في أي مضمار تجد تخصصات دقيقة أوفروعًا تمكّن الإنسان من التعمق والاستجادة فيكون حاذقًا مُجيدًا وذلك خير له وللسامعين ألف مرّة من آخر يزعم أنه بارع في كل شيء.. في الطب تجد مثلا: طب العيون، الانف والأذن والحنجرة، المخ والاعصاب، المسالك البولية والناسور، أما في علم التاريخ فتجد التاريخ القديم ثم العهد المروي ثم المسيحية ثم السلطنة الزرقاء ثم الأتراك وانت ماشي إلى أن تصل التاريخ المعاصر وهو الذي نعيشه الآن.. في اللغة العربية تجد فروعًا مثل البلاغة، العروض، النحو، النصوص إلخ، العالم النزيه يتخصص في فرع واحد من المواد أعلاه لكنه لا يمكن أن يجمع بينها كلها إلا إذا كان دجالاً أو له علاقة بالجن أوع بالك.. ما دام الحال كذلك فلماذا لا تطول هذه التخصصات الفنانين كأن تجد المطرب متخصصًا في الحماسة فقط ويتغنى بشعر أحد أدباء الأندلس حين قال: منال العلا بالمرهفات القواضب * وسمر العوالي والعتاق الشواذب وضرب يزل الهام عن كل ماجد * على الهول مقدام كريم المناسب وليس ينال المجد من كان همه * طروق الأغاني واعتناق الحبايب وفنان آخر متخصص في الغزل كقوله: المشاعر لما تصدق ما بتشاور حتى سيدا تسبق اللحظات تعدي تمشي للزول البريدا وفنان يجيد الترنم بالشوق للوطن كان يتغنى بشعر عبد الرحمن الداخل: أيها الراكب الميمم أرضي * أقر من بعضي السلام لبعضي إن جسمي كما تراه بأرض * وفؤادي ومالكيه بأرض قد قضى الله بالفراق علينا * فعسى باقترابنا سوف يقضي دي تنفع مع أولادنا المهاجرين في بلاد العجم.. أضف إلى ذلك حبذا لو وجدنا مطربًا آخر متخصصًا في مساندة الأحبة والمهازيم عاطفيًا مثل أن يترنم برائعة الجابري: داير اتصبر أمامك وداير اضحك وماني قادر بس دموعك لما سالت ضيعت صبري الشويه لا يكتمل هذا العقد «الفريد» حتى نجد مغنيًا متمكنًا في أغاني الأحزان والحزن أنواع ودرجات منها، الكمد، الكرب، البث، الوجوم ثم الكآبة ثم الترح وهو أفظع أصناف الحزن أعاذكم الله.. ومثل هذا المغني يمكن إحضاره في يوم رفع الفراش أو تأبين زول عزيز، فما إن يمسك بالمايك حتى تسيل دموع الناس جداول وتوزع عليهم صناديق مناديل الورق بالحاويات فيذكروا مآثر المرحوم ويكيلوا له الدعاء الذي يذهب به إلى الفردوس الأعلى بحول الله... من هذا الكلام أعلاه نعلم أنه يستحيل أن يغني فنان واحد في الرثاء والهجاء والحماسة والغزل.!!