٭ لست من معتادي السفر، رغم أنني أتوق إلى ذلك، وأتمنى أن أستطيع يوماً التجول في مدن عالمية لأمتع عينيّ بكل جميل وبديع، رغم أنني أعلم أن حدوث ذلك قد يسبب لي حالة من الاكتئاب المزمن؛ لأنني حينها سأكون قد اختبرت بنفسي الفرق الواضح بين مدينتنا العزيزة المسالمة والمدن الأخرى بكل ما تتمتع به من مزايا وجمال تفتقر إليه المسكينة الخرطوم، والشاهد على ذلك أن الخرطوم تفرض عليك هذا الإحساس بالبؤس والكآبة، منذ أن تحط قدماك على أرض مطارها الدولي الذي أحسب أنه لا يمت للمطارات بصلة حميمة، كما أنه قد جاء في ذيل قائمة ترتيب مطارات العالم، ولأسباب موضوعية لا تدخل في شماعة خطط الاستهداف الخارجي التي نعلق عليها كل خطايانا. ٭ إن «مطار الخرطوم الدولي» الذي يفتقر إلى أبسط معاني الإبهار والتقنية المتطورة؛ يقودنا لنتوجه بسؤال مهم لجهات الاختصاص التي لا أعرف منها سوى «هيئة الطيران المدني»، لأستعلم عن الأسباب التي تجعلنا «نتمتع» بهذا المطار الذي أشبه ما يكون بموقف للطائرات المتهالكة، إذ أن الثابت هو أن معظم شركات الطيران العالمية ترسل أسوأ طائراتها إلى مطار الخرطوم، ولا تجازف باستخدام أسطولها المتقدم في السفر إلى السودان، فإذا كنت في طريقك إلى «النمسا» مثلاً كما روى لي شاهد عيان فستعمد شركة الطيران الإماراتية إلى تغيير الطائرة التي أقلتك من مطار الخرطوم في مطار «دبي العالمي»، لأنه من غير اللائق أن تتجه ذات الطائرة إلى مطار «فيينا»، ولك أن تلحظ الفروقات اللفظية بين المطار «الدولي» و«العالمي»، وفسرها كما يحلو لك لتصل إلى ما عنيته تحديداً بهذا الفرق. ٭ وقد يكون التفسير الوحيد الذي يجعل «هيئة الطيران المدني» ترجئ إعادة تطوير وتهيئة مطار الخرطوم بما يواكب العصر والعالم من حولنا؛ هو أنها تحشد كل الطاقات من أجل تشييد مطار «صالحة» المرتقب، وبأعلى المواصفات، فهل يعني هذا أن مطار الخرطوم الأب سيبقى على هذا الحال طوال السنوات الخمس القادمة التي وصفت كأقصى حد لانتهاء التشييد في المطار الجديد؟! ربما. ٭ فهل تعلم عزيزي المواطن الذي لم يتسنّ لك أن تمر عبر مطار الخرطوم، أن هذا المطار الأثري يعاني من مشكلة في المياه وعدم توفرها بشكل منتظم داخل الحمامات كأبسط مقياس للاهتمام والصيانة الدورية؟ وهل تعلم أن «سير العفش» متهالك ومهترئ وضيق؟ وهل تعلم أن أرضية الهبوط سيئة ويكاد الأسفلت بها لا يُرى؟ وهل تعلم أن مستوى النظافة متدنٍ جداً حتى أنك تلمح ذلك من خلال بصات ترحيل الركاب القبيحة ذات الزجاج المتسخ الذي يفتقر إلى اللمعان والبريق كما يفترض به أن يكون؟ ثم ماذا عن المظلات غريبة الشكل التي لا تقي من حر ولا تمنح ظلاً، التي خصصت للمرافقين خارج مباني المطار لتراهم منتشرين في حال مزرية كلما هموا بوداع عزيز أو استقباله؟! ٭ والمطار كذلك ضيق.. ومساحاته غير موظفة كما يجب.. وموظفوه يفتقرون إلى الأناقة والكياسة واللباقة، ولا يوجدون حيث يجب أن يكونوا أبداً، وإننا لنرجو أن يكون «مطار الخرطوم الدولي» الواجهة المشرقة التي تعكس باختصار حكاية إنسان السودان الطيب المضياف، وهذا لا يحتاج إلى كثير عناء، فالإمكانيات موجودة، وكل ما ينقصنا هو التفتيش الدوري المنتظم، والحرص على الصيانة بضمير وذمة، وترك الأمور لذوي الخبرة والدراية من الحادبين على مصلحة هذا الوطن والعارفين بنظريات التطوير والتنمية. ومهما كانت أمنياتنا للمطار الجديد طيبة، ومهما كانت الخطط الموضوعة له مبشرة؛ يجب ألا نهمل أمر المطار القديم؛ لأنه كان ولا يزال بوابة السودان الأولى والأخيرة مهما كانت المقارنات في غير صالحه، فأن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي، ونحن في انتظار الأنباء السعيدة عن المطار الأب. ٭ تلويح: أجمل ما في مطار الخرطوم تلك اللوحة البارزة لمدينتنا الحبيبة الخرطوم عند المغيب.. منتهى الروعة والجمال.