كان أبوبكر الصديق أول الخلفاء الراشدين ينتمي إلى بني تميم، وعمر بن الخطاب إلى بني عدي، وعثمان بن عفان إلى بني أمية، وعلي بن أبي طالب إلى بني هاشم، والزبير بني العوام إلى بني أسد، وعبدالرحمن بن عوف إلى بني زهرة، وخالد بن الوليد إلى بني مخزوم، وعمرو بن العاص إلى بني سهم، وكان هناك بنو عبدالدار ومن مشاهيرهم النضر بن الحارث، وبنو جمح ومن قادتهم أمية بن خلف. وهذه العائلات أو البطون التي تألفت منها قبيلة قريش التي بلغت شهرتها مغارب الأرض ومشارقها، فالنبي محمد - صلى الله عليه وسلم - من صميمها. وقد اتفق الناس وما زالوا، رغم مرور مئات السنين، على تلك الانتماءات ولم يقل أحد مثلاً إن النضر بن الحارث من بني هاشم.. منتهى الدقة وهي دقة يجب أن تلفت النظر، خاصة وأن التوثيق بالكتابة لم يكن منتشراً ولم تكن وسائل التوثيق الأخرى قد ظهرت بعد. وكان ممن لفتت نظرهم هذه الدقة في الانتماءات وفي الأقوال المرتبطة بذلك العصر القديم الأستاذ حسين خوجلي صاحب «ألوان» ورئيس تحريرها في مقال له منذ عدة سنوات. وما أعادني إلى ذلك بعض ما قرأته حديثاً عن الأمير حمدان أبوعنجة أحد أشهر وأكفأ القادة العسكريين أيام المهدية في الربع الأخير من القرن التاسع عشر.. فقد كان الشائع عنه أنه من قبيلة المنضلة إحدى قبائل النوبة في جنوب كردفان التي شهدت الأيام القليلة الماضية انتخابات ضروساً على مقعد الوالي بين مرشح المؤتمر الوطني أحمد هارون ومرشح الحركة الشعبية عبدالعزيز الحلو. ولكن ظهرت كتابات أخرى في أحد المواقع الإلكترونية تقول إن القائد الفذ حمدان أبوعنجة من قبيلة حمر، ولن تتأثر قيمة ومكانة المقاتل الكبير، سواء أكان من المنضلة أو حمر، ولكن الذي يلفت النظر هو هذا الاختلاف حول الانتماء القبلي لحمدان أبوعنجة الذي عاش في القرن التاسع عشر، بينما هناك إجماع كامل صارم حول الانتماءات العائلية لمرموقين أجلاء عاشوا في القرنين السادس والسابع الميلاديين. وكان الشائع أيضاً أن حمدان ابوعنجة مات خلال الحرب التي كان يقودها على الجبهة الشرقية في عهد الخليفة عبدالله فقد قضى عليه المرض. ثم نقرأ حديثاً أيضاً أنه بعد أن أصيب بمرض الجدري وبعد رفضه لاستدعاء الخليفة له بالمجيء إلى أم درمان انسحب وأقام بعض الوقت في كل من كردفان ودارفور وأنه عاش حتى سنة 1932م. أي أنه عاش أكثر من ثلاثة عقود من فترة الحكم الثنائي، ومعنى هذا أنه حضر ثورة 1924 ومولد الحقيبة ونشأة الهلال والمريخ وإضراب طلبة كلية غردون عام 1931م. كيف نختلف هذه الاختلافات الكبيرة حول بطل يشار إليه من أبطال تاريخنا الوطني السياسي العسكري وفي ما لا يختلف حوله حتى في ما يخص الناس العاديين أو غمار الناس، كما يقول عبدالله علي إبراهيم، ناهيك عن أن يكون الاختلاف حول مقاتل ممتاز كانت له إسهاماته المشهودة في تحقيق استقلال السودان صباح 26 يناير 1885م؟!