(ده ماهلالك ياهلال؟؟)    الجمعية السودانية لعلوم الفلك والفضاء: 18 فبراير أول أيام شهر رمضان    السعودية تدين بشدة الهجمات الإجرامية لقوات الدعم السريع على مستشفى الكويك العسكري وعلى قافلة إغاثية لبرنامج الغذاء العالمي    مهارات يامال تعجز مبابي ونجم مانشستر سيتي    كباشي .. القوات المسلحة ماضية بعزم لا يلين في ملاحقة ما تبقى من "بقايا المليشيا المتمردة" والقضاء عليها    عارفين ليه ياهلالاب!!    شاهد بالصورة والفيديو.. الفنانة إيمان الشريف تشعل حفل زواج صديقها "حتة" بأغنية (الزعلان كلمو) والعريس يتفاعل معها بالرقص    بالصورة.. دكتورة من مريدات شيخ الأمين تكتب: (الشيخ بجيب القروش دي من وين؟ داير تتأكد تعال مسيده في الثلث الاخير من الليل)    شاهد بالفيديو.. نجم السوشيال ميديا "حتة" يضع يده على عروسه ويحتفل معها بطريقة طريفة على أنغام (الما بحبونا والبكرهونا)    شاهد بالفيديو.. نجم السوشيال ميديا "حتة" يضع يده على عروسه ويحتفل معها بطريقة طريفة على أنغام (الما بحبونا والبكرهونا)    بالصور.. الشيخ محمد هاشم الحكيم يحتفل بزواج إبنته الدكتورة من زميلها بالجامعة (قلت له لا أريد منك شيئا سوى أن تتقي الله فيها وتعينها في دراستها)    الفنان محمد صبحى يعود إلى ماسبيرو بالمسلسل الإذاعى «مرفوع مؤقتا من الخدمة»    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    بنك الخرطوم يتعهد بإرجاع مبالغ «ضمان الودائع» ويتحمل التكلفة كاملة    ترامب ينشر فيديو مسيئًا لأوباما وزوجته ثم يحذفه    الطب الشرعي الرقمي صائد جديد لمجرمي الإنترنت والذكاء الاصطناعي    دواء جديد يعيد ضبط الساعة البيولوجية ويقلل اضطراب السفر    ابتكار بخاخ أنفى يساعد على الوقاية من الإصابة بالأنفلونزا    السفارة في العمارة    ذكرى رحيله.. قصة حب نور الدمرداش وكريمة مختار وزواجهما    الهلال يتلقى أول خسارة بدوري المجموعات أمام مولودية الجزائري    أبل تفتح CarPlay أمام تطبيقات الذكاء الاصطناعي الصوتية    8 علامات تنذر بمشكلات في الأمعاء لا ينبغي تجاهلها    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    جاهزية كاملة لانطلاق بطولة «الطريق إلى القمة» بعد اجتياز مقاتلي PFL للميزان    بمشاركة واسعة بالخرطوم... الاتحاد السوداني للتربية البدنية يناقش معوقات المعلمين والبروف أحمد آدم يؤكد دعم تطوير المنهج والتدريب    السودان يرحّب بالقرار 1591    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    شاهد بالصور.. سيدة الأعمال ونجمة السوشيال ميديا السودانية الحسناء ثريا عبد القادر تخطف الأضواء من معرضها ببورتسودان    الجوهرة السودانية عامر عبد الله ينضم رسمياً لأحد الأندية الخليجية    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    وزير الثروة الحيوانية: البنك الزراعي وبنك النيل يمولان صغار المربيين لزيادة الإنتاجية    أحمد عزمى.. "الجوكر" الذى خلع عباءة الأدوار الثانوية ليبرع فى الشخصيات المركبة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    مع اقتراب الجيش من أبوزبد والدبيبات والفولة، تبدو خيارات المليشيا وعصاباتها صفرية    بيان مهم لوزارة المالية في السودان    المركزي يوجه بنك الخرطوم بإيقاف الاستقطاعات وإرجاع المبالغ المخصومة للعملاء    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    صلاح يتحدى مرموش.. موعد مباراة ليفربول ضد مانشستر سيتي بكلاسيكو إنجلترا    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    تعرف على سعر الأسمنت اليوم الاثنين 2 -2 -2026 فى مصر    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



التطبيع مع إسرائيل...نافذون في (الوطني) يتوقون الطواف حول (الشمعدان)
نشر في الأحداث يوم 09 - 04 - 2012

ربما لا نحتاج لكثير وقت حتى تنجلي حقيقة ميل عديد الاحزاب السودانية للتطبيع مع اسرائل, لجهة انه لم يعد بإمكان الاسرار التقوقع في حوصلة الكتمان طويلا, بعدما اصبح من اليسير فك شفرة لقاءات الغرف المغلقة, وهتك السُتر الوهمية من قبل موقع التسريبات الشهير (وكيكيليكس), لكن الى حين حدوث ذلك فان سيل الاحاديث المباغتة لن ينهمر, حال مارس كثيرون الجرأة او جلد الذات, معترفين او كاشفين عن ميلهم البائن والخفي للتطبيع مع اسرائيل, التي لم تدخر جهداً في استمالة السودانيين افراداً ومنظومات, منذ ان اعتلى روبن شيلواخ اول رئيس لجهاز المخابرات الاسرائيلي, هرم القيادة, ومنذ ان قام بتقسيم الجهاز بتوجيه من ديفيد بن غوريون اول رئيس وزارء اسرائيلي الى اقسام: الموساد ويعني (معهد الاستخبارات والمهمات الخاصة – جهاز الامن الخارجي), والشاباك ويعني (جهاز الاستخبارات العسكرية, أو وكالة الأمن الاسرائيلية, التي يرمز اليها ب»الشين بيت» وهو يتعلق بالامن الداخلي, ويحمل شعار «Magen VeLo Yerae» بالعبرية وتقابلها في العربية «الحامي الذي لا يُرى أو الدرع الخفي».
كرم الله.. الجهر بالمخبوء
ولعل في حديث والي ولاية القضارف كرم الله عباس الشيخ المثير, عن كونه احد الفاعلين في تيار داخل المؤتمر الوطني, يتنادى للتطبيع مع إسرائل, مدخلاً جيداً لتناول تقارب الاحزاب السودانية مع «شيطان العالم العربي», كما يسميه جهاز المخابرات البريطاني, وهي التسمية التي صدع بها رئيس الوزراء البريطاني انتوني ايدن, على مسامع وفد حزب الامة, الذي زار المملكة المتحدة في العام 1953م, بزعامة رئيسه السيد الصديق المهدي, ورئيس تحرير صحيفة «النيل» محمد احمد عمر, طلبا للدعم البريطاني ضد جمال عبد الناصر, عقب فشل الانتخابات السودانية التي اجريت في بحر ذات العام, حسبما مضى الى ذلك الكاتب عبادي يعقوب في مقال منشور بدورية دراسات الشرق الاوسط موسوم ب»اسرائيل والسودان.. قصة العلاقات الغامضة», منوهاً الى ان انتوني ايدن نصح يوم ذاك وفد حزب الأمة بالذهاب الى السفارة الإسرائيلية, سيما ان اهتمام الاخيرة بالسودان أخذ في التصاعد عقب مجئ الضباط الأحرار الى سدة الحكم في مصر, ومضى جاكوب الى أن الاتصال بين الطرفين تم عبر ضابط الاتصال بالسفارة الإسرائيلية في لندن موردخاي غازيت, وهو ضابط علاقات عامة وايضاً صحفي بجريدة «ايفننج استاندر», وهي المعلومة التي ثبتها يوسي ميلمان في كتابه «الجواسيس غير الكاملين», لافتاً الى ان جهاز المخابرات البريطاني وجّه حزب الأمة بالتعامل مع شيطان العالم العربي, عانياً «إسرائيل», وفوق ذلك فقد أوردت الوثيقة البريطانية السرية بالرقم 10332/2/954، الصادرة عن مكتب المفوض التجاري للمملكة المتحدة بالخرطوم، والمؤرخة في 6 أغسطس 1954م أن: «لقاءات تمت في السفارة الإسرائيلية بلندن بين قطبين من حزب الأمة السوداني، هما: السيد محمد أحمد عمر والسيد الصديق المهدي والسكرتير الأول للسفارة الإسرائيلية بلندن موردخاي غازيت», وهي المعلومة التي صدع بها مؤخراً الدكتور محمود محمد محارب في بحثه ب»المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات». اذن الرغبة التي جهر بها والي ولاية القضارف, القيادي بالمؤتمر الوطني كرم عباس, والداعية الى التطبيع مع إسرائيل, لم تكن الاولى ولن تكون الاخيرة, على الرغم من أن أمين الإعلام بالمؤتمر الوطني بدر الدين أحمد إبراهيم, سارع الى نفي وجود أي تيار داخل حزبه يطمح الى ردم الهوة بين دُعاة المشروع الحضاري واصحاب مشروع التهويد الاستيطاني الإقصائي. الشاهد أن الرواية القائلة بلجوء وفد حزب الأمة الى بريطانيا, ولقائه بالدبلوماسيين الاسرائليين في عاصمة الضباب, لاقت نفياً مغلظاً من قبل حزب الامة بذات طريقة «بدر الدين», لكن المؤرخ الإسرائيلي جبرئيل ووربورج ذكر أن «وفد حزب الأمة ابلغ ضابط الاتصال موردخاي غازيت بأن حزبهم يعتبر اسرائيل حليفهم المرتقب, طالما أن مصر هي عدوهم المشترك», وحسب ووربورج فإن اسرائيل اكدت انه يمكنها مساندة حزب الامة ضد عبد الناصر, مقابل أن يعلن الحزب علناً أن «اسرائيل تمثل عنصراً ايجابياً في الشرق الاوسط», منوهاً الى أن: «لقاءات الطرفين امتدت بين العامين 1955-1956م باسطنبول ويومها قاد الوفد الإسرائيلي ضابط المخابرات جوزيف بالمون». وهي اللقاءات التي توجت باجتماع نادر جمع بين وزير خارجية إسرائيل غولدا مائير برئيس حكومة السودان عبد الله خليل في فندق «اثنا» بالعاصمة الفرنسية باريس في صيف 1957م, حسبما أوردت الكاتبة إنعام عامر في سفرها الموسوم «عمليات الموساد السرية في السودان», وقالت عامر إن «الطرفين يومها اتفقا على السماح لطائرات العال الإسرائيلية بالتزود بالوقود بمطار الخرطوم في طريقها الى جنوب افريقيا». وذكرت عامر أن صيف ذات العام تمخض عن إقامة ما يعرف لدى الإسرائيليين ب»المثلث الجنوبي», وكانوا يقصدون به مخابرات اسرائيل والسودان واثيوبيا, قبل أن ينسحب ممثل السودان في المثلث, عقب استلام الفريق إبراهيم عبود للسلطة في 17 نوفمبر 1958م, خاصة أن المهمة الأساسية لقيام المثلث تتمثل في «محاصرة نفوذ الحركة الاتحادية والانقلاب على حكومة اسماعيل الازهري». اللافت أن الروية التي مضت اليها انعام عامر سبقها اليها الباحث جمال الشريف حيث اورد في كتابه «الصراع السياسي على السودان» ان رجل الموساد وأحد موظفي الخارجية الاسرائيلية حنان باراون والذي كان ممثل الموساد في اثيوبيا ألمح الى ان اتفاق عبد الله خليل وغولدا مائير نجم عنه إنشاء محطة للموساد في السودان بعلم خليل أو بدونه, لجهة ان باراون قال صبيحة تسلم الفريق عبود للسلطة إنه «أمضى يومه بجانب المذياع, وكان قلقاً على رجال الموساد في محطة الخرطوم».
سيانات الخرطوم في خدمة الموساد
ببساطة لم يكن الوجود الاسرائيلي في السودان منعدماً أو غائبا, ولا هو معدوماً أو مغيبا, إذ إن كثيراً من البحوث قطعت بجلاء, أن اليهود الذين قطنوا في السودان كانوا يقدمون خدماتهم الى جهاز المخابارت الاسرائيلي المعروف اختصاراً بالموساد, والمُكنى بالعين الثاقبة, بل ذهب ثقاة كثر الى أن يهود السودان كانوا ضمن ما يعرف ب»السيانات» وهم اليهود الذين يقدمون الخدمة الى الموساد دونما مقابل وبغير تجنيد, وهي الفرضية التي ثبتها احد اليهود الذين عاشوا في السودان, وهو إلياهو سلمون ملكاً في كتابه «اطفال يعقوب في بقعة المهدي», ذاكراً أن يهود الخرطوم الذين عادوا للديانة الموسوية بعد ان اجبروا على اعتناق الاسلام إبان الدولة المهدية, كان جلهم فاعلين في الحركة الصهيونية العالمية, وهذا يعني بوضوح علاقتهم بصورة أو بأخرى بالموساد أو العين الثاقبة, لكن ما هو مثبت هنا أن جهاز المخابرات الاسرائيلي فشل في تجنيد عملاء فاعلين طوال المدة التي أعقبت تنسم الفريق عبود السلطة, حسبما رأت الباحثة إنعام عامر في سفرها المار ذكره, وقالت إنه طوال خمسة وعشرين عاماً أعقبت حكم عبود لم تنجح المخابرات الاسرائيلية في تكوين محطة في السودان الا في العام 1983م, بيد ان عامر عادت واشارت الى إمكانية وجود واجهات للموساد تحت مسميات رجال أعمال أو سياح أو غيرها, لكنها لم ترقَ الى مستوى محطة تخابرية, ونوّهت إنعام عامر الى أن «العام 1983م شهد أكبر تعاون بين حكومة النميري وجهاز الموساد, بعدما انتوت اسرائيل ترحيل اليهود الفلاشا, وهم يهود السفارديم المتواجدين في اثيوبيا», غير ان الفرضية التي مضت اليها عامر لا تروق الى الكاتب جمال الشريف الذي تطرق في سفره الموسوم ب»الصراع السياسي على السودان» الى علاقة تاجر السلاح البريطاني المشهور تايني رولاند بنظام الرئيس جعفر نميري, وذكر أن رولاند عُرف كأحد خدام الموساد, ومضى الشريف الى ان الأخير أسهم بفاعلية في إفشال انقلاب يوليو 1971م, المسنود من الحزب الشيوعي ضد النميري, وقال ان رولاند ارسل طائرته الخاصة يقودها طياره الشخصي «ويلهلم ويلمنغ», لنقل اللواء خالد حسن عباس من يوغسلافيا الى القاهرة, وكلف في ذات الوقت احد رجاله ويدعي «نيكولاس اليوت» بالتنسيق مع المخابرات البريطانية لمنع المقدم بابكر النور والرائد فاروق حمدنا الله, رئيس وعضو الانقلاب من الوصول الى الخرطوم عندما كانا في طريقهما من لندن الى السودان عبر طرابلس», وهذه المعلومة تحديداً ربما تنسف قول انعام عامر بانعدام التخابر لصالح الموساد في فترة آواخر الخمسينيات وحتى مطلع الثمانينيات, وغير ذلك فإن الصحافي عبد الرحمن أحمدون أورد في كتابه «سوداني في قلب الموساد», قصة الشاب اسماعيل عباس الذي سعى الموساد الى تجنيده بواسطة اليهودي إبراهيم منشأ, أحد اشهر تجار الاقمشة في الخرطوم بشارع الجمهورية, وذهب أحمدون الى ان القصة بدأت عندما قام منشأ باستئجار متجر من عائلة اسماعيل, وعلم بعد مدة ان والدة اسماعيل مصرية الاصل وان شقيقها ضابطاً كبيراً في سلاح الطيران المصري, فكان ذلك حافزه لتجنيد الشاب اسماعيل, في مطلع ستينيات القرن الماضي, ويروي احمدون على لسان اسماعيل أن إبراهيم منشأ أقنعه بالذهاب معه الى اسمرا لإنجاز بعض المهام التجارية, وهناك تفاجأ بأن الرحلة لم تكن سوى محاولة لتجنيده, بعدما طلب منه اناس قابلهم في اسمرا معلومات عن سلاح الطيران المصري, وهذه الواقعة تحديداً انتهت بأن ذهب اسماعيل الى السفارة المصرية وابلغهم بالحادثة, فكان ان تم تجنيده كعميل مزدوج لمدة اربع سنوات, تمكن خلالها من تقديم خدمات مائزة الى جهاز المخابرات المصري بعدما أصبح موثوقاً لدى الموساد.
بروز الموساد وعلاقة فكرته بالسودان
واذا كان والي القضارف كرم الله عباس الشيخ أظهر ميله الجارف الى التطبيع مع إسرائيل, ولفت الى تيار داخل حزبه ذي النزعة الإسلامية والآيديولوجية المستمدة من الدين, قال إنه يرنو الى التطبيع مع اسرائيل, فإن ذلك يجعل المراقبين يعيدون قراءة رؤية كثير من نافذي المؤتمر الوطني تجاه العلاقة مع اسرائيل في ظل الواقع السياسي السوداني, اللافت ان كرم الله عاد وتمترس في خندق المنافحة عن حديثه, برغم النفي المغلظ الصادر من الناطق الرسمي باسم المؤتمر الوطني بدر الدين ابراهيم, وهذا كله يسوقنا الى استقراء الأهداف الاسرائيلية في المنطقة والتي توجت بانفصال جنوب السودان, كأحد اهم الاحلام الاسرائيلية, كما اخبر بذلك آفي دختر وزير الامن الداخلي الاسرائيلي السابق غير مرة واحدة, وقولنا ان الحزب الحاكم اسهم في فصل جنوب السودان, ليس من واقع أنه منح الجنوبيين حقاً غير مستحق بإدارجه بند تقرير المصير, إنما بعمله المعلن والخفي لجعل شريك اتفاقية نيفاشا متوجسا طوال الفترة الانتقالية التي اعقبت نيفاشا, بل ان كثيراً من المراقبين يذهبون الى منبر السلام العادل الذي يتزعمه الطيب مصطفى ما هو الى واجهة متشددة يكسوها الحماس من واجهات المؤتمر الوطني, والا فإنه كان بمقدور الاخير إسكات الصوت الانفصالي الذي أسهم في تأجيج مشاعر الوطنيين الجنوبيين, وهذا يعني بجلاء ان المؤتمر الوطني قدّم خدمة على طبق من ذهب الى اسرائيل بتنسيق مسبق أو بغيره, وبسوء النية أو بحسنها, وتلك من المسلمات, غير ان اكبر رابط بين السودان والموساد يتمثل في احتضان ارض النيلين للميجر جنرال اوردى شارلس ونجت (1903- 1944م), وهو ابن عم السير ونجت باشا حاكم عام السودان, ويتعبر شارلس - وفقاً لكتاب عمليات الموساد السرية في السودان- الموسس الرئيس لعصابات «الهاغاناة» التي تعد النواة الاولى للأجهزة الاستخباراتية الاسرائيلية, بل إن ديفيد بن غوريون اول رئيس وزراء اسرائيلي قال عن شارلس: «إن هذا الرجل كان سيكون اول رئيس لهيئة اركان قوات الدفاع الاسرائيلية لولا موته المبكر».
خاشقجي والنميري وشارون
لكن احتضان السودان للميجور جنرال اوردي شارلس ونجت, أحد الذين اسهموا في تأسيس اجهزة المخابرات الاسرائيلية, بجانب لقاء وزيرة خارجية اسرائيل غولدا مائير بالرئيس عبد الله خليل, وقبله لقاء وفد حزب الأمة بضابط الاتصال في السفارة الاسرائيلية في لندن موردخاي غازيت, كلها شكلت نواة للقاء الذي جمع ارئيل شارون بالرئيس جعفر نميري في قصر الملياردير السعودي عدنان خاشقجي في كينيا, حسبما مضى الى ذلك محمد مكاوي في سفره «عملية موسى.. سري للغاية», ويومها كان اللقاء من اجل إتمام ترحيل اليهود الفلاشا من اثيوبيا الى اسرائيل, بعدما سببت العلمية الاولى حرجاً للرئيس «منقستو هايلي مريام» ووصفها ب»المهزلة الصغيرة», وبالفعل تمت العملية بعدما طالب الرئيس النميري بضمانات من بينها إشراف وكالة المخابرات الامريكية ((cia على العملية, بجانب توفير طائرات تقلع الى بلد اروبي ومن ثم تهبط في تل ابيب.
هجرة جنوبية إلى أرض الميعاد
الغزل المعلن والمبطن الذي خامر افئدة الساسة الشماليين تجاه اسرائيل, لم يكن ليغيب عن عاطفة ابناء جنوب السودان, لا سيما الذين اعلنوا خروجهم على المركز, متجهين ناحية التمرد, معتصمين بالغابة, ولعل تعامل قادة التمرد في جنوب السودان مع الموساد لم يكن مخفيا, حتى إن غالبية المتنفذين في الحركات تربطهم مصالح مع الدولة الصهيونية, وهذا تبدّى بجلاء عندما ادار رئيس الحركة الشعبية الراحل الدكتور جون قرنق, مؤشر الآيديولوجيا لدى حركته التي وُلدت ماركسية الهوى, ناحية محور الرأسمالية, حينما تهاوى المعسكر الشرقي, وهو الامر الذي جعله بصورة او باخرى في احضان اسرائيل, بيد ان قرنق سبق ان نفى صلته باسرائيل عقب توقيعه اتفاقية السلام الشامل «نيفاشا, وقال في مؤتمر صحفي بالقصر الجمهوري بالخرطوم إنه لا يملك اي علاقات مع الدولة الصهيونية», , غير أن التعاطي العاطفي بين قادة التمرد الجنوبي وإسرائيل تبلور بصورة لافتة عند جوزيف لاقو قائد قوات الانانيا, الذي اهتبل سانحة الحرب بين اسرائيل والعرب (مصر, الاردن وسوريا), حسبما أورد لاقو في مذكراته, منوهاً الى ان الاسقف الكاثوليكي في جوبا «سيستو مازولدي» نصحه بالاتصال بالسفارة الاسرائيلية في كمبالا, وهناك سلمهم لاقو رسالة الى رئيس وزراء اسرائيل ليفي اشكول, ومضى لاقو يقول: «قدرت أن عدو عدوك صديقك, وهنأت أشكول في رسالتي بانتصارهم على العرب, وابلغتهم اننا في جنوب السودان نقاتل العرب أيضا», منوهاً الى ان القنصل الاسرائيلي ويدعى «سفاتي» اخبره بأن سفارتهم في كمبالا مراقبة من قبل العرب, ووجه بالذهاب الى نيروبي لأن سفارتهم لا تصلها أعين العرب, ونصحه بالتخفي تحت اسم شارلس», ولفت شارلس الى أن مهمته كانت تنحصر في ابلاغ الاسرائليين بمشاركة السودان في حربهم ضد الدولة العبرية, وانه لكي تنشغل الخرطوم عن المشاركة, لابد من اشعال فتيل الحرب بضرواة في الجنوب». المهم ان تلك الاتصالات توجت بوصول جوزيف لاقو الى اسرائيل قادما من روما, لينال بعدها الدعم الاسرائيلي عتاداً وسلاحاً من خلال الاسقاط الجوي, ومن خلال تدريب قادة حركته.
قصف السوناتا.. تخابر من نوع جديد
لم ينقطع الوجود الاسرائيلي في السودان, طوال الفترة الماضية, بل إن التخابر والتعاون مع الموساد ظل قائما, سواء عبر ما يعرف بالسيانات أو العملاء المجندين رسمياً من خلال واجهات للتخفي, أو من خلال شخصيات سودانية, وهذا التحليل ربما تسنده حادثة قصف العربة السوناتا في أبريل 2011م بالقرب من مطار بورتسودان, ويومها راجت احاديث بأن ثمة طابور خامس أرشد الطائرة الاسرائيلية التي قصفت العربة, لا سيما انه رشحت معلومات حينها ان العربة تقل القيادي بحركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) عبد اللطيف الأشقر مسؤول التسليح في الحركة, غير ان حماس نفت قطعيا ان تكون لها علاقة بالعربة وانها لا تقل ايا من قياديي الحركة.
ومهما يكن من أمر فإن حديث والي ولاية القضارف عن وجود تيار داخل الحزب الحاكم ينادي بالتطبيع مع إسرائيل, يبقى وثيقة ان لم تدمغ الحزب الحاكم بالعمل الخفي للتقارب مع اسرائيل, فإنها تؤكد بجلاء وجود نافذين في المؤتمر الوطني لا يمانعون في ردم الهوة بينهم والدولة العبرية, سيما ان كرم الله لم يتراجع عن حديثه برغم نفي الناطق الرسمي للحزب بدر الدين إبراهيم, وجود ايما تيار داخل حزبه يدعو للتطبيع مع اسرائيل علناً أو في الخفاء. فهل يمكن أن نرى - استناداً الى مضمون قول كرم الله – نافذين في الوطني يمارسون الطواف حول الشمعدان رمز الدولة اليهودية, بذات طريقة رئيس دولة جنوب السودان سلفاكير ميارديت؟!.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.