الحكومة والحركة الشعبية (عقار) يوقعان برتكول إطاري .. دقلو: نخطو بثبات نحو سلام يؤسس لواقع جديد .. عرمان: السودان لن ينضم لنادي الدول الفاشلة .. سلفاكير: نسعى لسلام شامل بالبلدين 2020م    قراءة تحليلية لتاريخ الأزمة السودانية الاقتصادية السونامية ما قبل وبعد الثورة، ومن المسؤول عن ذلك؟ 2_1 .. بقلم: عبير المجمر (سويكت)    عناية الريِّس البُرهان.. أُحذِّرَك من القِطَط السِمان!!! .. بقلم: جمال أحمد الحسن – الرياض    بيان من الحركة الديمقراطية لأبيي حول مجزرة قرية كولوم بمنطقة أبيي    توثيق لثورة ديسمبر من خلال مشاركاتي فيها (37) .. بقلم: د. عمر بادي    رفع الدعم .. " الضرورة و المخاطر " .. بقلم: صلاح حمزة / باحث    احذروا غضب الحليم : والحليم هو شعبنا!!(1) .. بقلم: حيدر أحمد خيرالله    ازمة السودان غياب المشروع القومي والوطني منذ الاستقلال .. بقلم: بولس کوکو کودي/ الويات المتحدة الأمريكية    قتل الشعب بسلاح الشعب .. بقلم: حيدر المكاشفي    الرواية "لايت".. لا صلصة ولا ثوم! .. بقلم: د. أحمد الخميسي قاص وكاتب صحفي مصري    تعلموا من الاستاذ محمود: الانسان بين التسيير والحرية .. بقلم: عصام جزولي    ضبط شبكة اجرامية تتاجر في الأسلحة والذخائر    قيادي ب"التغيير": أعضاء قحت لا يتدخلون في عمل الجهاز التنفيذي    الحرس الثوري: تابعنا الطائرة التي اغتالت سليماني منذ لحظة إقلاعها    عباس وماكرون يبحثان في رام الله القضية الفلسطينية والاعتراف بدولة فلسطين    توتنهام يستعيد نغمة الانتصارات ويعبر نوريتش بثنائية    الجيش اليمني يعلن استعادة مواقع من الحوثيين    نيابة مكافحة الفساد تستجوب علي عثمان    (عابدون) : ترتيبات لمعالجات جزرية لازمة المواصلات بالخرطوم    والي الخرطوم : أزمة الدقيق (شدة وتزول) و(500) مليار لنقل النفايات    مبارك الفاضل : ميزانية 2020 لن تستمر حال عدم رفع الدعم    إصابة وزير الأوقاف في حادث مروري بالخرطوم    تدشين العمل بمطار الضعين الدولي    بكري المدينة ينتقل لظفار العماني    قم الأن .. بقلم: أحمد علام    الشهيد عباس فرح عباس .. شعر: د. محمد عثمان سابل    النشاط الطلابي وأثره في تشكيل الوعي !! .. بقلم: نجيب عبدالرحيم (أبوأحمد)    مدني حل مشكلة الخبز في ثلاث اسابيع    وزير المالية : (450) كليو جرام تدخل عمارة الذهب عن طريق التهريب    الشرطة: انفجار عبوة قرنيت بحوزة نظامي أدت لوفاته وأربعة اخرين وإصابة أكثر من خمسة وعشرين من الحضور بإصابات متفاوتة    السيليكا.. صلات مفترضة مع الإرهابيين .. بقلم: كوربو نيوز .. ترجمها عن الفرنسية ناجي شريف بابكر    وزارة الصحة الاتحادية تنفذ حملات تحصين في الولايات    الفاتح جبرا:قصة (إستهداف الدين) وإن الدين في خطر والعقيدة في خطر ده كلو (حنك بيش) كما يقول أولادنا    يدخل الحاكم التاريخ بعمله لا بعمره .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    الشُّرْطَةُ وَالاستفزاز (ضَرَبْنِي وبَكَىَٰ وَسَبَقْنِي اشتكى) .. بقلم: فَيْصَلْ بَسَمَةْ    الرشيد: جمعية القرآن الكريم تمتلك مناجم ذهب بولاية نهر النيل    عدت إلى الوطن (السودان) وعاد الحبيب المنتظر (2) .. بقلم: د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي    زيارة الدكتور Dr.Anne Sailaxmana إستشاري جراحة العظام والسلسة الفقرية لمدينة المعلم الطبية    محمد عبد الكريم يدعو السودانيين إلى الخروج "لتصحيح مسار الثورة"    "الصحة" تحذّر من الاستحمام بالماء البارد    استأصلوا هذا الورم الخبيث .. بقلم: إسماعيل عبد الله    إرهاب الدولة الإسلامية وإرهاب أمريكا.. تطابق الوسائل واختلاف الأيديولوجيا!! .. بقلم: إستيفن شانج    طهران.. التريث قبل الانتقام .. بقلم: جمال محمد إبراهيم    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    الهلال يستقبل اللاعب العراقي عماد محسن    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    النجم الساحلي يعلن غياب "الشيخاوي" عن مباراة الهلال    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    زوج نانسي عجرم يقتل لصّاً اقتحم منزلها    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    إيقاف منصة بث "الأندلس" المالكة لقنوات طيبة    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    "المجلس الدولي" يدعو السودان للتوعية بخطر نقص "اليود"    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الإنتخابات رؤية تأصيلية


د. صالح سنين صالح -‎ جامعة القرآن الكريم بمدني
إن المصلحة الشرعية والضرورة الاجتماعية والسياسية والأمنية، تقتضي أن ينقب طلاب العلم والباحثون في هذه المسألة التي شغلت الرأي العام وصارت هاجساً يؤرق مضاجع الناس كافة، وليس الساسة وأهل الحكم وحدهم.
فكان لابد من بحث الأمر تجلية وتوضيحاً له من الزاوية الشرعية والرؤية التأصيلية، حتى يعلم الناس ان القضية التي انشغلوا بها وكرسوا لها وقتهم وجهدهم ومالهم -الذي هم مسؤولون عنه أمام الله عز وجل- قضية عبادة ودين وموالاة للمؤمنين، ونبذ لأهل الفسق والفجور، والمجرمين. فالقضية إذن ليست مجرد ضجة إعلامية أو احتفالية سياسية، لجلب التأييد وحشد الدعم لهذا المرشح أو ذاك أو الوقوف مع هذا الحزب أو ذاك، بل الأمر أكبر من ذلك فلابد من توحيد المقاصد ووحدة الهدف، وتوحيد رؤية الأمة وتبصيرها بعظم الأمر وعواقبه، قال تعالى: «وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون? فتقطعوا أمرهم بينهم زبراً كل حزب بما لديهم فرحون? فذرهم في غمرتهم حتى حين» «المؤمنون - 25- 54».
لأجل ذلك رأينا المشاركة بالرأي التزاماً بواجب المسؤولية الشرعية والمهنية، فجاءت هذه الورقة إسهاماً متواضعاً في هذا المجال، نسعى من خلالها الى توضيح الرؤية الشرعية وفق الأهداف التالية:
أهداف الورقة:
* تجلية الحكم الشرعي التأصيلي في قضية الإنتخابات والمشاركة فيها.
* إبراز دور الجامعة من خلال أنشطة المركز والأذرع المساعدة له في قضايا المجتمع المصيرية.
* إثراء الحوار البناء الهادف حول هذه القضية من هيئة التدريس بالجامعة، والمهتمين والمختصين كافة، وقادة الرأي بالمجتمع.
محاور الورقة:
* بحول الله وتوفيقه، تتناول هذه الورقة المحاور التالية:
- الإنتخابات أو عملية الاقتراع في اختيار الحاكم، تعريفها، منشؤها، وتطورها.
- الأدلة الشرعية على جواز عملية الإنتخابات والمشاركة فيها.
- المصالح الشرعية والاجتماعية المترتبة على الإنتخابات.
- الخاتمة والتوصيات.
ونبدأ في تفاصيل هذه المحاور فنقول:
ما هي الإنتخابات؟
إذا أردنا الإجابة على هذا السؤال الذي يبدو بديهاً، لابد أن نعرّف هذه المفردة، فنقول: إن لفظ الإنتخابات مفرداً أو جمعاً، هو مصدر للفعل انتخب، والإنتخاب معناه الاختيار، أو المفاضلة بين متعدد من جنس واحد أو أجناس مختلفة: أنظر: الفخر الرازي، مختار الصحاح، مادة: نخب.
والإنتخابات إصطلاحاً، هي مجموعة من العمليات التنظيمية، التي تشتمل على عدد من المراحل، تبدأ بحصر وإحصاء الناخبين والمرشحين، وتنتهي بالإقتراع والتصويت وفرز النتيجة، ليعلم من الفائز في السباق من أجل الوصول الى الحكم والتمثيل، في أية سلطة كانت وعلى أي مستوى من المستويات وفق قانون ونظام وإشراف آليات محددة.
ولعل هذا النمط من الممارسة السياسية للحكم، عبر تمثيل الجماعات والأفراد نشأ في الغرب فيما يسمونه بالديمقراطية، ومخترعها هو «وست منستر»، وهو نظام بريطاني يقوم على الطبقات من حيث التطبيق ويكفل للأفراد حق التصويت «صوت لكل فرد حسب الشروط الموضوعة».
أما الأصل اللغوي لهذه المفردة فهي لاتينية الأصل عرفت قديماً عند الاغريق في عصر الفلاسفة: أرسطو، وسقراط، وأفلاطون، وهي كتجربة وفكرة قد تطورت كثيراً، وأخذت أشكالاً متعددة في الغرب وأمريكا ومعظم بلاد المشرق.
أما في باقي دول العالم الاسلامي، فإنها مشوبة بالكثير من المحاذير فكراً وممارسة لذلك وقف إزاءها علماء الشرع موقفين:
الأول: موقف يمنعها، ويعتبرها صنيعة غربية تدعو للشقاق والتناحر والعصبية، ومنهجها يغاير الشورى الإسلامية التي لها شروطها وأهليتها، إذن فهي لا تجوز عندهم ما دام للإسلام منهجه في الحكم الراشد عبر الشورى.
الثاني: موقف يجوزها: ويعتبر الإنتخابات مجرد وعاء، يمكن استغلاله وصب قالب الشورى فيه، مثله مثل الإعلام والمصارف «البنوك» وغيرها من الوسائل التي أنتجها العقل البشري، وهي ملك مشاع وأمر متاح للمسلمين الأخذ به، وهذا الفريق يعتبر الأمر من باب المصلحة المرسلة، وهي مصدر من مصادر التشريع كما نعلم على خلاف بين الفقهاء.
الأدلة الشرعية على جواز الإنتخابات:
أولاً: الأدلة من القرآن:
1/ قوله تعالى: «ولتكن منكم أمة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأؤلئك هم المفلحون» «آل عمران - 104». ووجه دلالة الآية: إن هذه المجالس التي تتمخض عن الإنتخابات هي منابر للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تماماً كمنابر المساجد والتلفاز والمذياع والمجلة.. إلخ، بل هي أجدى وأقوى وأبعد أثراً في حياة المجتمعات إذ هي التي تخطط وتضع البرامج والتشريعات التي تسير عليها الدولة في أجهزتها كافة. ولا يعقل أن يترك مكان كهذا يعتدى فيه على الشرع، ويقرر فيه نقيضه، دون أن نأمر بالمعروف وندعمه، وننهي عن المنكر ونقمعه، قال الإمام القرطبي: «فإذا تركوا التغيير وتواطؤوا على المنكر، زال عنهم اسم المدح ولحقهم اسم الذم، وكان ذلك سبباً لهلاكهم» «تفسير القرطبي: 152/4».
2/ قوله تعالى: «أدع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين» «النحل - 125». قال شيخ المفسرين الطبري: «يقول تعالى لنبيه: ادع يا محمد من أرسلك ربك إليهم الى طاعته والى شريعته التي شرعها لخلقه، وهو الإسلام» «تفسير الطبري 194/8».
فإذا أمكن للحركات والجماعات الإسلامية ان تعلن حكم الشرع في المسائل المعروضة على رؤوس الإشهاد في تلك المجالس، وتدعو الى تطبيق شريعة الله، وتنقل ذلك وسائل الإعلام للأمة كلها، كان حينئذ لزاماً علينا فعل ذلك والأخذ به.
3/ قوله تعالى: «لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون» «المائدة - 63».
فالآية ذمت هؤلاء لعدم قيامهم بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال الإمام ابن كثير: «أي كان لا ينهى أحد منهم أحداً عن ارتكاب المآثم والمحارم، ثم ذمهم على ذلك، ليحذر أن يرتكب مثل الذي ارتكبوه فقال: «لبئس ما كانوا يفعلون». «تفسير ابن كثير - 618/2».
والمشاركون في هذه المجالس من الدعاة المستقيمين والمصلحين سينهون عن المنكر والمأثم قطعاً، فهم يصرحون عبر برامجهم بأن مشاركتهم قائمة على أساس الأمر والنهي وإصلاح شأن الأمة معاشاً ومعاداً.
الأدلة من السنة:
1/ قول الرسول «صلى الله عليه وسلم»: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». «أحمد ومسلم والترمذي والنسائى».
فما دام التغيير في مقدورنا، فعلينا القيام به، وهذه المجالس لا يتيسر إزالة أو إنكار المنكر الذي يُعلن فيها إلا لمن دخلها، فكيف نترك الأمر والنهي في هذه المجالس مع عظيم تأثيرها في الأمة. قال الإمام النووي: «ثم إنه قد يتعين - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- كما إذا كان «المنكر» في موضع لا يعلم به إلا هو، أو لا يتمكن من إزالته إلاّ هو». «شرح النووي على مسلم - 24/2».
2/ قول الرسول «صلى الله عليه وسلم»: «ما من قوم يُعمل فيهم بالمعاصي، يقدرون على أن يغيروا ثم لا يغيروا، إلا يوشك أن يعمهم الله منه بعقاب». «أبوداؤود». قال الإمام النووي: «وإذا كثر الخبث عم العقاب الصالح والطالح، وإذا لم يأخذوا على يد الظالم أوشك ان يعمهم الله - تعالى- بعقابه». «شرح النووي على مسلم: 24/2».
هذا والجميع يرى أن للنواب في هذه المجالس حق الكلام ومناقشة لكل مسؤول في الدولة، وحق الاعتراض على كل ما تقوم به الحكومة، وهذا تغيير للمنكر باللسان. وإذا كان النواب الملتزمون بالشرع لهم اليد العليا في المجلس، أمكنهم حينئذ تغيير المنكر باليد.
3/ فعل النبي « صلى الله عليه وسلم»: «حيث عمد الى الاستفادة من نظم المجتمع الجاهلي التي كان يتحاكم إليها أهل الجاهلية في إفادة الدعوة الإسلامية، والأمثلة على ذلك كثيرة نقتصر على أهمها:
1/ إجارة أبي طالب للنبي «صلى الله عليه وسلم»: حيث ظل النبي «صلى الله عليه وسلم» يدعو الى الإسلام تحت حماية عمه دون أن تمسه قريش بسوء قرابة عشر سنوات، ولم يتخل أبوطالب عن ابن اخيه، أو يرفض ابن أخيه حمايته. «سيرة ابن هشام: 264/1».
2/ حماية النبي «صلى الله عليه وسلم» بقوة السلاح الجاهلي في شعب أبي طالب: فعندما رأت قريش إصرار أبي طالب مع بني هاشم وبني المطلب على حماية النبي «صلى الله عليه وسلم» عمدت الى مقاطعتهم، وتمالأ على ذلك الأحلاف وهم: بني عبدالدار وبنو جمح وبنو مخزوم وبنو سهم وبنو عدي، وحصروا بني هاشم وبنو المطلب جميعاً مسلمهم وكافرهم في الشعب، مطالبينهم بتسليم النبي لهم ليقتلوه. وكان أبوطالب في الشعب يحتاط لحفظ النبي «صلى الله عليه وسلم» بأن يأمر أحد بنيه بالنوم في فراش النبي «صلى الله عليه وسلم» الذي رآه الناس يستلقي فيه تمويهاً عليهم. «سيرة ابن هشام - 351/1» «الرحيق المختوم - 98».
3/ دخول النبي «صلى الله عليه وسلم» الى مكة في جوار المطعم بن عدي عندما عاد من الطائف:
حيث ان قريشاً منعت النبي «صلى الله عليه وسلم» من دخول مكة بعد عودته من الطائف، فأرسل النبي «صلى الله عليه وسلم» الى الأخنس بن شريق وسهيل بن عمرو والمطعم بن عدي تباعاً ليدخل في حماية أحدهم، فرفض الأخنس وسهيل لأسباب تتعلق بقانون الإجارة الجاهلي، وأجاب المطعم بن عدي، حيث أمر بنيه وقومه بني نوفل بحمل السلاح وقال لهم: إني قد أجرت محمداً، فكونوا عند أركان البيت بسلاحكم، ثم نادى في قريش يعلمهم إجارته للنبي «صلى الله عليه وسلم». ثم دخل النبي «صلى الله عليه وسلم» الى مكة فطاف بالبيت وصلى ركعتين ثم دخل منزله. «سيرة ابن هشام 381/1». كل ذلك وسيوف المشركين من بني نوفل مشرعة تحميه من مشركي قريش.
وتعقيباً على كل ذلك نقول: إن واقع الحركات والجماعات الإسلامية يتطلب منها حسن الاستفادة من النظم القائمة لتحقيق بعض المنجزات لدعوة الاسلام ودعاته، أو حماية الدعوة من الفناء والهلاك، اقتداء برسول الله «صلى الله عليه وسلم» ولا يسمى هذا العمل من قبل النبي «صلى الله عليه وسلم» رضىً بأحكام الكفر، أو رضىً بما يشرعونه من دون الله، أو ركوناً ومساندة للذين ظلموا، وإن خوض الإنتخابات لدخول المجالس التشريعية لا يخرج عن هذا المعنى، فلا يقال لمن عمد الى الاستفادة من نظم لا تحكم بالإسلام دون الرضى بها: إنه رضي بالكفر وقوانين الكفر!
4/ توجيه النبي «صلى الله عليه وسلم» الصحابة بالهجرة الى الحبشة: حيث قال لهم موجهاً: «لو خرجتم الى أرض الحبشة، فإن بها ملكاً لا يُظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه». «سيرة ابن هشام 321/1». والنجاشي ملك الحبشة كان نصرانياً، وحكمه قائم على أسس من التوراة والإنجيل، غير أن هذا لم يمنع من الإستفادة من ميزة العدل في نظام حكمه الجاهلي. ومما يذكر في تاريخ الدعوة المعاصر، ان الحكومة المصرية لما اعتقلت الداعية الكبير الاستاذ محمد قطب في العام 1966م أقام الشهيد سيد قطب دعوى على الحكومة المصرية لخرقها قانون الدولة أثناء اعتقال أخيه. والشهيد سيد معلوم في تحرره من فكرة الاحتكام الى الجاهلية وقوانينها. وهذا هو الفقه العظيم للشهيد حين يفرق بين القناعة بنظام حكم جائر، وبين الاستفادة منه لحماية الدعوة وشبابها ورجالها. «المنهج الحركي للسيرة النبوية - 73».
الاستدلال بالمصلحة المرسلة:
وقبل أن نبين طريقة الاستدلال بالمصلحة على موضوعنا: نتقدم بمقدمة موجزة نعرف فيها المصلحة، ومن قال بها من أهل العلم والمذاهب الفقهية. المصلحة في اللغة الخير والصلاح، وهي خلاف الشر والفساد، والمصلحة كاسمها شيء فيه صلاح قوي، والذي حققه العلامة ابن عاشور في تعريفها إنها: «وصف للفعل يحصل به الصلاح - أي النفع منه- دائماً أو غالباً للجمهور أو الآحاد». «مقاصد الشريعة الاسلامية - 65».
وقد استقرأ العلماء أحكام الشريعة فوجدوا انها إنما وضعت لتحقيق مصالح العباد، يقول الإمام الشاطبي: «المعلوم من الشريعة أنها شرعت لمصالح العباد، فالتكليف كله إما لدرء مفسدة، وإما لجلب مصلحة، أو لهما معاً». «الموافقات 199/1». ويقول ابن القيم: «فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها». «أعلام الموقعين - 11/3».
المصلحة المرسلة ثلاثة أنواع:
1/ معتبرة: وهي التي اعتبرها الشرع ورعاها، فشرع الأحكام الموصلة اليها، كالجهاد لحفظ الدين، والقصاص لحفظ النفس، وحد الخمر لحفظ العقل، والرجم والجلد لحفظ العرض، وحد السرقة لحفظ المال.
2/ ملغاة: وهي التي أهدرها الشرع ولم يعتد بها فيما شرعه من أحكام، كتحريم الخمر والميسر مع ما فيهما من مصالح للناس، نظراً لأن الفساد المترتب عليها أكبر من المصالح «وإثمهما أكبر من نفعهما» «البقرة - 219».
3/ مرسلة: وهي المصلحة التي لم ينص الشرع على اعتبارها بعينها أو إلغائها، فهي مصلحة لأنها تجلب نفعاً وتدفع ضراً، وهي مرسلة لأنها مطلقة على اعتبار الشرع أو إلغائه لعينها.
وقد اختلف العلماء في حجيتها وجعلها دليلاً من أدلة الأحكام، فالظاهرية ألغوها مطلقاً لعدم قولهم بالقياس أصلاً، ونسب للحنفية والشافعية القول بإنكارها، ولكننا نجد أن في فقههم إجتهادات قامت على أساس المصلحة، كقول الحنفية بجواز حرق الغنائم إذا عجز المسلمون عن حملها لئلاً ينتفع بها الأعداء. وكقول الشافعية بجواز إتلاف الحيوانات التي يقاتل عليها الأعداء إذا كان القتال يتطلب ذلك، وكذلك جواز رمي الكفار وإن تترسوا بأسرى من المسلمين إذا خيف انتصار الكفار أو فوات النصر على المسلمين، والخلاصة في المصلحة المرسلة: أنها مقصود شرعي عرف بشهادة الشرع الإجمالية، وليست بأصل معين، فالشرع دعا الى الخير والصلاح بإطلاق، وبهذا المفهوم أخذ العلماء بهذا المصدر وعدوه أحد مصادر التشريع الخمسة. وأشهر من اعتبر المصالح مصدراً من مصادر التشريع له حجيته. هم المالكية والحنابلة والإمام الغزالي. وهذا الخلاف يراجع في كتب أصول الفقه لمن أراد التفصيل.
والاستدلال بالمصلحة على هذه المسألة التي نحن بصددها عائد - كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية- الى: «ترجيح خير الخيرين، وشر الشرين، وتحصيل أعظم المصلحتين، بتفويت أدناهما ودفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما».
فاستدل المجيزون للمشاركة في هذه الإنتخابات بما يتحقق للدعوة ولعموم المسلمين من مصالح راجحة على مفاسد المشاركة، هذا مع عدم إنكار وجود بعض المفاسد، لكنها أخف - بلا شك - من المفاسد المترتبة على عدم المشاركة في خوض الإنتخابات.
وفي هذه الحالة تطبق القاعدة الفقهية «إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً بإرتكاب أخفهما»، والقاعدة القائلة: «يزال الضرر الأشد بالأخف». وهنا تقدم المصلحة الراجحة على المفسدة المرجوحة، على الرغم من تفاوت إمكان تحقيق هذه المصالح من بلد لآخر.
المصالح الشرعية والاجتماعية المترتبة على الإنتخابات:
ويمكن إجمال أهم المصالح المترتبة على المشاركة بالآتي:
1/ الاعتراض على القوانين المخالفة للشرع، والعرف، وقيم المجتمع هذا من إنكار المنكر.
2/ تقديم مشاريع قوانين موافقة للشرع الإسلامي، تسهم في إصلاح المجتمع والنهوض به،وهذا من الأمر بالمعروف.
3/ محاربة الفساد والمفسدين، وقمع الظلم والظالمين، حسب القدرة بالقلب أو اللسان أو اليد.
4/ دعم الخير وأهله، ومحاربة الشر وأهله، على جميع المستويات السياسية والاجتماعية والتربوية والاقتصادية، والأمنية فقد قال النبي «صلى الله عليه وسلم» عن حلف أقيم في زمن الجاهلية لدعم الخير ومحاربة الشر: «لقد شهدت في دار عبدالله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به في الاسلام لأجبت». «سيرة ابن هشام 134/1».
5/ تحقيق الحرية في العمل الدعوي، وتخفيف القيود المفروضة على تحرك الدعاة عموماً، فلا يتعرضون للإجراءات التعسفية تحت مبررات الإرهاب كما يحدث، وكشف ما يحاك في الخفاء ضد الدعوة والدعاة، والعمل على إفشال ذلك. وقد رأينا النبي «صلى الله عليه وسلم» يستفيد من قوانين الجاهلية ونظمها لتحقيق ذلك من عرضنا لنماذج من سيرته.
6/ إعادة الثقة بالإسلام والمسلمين بتقديم النموذج القوي الأمين للناس والمجتمع، وإثبات أن الإسلام دين كامل وقادر على تنظيم حياة الناس الخاصة والعامة عملياً لا نظرياً فقط، ولا يكون ذلك إلا من خلال المشاركة الفعالة للدعاة والمصلحين في هذه الإنتخابات لإحقاق الحق وإبطال الباطل ونصرة المستضعفين وإنصاف المظلومين.
بعد هذا العرض المدعوم بالأدلة في موضوع الإنتخابات، نخرج بالنتائج والتوصيات التالية:-
1/ منذ ظهور هذه المجالس في عالمنا العربي والاسلامي، لم يكن في هذه المسألة سوى رأيين فقهيين فقط، أحدهما يمنع المشاركة، والآخر يجيزها.
2/ ليس في المسألة نص قاطع يحسم الموضوع لأي من الفريقين، فالمسألة خاضعة لإجتهاد العلماء، والاختلاف فيها مقبول شرعاً. وإنه يسعنا ما وسع السلف الصالح.
3/ الراجح في المسألة بعد عرض الأدلة جواز المشاركة، بل والمشاركة الفاعلة. وهذا قول جماهير أهل العلم، وعليه العمل في واقع العالم الاسلامي. كما في مصر والجزائر والمغرب والسودان والأردن ولبنان والكويت واليمن وباكستان وبنغلاديش وتركيا وإيران وغيرها.
4/ نؤكد على أن المشاركة في الإنتخابات، لا تعني أننا نتنازل عن أي من مبادئنا الشرعية، وعلى رأسها: إن الحاكمية لله وحده، قال تعالى: «وأن أحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك». «المائدة - 49».
ختاماً:
تعتبر هذه الآراء معبرة عن رأي كاتبها فقط، لذا آمل أن تُحظى بنقاش جاد ومستفيض، وأنني أوصي في خاتمتها بأن يجعل الناس قضيتهم الأولى والمحورية موالاة المؤمنين ونصرتهم، والإلتفاف حول البرامج والأفكار، وأن تنعقد التحالفات السياسية لخوض الإنتخابات بين المكونات ذات القواسم المشتركة إذا تعذر اجتماع أهل القبلة كافة وتعاضدهم وتناصرهم لتحقيق الأهداف الكبرى للأمة. وأن يتجنب الناس الاحتشاد والتعبئة تحت رايات العصبية، أياً كانت.
أسأل الله التوفيق والسداد للجميع، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.