إن الطبيب الماهر هو الذي لا يستعجل في تشخيص الداء، ولا يتسرَّع لوصف العلاج، قبل أن يتّبع الإجراءات الواجبة، والقيام بالتحاليل اللازمة، ليدرك ما هي ظروف المريض، وسيرته التاريخية، وما ألمَّ به من أوجاع خلال الفترة التي سبقت شكواه. أما الطبيب الذي يهمه كتابة الوصفة الطبية ليقضي على الأعراض باعتبار أنها تمثِّل جوهر ما يشتكي منه المريض فهو طبيب يبذل علمه لمعالجة الآثار التي كانت علامة لداء مستفحل، وليست هي الأصل الذي بإزالته سيزول ما كان يحسّ به المريض من آلام. والمجتمعات كما الدول، هي كذلك تمر بمراحل تتطلب العلاج، وهنا فإن المداوي لعللها هم المفكرون والسياسيون، ومن تخصصوا في تتبع الثقافة المجتمعية، وما ران عليها من غبش وما اعتراها من انحراف. فالشباب الذين لوحظ على سلوكهم التبدل واستخدام ألفاظ جديدة، ومصطلحات غريبة، لا بدَّ من البحث في الأسباب الحقيقية الكامنة وراء ذلك، ولا يجدي التعنيف والتبكيت من قِبل والديهم، ولكن يكون العلاج شافيًا عندما يدرك الآباء والأمهات أن ما لاحظوه كان نتيجة (لشلة) فاسدة، أو أصدقاء أثَّروا بثقافتهم فيما أُنكر من سلوك على الأبناء، ويصبح عندئذ العلاج متمثلاً في الكيفية والمنهج لإبعاد هؤلاء الأبناء عن قرناء السوء، وبالتالي يكون المستهدف هنا هو اجتثاث المرض وليس ما ظهر من عرض بأية حال. والمجتمع قد تداهمه موجة، تؤثر في طبيعته، فتتراجع معاني الرحمة والتسامح، وتحل محلهما اتجاهات الكراهية والبغضاء، وقد يكون السبب الذي أدى لذلك، في جوهره سبباً اقتصادياً، أو ضياعاً لموازين العدالة باستبداد طغى أو بظلم تفشى، وبالتالي لا يرد مثل هذا المجتمع إلى الجادة عن طريق القوانين وفرض العقوبات، أو بإحلال السوط والكرباج محل التوعية وتيسير سبل الحياة وإقامة الميزان تطبيقاً للعدالة والقضاء على الظلم والظالمين، وإنما الذي يجعل المجتمع يعود لاستقامته طهراً وعفافاً وتجرداً هو إعمال النظر والفكر، لسبر أغوار مسببات الذي أدى بالمجتمع للسقوط من المرتفع العالي إلى ذلك الدرك الهابط في الحضيض. والدولة الناهضة، لا تقوم أعمدتها وتنافس في محيط هذا العالم، إلا إذا كان روادها، على علم بما كان سبباً في تراجع درجة النمو، وما كان سبباً في انحسار التأييد لما يطبق من سياسات، فإذا ارتفعت صيحات بالإصلاح وضرورة المراجعة لا بدَّ أن يوضع لمثل تلك الصيحات اعتبار، بالقدر الذي يجعل من صياح الصائحين مضمحلاً، ومن معارضة المعارضين فعلاً قبيحاً ومستنكراً من قبل العوام والخواص. أما إذا انتاب الذين يقودون الدولة شعورٌ بأنهم على حق وهم ليسوا عليه بسبب يخصهم جعلهم ينظرون إلى الأشياء بغير حقيقتها كمن أصيب بعمى الألوان فالأمر المؤكد أن أي علاج لظاهرة يراها الكافة عورة في مسار الدولة، ستوضع لها وصفة لا تناسبها باعتبار أن الذين يمسكون بأعنة السياسة قد افتقروا للمهارة السياسية، فصوبوا أنظارهم نحو أعراض الأمراض، دون الالتفات للأصل الذي سبب تلك الأمراض، مما جعل الدولة تترنح، ولا يعقل عندئذ أن تترنح الدولة وتسقط، ويتبع ذلك الترنح انهيار للأمة والمجتمعات. وما زلت على يقين بأننا وفي كثير من الأوقات نقابل الإستراتيجي بالطارئ ونعتمد قاعدة إطفاء الحرائق دون بذل أدنى الجهد لمعرفة لماذا تشتعل تلك الحرائق. ودعوتي لأطباء الدولة والمجتمع، ألا يستعجلوا كتابة الدواء إلا إذا وقفوا على حقيقة وأسباب ما يمر بنا من تحديات، استهدافاً لاجتثاث أصولها وعدم الانشغال بالفروع وفروع الفروع. وإن جاز التعبير فإن مشكلاتنا كالمفاعل النووي الذي يصدر الغازات السامة، ولا سبيل لمكافحتها إلا بتدمير ذلك المفاعل منعاً لما ينتجه من غازات، وليس العكس هو الصحيح بمنطق الدين والعقل والرأي السديد، واللبيب بالإشارة يفهم.