(كورونا) تُرجئ محاكمة مدبري الانقلاب ومنع أسر المتهمين من حضور الجلسات    إثيوبيا تجدد المطالبة بانسحاب القوات السودانية والخرطوم تعترض    السودان يصادق على اتفاقيتي الحماية من الاختفاء القسري ومناهضة التعذيب    مجلس الوزراء يرجئ ايداع مشروعات قوانين مفوضيات السلام والعدالة الانتقالية والفساد    فيتا كلوب يقهر المريخ برباعية في عقر داره .. سيمبا يهزم الأهلي المصري بهدف    في جغرافيا واثنولوجيا المديح النبوي في السودان 2/2 .. بقلم: د. خالد محمد فرح    حزب التحرير: بهدم دولة الخلافة أصبحت السياسة الاقتصادية والمالية يمليها العدو وينفذها العملاء!!    بيان من اتحاد الجاليات السودانية بالمملكة المتحدة    بناءً على: في ذكرى رحيله .. صورة محمد وردي .. بقلم: تاج السر الملك    كبر: اتهامي بغسل الأموال استند على ضخامة حسابين    إنفانتينو: الكرة السودانية تحتاج عملا كبيرا.. وستاد الخرطوم تاريخي    قطبا السودان على المحك الصعب أمام عملاقي الكونغو في دوري أبطال أفريقيا    ضبط شبكة أجنبية تُدخِل أبناء المغتربين بالجامعات في عالم الإدمان    مشرحة ود مدني .. موتي بلا قبور ! .. بقلم: نجيب ابوأحمد    مكي سيد أحمد: يا موز الجنينة، يا حسن .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم    تعقيب على د. محمد محمود (1-2) .. بقلم: خالد الحاج عبد المحمود    ضرورة تفعيل ضوابط السوق كمسلمة للفكر الاقتصادي المقارن .. بقلم: د.صبري محمد خليل    قطف من رذاذ "جو" عطلة نهاية الأسبوع .. بقلم: د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي /المملكة المتحدة    كورونا .. تجارة الحياة والموت .. بقلم: د. أحمد الخميسي    فيروس كورونا – التحدي القائم حتى في العام الجديد (3)- دول العالم الفقيرة وأسئلة مفتوحة - .. بقلم: د. حسن حميدة – ألمانيا    التمباك .. بقلم: عوض محمد صالح    رؤساء أمريكا العسكريون وحقائق اخرى .. بقلم: لواء ركن (م) بابكر ابراهيم نصار    الحوثيون يعلنون قتل وجرح عشرات السعوديين والسودانيين خلال عملياتهم في يناير    إثيوبيا تعلن اعتقال 15 شخصًا بتهمة التآمر للهجوم على سفارتي الإمارات في أديس أبابا والخرطوم    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





وددت لو أني فداك من الردى
نشر في الأحداث يوم 26 - 03 - 2012


أجوك عوض الله جابو :
وددت لو أني فداك من الردى
والكاذبون المرجفون فدائي
الناطقون عن الضغينة والهوى
الموغرون الموتى على الأحياء
رب صمت مبين لم تتحرك شفاههم بها ولكن وجوهم وهيئتهم قالت أكثر من حديث وكأن لسان حالهم قد لهج في صمت بهاتيك الأبيات التي رثى بها (حافظ إبراهيم) صديقة اللدود أمير الشعراء (أحمد شوقي).
الجميع يعصبون رؤوسهم بشريط أحمر اللون في مشهد أعاد إلى الأذهان مناظر الدبابين في سني الإنقاذ الغضة الأولى بينما فضلت بعض النسوة لف الشريط الاحمر حول اعناقهن ولف البعض الآخر شرائط باللون الاسود وكان مكتوب على الشرائط (ماشين في السكة نمد).. والمقطع الاخير منتزع من قصيدة شهيرة سطرها الشاعر الراحل (محمد الحسن سالم حميد) الى القائد العمالي الراحل (قاسم أمين)..
ماشين في السكة نمد
من سيرتك للجايين
شايفنك ماشي تسد
وردية يا قاسم أمين
وكذا الحزن أيضا.. تمدد دموعاً وندبة وافترش جنبات وأركان دار الحزب الشيوعي بالخرطوم (2).. الكل تساووا هناك في الحزن واللوعة حسبما ارتسمت على وجوههم من ملامح حزينة باكية.
قبل وصول جثمان الراحل محمد ابراهيم نقد كان الحضور كثيفاً داخل فناء الدار رجالاً ونساء وجمع من شباب الحزب يجلسون على كراسٍ متراصة بعناية على أطراف السور يحملون لافتات الصقت عليها صورة الفقيد يعزون بعضهم بعضاً بشجن عميق، مساحة كبيرة تتوسط الكراسي المتراصة تركت شاغرة، ولم يبدو أكثر الوالجين لساحة الدار حرصاً على قراءة الفاتحة كما الصورة المعهودة في المآتم إلا القلة منهم فما ان يدخل احدهم إلى فناء الدار حتى ينكب على احضان من يقابله معزياً مما يوحي بأن الكل هناك كانوا على معرفة مسبقة ببعضهم البعض، الاصوات تعلو بالهتاف بين الفينة والأخرى مرددة (ماشين في السكة نمد) (عاش نضال الشعب السوداني).. (عاش كفاح الطبقة العاملة). لزم الكل مقاعده وحرصوا على ترك المساحة التي توسطها الكراسي خالية تماماً الا من بعض المتقاطعين بقصد الجلوس عدا خطوات رجل في العقد الخامس من عمره كان يبكي بشدة وينتحب عالياً يعزي من يعزي جنوباً وشمالا وكان البعض يهدئ من روعه وينادونه (عم سيف). وكان احد شباب الحزب يرتدي «مريلة» حمراء ويقوم بتوزيع أعداد من جريدة (الميدان) تحمل في صدر صفحتها الاولى صورة كبيرة للراحل وكانوا يدفعون له أكثر من المبلغ الذي الذي تباع به الصحف اليوم وتُشترى بها.
أنهار رباط الجأش.. وتحدثت المآقي
الاصوات البعيدة ل(سارينة) الدراجة البخارية لشرطة المرور التي كانت تتقدم موكب التشيع انبأت ان الموكب اخذ يقترب شيئاً فشيئاً حتى وصل أمام دار الحزب الشيوعي عند الساعة الثامنة والربع صباحا.. وفور وصول الموكب الجنائزي تعالت أصوات الرجال والنساء بالبكاء والنحيب والهتافات (ماشين في السكة نمد) الثورة خيار الشعب.. حرية سلام وعدالة)، (خالد.. خالد.. نقد القائد)، (عاش نضال الشعب السوداني)، (عائد عائد يا اكتوبر)، (عاش نضال الطبقة العاملة)، (ماكا الوليد العاق، لا خنت لا سراق) الى أن دلفوا إلى فناء الدار جمع من رجال الحزب وشبابه يحملون جثمان الفقيد على أعناقهم فانتفض الجميع وقوفاً وانتظمتهم موجة بكاء عارم وحالما وضع الصندوق الجثمان على الارض حتى تدافع الناس للالتفاف حوله ورفع الكل أكفه بالدعاء باتجاه الصندوق وانكب المصورون عليه لالتقاط الصورة بالكاميرات والهواتف النقالة (الموبايلات).
وبعد نزول النعش الى الارض كف الكل عن ترديد الهتاف لبضعة دقائق بينما جلست شقيقة الراحل محمد ابراهيم نقد (فائزة) عند رأس الراحل، قبل أن يعود عضو اللجنة المركزية والصحفي بجريدة الميدان التوم إبراهيم النتيفة الهتاف مرددا (القلعة حصينة.. القلعة صامدة)، (عاش نضال الشعب السوداني عاش كفاح الطبقة العاملة) وليشرع بعد ذلك في مخاطبة المعزين بقوله: (فارقنا الاستاذ محمد ابراهيم نقد ونحن في امس الحاجة اليه ولأفكاره وحكمته والمرونة التي تحلى بها في حياته العامة، نقد خاض المعارك منذ الاستقلال حتى آخر رمق في حياته ضد الرجعية واستغلال الشعب باسم الدين، خاض كل المعارك دون ان ينسحب او ينكس الراية) يصمت برهة ثم يهتف (القلعة صامدة.. القلعة بعيدة عن مرمى الاعداء) ويهتف احدهم فيردد الحاضرين خلفه (عائد.. عائد.. يا اكتوبر). ويعود النتيفة مخاطبته للجمع الغفير: (هذه ليست نهاية المسير في طريق الحرية وسنظل حزباً موحداً ضد الانقسام، نقد عاش زاهداً ولم يملك من الدنيا شيئاً ولكن العزاء الوحيد في ان ميدان المعركة قد تحدد وكل القوة الوطنية ستعمل على قمع الديكتاتورية والرجعية وسننتصر لقضايا المهمشين).
لا صوت يعلو على الحزن
وبعد ترديد الهتافات مباشرة انبرى رجل فارع القوام كان يقف على مقربة من صندوق الجثمان وعرّف نفسه: سيد أحمد الشيخ - حركة شعبية قطاع الشمال. واستطرد حديثه قائلا: (اقف امام هذا الرجل الطاهر باسم الحركة الشعبية لأنعي للحزب الشيوعي الفقيد، لكنه ليس فقيد حزبه فحسب، لأن نقد لم يكن ملكاً للحزب الشيوعي بل كان ملكاً للشعب السوداني كله، رحل نقد في هذه الفترة العصيبة والوطن الأم يعاني ما يعاني ويمر بظروف قاسية، ولكننا سنستلهم تجربة نقد من اجل عودة الحقوق انطلاق نحو ديمقراطية، فقد قضى الرجل ثلاثين عاماً من سنين عمره مضحياً تحت الارض وهذا تاريخ).
جاء يوم شكره
الصحفية عفاف أبو كشوة كانت تنتحب وتعدد مآثر الفقيد وتقول (مكانك مافي زول بسدو) امتنعت كل نسوة الحزب عن التحدث لوسائل الاعلام.. (الأحداث) قصدت شقيقة الراحل (فائزة) ولكنها بادرت معتذرة بلطف عن الحديث: (احترمك جدا.. ولكننا لن نستطيع الحديث الآن اعذرينا). وفي الأثناء حضر كل من الناطق الرسمي باسم الحزب يوسف حسين والقيادي بالحزب د. الشفيع الخضر توجهت (الأحداث) اليه للادلاء بدلوه في الفقد الجلل غير انه اعتذر بصرامة وحسم الأمر بنظرات مستنكرة قائلاً بسرعة وحزم (لا أستطيع.. لا أستطيع). ولم ينتظر طويلاً بل قام بإعطاء توجيهات فورية الى الذين كانوا يقفون بجوار النعش بأن الوقت قد حان لنقل الجثمان إلى المقابر ومواراته الثرى فاشتد بكاء الحضور أكثر مما كان. في مشهد ترجمه شاعر النيل حافظ إبراهيم.
وتركت اجيالا من الابناء
وغداً سيذكرك الزمان
ولم يزل للدهر انصاف
وحسن جزاء الاحياء
وحدة لن يفرقها استفتاء
مربوع القامة يرتدي بدله باللون اللبني ونظارة شفافة كان الكل «يقلدونه» في بكاء وعويل ويقولون له رحل نقد يا جوزيف.. اذن.. انه (جوزيف مدستو) السكرتير العام للحزب الشيوعي في دولة جنوب السودان جاء ليودع من جمعه به جراحات الوطن وهمه العام دون اكتراث لسؤال قبيلة أو عرق. قال مدستو ل(الأحداث) بعبارات متقطعة: (نقد مات ولكن سيستمر النضال، أمضى نقد حياته مهموماً بقضايا المهمشين في كل السودان جنوبيين ودافوريين وكان ما يميزه رباطة جأشه وإيمانه بقضيته). وودعنا مادستو وكليان في طريقه إلى خارج الدار حيث كانوا يحملون الجثمان وعند الباب قابلت عفاف ابو كشوة وما أن رأت مادستو حتى ضمته بقوة مجهشت بالبكاء وهي تردد (رحل صديقك نقد يا مادستو) وبعدها كانت تلوح بيدها الى النعش: (مع السلامة يا بابا). رغم ما كانت عليه إلا ابو كشوة كانت المرأة الوحيدة التي استطاعت التحدث إلى الاعلام. وقالت ل(الأحداث) بعد ان استجمعت تماسكها: (نعزي انفسنا ونعزي الشعب السوداني في الفقد لأن الفقد فقد الشعب السوداني كله، كان الراحل سياسياً من الدرجة الاولى عبر تاريخ حافل بالنضالات والثورات، كان زاهداً عفيف اليد واللسان لا يملك من الدنيا شيئاً ساهم في خلق الكثير من التوازنات بين القوى الوطنية وكان يتمتع بعلاقات متميزة مع كل اطياف الشعب السوداني، وعلى المستوى الفكري رفد نقد المكتب السودانية بالعديد من المؤلفات القيمة، وعلى المستوى الاجتماعي كان رجلاً مضيافاً نظيفاً شريفا.. وهو فقد كل السودان).
الموكب يتوجه الى مقابر فاروق
بعد أن توجه الموكب صوب مقابر الفاروق عاد الكل لترديد الهتافات من جديد (القلعة حصينة.. القلعة صامدة) (عاش نضال الشعب السوداني.. عاش كفاح الطبقة العاملة) (ماشين في السكة نمد.. من سيرتك للجايين).


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.