مستشار حمدوك:الخلافات داخل المكون العسكري خطيرة علي البلاد    الاتحاد الأفريقي يعقد اجتماعا بشأن سد النهضة يومي الخميس والجمعة    صندوق النقد الدولي: تعهّدات تمويلية تسمح بتخفيف الديون على السودان    صندوق النقد يؤمن تعهدات ب (1.415) مليار دولار لإعفاء شامل لديون السودان    البنك الزراعي بالشمالية يستلم 290 ألف جوال قمح    سوداكال يطالب باحترام خارطة الفيفا.. وينتقد قرارات الاتحاد السوداني    آل الشيخ يتكفل بمليون دولار لتأهيل إضاءة الجوهرة الزرقاء    الهلال يتدرب ويغادر لأبوحمد    التهاب عضلة القلب يحير العلماء.. هل السبب لقاحات كورونا؟    مختصون : فتح صادر الذرة يُحدث ندرة في القطاعات التي تتغذى عليه    جامعة السودان العالمية توقع مذكرتي تفاهم مع جامعتين صوماليتين    توقعات بهطول أمطار متفرقة وارتفاع درجات الحرارة    معاشيون : منحة العيد لا تساوي ( كراع خروف)    جريمة مروعة.. يقتل جميع عائلته ويدفنهم بالمنزل    اقتصاديون: بورصة الذهب توقف التهريب    انطلاق العمل لمسح الشمول المالي القومي بدنقلا    ضوابط جديدة للاستيراد للأغراض التجارية والشخصية وحظر تجارة (الشنطة)    اكد عدم ايفاء الرئيس الفخري بها سوداكال يعلن تسديد مستحقات البرازيلي    المريخ ينشد الفوز والصدارة أمام حي العرب بورتسودان    شعبة صادر الماشية : لابد من التزام البنوك التجارية بإعادة الحصائل    مصر.. الإعدام لعراقي استأجر عاطلا لاغتصاب زوجته.. فقتلها    الفنانة المخضرمة حنان النيل توضح أسباب اعتزالها الوسط الفني    (نداء السودان) يجمد عضويته في قوى (الحرية والتغيير)    شطب الاتهام في منتحل صفة قوات الدفاع الشعبي المحلول    المباحث تسترد ماشية مسروقة    شنق لتاجر مخدرات بشارع النيل    وزير النقل ولوفتهانزا الإستشارية : ياللبؤس !!    طه مدثر يكتب: من إفادات زول سغيل!!    حمد كمال يتعاقد مع الشرطة القضارف    تباين الآراء داخل قحت بشأن مبادرة حمدوك    ضبط شبكة تزوير لوحات المركبات بالقضارف    "كاف" يمهل الاتحادات الوطنية ويمدد فترة القيد    مدير وزارة الصحة بالجزيرةيقف على إحتياجات مركز الحاجة ثريا للكلي    داعش يتبنى الهجوم على منزل رئيس برلمان النيجر    الدفاع المدنى ينقذ الكلاكلة من كارثة محققة    "بعوض ملقح بالفياغرا تسرب من مختبر ووهان".. خبر ساخر يغزو مواقع التواصل    السودان يرسل وزير الدفاع لتسليم رسالة للرئيس الروسي    مع شرب كمية معينة يوميا.. دراسة ترصد "فائدة مذهلة" للقهوة    دراسة تكشف أسرار متلازمة "القلب المنكسر"    اكتشاف نشاط جيولوجي على الزهرة "يشبه سطح الأرض"    هدف مبكر يمنح إنجلترا الفوز وصدارة المجموعة الرابعة    لتخفي وجودك على الواتساب بدون حذف التطبيق..اتبع هذه الخطوات    رقص ساخن بين هدى عربي وأحد عازفيها    والدة شريف الفحيل تنتقد (لايفاته) وتفاصيل مثيرة في الفيديو الأخير    منتصر هلالية يكمل مراسم زفافه الثاني    رئيس آبل يكشف السبب في أن نظام آيفون أفضل من أندرويد    حملة إعلامية لتوعية الأطفال بمخاطر التقنية الحديثة    هل هاتفك يتنصت عليك حقا؟.. تجربة بسيطة يمكن تطبيقها للتأكد من ذلك!    القومي يستعد لإنتاج برامج العيد    طائرُ القَلقْ: عبد العزيز بركة ساكن ينعى ولده    تطوّر غير متوقع في قضية قتل شاب في فيلا نانسي عجرم    مُدير هيئة الطب العدلي ل(السوداني): لجنة جديدة لتشريح جُثث الأكاديمي    رئيس الفلبين يُخير الشعب بين التطعيم ضد كورونا أو السجن    جدلية العلاقة بين الجمهوريين والأنصار!    دعاء الرزق مستجاب بعد صلاة المغرب .. 3 أدعية تفتح أبواب الخيرات    السؤال: اكتشفت أن زوجي يتكلم مع نساء فماذا أفعل؟    الفاتح جبرا يكتب: خطبة الجمعة    المهدي المنتظر وما ليس الزاماً!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





التسول.. مهنة أم حاجة؟
نشر في الأهرام اليوم يوم 30 - 03 - 2011

التسول.. نشاهده يومياً في كل شوارع الخرطوم وأزقتها وأسواقها، وهذا ليس بالأمر الغريب، بل أصبح بطرق مختلفة ومتنوعة، فبدلاً من صورة «المتسول» التي اعتدنا عليها وهو جالس في مكانه وأمامه وعاء لوضع المال ودائماً ما يكون كبيراً في السن أو ذا عاهة تمنعه من العمل، تغيرت الصورة وأصبح «التسول» بطرق أخرى، ففي أثناء سيرك تسمع من يناديك: «لو سمحت لحظة»، فتلفت إليه فتجده أو تجدها شخصاً في كامل هندامه وبصحة جيدة ويخلو جسده من أية عاهة، ويقول لك: «والله انقطعت وداير حق المواصلات» أو «عندي روشتة وما معاي حق العلاج» والكثير من الأسباب المفتعلة التي يكون الهدف من ورائها كسب المال ليس إلا، فالتسول كأنما أصبح مهنة ووسيلة لكسب قوت اليوم، دونما عناء أو مشقة. بعض المتسولين يستأجرون الأطفال من أسرهم حتى يكسبوا بهم عطف المحسنين وقد أضحت هذه الوسيلة من أهم الوسائل لجمع المال وأيضاً استخدام الفتيات صغيرات السن لجمع المال.
{ هناك الكثير من التساؤلات التي تطرح نفسها وهي:
أولاً: كيف يتم الكشف عن حقيقة حاجة هؤلاء المتسولين ومعرفة ما إذا كانوا صادقين أم لا؟
ثانياً: ما دور وزارة الرعاية الاجتماعية وماذا تقدم لهم وما خطتها المستقبلية تجاههم؟
ثالثاً: كم هو عدد المتسولين داخل ولاية الخرطوم وما عدد الأجانب فيهم؟
رابعاً: ما العمل للحد من ظاهرة التسول وكيف يتم التنسيق مع شرطة أمن المجتمع وماذا عن الشبكات المنظمة التي تدير هذا العمل؟
كل هذه التساؤلات سوف تجيب عليها كل من مديرة إدارة الرعاية الاجتماعية؛ الدكتورة منى خوجلي، وشرطة أمن المجتمع، لاحقاً في هذا التحقيق، ولكن أولاً هذه بعض المشاهد المختلفة لمتسولين يتمركزون داخل العاصمة المثلثة «الأهرام اليوم» كانت لها وقفة معهم؟
مشاهد مختلفة
رفض معظم المتسولين الحديث حين اقتربت منهم قائلين: «كفاية كدا كلو مرة ناس الرعاية الاجتماعية يجو يصورونا ويكتبوا المحتاجين ليهو ومافي أي استجابة».. وعندها قلت لهم: «أنا ما ناس الرعاية أنا جريدة حانشر ليكم مشاكلكم عشان يحلوها ليكم».. وعندها قامت مجموعة من النسوة المتسولات اللاتي يجلسن في الجهة أو السور الشرقي للجامع الكبير بالسوق العربي بالضحك «علي» قائلات: «مشاكلنا عارفينها ومكتوبة عندهم ولو عندكم قروش أدونا ولو ما عندكم نحن ما دايرين نتكلم»، وعندها قامت امرأة طاعنة في السن كانت نائمة أو ربما خيل لي ذلك لأنها كانت تغطي وجهها وكأنها تتعايش مع المثل السوداني «لو كترت الهموم ادمدم ونوم»، قامت وهي ثائرة وغاضبة تقول: «أنا كنت مسجونة في «بشاير» خمسة شهور وجو ناس الرعاية وقالوا لينا عاوزين شنو؟ والضابط كتب كلا منا كلو وصورنا ومافي أي حاجة جاتنا وأنا بالجد دا ما عندي أي كلام مع أي زول وأي واحد يجي يدنقر فينا ويسألنا عاوزين شنو ولا يقول عاوز أصوركم ما عندي ليهو إلا عكازي دا»!!
أحلام عادية
هذه أيضاً سيدة تجلس قبالة البوابة الجنوبية للجامع الكبير بالخرطوم ومعها أطفالها الثلاثة، اقتربت منها وسألتها عن اسمها ومن أي الولايات أتت فقالت: «اسمي جميلة آدم ولدوني سنة 74 أنا أصلاً من نيالا عايشة في الخرطوم واحد وعشرين سنة، كنت عايشة في بيت عادي معرسة وعندي أطفالي وراجلي كان عندو دكان إجمالي والدكان بعد داك وقف لأنو معرس ثلاثة نساوين وأنا المرأة الثالثة، الراجل قال لينا ماشي يشتغل في الكماين وبعد داك طفش وبقيت أنا أشتغل غسيل في البيوت».
سألتها لماذا تركت «غسيل اليومية» قالت: «أنا مخليت غسيل اليومية لكن الغسيل ما بكون طوالي ومرات بكون «فترانة» ما قادرة أغسل أقوم أجي هنا عشان أتساعد لكن ما بجي كل يوم».
ساكنة وين؟ قالت: في دار السلام.
سألتها كم هي حصيلتك في اليوم؟ قالت: «في اليوم العادي بطلع بي «6 أو 7 » ألف جنيه وفي مرات يكون هناك ناس عدنهم زكاة أو صدقة عاوزين يطلعوها فيومي بكون أكثر من السبعة ألف».
{ ناس الرعاية الاجتماعية زاروك؟ «جونا ونحن في دار بشاير وصورونا وكتبوا مطالبنا ومشيت ليهم أربعة مرات ومرة واحدة بس صرفوا لي زيت وسكر وفتريتا وبن وشاي وتاني ما شفنا حاجة والكلام دا ليهو سنة وزيادة».
{ طلباتك شنو من ناس الرعاية؟ دايرة «ركشة أو كارو» وبيت أحفظ بيهو عيالي لأني ساكنة في بيت زول.
{ ذهبت منها وأنا أرى في عينيها نظرة أمل في أن تتحقق عبر «الأهرام اليوم» أحلامها العادية والبسيطة حتى أطفالها الصغار لديهم أحلام ولكن أحلامهم تختلف عن أحلام والدتهم، فهي تريد عربة «ركشة» تخرج بها قوت يومها وهم يريدون عربة يركبوها كنوع من الرفاهية فما أن أدرت ظهري عنهم حتى لحق بي طفلها الصغير قائلاً لي: «ما تكتبي ركشة أكتبي نحنا عاوزين عربية زي دي»، وأشار إلى عربة بجانبي، وعندما التفتت إليها وجدتها عربة «كامري» فضحكت وقلت له: «إنت عاوز عربية زي دي عشان تعمل بيها شنو؟»، قال: «عشان أركب فيها».
«عايزة غنم عشان أشرب لبن»
فوزية محمد متسولة طاعنة في السن اقتربت من ال 85 عاماً، تمتلك خفة ظل ضاربة بها كل الهموم ومتناسية بها أشعة الشمس الحارقة، اختارت الجامع الكبير مقراً لها لوجود الخيرين الذين يجودون بالمال وبالطعام ولكنها بالرغم من ذلك فهي صعبة المراس فيبدو أن الخرف قد بدأ يعرف طريقه إلى رأسها، اقتربت منها وسألتها: من أي مناطق السودان أنت؟ قالت: «أنا من تشاد راجلي طلقني وأنا عندي ولد واحد وهو هناك في تشاد وجيت السودان من بدري جداً وكنت شغالة دالالية بتاعت هدوم وخليتها عشان مافي رأس مال».
{ عمرك كم سنة؟ قالت: عمري 35 سنة.
{فقلت لها: «حرام عليك إنتي عمرك دا عمر 35 سنة؟»،
فأصبحت تضحك وقالت لينا أنا كبيرة زي حبوبة.
{ سألتها: ساكنة في الجامع هنا؟ «أنا ساكنة في نيفاشا ؟
{ قلت لها إنتو الشحادين ديل عندكم قروش كثيرة؟ وين؟ في اليوم عشرة جنيه وبعض مرات في اليومين 10 جنيه.
{ هل كنت في بشاير؟ ودوني ناس النظام العام بشائر وصورنا وكتبوا طلباتنا ومافي حاجة حصلت».
{ قلت لها: «عايزة شنو من ناس الرعاية الاجتماعية يقدموه لك؟»، قالت: «عايزة غنم عشان أشرب لبن».
{ بس. ما دايرة ركشة؟ أجابت مسرعة: «لا لا لا ما دايرة عربية أنا بس دايرة غنم».
تسولت لهذا السبب
وهذه أيضاً قصة أخرى من قصص هؤلاء المتسولين «حفصة آدم» من قبيلة الفلاتة ولدت في مدني وكانت كما تقول قبل الزواج تعمل في خدمة المنازل وغسيل الملابس ولديها زبائنها في مناطق أركويت والصحافة والامتداد تزوجت وتركت العمل ولديها خمسة أطفال قام زوجها بتطليقها وأخذ أطفالها الأربعة منها إلا من هذه الصغيرة التي في يدها فقد تركها لها لأنها كانت في سن الرضاعة.
{اقتربت منها وسألتها ماذا الذي جعلها بعد الطلاق تصبح متسولة؟
قالت: «لأني عندي بت ومافي زول بصرف علينا خليت غسيل اليومية لانو زبايني ما بحبوا الشغالة العندها أطفال تجي بيهم الشغل».
{سألتها: «مافي زول تخلي معاهو بتك ولا إنتي جاية بيها عشان يعطف عليك الناس؟»..
قالت: «مافي زول أمي ميتة وأبوي قاعد يبيع في السوق «قورو» عشان كدا اطريت اجي بي البت عشان أشحد»..
{ في اليوم كم حصيلتك؟ «في اليوم بطلع بي خمسة أو ستة جنيه ولو ما لقينا قروش بنلقى أكل».
{شنو العايزاهو من ناس الرعاية؟ «بس عايزة ركشة عشان أطلع منها بي مصاريفي».
الخريج المتسول
في أغرب من الخيال خريج هندسة مدنية جامعة الخرطوم والمهنة متسول؟
إنه رجل ذو سحنة عربية اختار السور الجنوبي للجامع الكبير ببحري مقراً له يأكل ويشرب وينام بجواره فليس لديه مأوى آخر يؤويه، يفترش قطعة من الكرتون ويلتحف السماء، اقتربت منه حتى أعرف حكايته عن قرب.
{ ما اسمك؟ محمد السعدابي الطيب عمري 41 عاماً.
{ من أي البلاد أتيت؟ أنا أصلاً من مدينة بحري.
{ أين كنت تعمل قبل أن تكون متسولاً؟ أنا عمري ما اشتغلت.
{ سألته لماذا لم تعمل مع أنك راجل في عز الشباب وكامل الصحة؟
قال بس في ظروف طارئة كدا ما خلتني أشتغل بعد ما اتخرجت.
{ قلت له: أنت قاري جامعة؟ أيوه أنا خريج جامعة الخرطوم كلية الهندسة المدنية..
{ فقلت له: بالله عليك خريج هندسة مدنية ومتسول؟ قال أيو بس في ظروف طارئة كدا ما خلتي أشتغل.
{ قلت له: أنت من قبيل بتقول «ظروف طارئة - ظروف طارئة» ما هي هذه الظروف؟
أجاب: بس أنا عندي قضية كدا لو ما انتهت ما حاشتغل.
{ سألته قضية شنو إنت ليه ما عاوز تتكلم؟ قضية كدا أنا زمان سرقوني واتربيت في منطقة أخرى.
{ منو السرقك ؟ جماعة كدا من خارج السودان المهم أنا عندي قضية لو ما انتهت ما حاشتغل.
{ قلت له أنت بتتسول ليك كم هنا؟ لي أربعة سنين.
{ ناس الرعاية الاجتماعية جوك هنا؟ أيوه جو وسألوني عاوز شنو وقلت ليهم بس عاوز قضيتي «تتحلا» وكمان والله إذا لقيت ركشة ما بطال.
- ذهبت منه ولا أدري ما إذا كان صادقاً أم لا..
متسول بدوام جزئي
وفي مشهد آخر حزين طفل يبلغ من العمر ثلاث سنوات ينام بجانب والده المتسول الذي يبدو عليه من سحنته هو أيضاً أن الزمان قد جار عليه فاختار الجهة الشمالية من الجامع الكبير بأم درمان مكاناً للجلوس عليه، ينام عليه هو وابنه ويعود إلى أسرته التي تسكن في منطقة جبل أولياء كل خيمس فيقضي معهم الجمعة والسبت ويعود ليمارس عمل التسول يوم الأحد فقد اختار هذا الرجل يومين في الأسبوع إجازة له ليرتاح قليلاً.
{ ذهبت إليه وسألته عن اسمه؟ فقال: الهادي عبدالله الفضل، عمري خمسون سنة.
{ قلت له: إنت أصلاً متسول؟ قال أنا كنت قبل كدا شغال عتالي ومتزوج من اثنين وعندي «7» أطفال.
{سألته لماذا تركت شغل «العتالة»؟ قال: أول حاجة أنا عيان عندي «وجع ضهر «نزله» وبعدين شغل العتالة ما فيهو قروش فدي الحاجة الخلتني أمد إيدي.
{ قلت له: ظروفك صعبة ليه معرس تاني؟ والله بس تقولي شنو قسمة الأولاد ديل «وأشار إلى ابنه الصغير».
{ سألته: هسة عاجباك حالة ولدك وهو نائم في الأرض وإنت بتشحد بيهو؟ ما عجباني لكن أعمل شنو الظروف جات كدا.
{ بتمشي لي أولادك كل خميس؟ أيوه بقعد الجمعة والسبت وأجي الأحد.
{ في اليوم بتطلع بي كم؟ في الأسبوع كلو بطلع بي 30 ألف جنيه.
{ قلت له: جوك ناس الرعاية الاجتماعية؟ أجاب جو ومافي أي حاجة.
{ سألته عن طلباته؟ قال بس عاوز بطاقة تأمين أتعالج بيها وبطاقة شخصية وعايز بيت ألم أولادي لأنهم عايشين في جبل أولياء في الشارع.
مشاهد أخيرة:
بعد أن تركت الهادي عبد الله ذهبت إلى امرأتين متسولتين كانتا تجلسان بالقرب منه وما أن فتحت فمي معرفة بنفسي حتى صبت إحداهن جام غضبها علي ودون أن تفهم قالت لي: «إنتو يا ناس الرعاية الاجتماعية جيتونا هنا كم مرة وما في حاجة قدمتوها لينا».
فقلت لها: «أنا ما ناس الرعاية، فقالت: «لو عايزة تكتبي عننا أو تصورينا معليش نحن ما عاوزين»، وقالت لي جارتها: «لوعايزين تدونا صدقة أدونا وغير كدا لا»، فتركتهن في حالهن وذهبت إلى حالي.
الإحصائية تبلغ 2500 متسول وربما أكثر
{ هذه كانت بعض المشاهد المتنوعة من خلال جولة ميدانية مع بعض المتسولين داخل ولاية الخرطوم، ثم بعد ذلك كانت الوجهة الثانية إلى وزارة التنمية الاجتماعية وفي اتصال هاتفي بالدكتورة منى مصطفى خوجلي؛ مديرة الإدارة العامة للرعاية الاجتماعية أكدت بأن المجموعة «المتسولين» التي تم حصرها من خلال الجمع الإحصائي وتبلغ حوالي 2500 أو أكثر، موضحة أنها لا تمتلك الإحصائية الكاملة لعدد المتسولين داخل ولاية الخرطوم والذين أغلبهم هم أجانب من دول الجوار، وقد تم ترحيل عدد كبير منهم حوالي 600 متسول إلى دولهم وتم بعد ذلك دعم 103 متسولين عبر ديوان الزكاة وتم تمليك 26 متسولاً مشاريع مختلفة وما زالت هذه المشاريع مستمرة وناجحة ما عدا اثنين منها فقط، وذلك كان لسوء اختيارهم وتخطيطهم، فنحن نقوم بسؤال المتسول ماذا يريد وفي أي المشاريع يمكن أن يعمل وأيضاً أنشأنا 40 نقطة خاصة بمكافحة التسول وما زلنا نطالب بزيادتها حتى نعمل على الحد من ظاهرة التسول.
خطة مكافحة التسول
ثم أوكلت بعد ذلك الدكتورة منى خوجلي اثنين من إدارة الرعاية وهم الأستاذان الباحثان النفسيان «مرتضى الصادق وعوض الحاج أحمد» للتحدث حول التسول وإعطائي المعلومات الكاملة عن عمل الإدارة وخطتها في مكافحة التسول حيث قالا: خطة مكافحة التسول انقسمت إلى خطتين، هي جمع المتسولين في «بشاير» بحيث يتم عمل تصنيف لهم واستمارة اجتماعية أولية وهي عبارة عن دراسة حاله بمعرفة المحتاج من الشخص غير المحتاج ثم بعد ذلك نقوم بعمل زيارة ميدانية لأسرهم ونتعرف على رغباتهم وميولهم وماذا أو في أي الأشياء يستطيعون أن يعملوا ثم نقوم بجمع طلباتهم وترفع عن طريق لجنة إلى الوزارة وبالفعل هذا الذي حدث فقد تم تسليم 103 مشاريع كمرحلة أولى. ويؤكد «مرتضى الصادق» أنهم يستطيعون تمييز المتسول المحتاج من غيره، وذلك عن طريق حنكة الباحث الموجود، وبالنسبة للمتسولين المسنين يقول بعد البحث إذا وجدنا أنهم ليس لديهم مأوى وليس لديهم أهل هم في الأصل كانوا مشردين نقوم بإرسالهم إلى دور المسنين، ومحترفو التسول هؤلاء نقوم بارسالهم إلى الشرطة حيث يكتبون تعهداً بعدم ممارسة هذه المهنة وتأتي الشرطة بأسرهم الذين يؤكدون أنهم غير محتاجين وأن أوضاعهم جيدة وقد أصبحت هذه هواية بالنسبة لهم، وهناك من هم أغلبهم من الولايات المختلفة وعلى الفور نقوم بتسفيرهم إلى ولاياتهم وأيضاً تم تسفير عدد 600 من المتسولين الاجانب إلى دولهم، حيث كونت لجنة عليا برئاسة وزارة الداخلية وشرطة الأجانب ومفوضية اللاجئين ووزارة الرعاية الاجتماعية وكل الذين يعنيهم الأمر.
شرطة مكافحة التسول
ويواصل كل من «مرتضى وعوض» حديثما مؤكدين أن المرحلة الثانية أو الخطة الثانية هي تنسيق مع شرطة أمن المجتمع، حيث كونت «40» نقطة خاصة بالتسول تسمى «شرطة مكافحة التسول» وتتمركز في التقاطعات والأماكن العامة والأسواق وإذارأت شرطة مكافحة التسول حالة متكررة يقومون بإخطارنا وإرسالها لنا ونقوم بدراسة حالته وإذا كان محتاجاً بالفعل فإننا نقوم بإدراجه في قائمة المشاريع، وبالنسبة لخطة الوزارة فهي الآن لديها خطة لإنزال العمل الاجتماعي عبر المحليات بمراكزها المنتشرة في تلك المحليات أو بصورة أوضح سوف يكون هناك 148 مركزاً وهذه المراكز سيكون بها تيم من الباحثين وتوجد بها لجان عليا، كل لجنة سوف تكون مسؤولة من كل الفئات «الفقراء، المعاقين، كبار السن، المعاشيين، المتسربين من التعليم، الأيتام المشردين وعمالة الأطفال» وهذه الفئات هي تمثل المجتمع وتحظى بالاهتمام من قبل الوزارة وقامت الوزارة بإرسال 100 باحث إلى ديوان الزكاة الولائية، فهناك تعاون بيننا كوزارة وبينهم وذلك لإجراء مسح وحصر للأسر الفقيرة والآن بدأنا منذ أكثر من شهر بالجلوس مع «المعتمدين » حتى يكون هناك عمل جماعي مع كل اللجان الشعبية وفاعلي الخير وناشطي المجتمع ويتم حصر هذه الحالات وتصنف وتنزل ب«الداتا» ويكون هناك ربط بين جميع المحليات بالشبكات وقد تم تعيين 268 باحثاً نفسياً واجتماعياً في 2011م وهم الآن يعملون في تعريفهم بإدارات الوزارة.
وأخيراً يؤكد الباحث «عوض الحاج أحمد دقير» بأن إيجاد الحلول سوف يكون عبر الشراكات بين «الحكومة، المنظمات، عبر المجتمع المحلي»، وبذلك تتم معالجة الفقر حتى لا يكون هناك تسول وتكون الخدمات عبر هذه ا لمحاور الثلاثة.
مهنة جاذبة:
كشفت شرطة أمن المجتمع أن التسول أصبح مهنة جاذبة لكثير من فئات المجتمع ومصدراً من مصادر الدخل السريع والقليل التكلفة في ظل ازدحام المدن بسكان الأرياف والولايات الأخرى، وذلك نسبة لضيق فرص العمل وانتشار معدلات البطالة وتفاقم الأمراض المسببة للعجز الحركي وزيادة معدلات المعا قين بسبب الحروب الداخلية وقد تم ضبط العديد من منسوبي هذه الفئة يستخدمون وسائل وأشكالاً احتيالية متعددة ومختلفة ومتنوعة لاستدرار عطف المواطنين وتحريك نوازع الخير فيهم، كما أضحى استخدام الأطفال بواسطة أسرهم أو غيرهم من أهم الوسائل لجمع المال، كما أن هناك فئة من المتسولين لا تتورع في ممارسة العنف ومقاومة أفراد الشرطة والالتحام معهم أثناء الحملات التي تقوم بها وتزداد أعداد المتسولين بصورة رهيبة في أيام المناسبات كأواخر شهر رمضان وعيدي الفطر والأضحى. وتؤكد شرطة أمن المجتمع أن الأسباب الرئيسية لانتشار ظاهرة التسول هي الحروب الأهلية والاضطرابات الأمنية التي يضطر معها السكان المحليون إلى الهجرة والزحف وزيادة عدد السكان في ظل محدودية الموارد والخدمات، كما أن انتشار معدلات البطالة يعد من هذه الأسباب، بالإضافة إلى التفكك الأسري وانتشار الجهل وعدم الاهتمام بالتعليم الأساسي وانتشار الأمراض المقيدة للحركة.
دور إدارة أمن المجتمع
ويعتبر شن الحملات على مواقع تواجد هذه الفئات «المتسولين» من صميم عمل إدارة أمن المجتمع، حسبما ورد في المادة 10 من قانون النظام العام لولاية الخرطوم، الصادر في عام 1996م، حيث تتم حملات لجمعهم وتصنيفهم وإرسال كبار السن منهم إلى دور العجزة والمسنين وتقديم المقتدرين منهم للمحاكمة وتحويل الأطفال لدور الرعاية المعسكرات، والجدير بالذكر أنه ليس هناك حصر لمنسوبي هذه الفئة، فقد يتم ضبط الحالة الواحدة في أكثر من موقع وفي أكثر من مكان، مما يؤدي لصعوبة الحصر، حيث تعاني الإدارة في سبيل ذلك أيما معاناة، ويفتقر العمل في هذا الجانب للوسائل الصحية والوقائية من الأمراض المعدية خاصة مثل مرض الجزام، بالإضافة لقلة دور الرعاية ومحدودية سعة الموجود منها.
الرؤى المستقبلية
إن الرؤى المستقبلية لشرطة أمن المجتمع ترتكز على حصر علمي دقيق للمتسولين ودراسة احتياجاتهم وتنمية المناطق الريفية والمناطق المتأثرة بالحروب والنزاعات الأمنية وخلق فرص عمل وعمالة كافية وتطوير بيئة دور الرعاية الاجتماعية بالإضافة لإعادة النظر في المادة 10 من قانون النظام العام وتشديد العقوبة على من يمتهن التسول والاهتمام بخدمات التعليم والصحة، خاصة في الأرياف والولايات وتفعيل دور إدارة الرعاية الاجتماعية وديوان الزكاة وجهات الاختصاص الرسمية الأخرى والمنظمات التطوعية والخيرين من رعاية الأسر الفقيرة والمساكين.
رأي الدين
ويقول البروفيسور محمد عثمان صالح؛ الأمين العام لهيئة علماء السودان إن التسول ممنوع شرعاً وقد ورد فيه وعيد شديد لمن جعله مهنة، ويشدد الإسلام في عقوبته، فالتسول لا يكون إلا للمحتاج المضطر الذي لا يجد قوت يومه وإذا وجد قوت يومه فلا يصح أن يسأل أو يتسول للاغتناء، فالذي يتسول يرتكب معصية وأشد منه معصية الذي يسهل له أمر التسول على اتفاق بينهما، مثل المرأة التي تأخذ طفلاً غيرها لتشحد به أو الإنسان الذي يأتي بأناس من خارج البلاد ويتكسب من ورائهم، فهذا عمل محرم يبغضه الله وفيه إضرار بالمجتمع، وعلى السلطات المختصة أن تمنع هذا التسول في المساجد وإشارات المرور ومحطات الوقود والمستشفيات ونحو ذلك، وعلى سلطات الرعاية الاجتماعية أن تنظر في كل حالة على حدة، وأن تجد لها العلاج اللازم ونحن في هيئة العلماء قد وجهنا الإخوة الأئمة والدعاة بأن يحاربوا هذه الظاهرة وأن يقوموا بفعل إيجابي وعمل صناديق خيرية في المساجد حتى تحل المشكلات الحقيقية للمحتاجين.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.