. بقلم: د. فيصل عوض حسن    مسامرات زمن حظر التجوال .. بقلم: عثمان أحمد حسن    المراية .. بقلم: حسن عباس    قون المريخ والعنصرية .. بقلم: إسماعيل عبدالله    تكامل الأدوار في محاربة مافيا الفساد .. بقلم: نورالدين مدني    "أحمد شاويش." ذلك العبقري المتواضع ... بقلم: مهدي يوسف إبراهيم    وزارة العمل والتنمية الاجتماعيّة تسلّم كروت الدعم النقديّ لعدد من الجمعيّات النسائيّة    المباحث تلقي القبض على قاتل ضابط الشرطة بولاية شمال كردفان    نحو صياغة برنامج اقتصادي وطني يراعي خصوصية الواقع السوداني .. بقلم: د. محمد محمود الطيب    أنا والفنان حمد الريح .. شافاه الله !! .. بقلم: حمد مدنى حمد    حول نقد الإمام الصادق للفكرة الجمهورية (2-4) .. بقلم: بدر موسى    أخطاء الترجمة: Bible تعني الكتاب المقدس لا الإنجيل .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    ترامب يتشبه بالرؤساء العرب .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    ذكريات وأسرار الحركة البيئية العالمية ومصائر الدول النامية .. بقلم: بروفيسور عبدالرحمن إبراهيم محمد    باتافيزيقيا السّاحة الخضراء (1) .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن /ولاية أريزونا أمريكا    الدولة في الاسلام مدنيه السلطة دينيه اصول التشريع متجاوزه للعلمانية والثيوقراطية والكهنوت .. بقلم: د. صبري محمد خليل    قانون لحماية الأطباء فمن يحمى المرضى ؟ .. بقلم: د. زاهد زيد    الفقر الضكر .. فقر ناس أكرت .. بقلم: د سيد حلالي موسي    التعليم بالمصاحبة ( education by association ) .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    إحباط تهريب مصابين بكورونا من البحر الأحمر    الشرطة تنفذ حملة لمواجهة مخالفات الحظر الصحي ومعتادي الاجرام    كل ما هو مُتاح: مناعة القطيع .. مناعة المُراح .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





تجربة البنوك الإسلامية على ضوءموجهات الاقتصاد الإسلامي
نشر في حريات يوم 18 - 02 - 2015


المهندس. صديق الصادق المهدي
بسم الله الرحمن الرحيم
المؤتمر الإقتصادي القومي الذي ينظمه حزب الأمة القومي
بالتنسيق مع ممثلى القوى السياسية
27 – 29 نوفمبر 2011م- دار الحزب
تجربة البنوك الإسلامية على ضوء
موجهات الاقتصاد الإسلامي
إعداد: م. صديق الصادق المهدي
مدخل: النظام المصرفي يقوم بدور هام جدا في الاقتصاد الوطني،اذ يمول المشاريع التنموية والانتاجية و بالاخص مشاريع القطاع الخاص التي يعول عليها في الاقتصاد المعافى في الاسهام بقدر كبير في الناتج المحلى الاجمالي وتشغيل وتوظيف نسبة كبيرة من القوى العاملة في البلاد.
في الفترة السابقة لقيام حكومة الانقاذ، قامت المصارف بدورها المطلوب ، ولكن في عهد الانقاذ ظهرت مستجدات أدت لبعض لتدهور في دور المصارف هي: سياسة التمكين الاقتصادي التي أدت لتسييس النظام المصرفي مما أخل باولوية المشاريع الممولة والجهات المستفيدة. وبرنامج أسلمة النظام المصرفي الذي تمسك باجتهاد جماعة من المسلمين رأت بالقياس أن سعر الفائدة هو الربا المحرم قطعا وعملت على استبداله بصيغ البيوع الموجودة في كتب الفقه الإسلامي . انه اجتهاد مشروع استهدف ايجاد حل اسلامي لمشكلات الاقتصاد المعاصر، ولكنه تمسك اكثر بشكل المعاملات على حساب التركيز على تحقيق أهداف الاقتصاد الإسلامي. في المقابل فان عددا من مفكري وعلماء الإسلام يرون أن الفائدة المصرفية، وهي مفهوم حديث لم يعرفه الفقه الموروث، جائزة ومطلوبة وأكثر عدالة وأقرب لتحقيق أهداف الاقتصاد الإسلامي من بديل المصارف الإسلامية. لهذا طرح حزب الأمة فكرة النظام المصرفي المزدوج والذي يعمل بشباكين: النظام المصرفي التقليدي، ونظام المصارف الاسلامية؛ وجدد حزب الأمة هذا الطرح عندما قسم النظام المصرفي في اتفاقية السلام البلاد إلى نظام إسلامي في الشمال وتقليدي في الجنوب.
الورقة تستهدف التوصل لاجازة الإسلام للتعامل بالنظام المصرفي التقليدي،والاجازة تؤسس على المفارقة بين الربا وسعر الفائدة. ستتعرض الورقة للربا ولفكرة التجربة المصرفية الإسلامية وللمستجدات والحركة في الاقتصاد الحديث والتي خرج من رحمها مفهوم الفائدة، ولسعر الفائدة المصرفية ولاجتهادات العلماء التي تقول بمشروعيته، وتتعرض لنقد لتجربة المصارف الإسلامية من روادها.
أولا: الربا:
الربا لغة هو الزيادة، وترجع الكلمة لممارسة قديمة؛ خلاف مفهوم الفائدة الحديث. والربا من الكبائر المحرمة بصورة قاطعة لما له من تبعات ضارة جدا بطرفيه، ولذلك نص القرآن على عقوبته ب:
- التخبط: "كالذي يتخبطه الشيطان من المس".
- المحق: "يمحق الله الربا".
- الكفر: "إن الله لا يحب كل كفار أثيم".
- الخلود في النار: "ومن عاد. فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون".
الربا نوعان:
1. ربا النسيئة: ويسمى ربا الديون وكذلك ربا الجاهلية، وأساسه الزيادة في الدين مقابل الأجل، وهذا مجمع على تحريمه بنص الحديث في صحيح مسلم((أنما الربا في النسيئة))، وهو الذي تنص آيات القرآن علي عقوبته.
2. ربا الفضل ويسمى ربا البيوع وكذلك ربا المعاملات، وهو البيع مع زيادة أحد العوضين عن الآخر. وهذا النوع من الربا لم يكن معروفا في الجاهلية، بل جاءت السنة بمنعه بالموجهات الواردة في حديث الأصناف الستة: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد".
علة الربا:اختلف الفقهاء في مسألة حرمة الربا: هل هي محصورة في الأصناف الستة أم تتعداها؟
أ. الظاهرية الذين لا يقولون بالقياس ذهبوا إلى أن تحريم الربا يقتصر على الأصناف الستة "الحديث"، ولا يتعدى إلى غيرها. رجح رأيهم ابن عقيل من الحنابلة مع انه يقول بالقياس، لكنه اعتبر أن الاختلاف بين العلماء في تحديد علة تحريم الربا بلغ حدا لا يمكن الاطمئنان معه إلى العلة الحقيقية لقياس غير اصناف الحديث عليها. ورجح حصر الربا في الأصناف الستة كذلك طاؤوس ومسروق والشعبي وقتادة والبتي.
ب. جمهور الفقهاء قالوا بأن تحريم الربا لا يقتصر على الأصناف الواردة في الحديث، بل يتعدى إلى غيرها، إذا توافرت فيه علة التحريم، إلا أنهم قد اختلفوا في العلة إلى عدة آراء:
العلة في الأصناف الأربعة:(البر الشعير التمر الملح)،جاءت الآراء كما يلي:
1. الكيل والوزن مع اتحاد الجنس، : القول الراجح عند الحنفية والحنابلة و ابن رشد "مالكي"، وهو قول النخعي والزهري والثوري. فإذا وجد الكيل أو الوزن مع اتحاد الجنس حرم التفاضل والنسيئة، وإن عدما جاز التفاضل والنسيئة، وإن وجد أحدهما جاز التفاضل وحرمت النسيئة.
2. الادخار مع الاقتيات: لا تجوز مبادلة الجنس منها بجنسه إلا مثلا بمثل ويدا بيد، أما إذا كان مقتاتا غير مدخر فتحرم فيه النسيئة ويجوز فيه الفضل، ذهب المالكية لهذا القول ورجحه ابن القيم.
3. الطعم، فكل مطعوم لا تجوز مبادلة الجنس منه بجنسه إلا مثلا بمثل يدا بيد. ذهب لهذا الشافعية.
4. الثمنية، فالعرب كانوا يستخدمون الأصناف الأربعة مع الذهب والفضة بوصفها نقودا سلعية. تبنى هذا القول مجموعة من العلماء المعاصرين.
علة الربا في النقدين: (الذهب الفضة)، جاءت الآراء كما يلي:
1. الوزن: ذهب إليه الحنفية والحنابلة في أشهر أقوالهم، وهو قول النخعي والزهري والثوري.
2. الثمنية الغالبة: هذه مقصورة على النقدين ولا تتعدى الي غيرهما، وهو مشهور مذهب المالكية وما ذهب إليه الشافعية والحنابلة في الرواية الثانية.
3. مطلق الثمنية: و هذه العلة تتعدى إلى كل ما يتحقق فيه معنى الثمنية، ولا تنحصر في الذهب والفضة. ذهب إلى هذا المالكية في القول مقابل المشهور، وهو ما رجحه ابن تيمية وابن القيم، وهو ما اتفق عليه مجمع الفقه الإسلامي.
ثانيا:المصارف الاسلامية:
اعتبر اصحاب مبادرة فكرة المصارف الإسلامية والقائمون على أمرها أن سعر الفائدة المصرفية هو الربا المحرم،وهذا اجتهاد منهم لأن مفهوم سعر الفائدة نفسه جديد ولم يكن موجودا وقت تدوين الفقه الإسلامي.
ولتفادي التعامل بسعر الفائدة في العمليات المصرفية في البنوك الإسلامية، استعلموا صيغ البيوع التي استنبطها فقهاء السلف والموجودة في الفقه الإسلامي، بحيث يمثل البنك الإسلامي احد طرفي عقد البيع، والعميل المستفيد يمثل الطرف الآخر. وبذلك يكون التعامل بين البنك والعميل هو عملية بيع وشراء، ويمثل الربح في العملية الربح الذي يتقاضاه المصرف. واعتبروا بذلك أنهم تفادوا التعامل بالفائدة المصرفية، مع أن الربح الذي يتقاضاه المصرف يستبطن مفهوم الفائدة ويحسب على اساسها. هناك عدة اشكاليات واجهت عمل المصارف الإسلامية، سترد تفاصيلها لاحقا، وبلسان القائمين على التجربة انفسهم، ولكن المشاكل الجوهرية في هذه التجربة تتمثل في:
1. البنك الإسلامي مؤسسة حديثة قامت على اجتهاد جديد استصحب قانون تأسيس الشركات كأداة لإنشاء البنك الإسلامي الذي يقدم خدمة التمويل. ولكن كالية لتفيذ التمويل استعملت صيغ البيوع القديمة الموروثة من الفقه الإسلامي، وهي صيغ للتعامل بين أفراد، فتم إحلال البنك الشركة والمؤسسة التمويلية محل الفرد كطرف في صيغة البيع.
2. فقه المعاملات متحرك حسب مستجدات الزمان والمكان، وحتى ائمة الفقه عندما يغيرون أماكنهم تتغير فتواهم ( مثل فتاوى الإمام الشافعي في مصر والعراق). فالامام إبن القيم يقول ان الفتوى تتغير" بحسب تغير الازمنة والامكنة والاحوال والنيات والعوائد"،والقاعدة الحركية الجوهرية التي وضعها الإمام المهدي للتعامل مع فقه المعاملات "لكل وقت ومقام حال ولكل زمان وأوان رجال"، هي المفتاح الذي يمكن المسلمين من التعايش مع مستجدات عصرهم وزمانهم، ومن أجل ذلك جاء القرآن كتاب الله الجامع الخاتم بكليات وأهداف عليا يستهدفها مجتهدو كل عصر في الاحكام التفصيلية التى يستبطونها.
3. لا يوجد نص يقول بربوية سعر الفائدة ولكنه اجتهاد من فقهاء معاصرين بالقياس، يقابله اجتهاد فقهاء آخرين يرونه مختلفا عن الربا. فهناك تيار من علماء الإسلام المعاصرين يرون انه ليس هناك نظام مصرفي اسلامي محدد، ولا نظام اقتصادي معين، بل توجد في الإسلام مبادئ اقتصادية عامة: هي الاستثمار، العمل، العدل الاقتصادي ، منع الاستغلال ، منع الاحتكار، التكافل، حرمة المال الخاص. و كما يقول الإمام الصادق المهدي في تحديات التسعينات: انها مبادئ قررها الإسلام قبل خمسة عشر قرنا وتطورت التجربة الانسانية نحوها.
ثالثا:الاسس و المستجدات والحركة في مختلف المجالات التي قام عليها اجتهاد إباحة الفائدة المصرفية: هذه المجالات تشمل النقود وتغير قيمتها الشرائية، وتشمل حصة الزمن في ثمن اللبيع:
أ‌. مراحل تطور النقود: تسلسلت مراحل تطور النقود كوسيلة لتبادل السلع والمنافع كالآتي:
1. مرحلة المقايضة: وهي مبادلة السلع والخدمات بعضها ببعض مباشرة. لها سلبيات تحدث عنها علماء المسلمين، (الإمام الغزالي) قبل الاقتصاديين.
2. مرحلة استخدام النقود السلعية: وهي سلع تعارف الناس على استخدامها بوصفها وسيط في التبادل، وبواسطتها تقاس قيم السلع الأخرى. استخدمت للتبادل الحجارة والحيوانات والحبوب مثل القمح والشعير والأرز والذرة.
3. مرحلة استخدام النقود المعدنية الرخيصة: مثل البرونز والحديد والنحاس. كان استخدامها في البداية كقطع بدون وزن ثابت ولا شكل معين، ثم أصبحت تضرب بشكل محدد وأوزان معلومة. ميزاتها المضافة على النقود السلعية سهولة الحفظ والادخار، وأنها لا تتلف وأنها سهلة الحمل. أبرز سلبياتها وفرتها الشديدة.
4. مرحلة الذهب والفضة: اهتدت الإنسانية لاستخدام الذهب والفضة كنقود. في البداية كان التعامل بالوزن، ثم تطورت إلى نقود معدودة تسمى المسكوكات، أول من أخترعها الليديون وهم من أصل يوناني . تعلم الفرس منهم سك الدراهم الفضية لتوفر الفضة عندهم. والرومان استخدموا المسكوكات الذهبية متأثرين باليونان. وبسبب سيطرة اليونان والرومان والفرس على معظم بقاع العالم القديم، انتشر التعامل بالذهب والفضة وأصبحا النقدين المعتمدين بين الناس.
أهم ما يميزهما ثبات قيمتهما الراجعة لمحدودية كميتهما ؛ و باستخدامهما تغير مفهوم التجارة تغيرا جذريا مما أدى لتوسع التجارة ورقي الخدمات واستقرار الوضع الاقتصادي.
في النظام الذهبي انفصل الإنتاج عن الاستهلاك، ففي نظام المقايضة كان الإنتاج مرتبط بالاستهلاك، صاحب السلعة يبيعها ليحصل مقابلها على سلعة أخرى يحتاجها. أما في النظام الذهبي أصبح بإمكان صاحب السلعة أن يبيعها من غير أن يشتري مقابلها شيئا؛ فأصبح تحصيل النقود أمرا مقصودا لذاته، وهذا أدى إلى نشوء الاكتناز وتحقيق الثروة. عليه أصبحت الدول التي يتوافر فيها الذهب بكثرة تتحكم في الرصيد النقدي العالمي.
من أبرز سلبيات النظام الذهبي، جمود المعروض من الذهب والفضة لندرتهما، مما أدى في أحيان كثيرة وبسبب تطور الحياة الاقتصادية إلى عدم كفايتهما؛ ومن السلبيات ان الدول قد تحتاج إلى كمية كبيرة من النقود لتغطية احتياجاتها الطارئة.
5. مرحلة استخدام النقود الورقية:
مع تطور الحياة الاقتصادية وزيادة عدد السكان ازداد الإنتاج، وزادت ضرورة وجود أثمان لتغطية المتطلبات. وأصبحت قلة المخزون الذهبي أوضح وأوضح، فكان لا بد من الخروج على قاعدة الذهب واستبداله بالنقود الورقية. كانت بداية الحرب العالمية الأولى سنة 1914م هي البداية الحقيقية للتعامل بالنقود الورقية على نطاق واسع، فبسبب التوسع الكبير في النفقات والحاجة الكبيرة إلى الإنتاج لم يعد المخزون الذهبي قادرا على الوفاء به. تطورت النقود الورقية عبر عدة مراحل:
- أول من اكتشفها الصينيون وكانت محصورة في الصين. تطور النقود الورقية المعاصرة بدأ عن طريق الصاغة في أوربا نحو القرن 16 الميلادي. كان الناس يودعون أموالهم من الذهب والفضة لدى الصاغة والصيارفة، وكان هؤلاء يعطونهم بدلا منها صكوكا بقيمة ودائعهم، يصرحون فيها أن من يحمل هذا الصك فله وديعة كذا من الذهب نظير عمولة للصيرفي.
- عند إنشاء المصارف نقلت الفكرة. بنك استوكهولم بالسويد أول من فتح باب التطور للنقود الورقية، ففي بداية القرن 17 بدأ يحرر إيصالات لعملائه بأرصدتهم فيه، ثم تبعته بقية البنوك الأوربية في القرنين 18، 19.
- كانت المصارف في البداية لا تصدر من الأوراق النقدية إلا بقدر رصيدها الذهبي والفضي المجمع من رأسمالها ومن إيداعات الأفراد لديها. ولما وثق الناس بهذه الأوراق وأصبحوا يتبادلونها بينهم من غير الحاجة لصرفها من البنوك بالنقود الذهبية والفضية، ووجدت المصارف أن الذين يودعونها ذهبهم لا يستردون منه إلا جزءا يسيرا، أخذت في إصدار كميات كبيرة من الأوراق النقدية أضعاف رصيدها الذهبي. أسرفت بعض البنوك في إصدارها للنقود ولم تستطيع تغطية طلبات الأفراد فأفلست، منها بنك ستوكهولم.
- لضبط عملية الإصدار النقدي وللمشاركة في فوائده، تدخلت الحكومات وحصرت حق إصدار هذه النقود بمؤسسات خاصة هي البنوك المركزية. ثم فرضت هذه النقود على الناس بالقانون، وألغت النقود الذهبية والفضية، وأبقت على الغطاء الذهبي والتعهد بصرفها ذهبا عند الطلب.
- بعد فترة وجدت الحكومات نفسها في حاجة لأن تصدر من الأوراق النقدية بما يزيد على رصيدها الذهبي، فأخذ البنك المركزي يصدر الأوراق المالية بدون غطاء ذهبي، وأوقفت الدولة الصرف الذهبي، وصارت النقود الورقية إلزامية تستمد قوتها من القانون لا من ذاتها.
بدأ عصر النقود الإلزامية بعد 1931م، حيث توقف نظام التحويل الذهبي، ومنه أصبحت النقود الورقية التي تصدرها البنوك المركزية غير قابلة لأن تستبدل ذهب أو فضة، باستثناء الدولار الذي بقي على نظام التغطية الذهبية، إذ التزمت أمريكا في مؤتمر بريتون وودز لأي دولة لديها دولارات أن تستبدل بها الذهب على أساس 35 دولار للأوقية؛ فأصبح الدولار الأمريكي كالذهب تماما، فحرصت البنوك المركزية في كل العالم على اقتنائه مع الذهب.
- استمر هذا النظام يعمل إلى النصف الأول من الستينات مدفوعا بقوة الاقتصاد الأمريكي؛ ولكن استجدت ظروف مختلفة، منها الحرب الفيتنامية، المشكلات الاقتصادية الأمريكية التي أبرزها العجز في ميزان المدفوعات الذي كانت تسويه بإغراق دول العالم بالدولار الورقي الذي ليس له رصيد ذهبي، فبدأ الشك في الدولار وأخذت دول العالم تحول مخزونها من الدولارات إلى ذهب، فأخذ الاحتياطي الأمريكي من الذهب بالتناقص. وخوفا من المزيد من الاهتزاز للدولار وفقدان أمريكا لرصيدها الذهبي، قررت سنة 1971م في عهد الرئيس نيكسون عدم تقبل تحويل الدولار إلى ذهب. تضررت الدول التي اعتمدت على الدولار، إذ أنها بعد أن اشترت ذهب بسعر 35 دولار للأوقية، إذا بالذهب يرتفع إلى 600 دولار للأوقية.
- من هذا التاريخ أصبح موضوع الغطاء الذهبي للنقود أمرا تاريخيا ليس له وجود واقعي، وأصبحت الورقة النقدية ليس لها قيمة مادية وتستمد قوتها وإلزاميتها من القانون، فاختفى النقد المسكوك من الذهب والفضة من التداول، ولم يعودا يتخذا نقدا، بل أصبحا معدنين يقومان بالنقد الورقي. وكان من ضمن قرارات مؤتمر جامايكا للإصلاح النقدي 1976م استبعاد الذهب من النظام النقدي كاساس لتقدير قيمة العملات، وتحويله إلى بضاعة عادية، وعلى هذا الأساس أفرغ الذهب من معناه النقدي.
من أميز إيجابيات النقود الورقية المرونة في الإصدار والتحكم في عرضها على نحو يكفل مواجهة كل التغيرات المتوقعة على طلب النقود. ومن سلبياتها محليتها، إذ لا تصلح للتعامل في المبادلات الدولية؛ وأيضا إذا أسرفت الدولة في الإصدار فهذا يؤدي إلى التضخم وانخفاض قيمة النقود.
6. النقود المصرفية: هي الودائع تحت الطلب التي تحتفظ بها المصارف في حساباتها، أما من عملية إيداع نقود ورقية، أو من تحويلات مصرفية أو ما تقوم المصارف بتوليده منها؛ ويتم التصرف بها عن طريق الشيكات أو بطاقات الائتمان المختلفة التي ظهرت مع تطور النشاط الاقتصادي.
بدأ ظهور النقود المصرفية في منتصف القرن 19 وهي اختراع بريطاني. فقد لاحظت البنوك أن جزءا يسيرا من الودائع النقدية يسحب على شكل نقود ورقية "حوالي 20%" اذ يتم التعامل بان يضيف البنك ودائع المتعاملين النقدية الجديدة على حساباتهم في البنك دفتريا، ويتصرف في الودائع بالتمويل والإقراض مع الاحتفاظ بجزء منها كاحتياطي نقدي لمواجهة طلبات السحب. استمرار هذه العملية يؤدي إلى زيادة حجم النقود التي يتعامل بها البنك أضعاف ما يتوافر لديه من إيداعات، وهذا ما يعرف بتوليد النقود أو خلق الودائع، وتعتمد أساسا على الثقة بالبنك.
اليوم أصبحت النقود المصرفية أهم وسائل الدفع وتسوى بها معظم الالتزامات، ويزداد الإقبال على النقود المصرفية بمقدار تطور المجتمع، ففي فرنسا كانت نسبة النقود المصرفية في1960م 50% من وسائل الدفع، وفي 1972م أصبحت 70%، وهي في تزايد مع تقدم المجتمع.
لتداول النقود المصرفية يتم تحويلها لنقود ورقية بواسطة الشيكات، وفي الأغلب ينقص البنك وديعة معطي الشيك ويزيد وديعة آخذه دفتريا، من غير استخدام النقود الورقية، مع إمكان حصوله على النقود الورقية إن رغب، وإذا كان الشيك مسحوبا على بنك آخر تجرى عملية تقاص بين البنكين في غرفة المقاصة في البنك المركزي.
احدث استخدام النقود المصرفية نقلة كبيرة في التعامل النقدي، فقد أدت إلى زيادة وسائل الدفع في المجال التجاري والاقتصادي، مما أدى لاتساع الحركة التجارية وتنشيط عملية التنمية وتوسيع حركة الاستثمار والإنتاج.
إصدار النقود المصرفية يجب أن يتوافق مع القوة الاقتصادية وكمية الناتج القومي للدولة، وإلا أدى إلى التضخم وتخفيض قيمة العملة.
ب. تغير النقود والقيمة الشرائية لهاوموقف فقهاء المسلمين منها:
1. النقود في عهد النبي (ص):
أ‌. تعامل المسلمون بنظام المقايضة ونظام السلع النقدية، يدل على ذلك قوله "ص": " الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، سواء بسواء، يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد".
ب‌. قبل البعثة النبوية، لم يكن للعرب نقودا خاصة بهم، ففي العراق واليمن الخاضعتين للسيطرة الفارسية كانوا يتداولون الدراهم الفضية الفارسية وعلى أحد وجهيها صورة الحاكم الفارسي، وعلى الوجه الآخر دكة النار المجوسية. وفي الشام ومصر الخاضعتين للدولة الرومانية، كانوا يتداولون الدنانير الذهبية الرومانية وعلى أحد وجهيها صورة الحاكم الروماني، وعلى الوجه الآخر شارة الصليب.
ت‌. استمر المسلمون في عهد النبي "ص" في تداول الدراهم الفارسية والدنانير الرومانية على نفس صورتهما.
2.النقود في العصر الإسلامي:
 استمر أبوبكر الصديق على نفس النظام الذي سار عليه الرسول "ص"، ولم يدخل أي تعديل على النظام النقدي.
 في البداية سار عمر بن الخطاب على نفس النظام، وفي سنة 18ه بدأ إدخال بعض الكلمات العربية على النقود الفارسية والرومانية المتداولة، فنقش اسمه على بعض الدراهم وادخل عبارات مثل "بسم الله والحمد لله".
 استمر ضرب النقود في عهد الخليفتين عثمان وعلى بنفس الطراز الذي ضربه عمر قبلهم.
 استمر النظام النقدي في الدولة الأموية بنفس طريقته مع إدخال أسماء الخلفاء وبعض الشارات الإسلامية.
 أول من ضرب نقود إسلامية خالصة الخليفة الأموي عبد الملك سنة 76 ه. دفعه لذلك رغبته في إعادة حق الضرب للدولة بعد أن كان الولاة يضربونها، وأيضا النزاع مع الحاكم الروماني جوستنيان الثاني الذي هدد بوضع عبارات تسيء للإسلام على النقود الرومانية.
 في العهد العباسي استمرت الدولة في ضرب النقود على الطراز الإسلامي الخالص. وبدأ استخدام النقود المغشوشة، وهي نقود ذهبية أو فضية ومخلوطة بشيء من المعادن الرخيصة. بدأ نطاق تداول النقود المغشوشة محدودا ؛ ولكن لتطور الحياة الاقتصادية ومحدودية عرض الذهب والفضة، اضطرت المجتمعات الإسلامية إلى التخلي عن الذهب والفضة تدريجيا لصالح النقود المغشوشة ثم الفلوس بعد ذلك.
كان لاستخدام النقود المغشوشة استخداما غير صحيح، ومن غير سياسة نقدية حكيمة ،آثارا سيئة في الحياة الاقتصادية، فقد أدت لارتفاع الأسعاروللهبوط الفاحش في قيمة النقود.
 اختلف المفكرون المسلمون فيما إذا كانت النقود الورقية التي يتعامل بها الناس اليوم قد عرفت في الدولة الإسلامية، فجزم بعضهم بأن الدولة الإسلامية لم تتعامل بالنقود الورقية، وذهب آخرون إلى أن المسلمين عرفوها وتعاملوا بها في بعض المراحل.
3. النقود الاصطلاحية والورقية عند فقهاء المسلمين:
اختلفت آراء الفقهاء بين حصر النقدية على الذهب والفضة وبين إجازة النقود الاصطلاحية، فيما يلي أمثلة:
‌أ. مجيزي النقود الاصطلاحية: فكر في استخدامها عمر بن الخطاب بقوله: لمن حوله من المسلمين: هممت أن أجعل الدراهم من جلود الإبل، فقالوا له إذن لا بعير فامسك.
من الفقهاء المجيزين: محمد بن الحسن من الحنفية (والفتوى في المذهب على قوله)؛ المالكية في القول المعتمد عندهم، الشافعية في قولهم الثاني،النووي، الحنابلة في المعتمد من قولهم ، رجحه ابن تيمية، ابن القيم، الليث بن سعد، يحيى بن سعيد، ربيعة، الزهري، و ذهب إليه أكثر العلماء المعاصرين وأقرته المجامع العلمية الإسلامية.
‌ب. من الفقهاء الذين يحصرون النقدية في الذهب والفضة، أي لا يجيزون النقود الاصطلاحية:
الغزالي: يذكر أن الله قد خلق الدنانير والدراهم حاكمين ومتوسطين بين سائر الأموال لتقدر بهما الأموال.
ابن خلدون يقول: إن الله تعالى خلق المعدنين من الذهب والفضة قيمة لكل متمول.
السرخسي: يذكر أن الذهب والفضة قد خلقا جوهرين للائتمان على أي صفة كانا.
المقريزي: يؤكد أنه لا يعلم في خبر صحيح ولا سقيم على أمة من الأمم أنهم اتخذوا أبدا في قديم الزمان ولا حديثه نقدا غيرهما؛ ويقول: إن النقود المعتبرة شرعا وعقلا وعادة، إنما هي الذهب والفضة وما عداهما لا يصلح أن يكون نقدا، ولا يستقيم أمر الناس إلا بحملهم على هذا.
فريق من العلماء ذهب إلى أن النقود مسألة شرعية لم يتركها الله لإرادة البشر بل حددها وعينها، وجعل الذهب والفضة هما الأثمان والنقود المتداولة، ولم يجروا أحكام النقود على غيرها: منهم:
أبو حنيفة وأبو يوسف، والفتوى عند الحنفية على غير قولهما- المالكية في القول مقابل المشهور، الشافعية في الأصح، الحنابلة في احد قوليهم، النخعي ومجاهد- وذهب إلى القول مجموعة من العلماء المعاصرين.
من الشافعية السيوطي: ذكر عن الذهب والفضة بأنهما قيم الأشياء ولا تقويم بغيرهما.
النووي: إن الفلوس لا يحرم فيها الربا وإن راجت رواج النقود.
الحنابلة: يعرفون الاثمان بأنها الذهب والفضة، ويقولون أن الفلوس لا تدخل في الاثمان وان كانت رائجة.
الشيخ عبد القديم زولو: يؤكد أن النقود يجب أن تكون من الذهب والفضة فقط، وعلى الدول أن تسير على قاعدة المعدنين كما كانت الحال أيام الرسول "ص" و الخلفاء من بعده، وعليها أن تسك الدنانير والدراهم على نفس الوزن الذي كان زمن الرسول "ص" وأن تكون خالصة غير مغشوشة.
‌ج. النقود الورقية مختلف على ثمنيتها:
القائلون بثمنيتها: وهو المعتمد عند معظم علماء المسلمين. تبنته مجموعة من المؤتمرات العلمية الإسلامية والموسوعات الفقهية.وانقسم العلماء الذين قالوا بثمنية النقود الورقية إلى من:
1. عدوا ثمنها دون الثمنية القائمة على النقدين، وعلى هذا الأساس منعوا فيها ربا النسيئة وأباحوا التفاضل.
2. عدوها تقوم مقام النقدين وتأخذ كامل أحكامها.
3. عدوها تقوم اصطلاحية كالفلوس وعدوا ثمنيتها كثمنية الفلوس.
4. هي عملة نقدية قائمة بذاتها، تعامل معاملة الذهب والفضة، إلا أنها شيء آخر غيرهما، والنقدية فيها قائمة كقيامها في النقدين، وهي أجناس متعددة.
القائلون بعدم الثمنية:
- الشيخ ابن بدران- الشيخ الحسين- الشيخ المطبعجي (مفتي الديار المصرية سابقا) الشيخ محمد عليش و آخرون من العلماء المعاصرين- الشنقيطي- الشيخ نصر فريد واصل مفتي الديار المصرية حاليا "1999″- الشيخ حسن أيوب- د. محمد الأشقر- الشيخ الصدر- الشيخ النبهاني.
أثار القول بعدم ثمنية النقود الورقية:
1. عدم جريان أحكام الربا عليها، ولا بأس من بيع بعضها ببعض تفاضلا ونسيئة، ذلك أن منع الربا إنما هو في الأصناف الربوية وهي ليست منها. ومن الأدلة على عدم جريان الربا في غير الأصناف الربوية، الحديث:
عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: "أمرني الرسول "ص" أن أجهز جيشا فنفدت الإبل، فأمرني ان أخذ على قلاص الصدقة "الشابة من الإبل" فكنت آخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة".
روى عن علي بن أبي طالب "أنه باع جملا إلى أجل بعشرين بعيرا".
روى عن ابن عمر أنه اشترى راحلة بأربع رواحل ورواحله بالربذة.
2. تجب زكاتها عند البعض ولا تجب عند البعض الآخر حسب تكييفهم لها.
3. عدم جواز استخدامها رأس مال في السلم والشركات والمضاربة.
4. عدم جواز بيعها ببعضها عند من قال بأنها سندات دين، لأنه يصبح من باب بيع الدين بالدين، وهو منهي عنه.
‌د. .ثمنية النقود المصرفية:
القائلون بالجواز:
ذهب فريق من العلماء إلى جواز توليد المصارف للنقود المصرفية. وذهب فريق إلى الجواز المشروط، التي منها مشاركة الأمة المصرف فائدة النقود المصرفية، واقترحوا أن يكون لها طبيعة الفيء بحيث يكون للمصرف خمسها والباقي يوزع حسب مصارف الفيء.
القائلون بعدم الجواز:
ذهب فريق من العلماء المعاصرين الى أنه لا يجوز للمصارف التجارية أن تولد النقود المصرفية، لذا فإنهم لم يعدوا هذه النقود من الأثمان. على أساس أن المصارف بتوليدها للنقود المصرفية تقرض ما لا تملك، فهي تعطي نقودا وهمية وتربح ربحا غير مشروع بهذه الطريقة.
‌ه. مفهوم حصة الزمن في ثمن البيع: وتوضحه ممارسة البيع بالتقسيط بسعر اكثر من النقدي، وكذلك القاعدة الفقهية للزمن حصة من الثمن في البيع:
1. البيع بالتقسيط: وهو نوعان:
قد يكون بسعر البيع النقدي، وهذا متفق على جوازه.أو يكون بسعر أكثر من النقدي؛ من يجيزه من الفقهاء يشترط
الاتفاق على ثمن معين ولا يترك مبهم. ذهب إلي ذلك: ابن عباس- عطاء بن رباح- الحكم وحماد- طاؤوس- الزهري- قتادة- سعيد بن المسيب-الأوزاعي- الثوري- وبه أخذ جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة. ومن أقوال الفقهاء في هذا: نقل عبد الرازق في مصنفه عن الزهري وطاؤوس وقتادة وسعيد ابن المسيب: "لا بأس بأن يقول أبيعك هذا الثوب بعشرة إلى شهر أو بعشرين إلى شهرين، فباعه على أحدهما قبل أن يفارقه فلا بأس به".
الأدلة المستند عليها لجواز البيع بالتقسيط بزيادة الثمن:
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ " وبيع السلعة بثمن مؤجل مع الزيادة مما تنظمه هذه الآية، لأنها من المداينات الجائزة فتكون مشروعة بنص الآية- الشيخ عبد العزيز بن باز- مجلة البحوث الإسلامية.
- ومن السنة: ورد عنه "ص": "أنه أمر عبد الله بن عمرو بن العاص أن يجهز جيشا، فكان يشتري البعير بالبعيرين إلى أجل".
- وروي عن ابن عباس: "أن النبي لما أمر بإخراج بني النضير جاء أناس منهم إلى النبي وقالوا إن لنا على الناس ديون لم تحل، فقال "ص": ضعوا وتعجلوا" قال ابن عابدين: الحديث يدل على أنه لو بيع شيء بالنسيئة واضطر المشتري للسداد قبل الاستحقاق يجوز تخفيض الثمن بمقدار يتكافأ مع المدة التي تقلل تاريخ السداد الفعلي عن تاريخ الاستحقاق، فإذا جاز التخفيض لقاء التعجيل فلا يمتنع عقلا من جواز الزيادة لقاء التأجيل.
2. اخذت الهيئة العليا للرقابة الشرعية ببنك السودان المركزي بالقاعدة الفقهية (للزمن حصة من الثمن في البيع) في ابريل 1997 للعمل بها في اقساط سداد المرابحة. لكن الغريب ان منشور البنك المركزي للعمل بالفتوى لم يصدر الا في فبراير 2010!!
باستعراض الاسس والمستجدات المذكورة في هذا البند (ثالثا) فإن:
- مراحل تطور النقود الست المذكورة توضح بصورة قاطعة، ايدتها التجربة العملية، ان مسألة تحديد النقد المعتمد للتبادل في أي مجتمع أو دولة يعتمد على حالة تطورالاقتصاد في العالم.
- تغير النقود الذي يفرضه تطور الاقتصاد العالمي، اصبح واقعا أخذت به الدول الإسلامية وتناوله فقهاء المسلمين وادلوا فيه بدلوهم، وفي عهد النبي(ص) تعامل المسلمون بالدارهم الفارسية والدنانير الرومانية وهي تحمل صورة الحاكم الفارسي ودكة النار المجوسية، وتحمل صورة الحاكم الروماني وشارة الصليبيين. النقد المستعمل في الدولة الإسلامية في مختلف العهود لم يختلف عن نقد التبادل الذي فرضته وقتها حالة تطور الاقتصاد العالمي. الجدير بالملاحظة هو ان الاقوال المنقولة والمنسوبة لعدد من فقهاء المسلمين والتي يحصرون فيها الثمينة في نوع معين من النقود (واكثرهم تناول الذهب والفضة)؛ هذه الاقوال على رصانة وفقه قائليها، يستحيل في واقع اليوم الذي حلت فيه النقود المصرفية، الاخذ أو التعامل بها كنقود.
رابعا: سعر الفائدة:
تلعب الفائدة دورا كبيرا في الحياة الاقتصادية المعاصرة، فهى اداة الدولة في تطبيق السياسة النقدية وهي محور العمل البنكي، وهي وسيلة رئيسية في تحفيز الادخاروتمويل الاستثمارات، كما تلعب دورا في التوازن بين الادخار والاستثمار.
ان الدور الذى تلعبه الفائدة لا يمكن الاستغناء عنه في الاقتصاد الحديث، كما لا يوجد شيء آخر يقوم مقامها، فالبدائل التي حاولت المصارف الإسلامية استخدامها لتفاديها تستبطن في داخلها مفهوم الفائدة.
المفهوم الجوهري الذي تقوم عليه الفائدة هو أن القيمة في الحاضر اعلى منها في المستقبل، وان القيمة تتناقص بمرور الزمن. أى ان قيمة الشيء الى نزول بمعدل ما. وللفائدة دور جوهري في العمل المصرفي، فهي:
1. تصون قوة النقود الشرائية وتحافظ على قيمتها، أو قدر منها. قيمة النقود تتآكل مع مرور الزمن بفعل التضخم وفقدان قيمة النقود.
2. ضرورية لتغطية نفقات العمليات والخدمات البنكية.
3. الفائدة مقابل لاستعمال الاموال، وتعويض عن فرص الربح الفائتة. وهي تشجع المقرض لانها تكافؤه على التوظيف الذي قام به وعن امتناعه عن التمتع الآني برأسماله .
4. تحفز اصحاب الأموال لايداعها في البنوك، وبالتالى تتيح القروض المطلوبة لتمويل المشروعات.
5. تعويض عن المخاطر التي يتحملها المشروع.
النصوص وأقوال الفقهاء المستند عليها في اباحة الفائدة المصرفية:
1. الأسلام يمنع ويحارب الاستغلال، فالنبي(ص) يقول:"غبن المسترسل ربا"، والمسترسل هو الذي لا يعرف قيمة الاشياء لجهله أو لغفلته أو لأنه غريب. وفي ذات السياق، وصف أبن عربي كل ربح أو كسب يزيد عن المثل بانه ربا.
2. الإمام ابن القيم: يقسم الربا إلى نوعين:
‌أ. جلي: وهو ربا النسيئة الذي كان معمولا به في الجاهلية.
‌ب. خفي: وهو ما حرم سدا لذريعة التوصل إلى الربا الجلي. ويقول:"أن ما حرم سدا للذريعة أخف مما حرم تحريم المقاصد". وأن "ما حرم سدا للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة". و"أن تحريم ربا الفضل كان سدا للذريعة. وما حرم سدا للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة".تأثر بعض الفقهاء المعاصرين بهذا الرأي، منهم: أبو الأعلى المودودي، الشيخ محمد رشيد رضا، د. عبد الله دراز، د. بدوي، د. محمد فاروق النبهان.
3. يقول القرطبي: في قوله "وحرم الربا" الألف واللام هنا للعهد، أي ما كان معهودا وتفعله العرب عند التنزيل. أى ان الربا المحرم هو الذى كان معهودا في الجاهلية.
4. ذكر السيد محمد رشيد رضا: إن التفرقة بين ما ثبت بنص القرآن من الأحكام، وما ثبت بروايات الآحاد واقتبسه الفقهاء ضرورية، فالمراد في الربا فيها "آية الربا" ما كان معروفا في الجاهلية من ربا النسيئة، أي ما يؤخذ من المال لأجل الإنساء أي التأخير في أجل الدين ويزيد في المال، وكان يتكرر ذلك حتى يكون أضعافا مضاعفة، فهذا ما ورد في القرآن تحريمه ولم يحرم فيه سواه.
5. قال الحنفية: إن "ال" للعهد، فإن الآية حينئذ لا تدل إلا على تحريم ربا الجاهلية، وتحريم غيره يحتاج لدليل قطعي، لأن القاعدة: إن الزيادة على النص نسخ، ونسخ القرآن بخبر الآحاد لا يجوز.
6. يقول الفخر الرازي إن "ال" في الربا هي للعهد. ويضيف الشيخ عبد العزيز شاويش: "أي أنها تتناول العقد المخصوص الذي كان مسمى فيها بينهم "العرب" بأنه ربا. وأن هذا الربا المعروف هو ربا النسيئة المضاعفة، وأن الربا الذي ليس فيه مضاعفة، كأن يحصل القرض بفائدة قليلة لم يؤخذ تحريمه من الكتاب الكريم ، وإنما أخذ من القاعدة الأصولية القاضية بإعطاء القليل حكم الكثير سدا للذرائع وإغلاقا للباب بالمرة.
7. بعض الباحثين المعاصرين يقصر الربا على القروض الاستهلاكية. أما القروض الاستثمارية التي يحصل عليها الأغنياء والشركاء وتدر عليهم ربحا كثيرا فليست من الربا المحرم- منهم د. الدواليبي، ويستند هؤلاء على أن العرب قبل الإسلام لم يكونوا يعرفون القروض الاستثمارية، وأن الفقهاء يعللون تحريم الربا بأنه ظلم لمحتاج.
8. البعض أجاز الفوائد التي يدفعها صندوق التوفير:
- يعد الشيخ محمد عبده أول القائلين بهذا، كما يذكر الشيخ عبد الوهاب خلاف، حيث نسب له: "ولا يدخل الربا الذي لا يشك فيه من يعطي آخر مالا يستغله ويحصل له من كسبه حظا معينا. لأن مخالفة قواعد الفقهاء في جعل الحظ معينا قل الربح أو كثر، لا يدخل ذلك في الربا الجلي المركب المخرب للبيوت. لأن هذه المعاملة نافعة للعامل ولصاحب المال معا. وذلك أن الربا ضار بواحد بلا ذنب غير الأضرار، ونافع لآخر بلا عمل، فلا يمكن أن يكون حكمهما في عدل الله واحد".
- والشيخ محمد شلتوت أفتى بحل أخذ المسلم نصيبه من أرباح صندوق التوفير لأن المودع يقدم المال لمصلحة البريد، وهو يعلم أنها تستغل الأموال المودعة لديها في مواد تجارية ويندر فيها إن لم يعدم الكساد والخسران.
- والشيخ علي الخفيف يعرف الربا بأنه أخذ مال في معاوضة مالية بدون مقابل. ويقول هذه المعاوضة ليست قائمة في التعامل مع الصندوق. فإيداع المال لدى الصندوق عقدا يراد به الاستثمار. والصندوق يحدد جزء ثابت من الربح لصاحب المال. ويلاحظ أن الخسارة بعيدة الاحتمال ويخلص إلى أن المعاملة مع الصندوق ليست ربوية يحرمها الشرع
9. الشيخ محمد عبده أفتى على قاعدة أن الله أراد بالناس اليسر لا العسر، وأن الفائدة غير الربا، وأن الربا المحرم دينا هو المحرم قانونا والمحسوب جناية.
10. يقول الشيخ إسماعيل خليل: فلم يعد الفقير هو الذي يقترض من الغني فإذا عجز عن السداد أصبح عبدا له، كما كان الحال في القرون الوسطى. وإنما أصبح الفقير الآن هو الذي يداين الشركات الكبرى والمصارف، كما أن هذه الشركات الكبرى والمصارف تطلب ذلك لتنتفع بما تقترضه في إدارة أعمالها ومشروعاتها.
11. د. توفيق صدقي: صرح بتحليل الفائدة المصرفية وأنها ليست من الربا المحرم. فالربا هو استغلال الغني حاجة الفقير. ولم ترد رواية واحدة عن العرب تنافي هذا. ويؤيد هذا من القرآن:
‌أ- أن القرآن يقابل الربا بالصدقات في أكثر من موقع "ويمحق الله الربا ويربي الصدقات"، و" وما أوتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله. وما أوتيتم من زكاة تريدون وجه الله". فالصدقة ما يعطيه الغني للفقير، والربا ما يعطيه الفقير للغني.
‌ب- آيات تحريم الربا وردت دائما فيه سابقة أو لاحقة أو ممزوجة بالحث على الإنفاق في سبيل الله، والحض على بذل المال للفقراء.
12.
- النصوص السالفة الذكر تحوم حول معاني هامة يستند عليها في اباحة سعر الفائدة المصرفية، اهم هذه المعاني:
- الربا المحرم بلا خلاف هو ربا الجاهلية، وما عداه غير متفق على تحريمه. أما الفائدة المصرفية فمباحة، والذين يحرمونها اعتبروها ربا لأن فيها زيادة في المال، وهذا بالقياس دونما اعتبار للفوارق الجوهرية بين الربا والفائدة المصرفية. ودونما اعتبار لتغير طبيعة النقود، من نقد يحمل قيمة وله قوة شرائية محفوظة، الى نقد اصطلاحي ليس له قيمة وقوته الشرائية في حالة نقصان مستمر.
- الفرق بين القروض الاستهلاكية من أفراد بدون عهد اتفاق محدد بين الطرفين، الشيء الذي يستغله المقرض لوضع شروط مجحفة على المقترض، ما ينتج عنه عواقب وخيمة. هذا مقارنة مع القروض الاستثمارية بعقد مع شركة(البنك)، بصيغة واضحة محدودة البنود تدر بالنفع على الطرفين كما في الفائدة المصرفية. هذه القروض التي يقترضها المستثمرون واصحاب الاعمال والضمانات والملاءة المالية، من اصحاب الودائع ومنهم محدودى الدخل.
خامسا: رواد حركة البنوك الإسلامية يتحدثون عن تقييم تجربة البنوك الإسلامية:
د. أحمد النجار: ويلقب بابو البنوك الإسلامى. قام بتقييم عام للتجربة،من النقاط الأساسية التي أوردها:
1. التنظير كان محدودا للغاية في حقل الاقتصاد الإسلامي عند نشأة فكرة البنوك الإسلامية، فحتى حقبة الستينات لم نجد بين أيدينا سوى كتاب "اقتصادنا" لباقر الصدر، وهو لا يستمد قيمته من مادته بقدر ما يستمدها من ريادته وسبقه. وكتاب "محاضرات في النظم الإسلامية" للدكتور عبد الله العربي الذي عرض في القسم الثاني منه للإجابة على سؤال: هل هناك اقتصاد إسلامي؟ حيث أورد مجموعة من الكليات والمبادئ الأساسية التي يقوم عليها الاقتصاد الإسلامي.
وفي محدودية التنظير ذكر حقيقة أن تطبيق تجربة البنوك الإسلامية قد سبق التنظير بمعناه المعروف، فقد بدأت التطبيقات برصيد محدود من التأصيل الفكري، سواء فيما يتعلق بمفهوم وأبعاد وحدود الاقتصاد الإسلامي "الإطار الفكري العام"، وفيما يتعلق بمفهوم ووظيفة البنك في الفكر الاقتصادي الإسلامي.
2. الحاصل في البنوك الإسلامية زيادة نسبة الاستثمار بالمرابحة والتوسع في استعمال هذه الصيغة إلى حد كبير على حساب الصيغ الأخرى ذات الطابع الإسلامي المميز والمرتبط بصورة واضحة بالأساس النظري في الاقتصاد الإسلامي مثل صيغة المضاربة والمشاركة والإيجار.
ويذكر عن بيع المرابحة للأمر بالشراء "صيغة مستحدثة تتعامل بها معظم إن لم يكن كل البنوك الإسلامية"،
ان الدكتور حمود استحدث تسمية هذه العملية بيع المرابحة للآمر بالشراء. ودار حول التكييف الشرعي لهذه العملية جدل طويل، واستخدام هذه الصيغة وما دار حولها من محاولات تصحيحها وإيجاد مخرج لها قد دفع إلى ما يسمى بالتلفيق بين المذاهب، إذ أخذ في إباحة العملية ابتداء برأي للإمام الشافعي، ثم أكمل انتهاء برأي مرجوح من المذهب المالكي، وعملية التلفيق كما هو معروف في أصول الفقه غير جائزة.
3. انتقد التوظيف الخارجي للبنوك الإسلامية والأولى استفادة الدول الإسلامية من التمويل:
يتراوح رصيد عمليات التوظيف الخارجي للبنوك الإسلامية ما بين 18/ 43% من إجمالي التوظيفات. و بلغت في سنوات 79/ 1980م في بعض البنوك 69% من إجمالي التوظيفات.
4. وقال: إن هناك خروجا عن الوظيفة الأصلية للمؤسسة المالية الإسلامية وانتهاكا للأسس النظرية التي تشكل كيانها وتميزها في خدمة التنمية والإنتاج. وقال: البنوك الإسلامية في الأصل والأساس أجهزة تستهدف التنمية، ولأنها تعمل في إطار الشريعة، فإنها لا تقف عند حد الامتناع عن الربا بل تقف بالضرورة وبأمر الشارع في قلب العملية الإنتاجية، بل إن قربها وبعدها عن الإسلام الذي تنتمي إليه إنما يقاس بدرجة إسهامها في العملية التنموية والإنتاجية واتصالها أو انفصالها عنها. فقد قرر المؤتمر العام للبنوك الإسلامية "اسنطبول 18- 21 أكتوبر 1986م"، المادة 4 "أ":
تأكيد أن وظيفة المصارف الإسلامية ( بعد الحرص على تطبيق الشريعة الإسلامية بالدرجة الأولى) هي التنمية بمفهومها الشامل.
5. ومن العقبات التي أظهرتها التجربة وذكرها النجار ان:
المناخ في الدول الإسلامية غير مواتي لقيام البنوك الإسلامية لان حجم التجارة الخارجية للدول الإسلامية مع الغرب يشكل 95% من جملة تجارتها الخارجية.
6. وعن تجربة بنك فيصل الإسلامي في السودان قال:
كان كثير من أصحاب الاتجاهات الإسلامية التي ساندت فكرة إنشاء البنك بالسودان يتصورون أن البنك لا بد وأن يكون مزرعة لأبناء أحزابهم وجماعاتهم، وبمفهوم الحجر والوصاية، التي لا تكاد تبرا منها جماعة إسلامية. كانوا يرون أن كوادر الجماعة الذين تربوا في أحضانها هم الأكفأ والأقدر على حراسة فكرة البنك وفلسفته والقيام على إدارته. وكنت أرى في ذلك أمرا غاية في الخطورة ومعول أكبر لتهديد نجاح البنك ولهدم فكرته. وكنت أرى أن البنك مؤسسة للمجتمع كله وليس لطائفة أو فريق أو شريحة منه، وإن أقرب طريقة لدمار البنك هو أن يصطبغ أو حتى أن يشاع عنه أنه مؤسسة نوعية أو طائفية.. فما لبثت هذه الجبهات أن تسللت بدعم رئيس البنك وموافقته إلى الوظائف العليا الحاكمة في البنك والتي لم تكن ضمن برنامج الانتقاء… وما لبث هؤلاء إن ملئوا البنك بالكوادر المنتمية إليهم. وما لبث البنك أن دفع ثمنا غاليا من جراء هذه السياسة، ذلك أنه مع كل تغيير سياسي كان يتجرع الصاب والعلقم إلى حد اعتقال وحبس ومصادرة حرية وحركة الكثير من قياداته الأمر الذي انعكس بشكل مؤسف على أداء البنك فيما بعد.
في الخرطوم انعقد المؤتمر العام الثاني 25- 27 أكتوبر 1988م وفي أثناء المؤتمر جمعتنا جلسات مع فخامة السيد أحمد الميرغني رئيس مجلس رأس الدولة آنئذ والسيد الصادق المهدي رئيس الوزراء، وفهمت منهما في هذه الجلسات أنهم يأخذون بشدة على مجموعة البنوك الإسلامية في السودان كثيرا من الأمور على رأسها التحيز الطائفي أو قل الحزبي في معاملاتها وإهمالها التركيز على المشروعات التنموية، واتجاهها إلى العمليات التجارية التي تولي الربح اهتماما يغلب على أي بعد اجتماعي بالإضافة إلى كثير من الممارسات الخاطئة التي تخرج بهذه البنوك عن قوانين إنشائها التي تنص على الالتزام بالشريعة الإسلامية. وشكوا لي كثيرا من أن قضية تنمية المجتمع المحلي لا تكاد تكون واردة على بال أو على أجندة أعمال مجموعة البنوك الإسلامية بالسودان. وفهمت من السيد الصادق المهدي أن إجراءات يجري ترتيبها لأخذ البنوك الإسلامية بالشدة التي تعيدها إلى جادة الطريق.
ندوة البركة الرابعة والعشرين للاقتصاد الإسلامي
مكة المكرمة 25- 27 أكتوبر 2003م
المصارف الإسلامية الواقع المأمول
الشيخ صالح الكامل
وردت في ورقته النقاط الآتية:
(1) لقد ركزت المصارف الإسلامية جهدها على الفرار من الربا ولكنها وبكل أسف لم تبرز لنا بوضوح الفوارق بين ثمرة تطبيق النظام المصرفي الإسلامي ونتاج العمل الربوي نتيجة لمحدودية نجاح هذه المصارف في استخدام الموارد بعيدا عن محاكاة البنوك التقليدية، ولأنها جعلت النقود محلا للتعامل وليس أداة للتعامل، ولأنها في خضم منافستها للمصارف التقليدية محليا وعالميا أهملت الاهتمام بقضايا الأمة الكبرى مثل تخفيف المعاناة في مجال الفقر ومحاربة البطالة وإيجاد فرص عمل للناس، والأدهى والأمر أن هناك بعض الأقلام انبرت للحديث صراحة عن عدم مسئولية البنوك الإسلامية عن هذه القضايا، وأنا من الأوائل الذين دعوا إلى تطبيق النظام المصرفي الإسلامي وعملوا لذلك، أشهد بأن منهجنا النظري يبشر بذلك ويدغدغ أحلام الجماهير بالتطهير من الربا والأعمار والتنمية معا.
(2) إن اهتمامي بموضوع البحث عن نماذج أخرى غير نموذج البنك كإطار لتطبيق تعاليم الإسلام في مجال الاقتصاد والاستثمار هو اهتمام قديم اطلع على معالمه الأساسية كثير من الحاضرين لهذه الندوة، وأصدقكم الحديث إني لا زلت أبحث عن إطار آخر منسجم تماما مع المبادئ الشرعية والتنموية المنظمة للاستثمار، وذلك لأن الصيغ الاستثمارية المفضلة لدى البنوك الإسلامية أصبحت هجينا من القرض والاستثمار وهو هجين يحمل معظم سمات القرض الربوي وعيوب النظام الرأسمالي الغربي، ويعجز عن إبراز معالم الاستثمار الإسلامي المبني على المخاطرة وعلى الاستثمار الحقيقي الذي لا يعترف بضمان رأس المال أو عائده.
(3) إن النتيجة المنطقية لذلك الاتجاه الخاطئ هو تكريس التمويل تجاه الموسرين وذوي الملاءة من الذين يملكون الضمانات بأنواعها، وجعلنا المستثمر وحده يتحمل مخاطر الاستثمار ولا يشاركه فيها المصرف، ولم نراع في تمويل العميل الجدوى الاقتصادية لمشروعه بل اكتفينا بالتأكد من قوة الضمانات، ولم نهتم إذا كان التمويل التجاري يسبب آثارا تضخمية أم لا و أنه يربك نظام الأولويات والضروريات أم لا، وهكذا ودون أن ندري أفرغنا العمل المصرفي الإسلامي من مضامينه الحيوية وأهدافه الإستراتيجية والتي تتجاوز مسألة اجتناب الربا إلى المساهمة الفاعلة في تنمية المجتمعات الإسلامية وزيادة إنتاجها.
(4) أحسست بالحاجة الماسة لسوق رأسمالي إسلامي يستطيع وبكفاءة تحويل الأموال قصيرة الأجل والتي تشكل معظم هيكل الودائع بالبنوك الإسلامية إلى أموال طويلة الأجل تمول المشروعات أو الابتكارات والاختراعات الحديثة عبر آلية قوامها إيجاد سوق نشطة تطمئن المدخر والمستثمر على إمكانية تسييل استثماراته عند الحاجة بسهول ودون خسائر.
(5) أما عن رصيدنا نحن في المؤسسات المالية الإسلامية فلا أملك إلا أن أشكو بثي وحزني إلى الله، والله لقد حفيت أقدامي وأنا أسعى بين البنوك الإسلامية طارقا كل باب، طارقا كل ما يجعل هذه المؤسسات تتعاون وفق آليات مشتركة حتى تحمي نفسها وتحقق مصلحتها وتزيد حصتها، وبذلت أفكاري و مؤسساتي ومصالحي مهرا لهذا التقارب المنشود ولم أقبض غير الريح.
(6) لقد خاطبت حفل البنك الإسلامي للتنمية عند تكريمي بمناسبة فوزي بجائزة البنك الإسلامي للتنمية في أكتوبر 1997م قائلا: "اسمحوا لي بأن أصارحكم بأن التكريم الذي يملأني بالزهو والفخر ويزيدني رضا هو يوم أن يتطور التطبيق في إطار المفهوم الأصلي والواجب الأساسي للبنوك الإسلامية بأعمار الأرض وتقليل البطالة وإغناء الفقراء، يوم تتحقق كل الأهداف السامية التي بشرنا بها الناس ابتداء". كما ذكرت في تلك الليلة: "إن التوسع في الصيغ مضمونة رأس المال و الفائدة ثغرة سوف تفتح المجال واسعا لاستخدام العديد من الحجج المنطقية ظاهرا لتبرير وتحليل الفوائد المصرفية". واليوم وبعد مرور ست سنوات على قولي ذاك أرى نبوءتي تلك وللأسف تتجسد في واقع العمل المصرفي الإسلامي، وأحلامي وأمنياتي تتباعد عن الواقع ولا حول ولا قوة إلا بالله.
المصارف الإسلامية ما لها وما عليها
الشيخ صالح بن عبد الرحمن الحصين
1. إن الربا نظام متحيز لناحية الجدارة والائتمان وليس لناحية الجدوى الإنتاجية فكلما كانت الجدارة الائتمانية للشخص أكبر كان معدل الربا الذي يدفعه أقل وفرصته في الحصول على التمويل أعظم.
وهذا هو العامل الأهم في انسياب أموال العالم الإسلامي إلى الأسواق المالية الغربية التي هي أقل إنتاجية بحكم حدة المنافسة، وأقل حاجة للمال، وفي أن يحرم منها العالم الإسلامي الذي من المفروض أن يكون الاستثمار فيه أكثر إنتاجية وهو على كل حال أكثر حاجة لرأس المال. والمفروض أن المصرف الإسلامي الحقيقي – إن وجد- بإطراحه الربا شكلا وجوهرا وباتخاذه آلية مختلفة للتمويل، سيجبر رأس المال على تغيير مساره.
2. ويفترض أن المصرف الإسلامي الحقيقي إذا وجد، باتجاهه إلى المعاملات المقصودة لذاتها – وليس لأن تكون وسيلة للتمويل نسيئة مقابلة زيادة لأجل النسأ- سوف يحقق العدل بين الممول ومتلقي التمويل سواء تم ذلك في عقود المشاركات أم في عقود معاوضات كالسلم والاستصناع المقصودين لذاتهما.
3. فمن حيث تهيئة الموارد فلا شك أن المصارف الإسلامية نجحت في الجملة فهي لا تشكو من شح الودائع تحت الطلب ولكن العامل الذي ساعدها في ذلك عامل خارجي هو التفضيل العاطفي الناشئ لدى المودعين عن كراهية الربا ومؤسساته، ولكن أعاق نجاحها من الناحية العملية عدم قدرتها على منافسة البنوك الربوية من حيث قيمة العائد على الاستثمار.
4. بعد أمثلة لمعاملات في البنك الإسلامي:
واضح أنه في كل الأمثلة لم يكن للمصرف الإسلامي في شراء السيارة ثم بيعها للعميل، أو إبرامه لعقد استصناع الطائرة أولا مع الصانع بصفته مستصنعا ثم مع العميل بصفته صانعا، أو شراء البيت ثم تأجيره على العميل، لم يكن له في كل هذه العمليات غرض سوى إدانة النقود بأجل في مقابل ثمن الأجل أي أن غرض المصرف الحقيقي أن تكون النقود محلا للتعامل وليس أداة للتعامل. أما عمليات الشراء والبيع والاستصناع والتأجير فما هي إلا أدوات لإدانة النقود بمقابل ثمن الأجل، وقد لجأ إليها فقط للفرار من الربا. معنى ما تقدم أن آلية العمل في المصارف الإسلامية في منح التسهيلات لا تختلف عن آلية العمل في المصارف الربوية في الجوهر ولا في الآثار الاقتصادية لاستخدام الموارد، إنما تختلف في الشكل والصورة وبما أنها تتم في المصارف الإسلامية بصورة تشهد لها الهيئات الشرعية بأنها مباحة فأثرها الهام طمأنة الضمير الخلقي للمسلم بعدم ارتكابه للربا في سبيل حصوله على التسهيلات.
عليه وإذا كان كل ما تقدم صحيحا، ويجب أن يكون صحيحا، فإن الاتجاه العام السائد للبنوك الاسلامية لن يسمح لها بتحقيق أهدافها الموضحة سابقا.
5. فلا يمكن أن يكون المصرف الإسلامي في وضعه الحالي بديلا عن البنك الربوي، وإنما يمكنه أن يتعايش مع البنوك الربوية بشرط بقاء الدوافع العاطفية للمتورعين عن الربا على تأثيرها كقوة خارجية تسند المصارف الإسلامية في مجال تنازع البقاء.
فقد عجزت المصارف الإسلامية عن تحقيق أي من المبادئ القرآنية الثلاثة للتعامل في المال أفضل مما يحققها التمويل بالربا.
عند مقارنة نظام المرابحة بنظام الفائدة نرى أن نظام المرابحة أكثر كلفة من نظام الفائدة في حين أن عائد المرابحة يقل عن عائد الفائدة أو على الأقل لا يزيد عنه.
إذا كانت المصارف الإسلامية لم تستطع حتى الآن تحقيق أهدافها، وكان ذلك بسبب أن الاتجاه العام السائد لديها في استخدام الموارد لا يمكنها من ذلك على نحو ما وضح فيما سبق فإن النتيجة المنطقية لذلك أنها لن تحقق في المستقبل ما عجزت عنه في الماضي.
والواقع يثبت أن المصارف الإسلامية بهذا الاتجاه ظلت تقترب من البنوك الربوية شيئا فشيئا.
تقويم دور المصارف الإسلامية في تطوير العمل المصرفي
الدكتور رفعت العوض
(1) نظام الفائدة أوجد ثمنا لرأس المال "النقدي"، هذا له أهمية عميقة، بل قد يكون أهم الأمور في نظام الفائدة. هذا الثمن لرأس المال لم يقتصر على الاقتراض من البنوك وإنما له تطبيقاته الواسعة في الاقتصاد على المستوى المحلي والدولي.
هذا البعد في نظام الفائدة وهو أنه ولد ثمنا لرأس المال، وثمن له تطبيقاته المتعددة وله تشابكاته وارتباطاته الكثيرة، بل أن هذا الثمن نظم شبكة اتصالات بين الأنشطة الاقتصادية. وكذا بين الدول.
(2) نظام المشاركة بديل لنظام الفائدة، وهو بديل اعتقد في كفاءته، بل اعتقد أنه الأكفأ. ولكن نظام المشاركة لم يتولد عنه أهم ما في نظام الفائدة وهو "الثمن". وعندما يقال أهم ما في نظام الفائدة فإن هذا حقيقي ومقصود وذلك بسبب الدور الاقتصادي الخطير الذي يقوم به معدل الفائدة.
شرط النجاح لنظام المشاركة هو أن يتولد عنه ثمن يؤدي الوظائف التي يؤديها معدل الفائدة ولكن بآلية تتفق مع هذا النظام. بل إن هذا الأمر هو أحد المقاييس التي يقاس بها كفاءة هذا النظام، وكذا يقاس بها تطويره للعمل المصرفي.
(3) صيغ العقود المالية " من الفقه الإسلامي" لها كفاءتها الاقتصادية. ولكن السؤال هو: ما مدى ملاءمة هذه العقود على النحو الذي نظرت به في كتب الفقه للتطبيق في المصارف؟ وبعبارة أخرى: ما مدى ملاءمة هذه العقود لأن تصبح صيغا مصرفية؟
هذا السؤال موضع بحث منذ أن ظهرت المصارف الإسلامية، ولا يمكن القول بأنه حسم، أو قيل فيه القول الفصل. بل إنه يمكن القول بأن موضوع هذا السؤال أحد أسباب المشاكل التي تواجه المصارف الإسلامية. يعني ذلك أنه كان المطلوب إعطاء درجة أهمية لموضوع هذا السؤال، وبقاء هذا السؤال معلقا دليل على أنه لم يعط هذه الدرجة من الأهمية.
4. من القضايا الفقهية المثارة قضية العقود المسماة والعقود غير المسماة. وهي قضية معروفة في عناصرها وأبعادها التنظيرية والتطبيقية، وهي معروفة أيضا بانقسام الآراء حولها.
تبني المصارف الإسلامية الرأي القائل باستحداث عقود جديدة غير مسماة كان من الممكن أن يتيح لها صيغا تتلاءم بدرجة أكبر من العمل المصرفي، وبعبارة أخرى كان من الممكن أن ينتج لها صيغا ذات طبيعة مصرفية.
5. تعتبر الزكاة هي الوسيلة الرئيسية التي أدت بها المصارف الإسلامية الدور الاجتماعي، وقد يصح القول أنها الوسيلة الوحيدة.
وسائل التمويل الإسلامي
مقترحات نحو مزيد من التطوير والفاعلية
د. عبد الرحمن يسري
1. التجديد كان أمرا في غاية الأهمية لأدوات عملت بكفاءة في القرون الوسطى في تمويل التجارة الداخلية والخارجية، وظل بعضها شائع الاستخدام إلى عهد قريب. لكن الظروف الاقتصادية المعاصرة اختلفت والبنوك الإسلامية ليست فقط مؤسسة جديدة، بل كان متوقعا لها أن تدخل في منافسة شديدة مع البنوك العاملة بنظام الربا. وعملية التجديد لم تكن سهلة بأي منظور.
2. استخدام أدوات التمويل الإسلامي التقليدي ظل معتمدا على ظروف:
‌أ. المعاملات القائمة على المعرفة الشخصية والتقدير الشخصي أو النفقة الخاصة من جهة الممول بالنسبة للمستفيد من التمويل.
‌ب. العقود الثنائية أو المحدودة العدد من الأفراد في إطار الالتزامات أو المسئولية غير المحدودة للمتعاقدين.
‌ج. بالآجال القصيرة أو الطويلة المحدودة بصفة قطعية.
هذه المواصفات كانت ملاءمة للمعاملات المحلية على مستوى القبيلة والقرية والمدنية الصغيرة.
فالمعلومات عن الأشخاص متوافرة، وكان الناس عموما أكثر تمسكا بأخلاقيات الإسلام. من جهة أخرى فإن اقتصاديات الأقطار الإسلامية المعاصرة، بالرغم من تخلفها، شهدت وتشهد قيام أنشطة حديثة "صناعية وخدمية وزراعية" تحتاج إلى تمويل كبير وممكن ربما بلا حدود عبر السنوات المتتالية من خلال شركات ضخمة ذات مسئولية محدودة. بالإضافة لأن اقتصاديات هذه الأقطار الإسلامية أصبحت جزءا لا يتجزأ من النسيج الاقتصادي العالمي، تقوم العلاقات فيما بينها وبين بعضها أو بينها وبين غيرها على أسس تعاقدات واتفاقيات شركات كبرى أو هيئات ومؤسسات بعيدة كل البعد عن الطابع الشخصي أو المحدود الذي كان سائدا في المعاملات الدولية قديما بين المسلمين أو بينهم وبين غيرهم.
3. ومن المعروف أن القوانين الوضعية في الأقطار الإسلامية سمحت منذ زمن بقيام الشركة المساهمة الحديثة ذات المسئولية المحدودة. ولكن الإجازة الشرعية لهذه الشركة بالشروط السالفة هو الذي مكن من الاعتماد عليها في إنشاء البنوك الإسلامية. فلم يكن ممكنا بدونها إنشاء بنك إسلامي واحد.
4. عقد المضاربة التقليدي هو عقد ثنائي بين مالك المال ومستخدمه… كان لا بد من تطويره لكي يسمح للبنك الإسلامي بالقيام بدور الوساطة المالية بين أعداد كبيرة من أصحاب الأموال ومستخدميها… وحيث تختلط الأرصدة النقدية المتجمعة من مئات أو آلاف العملاء لدى البنك الإسلامي فإنه يقوم باستثمارها على النحو الموصوف سابقا… وهذه الفكرة تحتاج إلى فريق عمل يؤصلها نظريا ويبين كيفية تطبيقها.
5. العقد المستحدث الإجارة المنتهية بالتمليك أو الإجارة مع الاقتناء: العملية هنا لا تختلف في شكلها أو جوهرها عن عقد البيع أو الشراء التأجيري والذي تمارسه الشركات في العالم الرأسمالي وتقوم البنوك التقليدية بالتسيهلات الائتمانية اللازمة له على أساسا ما يتحقق لها من فوائد. كل الفرق هو أن الأقساط للشراء التأجيري سميت في الصيغة الإسلامية إجارة وما يضيفه البنك لمنافسه على ثمن الأصل سمي ربحا.
من جهة أخرى تلقت المضاربة المختلطة انتقادات من حيث معيار توزيع الأرباح المختلفة على عملاء دخلت أموالهم للبنك في تواريخ مختلفة خلال العام، وربما خرج بعضها قبل نهاية العام أيضا، ومن ثم اختلفت فرص استثمارها، ولكن هؤلاء العملاء عوملوا جميعا معاملة واحدة. وهذا معيار عام جدا لا يضمن عدالة المشاركة في الأرباح أو الخسائر في الاستثمارات التي قام بها البنك. أيضا فإن عدالة المشاركة في الربح والخسارة تتأثر عند قيام البنك بالاحتفاظ بأرباح غير موزعة في بعض السنوات وتوزيعها في سنوات أخرى وذلك بالرغم من تغير هيكل العملاء والحسابات الاستثمارية من سنة لأخرى.
6. أثبت عقد المرابحة للأمر بالشراء نجاح غير عادي، مقارنا بأدوات التمويل الإسلامي الأخرى. في الحقيقة هناك إسراف في استخدامه إلى درجة أن نحو 80% "وربما 90%" من الموارد التمويلية تم توظيفها عن طريقه. ولقد أثيرت انتقادات على هذا الأسلوب في التطبيق من جهات عديدة…. وتحت ضغوط الانتقادات اختفت الممارسات الخطأ "على الأقل ظاهريا" ولكن حلت محلها ممارسات اعتمدت على تحرير عقد يلزم العميل بالشراء قبل أن تصله السلعة التي أمر البنك بشرائها.. وهذا أيضا مما يبعد هذا الأسلوب عن الأصول الشرعية في عقد البيع التي تتيح للمشتري حق معاينة السلعة قبل أن يقبضها ويدفع ثمنها، أو يصبح مدينا بثمنها كما في البيع الآجل.
العقبات والصعوبات التي تحول بين البنوك الإسلامية وتحقيق التنمية
وجهة نظر البنوك العاملة
الأستاذ موسى شحاتة
1. من طبيعة عمل البنوك الإسلامية: إن عليها القيام بدراسة متخصصة لكل استثمار أو تمويل، وعدم تحقيق عوائد على التمويل الذي لا يسدد باستحقاقه، الأمر الذي يؤدي إلى رفع التكلفة النسبية لعمليات المصارف الإسلامية قياسا مع تكلفة عمليات المصارف التقليدية التي تركز على العمليات الكبيرة نسبيا ذات الطبيعة الروتينية، وتحصل فوائد عن أي تأخير من تسديد تمويلاتها بالاستحقاق.
2. التوسع في بعض التطبيقات الشرعية وخاصة تلك التي لا تشتمل على ضمانات، كما في المشاركة والمضاربة، حيث يعني التوسع في مثل هذه التطبيقات ارتفاع في درجة المخاطرة التي تعود على المصرف خاصة في ظل الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية السائدة في هذه الأيام.
فالعديد من العملاء يأتون للمصارف الإسلامية لطلب تمويل بالمشاركة أو المضاربة في مشاريع وأنشطة تكون احتمالات الخسارة فيها مرتفعة، في حين يطلبون تمويل المرابحة لمشاريع وأنشطة تكون احتمالات الربح فيها عالية.
3. لم تجز الفتاوى الشرعية وضع شرط جزائي في العقود المالية على التأخير في السداد إذا كان الالتزام الأصلي فيها دينا، واعتبرت أن أي زيادة على الدين في هذه الحالة من الربا الصريح. إذا لجأ المصرف إلى القضاء أو التنفيذ على الضمانات، فإن القضايا تأخذ سنوات طويلة.
4. تعني العولمة بمفهومها المبسط إزالة القيود والحواجز الوطنية من أمام حركة التجارة ورؤوس الأموال، مما يعني فتح الأبواب أمام الجميع للتنافس غير المتكافئ.
إن اتفاقية التجارة العالمية سنة 1995م، انضم إليها معظم بلدان العالم، هذه الاتفاقية تنظم تجارة السلع والخدمات بما فيها الخدمات المصرفية والمالية، وسيتم تطبيق الاتفاقية في المجال المصرفي، وعندها ستبدأ حدة المنافسة بين جميع المؤسسات المصرفية. الوحدات المصرفية الإسلامية في منأى عن هذه المنافسة، ويزيد من حدتها عليها أن بعض المصارف التقليدية استحدثت نوافذ تعمل وفق الصيرفة الإسلامية.
سادسا الختام:
تجربة المصارف الإسلامية قامت على اجتهاد جزئي، إذ أنها استصحبت الشركة كمؤسسة حديثة تكون بموجب قانونها المصرف كجهة تقدم خدمة التمويل للمستثمرين واصحاب الشركات والأعمال؛ واستصحبت الاجتهاد القائل بربوية سعر الفائدة، فاستعملوا بدلا عنه صيغ البيوع الممارسة في الصدر الإسلامي الأول (وبعض منها كان ممارسا في الجاهلية واستمر عليه المسلون في معاملاتهم). وهذا يعتبر ترقيع بين التمسك بالقديم واستصحاب الحديث.علاوة على الترقيع المذكور فإن الاجتهاد الذي قامت عليه التجربة اغفل حقيقة أن فقه المعاملات متحرك، وليس ثابتا كفقه العبادات؛ كما أن عددا من المجتهدين والعلماء ليس لهم معرفة بالاقتصاد، فيدخلهم هذا في فتاوى غير عملية مثل القول بثمنية، أو عدم ثمنية نوع من النقود في المعاملات التجاربة. ثمنية النقود تحددها عوامل الاقتصاد والتبادل التجاري، وهي تجربة إنسانية تتطور و تأخذ من بعضها البعض، كما رأينا ذلك في كل الدول إسلامية وغير إسلامية. التجربة هي نتاج الجمود الفكري الذي عاشه و يعيشه المسلمون، فليس لدينا حتى الآن مؤسسات مجمرة للاجتهاد والفتوى، وكثير من المسلمين ينظر إلى الأمور نظرة سطحية تغرق في تفاصيل القشور ولا تنفذ إلى الجوهر. لهذا السبب قد يجد أي شعار إ سلامي تأييدا عند الكثيرين، حتى لو كان في حقيقته ضد أهداف الإسلام ومراميه، فمثلا عدد من الحكومات ( ومنها حكومة الإنقاذ كمثال) ترفع شعار الإسلام ولكنها تنتهك الحريات وترتكب المظالم وتهدر كرامة الإنسان ومع كل هذا يقال أنها إسلامية!
من العقبات والمشاكل التي أفرزتها تجربة المصارف إسلامية:
1. أنها تعاني من عدم امتلاكها أدوات مالية تتمتع بالقدرة على تحويل استحقاقات موارد الأموال قصيرة الأجل إلى استثمارات وتمويلات أطول أجلا، مع الاحتفاظ بإمكانية تسييل هذه الاستثمارات وقت الحاجة مع تحقيق قدر معقول من الأرباح والضمان. كما أنها لا تملك أدوات تمكنها من استقطاب موارد ذات آجال طويلة من العملاء. فالودائع التي تعد المصدر الأساسي للأموال فيها، ستستحق خلال مدة قصيرة، هذا يستدعي بالضرورة أن تعزف هذه المصارف عن المشاريع الإنتاجية طويلة الأجل وتركز على الاستثمارات القصيرة الأجل، وهذا يهزم الهدف التنموى للإسلام.
2. تعاني المصارف الإسلامية من الضرائب التي تؤخذ على الأرباح التي توزع على الودائع الاستثمارية حيث لا تعامل على أنها جزء من تكاليف المصرف كالفوائد. مما يلجئ المصارف الإسلامية إلى تمويل المشاريع ذات الأرباح العالية بغض النظر عن الأولوية التنموية.
3. من أبرز المشكلات العملية للمصارف الإسلامية دور المقرض الأخير حيث أنها لم تجد حتى الآن من يقوم بهذا الدور في حالة عجز السيولة لديها مما ألجأها لتوجيه معظم استثماراتها إلى بيع المرابحة، نظرا لوضوح العائد فيها ولما تحققه من تدفق في النقد، مما جعل مدد التمويل والاستثمار لديها قصيرة الأجل.
4. على الرغم من نجاح المصارف الإسلامية في اجتذاب المدخرات، فإنها ما زالت غير قادرة على إيجاد الوسائل الاستثمارية المناسبة لتوظيفها، مما اضطرها للاعتماد إلى حد كبير على الأسواق المالية العالمية لاستثمار الفائض النقدي لديها، وبذلك تسهم بشكل غير مباشر في استنزاف المزيد من ثروات العالم الإسلامي.
5. ذكر السيد الصادق المهدي عن تجربة البنوك الإسلامية سنة 1984م: أنها نجحت في مجالات التجارة والصفقات القصيرة الأجل. لكنها لم تحقق مرونة كافية للمستثمر ولم تطرق مجال الاستثمار الإنتاجي الزراعي والصناعي والتعدين بنجاح يذكر، وهذه مجالات يعطيها الاستثمار الإسلامي والتنموي أولوية. كذلك لم تلتزم بخطة عدالية في توزيع عائد الاستثمار بين عوامل الإنتاج المختلفة. والإسلام يوجب مثل هذه الخطة لتقوم المعاملات المالية والأنشطة الاقتصادية على أساس عادل. لذلك يفضل تسميتها مصارف مضاربة ومرابحة ومشاركة لأن عبارة إسلامية تدخل فيها معاني أوسع: معاني عدالة التوزيع ومعاني الأولوية للإنتاج والأحجام عن أنواع من الصفقات التجارية وهلم جرا. وهذه المعاني لم تحفل بها هذه المصارف بعد.
المطلوب عمله:
1. في عهد الديمقراطية الثالثة تقدم السيد الصادق المهدي باجتهاد يحل معضلة البنوك في التعامل بسعر الفائدة، فاقترح العائد التعويضي ليقوم بدور الفائدة، (لعدم وجود مانع شرعى، وللضرورة العملية لاستخدام العائد التعويضي مما سبق ذكره) وتم التعامل به و لكن فقهاء الرقابة الشرعية للبنوك أفتوا لاحقا بعدم شرعيته – أي العائد التعويضي- مع أن المصلحة الإنسانية وكل الضرورات المذكورة تستدعي ذلك. وكما شهدنا فإن عددا مقدرا من أئمة السلف وضعوا مبادئ تصلح لاجازة التعامل بالفائدة المصرفية، كما ان عددا من مفكرى الاسلام المعاصرين يجيزون التعامل بالفائدة المصرفية كما رأينا.
2. واليوم يقول الإمام الصادق المهدى عن المصارف المسماه اسلامية انها تتبع نهجا اكثرا انحيازا لرؤوس الاموال، نهجا استغلاليا. ان مقولة سعر الفائدة المنضبط كما اوضحنا اقرب لمقاصد الشريعة من صيغ المرابحة والسلم، فهاتان للتجارة لا للاقتراض الذي يحقق المرونة للمستثمر. المطلوب مراجعة لهذه المناهج تتفق مع مقاصد الشريعة ومع مصالح التنمية.
3. الاقتصاد العالمي متشابك، والدول والمؤسات المالية الدولية والمصارف تتعامل فيما بينها على اساس سعر الفائدة؛ لذلك هو واقع في اقتصاد اليوم وضرورة عملية. محاولة انكار ذلك تدخل في مشاكل خطيرة وكبيرة، فالمجلس الوطني كثيرا ما اجاز للحكومة الاستفادة من القروض الربوية للضرورة، ويفوض وزير المالية لتقدير الضرورة. السؤال الهام هنا: هل يملك المجلس الوطني سلطة تحليل الحرام؟ ليفوضها للسيد وزير المالية؟ ! ومعلوم انه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق! من المشاكل المعاشة أيضا بخصوص ذات الموضوع ما يعرف بالمال الخبيث، وهو الفوائد التي تتحصل عليها البنوك الإسلامية من تعاملاتها مع مصارف خارجية تتعامل بسعر الفائدة. فإذا الموضوع حرام وخبث، كيف نسمح بالتعامل به؟! اننا بذلك نفتح الباب للمسلمين ليبحثوا عن مصالحهم خارج الدين، كما يقول الشيخ السباعي الذي يرى ان :" رعاية مصالح الناس هي الاساس في التشريع الإسلامي"، (وان المصلحة هي قطب الرحى في احكام الإسلام). خلاصة القول انه: يجب ان نخرج مما نحن فيه الآن من مغالطات ومحاولات للقفز فوق الواقع تبعا لاجتهاد نفترض فيه حسن النية ولكن جابهته الاشكالات العملية المذكورة، وان ناخذ بما طرحه حزب الامة باقامة نظامنا المصرفي بالشباكين التقليدي والمسمى إسلامي في كل أنحاء البلاد، وكذلك في دولة جنوب السودان لتمتين اواصر التواصل الضرورة لدولتى السودان.
______________________
المراجع:
1. حركة البنوك الإسلامية.. حقائق الأصل وأوهام الصورة- د. أحمد النجار- شركة سبرنيت- القاهرة- 1993م.
2. تغير القيمة الشرائية للنقود الورقية – هايل عبد الحفيظ يوسف داود- المعهد العالمي للفكر الإسلامي- القاهرة 1999م.
3. المصارف الإسلامية بين النظرية والتطبيق- د. عبد الرازق رحيم جدي الهيتي- دار أسامة للنشر- الأردن- عمان 1998م.
4. الربا وعلاقته بالممارسات المصرفية والبنوك الإسلامية- جمال البنا- دار الفكر 1986م.
5. تحديات التسعينات- الصادق المهدي- شركة النيل للصحافة والطباعة والنشر- القاهرة 1990م.
6. المنظور الإسلامي للتنمية الاقتصادية- الصادق المهدي- 1984م.
7. ندوة البركة الرابعة والعشرين للاقتصاد الإسلامية- مكة المكرمة- فندق الشهباء- 29 شعبان- 2 رمضان 1424ه 25-27 أكتوبر 2003م- الأمانة العامة للهيئة الشرعية الموحدة لمجموعة دولة البركة.
8. التمويل العام- المدخل الادخاري والضريبي- المدخل الإسلامي- المدخل الدولي د. سمير محمد عبد العزيز- مكتبة الإشعاع للطباعة والنشر والتوزيع 1998م.
9. البنوك الاسلامية التجربة بين الفقه والقانون والتطبيق: عائشة الشرقاوي المالكي – الدار البيضاء 2000
10. الاجتهاد: النص، الواقع المصلحة د. احمد الرسينى والاستاذ محمد جمال باروت – دار الفكر المعاصر – بيروت


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.