واصلت ندوة العلامة عبدالله الطيب الدورية فعالياتها بقاعة الشارقة بالخرطوم وجاءت هذه المرة تحت عنوان «الغزل عند عمر بن أبي ربيعة المؤثرات والمظاهر» تحدث فيها الدكتور فؤاد شيخ الدين والأستاذ أسامة تاج السر.. كما شهدت الندوة العديد من المداخلات. استهل الحديث الدكتور فؤاد شيخ الدين وقال إن الشاعر عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي القرشي يعد من كبار أئمة شعراء الغزل في تاريخ الشعر العربي.. مشيرًا إلى أن كثيرًا من شعره ينتمي إلى الغزل الروحي وليس الغزل الحسي كما يظن الناس.. وأردف شيخ الدين أن ابن أبي ربيعة يعد في شخصيته وحياته مصدرًا مهمًا من مصادر التأريخ الاجتماعي والثقافي لمجتمع الحجاز في صدر الدولة الأموية.. وأضاف شيخ الدين أن شعره قد قصر على الغزل ولم يكد يتجاوزه إلى غرض آخر بل نقل الغزل نفسه إلى آفاق أكثر رحابة فقد تطور على يده الشعر القصصي الغزلي الذي كان ينظمه امرؤ القيس وغيره.. كما أظهر غير قليل من الجرأة في التصريح بأسماء النساء في مجتمع عربي محافظ ونقل الغزل من مجرد الحديث عن المرأة إلى استنطاق الدار وسؤال الربع ومحاورة الطير والتشكي إلى الطبيعة.. كما خصص قدرًا كبيرًا من شعره لأحاديث النساء عنه يصور حبهن له وتعلقهن به على غير المعهود في شعر الغزل العربي.. وردًا على رأي العلامة عبد الله الطيب رحمه الله بأن ابن أبي ربيعة كان سياسيًا ينتمي إلى الحزب الزبيري.. يقول شيخ الدين إنه لم يجد في شعره ما يدل على اشتغاله بالسياسة سوى أبيات قليلة تفوح منها رائحة السياسة وهي أقرب للغزل منها للسياسة. وأضاف شيخ الدين أن العرب كانت تقر لقريش في التقدم في كل شيء عليها إلا في الشعر فإنها كانت لا تقر به حتى كان عمر بن أبي ربيعة فأقرت لها بالشعر أيضًا ولم تنازعها شيئًا. ويوضح شيخ الدين أنه «تضافرت عوامل ومؤثرات عدة جعلت من ابن أبي ربيعة شاعر الغزل الأول في تاريخ الشعر العربي كما مكنته من التغزل في عدد من نساء الأشراف وسيدات المجتمع دون أن يتعرض لشيء من التقريع أو العتاب.. هذا مع ما عُرف من شدة غيرة العرب على النساء فقد قتل من الشعراء غير قليل لمجرد ذكر النساء» ومن تلك العوامل والمؤثرات في رأيه.. عامل اجتماعي يكمن في انتماء الشاعر إلى بني مخزوم كونها إحدى البطون الثلاثة الكبرى في قريش «هاشم وأمية ومخزوم».. وعامل اقتصادي يتمثل في ثروة والده عبد الله بن أبي ربيعة المالية.. فقد عاش مترفًا منعمًا في حياته. وعامل سياسي هو أن الدولة الأموبة عملت على إلهاء الناس عن السياسة وأمور الحكم والملك بإغداق الأموال عليهم وفتح أسواق كبيرة للجواري والمغنيات وغير المغنيات حتى انصرف طائفة من أبناء المهاجرين والأنصار إلى أجواء الفن والأدب.. كذلك عامل ثقافي يتمثل في تطور المجتمع الحجازي عامة بعد الفتح والتأثر بالثقافات الواردة فأصبح الحجازيون يقبلون بعض التعبير عن العواطف فيما يتصل بالغزل.. وعامل وراثي هو أن أمه كانت من اليمن وتدعى أسماء وهي أم أبي جهل أيضًا رفدته بدماء غزلة والعرب تقول دل حجازي وغزل يماني فينسبون الغزل إلى اليمن كما ينسبون الدل إلى الحجاز.. هذا بالإضافة إلى عامل خاص وهو أن قريشًا كانت تقبل من ابن أبي ربيعة ما لا تقبله من غيره من الشعراء وغير الشعراء وإنما قبلت منه خاصة لما تقدم من مزايا متعلقة بنسبه ومكانته الاجتماعية ويساره وظرفه.. فضلاً عن أن العرب كانت تقر لقريش بكل شيء إلا الشعر حتى نبغ عمر فيه فأقرت لهم بالشعر أيضًا. ويردف شيخ الدين أن من مظاهر الغزل عند ابن أبي ربيعة.. تغزله في نساء الحجيج وتغزله في نساء الأشراف مثل الثريا بنت علي بن عبدالله بن الحارث بن أمية الأصغر ورملة بنت عبد الله بن خلف وكذلك زينب الجمحية ولبابة بنت عبد الله بن عباس امرأة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان عندما رآها تطوف بالبيت وأيضًا سكينة بنت الحسين بن علي عليهما السلام وفاطمة بنت عبد الملك بن مروان وعائشة بنت طلحة التي نظم فيها رائيته. بعد ذلك تحدث الأستاذ الشاعر أسامة تاج السر مؤكدًا حديث شيخ الدين ومضيفًا أن عبد الله بن أبي ربيعة لم يكن ينظر إلى موضوع الغزل في غير جانبه عند قريش.. ويرى تاج السر أن قصة مريم عليها السلام وقصة يوسف عليه السلام مع زوجة العزيز أثرتا كثيرًا في شعر الغزل عند العرب وبرز بن أبي ربيعة في توظيف هذا الاتجاه الديني.. كما يرى تاج السر أن العصر العباسي إذا كان هو عصر الشعراء فإن العصر الأموي من فترة معاوية إلى عبد الملك بن مروان هو عصر الشعر ذاته.