تطوّرات في ملف شكوى الهلال ونهضة بركان    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    شاهد بالفيديو.. الممثل ذاكر سعيد في فاصل كوميدي : (لا أشجع فريق برشلونة ولا ريال مدريد أشجع الفريق البرهان "ضقل" بالمليشيا كورة مرقهم في الخلا)    شاهد بالصورة والفيديو.. ضحكات ومزاح بين الفنانة إيمان الشريف و "البرنس" في لقاء داخل سيارة الأخير    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    شاهد بالفيديو.. الفريق أول ياسر العطا يحظي باستقبال تاريخي من جنود الجيش والمستفرين بعد ساعات من تعيينه رئيساً لهيئة الأركان    شاهد بالفيديو.. الفنانة إنصاف مدني تفاجئ الجميع وتقتحم بث مباشر لزميلتها ميادة قمر الدين: (أنا مفلسة أعملوا لي مبادرة)    تطور جديد في جلسة محاكمة منيب عبد العزيز شمال السودان    يوم اليتيم.. نصائح لدعم اليتيم نفسيا في يومه السنوي    صمود يحذر من كارثة إنسانية مع استمرار العمليات العسكرية في النيل الأزرق    "تأسيس" و"صمود" يدينان استهداف أسامة حسن في غارة مسيّرة على نيالا    ماجد المصرى: شخصية راغب الراعى مرهقة بسبب تعدد علاقته داخل الأحداث    محمد مهران يكشف أصعب مشهد فى كواليس مسلسل درش    ماذا يحدث لجسمك عند التوقف عن تناول منتجات الدقيق الأبيض لمدة أسبوعين؟    "العاصفة الحمراء" التي ضربت دولا عربية.. هل هي خطيرة؟    ما حقيقة زيارة وفد إيراني إلى السودان سرًا؟    جاهزية فنية متكاملة تسبق انطلاق "عربية القوى" في تونس    الرابطة السليم تكتسح بركيه بخماسية اعداديا    ساردية تختتم التحضيرات لمواجهة الموسياب    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    المغرب يثبت نفسه بين الكبار ويواصل الهيمنة عربيا في تصنيف فيفا    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    وزير التربية يدشن استلام الدفعة الثانية من كتب الصف الاول الثانوي للولايات    تغيير كبير في هيكلة الجيش السوداني والعطا رئيسا لهيئة الأركان    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



وزير المالية الأسبق والقيادي بالمؤتمر الوطني عبد الرحيم حمدي في إفادات خطيرة ل (الأهرام اليوم)
نشر في الأهرام اليوم يوم 20 - 09 - 2010

ربما يكون هو الوزير الوحيد الذي ملأ الدنيا وشغل الناس طوال فترة تقلده منصب وزارة المالية والاقتصاد الوطني خلال الفترة الأولى للإنقاذ وهو قطعاً رجل مثير للجدل عندما يخطط وعندما ينظِّر وعندما يتحدث عن الواقع، له قدرة عجيبة على قراءة المستقبل الاقتصادي للبلد بطريقة ربما تكون لافتة للأنظار وأحياناً باعثة على الخوف والذهول – وعلى مقربة من ذلك فلا يمكن لأي مهتم ومتتبع لتاريخ السودان المعاصر أن يتجاوز اسم الأستاذ عبد الرحيم حمدي الذي يرجع إليه توجيه وقيادة السودان نحو سياسة الانفتاح والتحرير الاقتصادي و(الخصخصة)، تلك السياسة التي فتحت أبواب السخط من قبل الكثيرين، وخلفت دوياً هائلاً لا تزال آثاره مشتعلة حتى اليوم، وفوق ذلك هو الذي ترك بصمته على كل شيء، حتى على (قفة الملاح).. ولا يزال الرجل يقاتل في خندق الأفكار التي يؤمن بها – فقد بدأ حياته «صحفياً».. ودرس الاقتصاد بجامعة الخرطوم ومن ثم شغل عدة مناصب عليا داخل الوطن وفي مصارف عالمية.. عاد إلى الأضواء مجدداً عندما أقدم على طرح ورقته المثيرة للجدل (مستقبل الاستثمار في الفترة الانتقالية) أو ما عرف (بمثلث حمدي).. في هذا الحوار الخاطف حاولنا أن نقلب معه بعض الأوراق الاقتصادية والسياسية، فبدا الرجل هادئاً جداً كعادته، وغصنا معه في ثنايا المشهد العام دون مواربة.. إلى تفاصيل المقابلة.
{ في البداية يا دكتور، كيف تقرأ المشهد الاقتصادي على ضوء تجدد الخلافات بين الشريكين بخصوص الموارد واقتراب موعد الاستفتاء؟
- المشهد الاقتصادي ليست له علاقة بالاستفتاء، وخلاف الشريكين الذي هو خلاف واضح أنه لصالحكم، لصالح (الصحافة)، وبعد ذلك يتفقان على كل شيء، فالمعطيات الأساسية للمشهد الاقتصادي الآن هناك نقص هائل في الإيرادات مقابل زيادة هائلة جداً في مطلوبات الصرف العادية على الميزانية التقليدية والمطالبات المهنية والنقابية والولائية، والمطلوبات التي ترتبت على اتفاقيات السلام في نيفاشا وفي أبوجا وفي شرق السودان، بعضها يسير بشكل جيد كشرق السودان وبعضها إلى حد ما، ولو أنه متأخر كأبوجا، وبعضها متأخر جداً، والآن هناك هرولة نحو سداد بعض المطلوبات كما هو حاصل في الجنوب تحت شعار (جعل الوحدة جاذبة) لكن المترتب على هذه الالتزامات كبير جداً، وهذا يخلق ضغطاً شديداً على الوضع الاقتصادي، ويخلق مترتبات أخرى منها الغلاء، لأن جزءاً كبيراً من هذه الموارد كان من الممكن توجيهه إلى توفير موارد أخرى تساعد على تخفيض الأسعار بالإنتاج المحلي، وبالتالي تضغط على سعر الصرف، وهذا أيضاً يضغط على الأسعار لأنه ليس هناك إنتاج في الداخل، والبلاد اتجهت نحو الاستيراد من الخارج وهذه أصبحت ظاهرة مزعجة جداً، وفي ظل تناقص إيرادات الدولة من البترول حدث هبوط شديد في مخزون الدولة من العملات الحرة وهذا أيضاً أدى إلى غلاء الأسعار فهي دورة تغذي بعضها بعضاً، وأدى ذلك إلى كساد في بعض الأسواق، فالمشهد الاقتصادي مليء بالتعقيدات والضغوط بشكل كبير جداً.
{ طيِّب، وأنت تسقط هذه القراءة على واقع ما قبل الاستفتاء، ماذا لو حدث الانفصال؟
- الاستفتاء ممكن أن ينتج عنه انفصال، وممكن أن ينتج عنه استمرار نوع من الوحدة، لأن الوحدة المتصورة في الاستفتاء ليست هي الوحدة القائمة الآن، وإنما هي الوحدة المبنية على اتفاقية نيفاشا، ويبدو أنَّ ليس هناك وعي كبير بهذه النقطة، يعني استمرار سيطرة الجنوب على كل الجنوب ومقدرات أساسية في الشمال، وقد ينتج عن الاستفتاء انفصال، وفي هذه الحالة الموضوع واضح جداً، انحسار عائدات البترول سوف يكون كبيراً جداً، الآن البترول انخفض عائده بنسبة 70%، والجديد سيكون بعد الانفصال أن هذا الحجم سينخفض بصورة هائلة جداً بنسبة 76% وستكون هناك مشكلة كبيرة جداً في ما يتعلق بالعملات الصعبة في البلد، وأستطيع أن أقول إن الاستفتاء إذا نتج عنه الانفصال سيعقد المشهد الاقتصادي بصورة كبيرة جداً جداً.
{ بالنسبة إلى البترول الذي أصبح مورداً رئيسياً في الميزانية العامة تعتمد عليه حكومتا الشمال والجنوب بشكل أساسي، فهل تتوقع أن يتسبب في نشوب أزمة وحرب في حال حدوث الانفصال؟
- لا، البترول لن يتسبب في أزمة، ما سيتسبب في الأزمة هو عقول الناس وتصرفاتهم، البترول مادة خلقها الله، مثل الأراضي والمياه، فإذا أحسن الناس استعمالها بذكاء لصالحهم فلن تكون هناك مشكلة، لأن البترول مورد محايد، وإذا قرروا أن (يتشاكلوا) حوله فسيجلب لهم شراً كبيراً، وإذا قرروا أن يهدروه كما حدث في بعض الدول الأفريقية فلن تُرجى منه فائدة، فعندما ظهر البترول في الماضي، كان كل من يهتف ضد الحكومة في الخارج يقول إن البترول سيمكن الحكومة من التسلح وضرب الجنوب، وهذا من تلقاء التحريض الأجنبي، ولو لم يكن هناك بترول أيضاً كان سيكون هناك تحريض، لأن السودان أصلاً مستهدف، فلا تطعن (ضل الفيل)، اطعن (الفيل) نفسه.
{ ما هي البدائل التي يمكن أن يعتمد عليها الشمال إذا حدث الانفصال وذهب البترول إلى الجنوب؟
- البدائل موجودة، مع أن البترول سلعة عائدها سريع جداً. ممكن أن ترهن مستقبلك له كما فعلنا في سد مروي، سد مروي سوف يسدد على مدار (35) سنة، وبالتالي فهو يعطيك القدرة أن ترهن مستقبلك وتأخذ عليه (قروش)، سلع أخرى ممكن أن تقوم بنفس الدور إذا كانت لها الاستجابة والدخل، فالبدائل المباشرة كما أراها هي الأوراق المالية، استدانة من الجمهور داخل وخارج السودان، فالحكومات كلها في العالم تستدين، ونحن حتى الآن لم نستغل هذا المورد، الاستدانة بمقابل مالي، وهي معروفة عند الناس (بشهامة) أو الصكوك الحكومية، الآن حجم الاستدانة لسداد الدين الداخلي 7% وهذا بسيط جداً لأن حد السلامة المعروف عالمياً 60% من الدخل القومي وهو مورد عندنا فيه براح كبير جداً، والدليل على ذلك كلما تطرح الحكومة طرحاً لشهامة تأتيها طلبات مضاعفة، فهناك أموال تبحث عن استثمار داخلياً وخارجياً، وهذا البديل المباشر والسريع يحتاج إلى بعض التحسينات الربحية وبعض الضمانات. هناك بديل آخر بدأ ينمو ويحقق المطلوب منه، وهو الثروة الحيوانية، إذ ارتفعت صادراتها ارتفاعاً كبيراً جداً، وهي إذا حدثت فيها استثمارات يمكن خلال عام أو عامين أن (تسد فرقة) البترول، وأنا شخصياً أسميها بترول السودان الحقيقي، لأنها مطلوبة في الخارج، مثلاً لا يمكن أن نصدر للسعودية بترولاً وإنما يمكن أن نصدر لها اللحوم، والثروة الحيوانية موجودة في كل أنحاء السودان، حائمة في الفلوات، تحتاج فقط إلى مسالخ ومخازن مبردة ووسائل للنقل، بالنسبة إلى الزراعة فهى بديل رئيس، لكنها قد تأخذ زمناً، فنحن نريد زراعة مستقرة ومبنية على الأسس العملية، وليست الزراعة التى تملي علينا ظروفها لأنها مبنية على الأمطار والجفاف، عطفاً على أن محصولاتنا غير مطلوبة، وهذه البدائل كانت معروفة منذ البداية.
{ هناك من يتحدث عن مستقبل مظلم للسودان في حالة حدوث الانفصال، فهل يضع المؤتمر الوطني في تقديراته كل هذه الاحتمالات؟
- أنا لا أتكلم معك باسم المؤتمر الوطني، لأنني لا أمثله هنا، وفي تقديري المستقبل ليس مظلماً، فعندما حدث الانفصال بين الهند وباكستان تصور الناس أن البلدين سيسقطان في حفرة، والحقيقة أن الهند رغم الاختلاف الكبير فيها انطلقت وأصبحت دولة شبه عظمى، قد يحدث أن الشمال ينطلق لأن الجنوب بالنسبة إلى السودان تاريخياً عبء اقتصادي ثقيل منذ ما قبل الاستقلال، لأننا نصرف عليه في حالتي الحرب والسلم، وممكن جداً أن تحدث نتيجة إيجابية إذا لم تترتب على الانفصال مشاكل حدودية أو منازعات، والأجواء صفت وتدفق الاستثمار الأجنبي مرة أخرى، ممكن جداً أن ينطلق الشمال، وينطلق الجنوب أيضاً من هناك، وأنا لا أقول الشمال ينطلق على حساب الجنوب، وإنما بدون الجنوب، لأن في الماضي اتسمت الفترة بالنزاع المستمر و(طفشت) منا كثير من الاستثمارات والعمل الاقتصادي، ليس ذلك فقط وإنما أخذت مواردنا كلها وصرفت في الجنوب من أجل الحرب، والآن هذه الموارد ستعود للسلام على قلتها.
{ لكننا في هذه الحالة قد نخسر أموال المانحين؟
- أصلاً أنا لا أثق في أموال المانحين تلك، ولا أصدقهم، وإخوان كثيرون في الدولة يعلمون ذلك، والأمثلة واضحة فقد تم إغراء الفلسطينيين في أوسلو بفتح أبواب الجنة لهم بعد التوقيع، وعندما وقعوا لم يفتحوا عليهم إلا أبواب الجحيم، وكذلك المعونات التي وعدوا بها العراق وأفغانستان كلها وعود لا تأتي، حتى برنامجنا هنا للمانحين (ثلثاه) من السودان، وهي مهزلة كبيرة جداً ف (5) مليارات يفترض ألا ندفعها نحن، ولذلك أضع للمانحين صفراً على الشمال ولا أعتقد أن هناك دولة عاقلة ترهن مستقبلها للمانحين.
{ ولكن ربما يكون المانحون في انتظار نتيجة الاستفتاء وبعد ذلك يقررون إرسال الدعم؟
- أصلاً لن يأتوا، وكل هذه أساليب خداع تمارس، كل مرة يأتون بمبررات لتأخير الدعم، كل مرة، أول مبرر للتأخير دارفور، مع أن الدعم للجنوب والمناطق التي تضررت من الحرب موجودة في الشمال والجنوب وهي محتاجة إلى الدعم.
{ هناك مشروعات تنموية دفعت بها الحكومة للجنوب مؤخراً، فهل من الممكن أن تحمل الجنوبيين على التصويت للوحدة؟
- لا أعتقد ذلك، (أول حاجة) حتى الآن لم تؤت أكلها، ونوع المشروعات التي تترك انطباعاً سياسياً جيداً يجب أن تأخذ فترة من الزمن، ويجب أن تصل إلى كل المستويات، مثلاً الطرق لا تعتبر مشروعات جاذبة سياسياً، لكن المدارس والمستشفيات ينتبه إليها الناس لأنهم يتعاملون معها يومياً، أنا أرى مجهوداً جيداً لكنه متأخر، وأشك في أنه سيأتي بالنتائج المرجوة منه، والسبب الرئيسي حقيقة هو سبب نفسي وسياسي، كما أن هؤلاء يمكن أن تتم تعبئتهم بطريقة سياسية في اتجاه الانفصال، ومن يفعل هذا هو حكومة الجنوب، لأن القرارات السياسية تتخذها النخب عادة وليست الشعوب، مثلاً الناس صوتوا في السودان للاتحاد مع مصر في انتخابات تقرير المصير للسودان سنة (1953) وفاز الحزب الوطني الاتحادي الذي خاض الانتخابات بشعار الاتحاد مع مصر، ولكن قيادت الحزب غيرت الموقف بكل بساطة وأعلنت الاستقلال بكل بساطة، ولا كأن الشعب صوت، ليس هناك التزام إطلاقاً، فالنخب الجنوبية لو أرادت الانفصال فسيحدث حتى ولو شيدنا لهم مئات المشاريع.
{ طيِّب يا دكتور، بالفعل قامت انتخابات في السودان وكسبها المؤتمر الوطني، فهل تسببت في ذلك الفوز ورقة الاستثمار الخارجي أو ما عرف بمثلث حمدي التي اقترحتها للحزب الحاكم؟
- أعتذر عن إجابة هذا السؤال تماماً لأن الناس أساءوا فهم تلك الورقة.
{ ولكن المؤتمر الوطني كسب الانتخابات وأنت رسمت له خريطة لذلك الفوز؟
- المؤتمر الوطني فاز لأنه قدم خدمات كبيرة جداً، والناس شعروا بها عبر السنين وهي خدمات ملموسة، والسبب الآخر هو أن المعارضة كانت ضعيفة، والناس لم يجدوا البديل، ولذلك من الطبيعي أن يحقق المؤتمر الوطني هذا الفوز الكاسح.
{ البعض يرددون أن الورقة التي أعددتها هي التي وفرت البنية التحتية للانفصال؟
-.. لن أعلِّق لك على الورقة، وأنت لم تقرأها، فالورقة كانت عبارة عن إستراتيجية انتخابية «كيف نستفيد من الاستثمار في كسب الأصوات» ولم تكن خاصة بالانفصال أو غيره وقد حملوها أكثر مما تحتمل.
{ طيِّب، لماذا التمسك بسياسة التحرير الاقتصادي والبلد مخنوق بهذا الكم الهائل من الأزمات؟
- لأنها سياسة ناجحة.
{ ولكنها تسببت في غلاء الأسعار وفي أزمات معيشية متراكمة وانفلات السوق؟
- لا، أبداً.. غلاء الأسعار والأزمات المعيشية لم تتسبب فيها سياسة التحرير الاقتصادي، بالعكس، الوفرة الحادثة في عدد كبير من السلع سببها سياسة التحرير الاقتصادي، والنقص الحادث ليس سبباً فيه تلك السياسة التي من المفترض أن تساعد في الإنتاج.
{ عندما كنت وزيراً للمالية أرسلت خطاباً إلى صندوق النقد الدولي اعترفت فيه بتردي الأوضاع، ألا يعني هذا اعترافاً بفشل سياسة التحرير الاقتصادي؟
- من قال ذلك؟ أنا لم أرسل أي خطاب بذلك الخصوص، وعندما كنت وزيراً للمالية في الفترة الأولى أصدر الصندوق خطاباً مشهوراً جداً لكل وزراء المالية في العالم طلب منهم مساعدة السودان، ووافق على أن نصمم برنامجاً نقوم بمقتضاه بإعادة هيكلة الاقتصاد السوداني، وتناولنا هذا الأمر، لكن تراجعت دولة هولندا بعد أن وافقت ثم قالت إن ليس عندها موارد، وطلبت أن نُدخل معنا دول خليجية، ونحن وصلنا مرحلة متقدمة جداً مع الصندوق، وهذا كله كان مقابل أن ندفع لهم (300) ألف دولار في الشهر، وفي ذلك الوقت كان وزير المالية هو مستر برونك الذي طردناه في ما بعد وكان متعاطفاً مع السودان، في الوزارة الثانية دخلت مع الصندوق في مباحثات كثيرة لإعفاء ديون السودان لكن المدير الذي وافق مبدئياً كان مشغولاً وذهب لترشيح نفسه وأصبح رئيساً لدولة ألمانيا، وهذا الادعاء غيرحقيقي، والبنك نفسه أصدر تقريراً قبل ثلاثة شهور يقول إن السودان بسبب تلك السياسات شهد أطول فترة نمو في تاريخه طوال عشر سنين، وتضاعف فيه الدخل القومي خمسة أضعاف.
{ ولكن ذلك النمو لم ينعكس على حياة الناس؟
- لا.. انعكس، السودان زمان كانت فيه صحيفتان واليوم فيه أربعون صحيفة، التنمية العمرانية التي تراها أمامك يومياً ب (قروش) وليست (بلاش).
{ (مقاطعة): ولكن تلك الأوضاع مهدت لسيطرة طبقة صغيرة على حساب الأغلبية من فقراء السودان؟
- ليست طبقة، لأن ليست هناك طبقة صغيرة يمكن أن تبني مئات الألوف من المساكن، وليست هناك طبقة محددة تبني آلاف الكيلومترات من الطرق، تلك هي الحكومة وهذه الأشياء يستفيد منها كل الناس، المطاحن أو المخابز اليوم تصنع (25) مليون رغيفة في اليوم، فهل هناك طبقة صغيرة تأكل هذه الكمية من الرغيف؟ (يأكلها مجموع الشعب)، الصيدليات، والسيارات، وصل مجموعها الآلاف، فهل هي ملك لأقلية؟ هذا الكلام غير صحيح.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.