سعر الدرهم الاماراتي في البنوك ليوم الإثنين 27-6-2022 أمام الجنيه السوداني    الشيوعي: 30 يونيو ستحدث تغييرًا بشكل أو بآخر    القوات المسلحة:الجيش الأثيوبي يعدم 7جنود ومواطن أسرى لديه    المنسق القومي لمهن الإنتاج: 80% من إنتاج الحبوب يتم عبر القطاع المطري وصغار المزارعين    بتكلفة تجاوزت( 45 ) مليون جنيه الزكاة تعلن عن تمويل مشروعات إنتاجية وخدمية ج.دارفور    ضبط حشيش بقيمة 5 مليارات جنيه بالنيل الأبيض    الافراج بالضمان عن المتهمين بقتل رقيب الاستخبارات    اللجنة العسكرية تتمسك بمشاركة الجميع في الحوار    أبرز عناوين الصحف السياسية السودانية الصادرة اليوم الاثنين الموافق 27 يونيو 2022م    ضبط حشيش بقيمة 5 مليارات جنيه بالنيل الأبيض    الحراك السياسي: "قحت": لقاء منزل السفير السعودي خصم من رصيدنا الثوري    هشام السوباط وطبقة معازيم الفرح .؟!    محولات للسيطرة على ملعب المريخ…سوداكال يشدد على اللاعبين بتنفيذ توجيهات القطاع الرياضي التابع له    خلوا بالكم    الانتباهة: فساد ضخم بمعتمدية اللاجئين وتعيين 88″راسبًا"    د. الشفيع خضر سعيد يكتب: الاتحاد الأفريقي والأزمة في السودان    احتفال بلندن تكريما لدعم السُّلطان قابوس الخدمات الطبية بالعالم    فعالية اليوم العالمي لمكافحة المخدرات 2022 بجامعة العلوم الطبية    الزكاة تنفذ مشروع مياه وحدة الجوغانة الإدارية بجنوب دارفور    السودان في المجموعة السادسة لبطولة كأس العرب    الحكومة: حملة تطعيم (كورونا) تستهدف نصف سكان البلاد    مجلس اتحاد الكرة السوداني يجيز قرارات مهمة بشأن أزمة المريخ ويقرر مُحاطبة (الفيفا)    عالم الفلك د. "أنور أحمد عثمان" يفاجئ مذيعة بقناة النيل الأزرق بالتغزل في جمالها على الهواء    جبريل إبراهيم : مستعدون لتذليل كافة العقبات التي تواجه الاستثمار في المجال الزراعي    إبادة أكثر من 40 ألف راس من المخدرات بشمال كردفان    شاهد بالفيديو.. مغترب سوداني بالسعودية يشكو من عدم النوم بسبب "المارقوت" ومتابعون ينتقدونه ويضعون له الحل    سعر صرف الدولار في السودان ليوم الأحد مقابل الجنيه في السوق الموازي    رويترز: مقتل 22 شخصًا معظمهم من الشباب في مدينة"إيست"    وزارة الصحة الاتحادية: خلو البلاد من مرض جدري القرود    الصادرات الزراعية.. استمرار التهريب دون ( حسيب ولا رقيب)    حازم مصطفى: النفطي والغرايري يمتلكان كافة الصلاحيات في التسجيلات القادمة    كواليس أغلى فوز للمريخ في الموسم    ماكرون يُكلف إليزابيت بورن تشكيل حكومة بداية يوليو    شاهد بالفيديو.. "ورل" بين مقاعد حافلة مواصلات بالخرطوم يثير الرُعب بين الركاب    بعد اكتمال المبلغ…(كوكتيل) تنشر كشف باسماء الفنانين المساهمين في المبادرة    زيارة المقاومة الثقافية لنهر النيل تشهد تفاعلاً واسعاً    ضبط شبكة إجرامية تسوّق "نواة البلح" على أنه (بُن)    بالفيديو: تويوتا تعدل واحدة من أشهر سياراتها وتجعلها أكثر تطورا    السلطات الصحية تترقّب نتائج عينات مشتبهة ب(جدري القرود)    السودان.. ضبط"مجرم خطير"    السلطات المصرية: هناك أخبارٌ مغلوطة يتم تداولها بأن الشرطة المصرية تشن حملات ضد الإخوة السودانيين بسبب العملة    القبض على متهمين بجرائم سرقة أثناء تمشيط الشرطة للأحياء بدنقلا    التشكيلية رؤى كمال تقيم معرضا بالمركز الثقافي التركي بالخرطوم    جانعة العلوم الطبية تنظم حملة توعوية لمكافحة المخدرات    كواليس الديربي : رسالة صوتية مثيرة من أبوجريشة تحفز لاعبي المريخ لتحقيق الفوز على الهلال    ضجة في أمريكا بعد قرار المحكمة العليا إلغاء حق الإجهاض.. بايدن يهاجم وترامب: "الله اتخذ القرار"    تقارير تطلق تحذيرًا عاجلاً..تسونامي يهدّد مدن كبرى بينها الإسكندرية    السلطات الصحية في السودان تترقّب نتائج عينات بشأن" جدري القرود"    زلزال قويّ يهزّ جنوب إيران ويشعر به سكان الإمارات    وصف بالفيديو الأجمل هذا العام.. ميادة قمر الدين تطلب حمل شاب من ذوي الاحتياجات الخاصة تفاعل مع أغنياتها والشاب يقبلها في رأسها    تويوتا تعيد تدوير بطاريات السيارات الكهربائية    إيلا يعلن تأجيل عودته للسودان    تأبين الراحل إبراهيم دقش بمنتدى اولاد امدرمان    رويترز: مقتل 20 مدنيًا في مدينة غاو    صلاح الدين عووضة يكتب: الحق!!    احمد يوسف التاي يكتب: حفارات المتعافي واستثمار حميدتي    عثمان ميرغني يكتب: الرأي الأبيض.. والرأي الأسود    جدل امتحان التربية الإسلامية للشهادة السودانية.. معلّم يوضّح ل"باج نيوز"    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مذكرة (سائحون) للإصلاح والنهضة (1-2)
نشر في الانتباهة يوم 08 - 02 - 2013

في خضم الجدل الدائر حول إصلاح الحركة الإسلامية، طرحت مجموعة «سائحون» مذكرة للإصلاح والنهضة. وقد صرح مسؤولون في «سائحون» ل«الإنتباهة» أنهم ليسوا حزباً سياسياً أو جماعة ضغط أو حركةً إسلاميةً جديدةً، بل هم تيار وطني مرجعيته الإسلام.
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين ونصلي ونسلم على سيدنا محمد
أفضل الخلق أجمعين
يقول تعالى: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ {هود/88}.
نداء الإصلاح والنهضة
ديباجة
الانفتاح , الحوار , الشراكة
الإخوة والأخوات في الوطن: انه ومع التسليم بالانجازات وعلى مختلف الأصعدة الوطنية, تلك التي حققتها الحقب والحكومات الوطنية منذ فجر الإستقلال وحتى اليوم, ولما كانت هي إنجازات لا تخطئها العين, إلا إن هذه المنجزات لا تتناسب وإمكانيات السودان البشرية وموارده الطبيعية, مما جعل مواقع الخلل والقصور في الحياة العامة تبدو ظاهرة للعيان, الأمر الذي يقتضي مخاطبتها برؤية إصلاحية, أساسها إرساء دعائم الفكر وثقافة الحوار والتواصل واستلهام فقه المناصحة والنقد الذاتي والمراجعات لضمان ضرورة تصويب مسيرة الوطن, وبناء معاني التوافق الوطني. وهي جملة الدواعي التي تُوجب على الجميع, ضرورة »التداعي« و«التوافق« على مشروع إصلاحي عام وشامل وعميق وعاجل, تنتهي مقاصده إلى إصلاح لأحوال السودان الراهنة في مجموعها, برؤية متكاملة وبمرجعية متجاوزة للواقع.
على ألا يكون ذلك الإصلاح إصلاحاً جزئياً همته الإبقاء علي أوضاع الوطن الراهنة مع تعديل طفيف أو تبديل ثانوي في أوضاعه المتأزمة, التي تعيشها البلاد ولا تزال, وهي الأوضاع التي تهدد تماسكها ووحدتها ومستقبلها, ونسيجها الثقافي والاجتماعي, وبنيتها الأخلاقية والفكرية وهويتها الخاصة, فضلاً عن ثرواتها الاقتصادية ومواردها الطبيعية. وبالنتيجة يبدو الضعف الفكري ظاهراً, وتتدهور أحوال نظم التربية والتعليم والأسرة, وتظهر مهددات الهوية الثقافية والنسج الاجتماعي, وتتفشي ظاهرة الجريمة وتتغلغل القيم المادية والأنانية وتستشري القبلة والعنصرة بعيداً عن الانتماء الوطني العام، وترتفع معدلات الفقر والبطالة والهجرة والنزوح, ويتحول السودان -سلة غذاء العالم- لمستورد لأساسات غذائه, فعلى امتداد حقب الحكومات الوطنية المتعاقبة يظهر سوء السياسات الاقتصادية, وضعف التنمة وغاب العدالة الاجتماعية مع تفاقم حدة ذلك في الآونة الأخيرة.
وفي السياسة تظهر إشكالية العلاقة بين الدولة والمجتمع وغاب مبادئ التداول السلمي للسلطة, والحوار المجتمعي الواسع, مما أدي إلي حضور ثقافة الحرب والكراهية والإقصاء بين مختلف النخب الفكرية والتيارات السياسية, كما ازدادت تحديات علاقات السودان الخارجية في محيطه الأفريقي والعربي والإسلامي, لتظهر مخاطر التدول لقضاا السودان واتجاهه نحو التشتت وفقدان مزد من أجزاءه, وغياب الميثاق الوطني العام.
وإذا كانت درجات المسؤولية تتوزع وتتفاوت بين النخب والأنظمة الوطنية ما بعد الاستقلال, في تعميق المشكلات المشار إليها أو نحوها, إلا إن هذه التحديات تطرح نفسها اليوم كما لم تُطرح من قبل, مما حدا بثلة »المجاهدين« باعتبارهم احد مكونات الضمير الوطني الحي في هذه البلاد, إلى السعي إلى إقامة ميزان الحق سواء بسواء لعموم فكرة الجهاد في الإسلام, ومن هنا فقد تداعي نفر كريم, من المجاهدين والإسلاميين وأخيار من أهل السودان غير المنتمين حزبياً, وعكفوا طيلة شهور ماضية, على مناقشات وحوارات معمقة عن أحوال بلادهم آلامها وآمالها, يحركهم صادق الانتماء الوطني وابتغاء الجزاء الإلهي, ورؤية بلادهم بين مصاف الأمم المتقدمة, متوسلين لذلك باللقاءات الجامعة , والجلسات الحوارية , والمنتديات الفكرية, واللقاءات التفاكرية, والاستكتاب المتخصص, فضلاً عن الحوارات الإعلامية المفتوحة على صفحات الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي , والتي تجاوز جملة المشاركين فيها ما يربوا على الخمسة آلاف مشارك , وقد دارت محاورتهم حول ضرورة إطلاق »نداء« إصلاحي يكون منطلقاً لمشروع أهلي قومي للإصلاح والنهضة. يبدأ بالعمل الإصلاحي الجاد ,كيفما كانت كثافة التحديات الراهنة, فكان النداءُ نداءاً مفتوحاً للجميع.
وهو النداء الذي نرجو أن يسهم في مراحل لاحقة في بلورة شراكة مجتمعية متكاملة, لها رؤية عامة وشاملة لحل قضايا البلاد وأزماتها, وهو يأتي كرؤية ابتدائية تعبر عن ملامح أولية قابلة للتطوير والتجويد باستمرار , أما وجه أهميته فيظهر في كونه إعلان عن إرادة في بناء مشروع إصلاحي وطني عام وشامل وعميق وعاجل, يتطور شراكةً بين دعاة الإصلاح والنهضة في مقبل الأيام, فهو بهذا ليس خطاباً خاتماً لمسيرة المبادرة المباركة, بيد انه حلقة من حلقات استمراريتها, نتطلع ليكون ضافياً في عرضه لكافة مشاكل وقضايا الوطن وهموم المواطن.
فقد جاءت البداية بتوضيح »المشتركات« العامة, بين المبادرين والتي تعبر في مجموعها عن روح مبادرتهم ومقاصدها وأبعادها, أساسها الدعوة إلى تجديد الفكر وتحسين طرائق التفكير, أما في الشأن السياسي فتظهر أولوية وجود دستور يتوافق عليه الجميع يحدد طبيعة نظام الحكم , بما يخلص البلاد من أمراض: الهيمنة والإقصائية والجهوية والعنصرية والعمالة لأعداء الوطن. وفي الثقافة ينتهج النداء بناء الهوية الثقافية الجامعة لأهل السودان, وثرائها بالفكرة والرؤية وتبني منهج الحوار الثقافي وقبول الآخر. وفي المجتمع تظهر أولوية بناء الميثاق الاجتماعي الجامع, الذي يعمد إلى توطيد علاقات المجتمع بالتواصل وكريم الأخلاق والأعراف والاستقامة في السلوك, وان يكون المجتمع قائم على التوازن والتكافؤ في الفرص والأدوار بين كافة مكوناته. وفي الاقتصاد تأتي أولوية إقامة سياسات التنمية الاقتصادية في القطاعات الزراعية والرعوية والصناعية والنقل والتعدين ونحوها من أوجه النشاط الاقتصادي, متلازمة مع فكرة العدالة الاجتماعية في إعادة توزيع الثروة المنتجة بمعايير عادلة, وبإتاحة الفرص في العيش الكريم والتعليم والصحة وسائر الخدمات العامة. وفي مجال الأمن القومي تظهر أولوية الحل السلمي لمهددات الأمن القومي, المتمثلة في حل مشكلة الوطن في دار فور وجنوب كردفان والنيل الأزرق, وتضميد الجراحات الوطنية فيها, وتغليب الحلول الثقافية والاجتماعية والاقتصادية. أما في مجال القضاء فتظهر أولوية تحقيق العدالة الجزائية واستقلال القضاء وفرض سيادة القانون على الجميع. أما فيما يتعلق بخاص صف الحركة الإسلامية, فان المبادرين يؤمنون بضرورة إصلاح أحوال حركة الإسلام في السودان, بما يفضي إلى وحدتها. لكونهم المعنيين أكثر من غيرهم بضرورة مراجعة تجربة حكمهم في السودان وتجاوز الأخطاء والإخفاقات والانحرافات التي صاحبت مشروعهم السياسي في فترة الإنقاذ.
وفي هذا النداء نود أن نؤكد على جملة المنطلقات التالية. أولاً: التزامنا بدورنا إلى جانب إخواننا في القوات المسلحة, في حماية مقدرات البلاد من كيد أعدائها, وفي سبيل ذلك فقد قدم المجاهدون من قبل ومن بعد مجاهدات كبيرة شهد لهم بها الأعداء قبل الأصدقاء, وشهدت لهم بها المعارك من كتيبة الأهوال إلى خالد بن الوليد بما يضيق المجال عن ذكره, فضلاً عن ارتال الشهداء الذين نفاخر بهم, أولئك الذين رووا تراب هذا البلد الطاهر, كما نؤكد التزامنا بوحدة صف المجاهدين وتأكيد عمق التواصل بين مكوناتهم, مهما تفرقت بإخوانهم في قيادة الحركة الإسلامية سبل السياسة ومنزلقاتها.
ثانياً: إن المجاهدين يمدون أياديهم بيضاء من غير سوء إلى سائر إخوانهم من أبناء هذا الشعب السوداني الكريم, بمختلف مكوناته وشعوبه ومجتمعاته وقبائله وتياراته الدينية والسياسية والوطنية, دعوة بالحسنى مجادلة من غير إكراه, والتواصل والتحاور مع كل القطاعات والتيارات الفكرة والاجتماعية والاقتصادية والساسة في الساحة السودانية بغية بناء مشروع للتراضي الوطني العام.
وفي ذلك فإن هذا النداء موجه إلى كل أفراد الشعب السوداني وأطيافه من مثقفي الوطن ومفكريه ونخبه المتعلمة ومهاجريه, وعشائره وطوائفه وتياراته الفكرية والسياسية والثقافية والدينية ومؤسساته الأهلية وأحزابه وطرقه المتصوفة, ومنظماته المدنية, وإعلامييه, ورياضييه, وسائر قطاعاته من مزارعين ورعاة وحرفيين ومهنيين وشباب وطلاب ونساء, تحدوه روح الانفتاح والايجابية والحوار والحجة والدعوة إلى الشراكة في صياغة الرؤى والتماس الحلول وبناء السياسات والمعالم للمشروع الإصلاحي, هدفها الأخير الإسهام في رفد الحياة العامة السودانية برؤية إصلاحية متكاملة لأهم الجوانب والمجالات الحياتية, لما لذلك من أثر ناجز على مستقبل النهضة التي ننشدها لبلادنا السودان.
والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين ونصلي ونسلم على سيدنا محمد
أفضل الخلق أجمعين
يقول تعالى: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ {هود/88}.
نداء الإصلاح والنهضة
وثيقة مجالات النداء
تعني هذه الوثيقة بشرح أولي أكثر تفسيراً للمشتركات التي أشار إليها النداء في ديباجته, على النحو التالي:
أولاً: مجال الإصلاح الفكري: يعالج هذا المجال الإشكالية الفكرية التي أصابت المجتمع السوداني كغيره من المجتمعات المجاورة لعوامل حضاريه, والتي كانت نتيجتها التخلف الفكري, وباعتبار إن سائر المشكلات الدينية أو السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية ونحوها, هي في الأساس مشكلات فكرية, فانه لن يستقيم المسعى السياسي أو التخطيط الاقتصادي أو البناء الاجتماعي...الخ، في سياق الإصلاح المجتمعي الشامل، إلا بإصلاح البني الفكرية للفرد والمجتمع, مما يتطلب تجديد المنظورات والتصورات النهائية للحياة، وذلك بتوضيح الرؤية والمناهج والمقاصد النهائية, أما الاعتماد على الشعارات والأشواق وتزكية الشخصيات، فإنها تعني تناسخ المجهودات والبقاء في دائرة التخلف دون إمكانية حقيقية للخروج عليها. وهو الإشكال الذي يجعل من مسألة تجديد الفكر, أمر يأخذ أولوية قصوى في سلم أولويات مشروع الإصلاح والنهضة المنشود, ودونه تصبح رؤية الإصلاح وبرامج النهضة حلماً غامضاً يصعب الإمساك بها, وقد تتحول مبادراتها وأفكارها الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية ونحوها, إلى نشاطات ثانوية وتتحول تجلياتها اليومية إلى تيارات هامشية ذاهلة عن الواقع وغائبة عن التاريخ, وعاجزة عن الإجابة على تساؤلات العصر، وبالنتيجة تتحول إلى كارثة على المجتمع السوداني, فلا بد إذن من تجديد المنظومة الفكرية التي يعمد من خلالها الفرد السوداني في بناء التصورات وتوليد الأحكام وتوضيح القيم بعد أن عادت منظومته الموروثة في عاداته وتقاليده مجرد منظومة جامدة قديمة المعاني والقيم، لا تتجاوب مكوناتها مع معطيات الواقع المعاصر المعقد كلياً، بعد أن فقدت صلتها بالحاضر وأصبحت غير قادرة على استيعاب مستجداته الراهنة. وهو ما يتطلب الأتي:
أولاً: الانطلاق ابتداءً من المرجعية الإسلامية، كمرجعية عليا لمشروع الإصلاح المنشود في السودان بوصفها تقدم دائماً وباستمرار إمكانية متجددة من الهداية والحقيقة، بما يوجه المستجدات والمتغيرات المجتمعية في الواقع الظرفي السوداني في صورة المتجددة, لكونها المصدر الخالد والمطلق في التوجيه والهداية, فالمرجعية الإسلامية تقدم نفسها كمشروع للحياة، بما يمد الفرد السوداني بمنظومة القيم العليا في الحياة الإنسانية, كالحرية والعدالة وقضاء الحقوق ورفع الظلم, والمساواة, والكرامة الإنسانية, فضلاً عن قدرتها على تفسير الوجود وتحديد السلوك الراشد وشرح السنن والقوانين الاجتماعية التي تحكم تحديات الحياة. فتضع الفرد السوداني تحت طائلة المسئولية الأخلاقية, وترشيد النزوع الإنساني نحو الاعتدال والاستقامة وعدم التعدي والحب الجامح للخير وأعماله, مطلاً على معاني الجمال والعزة والكرامة وسائر المعاني الفاضلة في إصلاح الحياة السودانية.
ثانياً: إن التأسيس المرجعي, يتضمن بالضرورة الاهتداء بالعقل والخبرة الإنسانية, باعتباره فاعلية إنسانية, لها القدرة على التقدير الجيد للقيمة الموضعية للأشياء، فيكون البحث من خلالها على فهم أصول الإصلاح المجتمعي التي تؤسس الظواهر الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية والقانونية المختلفة في المجتمع، والتي تمكن من الوصول إلى النهضة المنشودة، بواسطة إقرار الطرق العقلية الراشدة في المبادئ وفي الأساليب التي تقرب من الحقيقة ، ومن ثم تقرير ذلك الفهم في سياقات علمية عقلانية تمتلك صفة الموضوعية والنسبية المناسبة لأحوال المجتمع السوداني المتداخلة. وبهذا يكون مفهوم الإصلاح، هو ذلك الاجتهاد العقلي الصحيح المنظم والسليم للأفكار الموضوعية؛ من أجل الكشف عن الحقائق المجتمعية المجهولة، أو البرهنة عليها ومن ثم إصلاحها واعمارها.
ثالثاً: ضرورة انطلاق البنية الفكرية لمشروع الإصلاح من النظرة التكاملية, بوصفها نظرة مزودة برؤية: ثقافية وأخلاقية وروحية ومعرفية, قابلة للتجدد والتطور, وقادرة على البناء والبقاء والتجدد والتجاوز لسائر التحديات والمؤثرات, وما يترتب على ذلك من معرفة الأهداف العامة والرؤى الإستراتجية والغايات الكبرى للمجتمع السوداني التي يجب أن توضح بالاتفاق بين الجميع, بهدف تقوية الدوافع الروحية التي تدفع بالفرد السوداني إلى ساحات العمل بهمة ونشاط من أجل سعادته وسعادة مجتمعه. فيكون تفعيل المكون الروحي والمادي للفرد والمجتمع السوداني وفق منهج تكاملي غير انفصالي, بدراسة العوامل الروحية التي تشكيل الوجدان في صورته الكلية, بالاستفادة من أدوات البناء الروحي والمادي للإنسان السوداني في تفاعله مع قيم الإسلام وايجابيات الحداثة في تأكيد حرية الذات الإنسانية بما يضمن تطوير الدافع الأسمى للفرد في المجتمع.
رابعاً: العمل على تنقيح التراث الفكري الإسلامي، وتجديده بفهم قراني، والسعي لاكتشاف المنهجيات القادرة على تحريك المفهوم التكاملي في الواقع السوداني, لتصبح المنهجيات والأدوات المأمولة قادرة على تزويد مشروع الإصلاح بالرؤية الإصلاحية الملائمة للواقع الزمانى والمكانى، وذلك بتمحيص التراث ومعالجته علمياً وعملياً، فلا يتحول إلى مجرد إسقاط لآراء فردية أو جماعية أو مذهبية، فتتجسد المقاصد الإسلامية في الأنفس والأفاق نهضةً بالحياة السودانية وصلاحاً في الأرض, ومن ذلك أيضاً ضرورة دراسة المنتوج الفكري لحركات الإصلاح المعاصرة في العالم من حولنا كفعل تاريخي وكفعل إصلاحي تراكمي.
خامساً: ضرورة أن يكون النظام التربوي والتعليمي في السودان, نظاما متكاملاً مبنياً على أسس علمية متجددة ومرنة ومتجاوزة للنظامين التقليدي والحديث, لكون الأول ذو نظرة تجريدية جدلية والثاني ذو نزعة وضعية مادية, مما يستوجب إصلاح نظام التعليم بتجديد نظرية المعرفة ذاتها, بإعادة تعريف العلم ووظائفه ودوره وحدوده, وهو الأمر الذي يتعلق بالأساس ويتوقف على طبيعة مصادر المعرفة, وفي ذلك فنحن ننادي باتجاه تكاملي يعمد إلى توحيد قضايا العلم والدين والعقل والتطبيق والآليات في سياق تعليمي شامل وراشد وتخصصي، يؤسس على هدي الوحي وخبرة العقل الإنساني يتصل بواسطة منهجه في البحث إلى الإلمام والإدراك بالقضايا الغيبية, كما يجيب عل المشكلات العلمية الطبيعية, فضلاً عن الإشكالات الإنسانية في آن واحد. ويكون التركيز فيه بالضرورة على إيجاد منهج تربوي وتوعوي تدريبي يركز على إثراء الجوانب التطبيقية بحيث يمكن القائمين على الإصلاح من تنزيل معانيه في هيئة برامج وأنشطة ومؤسسات سهلة التعريف ومقبولة اجتماعياً وفاعلة وظيفياً.
ثانياً: مجال الإصلاح الثقافي. تظهر أوجه الإشكال في هذا المجال من إن النخب السودانية, المتنافسة على ريادة الحياة الثقافية للمجتمع السوداني والساعية لقيادة ركب الدولة, لم تفلح بالقدر اللازم على توضيح ملامح مشروع ثقافي يمكن من الإجابة على سؤال الهوية والتنوع والتباين الثقافي والأثني في السودان والعمل على تجانسه وتكامله, بالقدر الذي ينمى الشعور والانتماء بين الهويات الاثنية والثقافية المتمايزة, والتي تتوزع بينها نظرات نمطية بين الداعي إلى الهوية العروبية أو الأفرقانية أو السودانوية ونحوها, وكان نتاج ذلك عدم الاتفاق على الهوية الجامعة, فظهرت وبصورة حادة تجاذبات الهويات المحلية الفرعية, متمثلة فى اختلال العلاقة بين الأكثرية والأقليات وإشكالية المركز والأطراف, وأزاد الإشكال لدي الفرد السوداني وهو يواجه متطلبات التنمية الاقتصادية, أما إذا ما وضعنا في الاعتبار انتشار هويات العولمة المدعومة بأسباب التقدم الحضاري للحضارة الغربية، فان الحياة الثقافية السودانية وأسئلة الهوية فيها, تزداد تعقيداً على تعقيد, فكان أن أفضت ردات فعل العولمة الثقافية, إلى تزكية النزوع الأعمى نحو التمسك بالثقافة المحلية -العادات والتقاليد- كيفما كانت, كقشه يتمسك بها الفرد منا خوفاً من الغرق في بحر العولمة الثقافية العميق. وبالنتيجة ينعكس كل ذلك سلباً على مسارات تبلور الهوية والثقافة السودانية, مما جعلها عملية متشعبة المشارب والمجالات لا ينحصر إشكالها في نظم العبادة والتربية والأسرة والتعليم والإعلام والاتصال والآداب والفنون والرياضة, وإنما تتعداها إلى جميع مجالات الحياة، حتى لم يبق قطاع من قطاعات المجتمع إلا ويواجه أشكال ثقافي ما.
وفي ذلك فان نداء الإصلاح والنهضة, يقترح الرؤى التالية, أولاً: الرهان وفي المقام الأول على الحل الثقافي للمشكل السوداني, وهو أمر يتطلب التنظير لمشروع ثقافي مقنع وفعال وشامل, نابع من طبيعة الحياة السودانية, بالبحث في القواسم الثقافية الكبرى التي تجمع بين السودانيين, وفي ذلك فنحن نري أن أهم مقوم مشترك في الثقافية السودانية ومكون لهويتها, هو انبثاقها عن قيم الإسلام وكريم العادات والتقاليد الاجتماعية, بوصف الإسلام هو العامل الثقافي الأكثر عمومية واشتراكاً بين المجتمعات الثقافية السودانية, وباعتباره وعلى مستوي أصله الإلهي ثقافة موحدة وعالمية وإنسانية وكلية قادرة على تجاوز حالة الانقسام بين المجتمعات الإنسانية كيفما كانت, وباعتبار إن منهج الإصلاح الثقافي, على ضوء هدي الإسلام, إصلاح متكامل يعنى بالجسم والروح والعقل والإرادة وإنماء حس المسؤولية, ويقصد إلى الخير والإحسان, فضلاً عن كونه معبراً عن قيم ومبادئ إنسانية هادية، وبذلك ينشأ الإنسان السوداني سوياً قوى الصلة بالله، محققاً لرسالته في الحياة.
ثانياً: ضرورة أن يكون محور المشروع الثقافي, هو الإنسان بوصفه المخلوق المكرم، بما يعني إن مشروع الإصلاح الثقافي, لا بد وان يعين في إطار رؤية متكاملة, وتكون إستراتجية إشاعته وتجديده بتجديد عناصر الثقافة فيه, وإثراءه بالتواصل الثقافي الحر, برفع مستوى التعليم والإعلام والتوجيه والإرشاد, والاهتمام بالدور الثقافي للأسرة والمجتمع وسائر وسائط الوعي الثقافي, التي يستفيد منها الجميع في المجتمع. فيكون المجتمع المثقف الذي يشارك فيه جميع الناس من خلال نظم التزكية الأخلاقية والضبط الاجتماعي, فضلا عن القضاء بوصفه الجهة التي تحمي الثقافة بإلزام القانون إن لزم الأمر. ومن هنا الدعوة إلى ضرورة التكامل والتلازم بين دور الأخلاق والمجتمع والقضاء.
ثالثاً: ضرورة إشاعة أجواء الحرية الثقافية المسئولة, كعامل مساعد لتفاعل مكونات التعدد الثقافي في السودان, ولحاجة البلاد لإسهامات أوسع وأرحب لمكوناته الثقافية بلا احتكار اثني أو نخبوي أو مذهبي أو ديني منغلق، فعندما تكون فرص التعبير الثقافي متكافئة بين الجميع, فان أجواء الحرية الثقافية كأداة وآلية تجعل الفرد يشعر بأهمية الانتماء الثقافي الراشد، وانه صاحب الحق في التجدد الثقافي، وان الثقافة العامة السائدة خادمة له وجاءت باختياره، وان مساحات الحوار الثقافي وتداول الرأي لها حرية متاحة, ابتداء من الفرد إلى المجتمع, رجاء أن يؤدى ذلك إلى مناخ ثقافي محفز للشعور بالانتماء للثقافة الجامعة ورؤيتها النهائية, وللابتكار والإصلاح والنهضة الشاملة، مما يفرز مناخاً يصنع الفرد المبدع والمجتمع القائد، عندما يشحذ همم الأفراد ويحرضهم على الإبداع وتحمل المسئولية وحب العمل واحترام الوقت ومحبة المعرفة، والسعي للاكتشاف وابتكار وتجريب الحلول الجديدة, فلا تقتل روح المبادرة وانطلاقة الفكر فيه, فيعمل الجميع على النهوض بالوطن وبناء مستقبله، والأصل في ذلك إن عمليات التفاعل الثقافي يجب أن تتم بوسائل وأساليب حرة ومنفتحة وبعيدة عن الإكراه أو استغلال الإنسان، بما لا يؤدي إلى إضعاف ثقافة ومعاني الكرامة الإنسانية.
رابعاً: الرهان الكبير على الآداب والفنون والرياضة في بناء الثقافة السودانية الجامعة, بوصفها تصوير لرسالة المجتمع بعد البحث عن عناصرها، فعندما يعرض الفنان إلى غرض من الأغراض الفنية، سواء تعلق بأحوال الإنسان، أو جمال الكون، أو القصص، أو عرض لعمل تشكيلي، أو واقعة وجدانية، أو وصف عاطفي، أو حوار ونحوه من الأجناس والأغراض الفنية، فإنه إنما يرمي من وراء كل ذلك إلى إبراز إحدى الدلالات »الثقافية« الموجهة للمجتمع والحاملة لرسالته وقيمه الفاضلة، فإذا ما استخدم الفنان التصوير أو التشخيص أو التشبيه أو المسرح أو الدراما أو الحكاية أو القصة أو الجدال أو الأغنية أو الرياضة ونحو ذلك من ضروب الثقافة، فإن جميع ذلك، إنما هو لأجل التعبير عن قيم المجتمع الثقافية وتجسيدها، بوصفها القاعدة الكبرى التي تتوق إليها سائر أساليب الفنون في السياق الثقافي السوداني.
خامساً: التأكيد على الإعلام كركيزة أساسية من ركائز نشر الثقافة الكلية للمجتمع، وهو طريق مهم لبناء الإنسان السوداني، ولذلك فالمطلوب هو كفالة حرية وسائل الإعلام، وحرية التعبير وحق الاتصال للجماهير، وضرورة استماع السلطة السياسية لكل صاحب رأي، دون قمع أو قهر أو تكميم للأفواه، وحرمان الإنسان من استخدام حقه في التعبير، والاجتهاد في الرأي، بمختلف الطرق والوسائل المشروعة, ونظرًا لأن وسائل الإعلام هي أقوى قنوات الاتصال تأثيرًا، وأوسعها انتشارًا، فإن هذه الوسائل تحمل مسؤولية مضاعفة، فتكون مصونة بقيم الصدق مع النفس ومع الآخرين, وتتمثل في تقديم النصح للحاكم والمحكوم، وإتاحة الفرصة للجميع لاستخدام حقهم المشروع في التعبير, وفي ذلك فان ملكية وسائل الإعلام يجب أن تكون مكفولة بالفعل للأفراد والمؤسسات والحكومات، دون أن يهيمن عليها أصحاب النفوذ الاقتصادي والسلطان السياسي.
ثالثاً: مجال الإصلاح الاجتماعي. يعالج هذا المجال جملة الإشكالات الاجتماعية, مثل: أوضاع المرأة والشباب والطفل وتفشي الجريمة وأهمها إشكالية عدم وجود ولاء اجتماعي أعلى يشد الأفراد في المجتمع السوداني, كمظهر من مظاهر غياب المشروع الثقافي المشترك, فمع ضعف الولاء »القومي« العام, فانه توجد ولاءات تحتية كثيرة ومتناقضة, كالولاءات الاثنية والقبلية والطائفية والشخصية والفئوية الضيقة, ووجه الإشكال يظهر في أن النظام الاجتماعي السوداني, لم يستطع أن يثبت لنفسه فكرة الولاء القومي, كما انه بالمقابل لم يستطع أن يؤسس ولاءً بديلاً له يجعل الفرد العادي يحس بأنه يعبر عن خصوصية ولائه الاجتماعي, ولا هو حافظ على إرثه وولائه التاريخي الديني الأصيل وعمل على تجديده, فظل الفرد السوداني يشعر بأن محددات ولائه الخاص محدودة في حدود ولاء سياسي يراد له أن يكون قومياً, بينما انتماؤه التاريخي والقيمي والثقافي العام يتجاوز تلك الحدود, ومن ثم وجد الفرد السوداني نفسه إنساناً موزع الولاء تتنازعه ولاءات متشاكسة, وبالنتيجة أصبح متناقض في ولائه الاجتماعي.
وهكذا تظهر وبإلحاح شديد مشكلة الولاء وتوزعه في المجتمع السوداني,كمشكلة تهدد بقاء السودان وتماسكه الاجتماعي, وهي المشكلة التي وطنها الاستعمار, من خلال محاولته بناء الولاء القومي في المجتمعات السودانية كأساس اجتماعي جديد, يقوم على معني رابطة القومية غير المتوافرة في السودان, فوقع الفرد السوداني ما بعد الدولة القومية, في حالة التناقض وبات عليه إن يحل انتمائه لقوميته الجديدة »قيد التشكل« محل الانتماء لمجتمعه التاريخي القديم، كفضاء ثقافي وقيمي وسياسي بديل لذلك الذي كان يعيش فيه ما قبل فترة الاستعمار, فأدى ذلك إلى خلق ازدواجية الولاء في المجتمع. وعندها ولعامل غياب المشروع الثقافي المشترك- ازداد تشتت الفرد السوداني في انتمائه داخل عرقيته أو عصبيته أو قبيلته أو اثنيته أو شعوبيته، وبين ولاءه للقومية الوافدة عليه, وبالنتيجة أدى ذلك إلى عدم قدرته على الاندماج في المؤسسات الاجتماعية والسياسية الحديثة بالدرجة الكافية، الأمر الذي زاد من ضعف مشاعر الانتماء للمجتمع الكبير.
وفي ذلك فان الرؤى المقترحة, تكمن أولاً: في ضرورة بروز المشروع الثقافي المشترك, بغية بناء مجتمع واسع, بوصفه مجتمعاً يوجه الولاء الفردي إلى ولاء عام, أي ولاء لله سبحانه, فإذا كانت قيم الإسلام هي الثقافة المشاعة في السودان, وكان الإسلام ولا يزال هو العامل الثقافي الأكثر اشتراكاً بين اغلب أهل السودان, فانه يجب أن يوظف بطريقة فعالة كميثاق اجتماعي لتوحيدهم, وهذا هو غاية الإستراتيجية الاجتماعية المنشودة في هذه »النداء« الإصلاحي, بحيث تعيد تجديد معاني الميثاق والعقد الاجتماعي, وتحوله من كونه عاملاً مشتركاً إلى كونه عاملاً موحداً بين شعوب ومجتمعات السودان, بوصفه العنصر الأكثر عمومية وجاذبية من بين العناصر الوحدوية الاخري مثل: اللغة والعرق والمصالح والمصير المشترك, مما يؤهله لخلق شروط ومتطلبات الولاء المشترك الموحد للسودانيين, مرتكزاً وبصورة أساسية على تمازج العنصرين العربي والأفريقي كمكونين اجتماعيين يستوعب تنوعهما ويتجاوز خلافاتهما إلى معاني الأمة السودانية الواحدة, فالبعد الديني موجود بالفعل في جميع تشكلات المجتمعات المحلية في السودان, انطلاقاً من البجة بشرق السودان، والنوبة بشمال السودان وجنوب كردفان، والعنصر العربي في أواسط وشمال وغرب وشرق السودان ولدي الفور، والزغاوة، والمساليت، فضلاً عن قبائل الانقسنة في جنوب شرق السودان, وليس أدل على ذلك من إن بعضاً من هذه المجموعات السكانية قد أنشأت ممالك إسلامية، كمملكتي الفور والفونج مثلاً, وهما اللتان تمتلكان إلى الآن تراثاً ثقافياً إسلامياً عريقاً.
ثانياً: ضرورة إثراء التداخل والتواصل الاجتماعي والتصاهر الأسري بين السودانيين, الذي كان ولا يزال ممتداً في بلاد السودان, ألا انه لم تتكامل مقوماته بسبب فراغ الرؤية الثقافية الجامعة, فضلاً عن ضعف أدوات التواصل والاتصال وانتشار عوامل الجهل والأمية والتنافس والصراع والعصبيات المفرقة, إلى أن وصل الأمر إلى اتهام المجموعات الطرفية في أطراف السودان للمجموعات المتوسطة في سكني السودان, بتركيز التنمية في مناطقها بوسط البلاد على حساب المجموعات الأخرى في الأطراف, وهو الاتهام الذي يحمل قدراً من المبررات الوجيهة، فبالرغم من مسئولية الاستعمار عن ذلك, فان المسؤولية تعود وبالأساس إلى حقب الحكم الوطني المتعاقبة العسكرية منها والمدنية - ما بعد الاستقلال, والذي كان من الأفضل له, بل من الأوجب عليه أخلاقياً, أن يباشر مشروعات الازدهار الثقافي والتواصل الاجتماعي والنماء الاقتصادي والعدل السياسي ذات الطابع العام في مناطق السودان المختلفة.
ثالثاً: محاربة ظاهرة تفشي الجريمة في المجتمع, بشاهد كثرة حوادث القتل, والسرقة, والنهب, بتكاثر أعداد الأطفال مجهولي الأبوين, وانتشار تعاطي المخدرات, وضعف الترابط الأسري وكثرة المشردين, فضلاً عن مواجهة الجرائم الأخلاقية في الكذب والخيانة, ومرد ذلك في الأساس يرجع إلى ضعف في النظام الأخلاقي, بسبب »الميل« عن الفطرة الإنسانية السوية, فيكون اهتمام »النداء« ببناء الأخلاق الفردية والاجتماعية وبناء الأسرة, ونشر ثقافة الضبط الاجتماعي, وإلا اختلت الموازين الأخلاقية والاجتماعية, وعندها يعجز كل قانون عن التأثير في أفعال الناس, ومن هنا الدعوة كذلك إلى نظام القضاء والقانوني الحاكم بين الناس في الحقوق المعتدي عليها.
رابعاً: إن المرأة السودانية برغم ظروفها الحالية وبرغم ما يفرضه عليها المجتمع من قيود, إلا انه يلاحظ انه وباستثناء بعض الجيوب الاجتماعية الممانعة لإعطاء المرأة السودانية الحقوق التي أعطاها الله تعالى, فان المرأة السودانية قد »نهضت« بالفعل في الكثير من المجتمعات السودانية, وتقدمت على مثيلاتها في بعض الدول العربية والإفريقية, بفعل الدعوات الإصلاحية التي أطلقها إصلاحيون أو دعاة الحداثة من مختلف الاتجاهات وفي الكثير من النخب الفكرية والسياسية السودانية, إلا إن دورها ما زال دون المأمول, ولذلك فان »النداء« في شان المرأة السودانية معني بتوضيح مسارات »التعبير« لا »التحرير« التي يمكن للمرأة والرجل أن يسلكاها معاً نهضةً في سائر مجالات الحياة, فتكون الدعوة إلى تفعيل دور المرأة باعتبارها نصف المجتمع حتى يتسنى لها طرح نفسها باعتبارها قادرة على المشاركة في سائر مناحي الحياة، جنباً إلى جنب مع شقيقها الرجل بلا استثناء في وظائف الحياة العامة, فلا تنحرف بها الفلسفات المادية السائدة في اتجاهات العولمة.
خامساً: ضرورة الاهتمام بدور الشباب على اعتبار أنهم يمثلون غالب مجموع السكان من خلال بناء ثقتهم بنفسهم وتوعيتهم بمسؤوليتهم المطلوبة تجاه واقع ومستقبل أمتهم، بما ينعكس على سلوكياتهم الايجابية لتكون مكانة اعتزاز ونموذج للشباب في المجتمعات الأخرى, ومن ثم مشاركتهم الفاعلة في التنمية وفق آليات جديدة تستوعب طاقاتهم وتوحد جهودهم من أجل قضاياهم وقضايا أمتهم. فضلا عن الاهتمام بالطفل، وذوى الاحتياجات الخاصة.
سادساً: يلاحظ ضعف دور منظمات المجتمع المدني وعدم وجود إستراتيجيات واضحة تعمل على تفعيل قيم وثقافات التطوع التي يتحلى بها المجتمع السوداني, وقد اقتصر النشاط الطوعي على عدد محدود من المنظمات بما لا يتناسب مع الدور الريادي الذي ينبغي أن تقوم به مؤسسات المجتمع المدني, وهنا دعوة »النداء« إلى دعم وتشجيع وتحفيز وتمكين العمل الطوعي الأهلي في مختلف المجالات باعتباره أداة مهمة لبناء المجتمع والدولة, باعتباره يساعد في تزكية وتنمية روح التعاون والتراحم في المجتمع, وذلك عبر تنمية وتأهيل وإعادة توجيه منظمات العمل الطوعي العاملة في مجال الخدمة الاجتماعية للعمل بكفاءة وإخلاص وأمانة مع الاستفادة من تطور منظومات العمل التطوعي على المستوى العالمي والاستفادة من الحكمة فيها بما لا يتعارض مع قيمنا والتزاماتنا الأخلاقية والدينية.
رابعاً: مجال الإصلاح السياسي. تظهر إشكالية هذا المجال في هشاشة الدولة والنظام السياسي في السودان وتأثيره السالب على علاقات النسيج الاجتماعي السوداني, إذ يلاحظ أن النظام السياسي وتبعاً لأيدلوجيات النخب المتعاقبة عليه, قد وجد نفسه في كثير من الأحوال في مواجهة مباشرة مع القيم والثقافة الاجتماعية للمجتمع السوداني, مما دفعه وبمرور الأيام والأعوام, إلى أن يتحول إلى أداة سلطوية تعمل على الهيمنة الكلية والشاملة على الحياة, بل وانتهت إلى مؤسسة منتجة للعنف ومحتكرة له ومتسلطة في النهاية على المجتمع في أحوال كثيرة، فتتعقد الأوضاع الاجتماعية أكثر ما تتبسط, وإزاء هذه الأوضاع المعقدة فان ما يحدث هو إن الدولة الناشئة »تحت التأسيس«, تبدأ في الاهتمام ببناء جهازها الأمني والعسكري، بدعوى بقائها وضرورات حفظ الأمن والنظام ومواجهة القوة العسكرية المتربصة في الخارج والمتمردة في الداخل، ولكن الجهاز الأمني والعسكري المتجدد بدل أن يكون درعاً واقياً للمجتمع، يتحول إلى قوة حماية لمؤسسات النظام السياسي المختلقة في مواجهة مجتمعها، التي هي بصدد حمايته, ويحرمها من ثم من الحرية والإرادة والإبداع, فتبدأ الكثير من القوي الاجتماعية في الشعور باتساع المسافة بينها وبين النخب الحاكمة, فينتهي الحال إلى فقدان النظام السياسي نفسه للشرعية في نظر الكثير من القوي الاجتماعية, وتغيب عندئذ فكرة الثوابت الوطنية العامة فتتحول علاقاتها إلى صراع مدمر لا يبقي ولا يزر, فيكون النظام السياسي وصراع السلطة عليه, احد أهم العوامل التي تعمل على تفكك الدولة السودانية, إن لم تكن العامل الرئيس.
وفي ذلك فإننا نري الأتي. أولاً: إن النظام السياسي ومهما كان مبرره الهام في الحاجة إلى الأمن والسلام وتسهيل الخدمات العامة في المجتمع ضرورياً, إلا إنه لا ينبغي أن يستطيل ليستحوذ على الفضاء الحياة العامة, بحيث يكون هناك نوع من التوازن بين النظام السياسي وقوي المجتمع, فيكون توزيع الأدوار سبيلاً لكبح سيطرة النظام السياسي على المجتمع، فيكون له مجاله الخاص. فلا يعمد النظام لإتباع سياسة السيطرة الشاملة، فينتهي من حيث يدري ولا يدري للقضاء على المؤسسات الاجتماعية الوسيطة، وبالنتيجة يصير الفرد فرداً معزولا ًمعرضاً مباشرة لهيمنة الدولة وإكراهاتها وإغراءاتها, فيتمزق نسيجه الاجتماعي, أو يقع في ردة الفعل برفض مؤسسة الدولة من أساسها، بالدعوة إلى القطيعة معها، فيتعمق الصراع السياسي ويتمزق النسيج الاجتماعي معه، ومن ثم تتعطل وظيفة النظام السياسي وظيفة المجتمع معاً, ولذلك تكون الدعوة إلى تكييف نظام الحكم في الدولة بالنظام الرئاسي المختلط والمقيد بقيود الدستور والمؤكد عليها بالرقابة التشريعية والسياسية والتنفيذية للسلطة التشريعية إزاء السلطة التنفيذية, بما يضمن تقدم المجتمع على الدولة المجتمع القائد- في أدواره الاجتماعية, فتنتهي المؤسسات الأهلية إلى إدارة شئون المجتمع، ليكون للفرد دوره، وللمسجد دوره، وللمدرسة دورها وللمنظمات والمؤسسات المدنية والحرفية دورها وللسوق دوره وللنادي دوره.
ثانياً: ضرورة تعزيز ثقافة الحوار لا ثقافة الكراهية, بين مكونات المجتمع السوداني الاثنية والعرقية والثقافية, بوصفها تقوم بدور هام وبدرجة عالية من الكفاءة والفعالية في تأدية وظيفة السياسية في المبادرة والتصدي لدرء الخلافات وتصفية النزاعات ومعالجة الصراعات، فهي وظيفة مطلوبة ومرغوبة باستمرار, بل ويزيد الإلحاح في طلبها مع تزايد وتكثف احتدام التنافس علي الثروة والسلطة في السودان، المتلازم مع التدهور الذي أصاب المجتمع السوداني على أكثر من وجه من أوجه حياته العامة, كما تزداد الحاجة للثقافة الحوارية لاسيما في سياق ضعف الثقة والاحترام المتبادل بين الدولة والكثير من الأفراد والشرائح والفئات والجماعات في المجتمع السوداني، بسب انحيازات النخب غير المبررة وعدم جديتها وعجزها المستمر عن معالجة قضايا وأوضاع الحياة, بالطريقة الفعالة التي تنتهي إلى تجاوز النزاعات والخلافات المتجددة.
ثالثاً: إننا نري انه وحتى ينمو الشعور والانتماء الوطني بين المجتمعات الاثنية والعرقية والدينية المتباينة التي تسكن السودان, كما في حالة دارفور وجنوبي كردفان والنيل الأزرق, فانه لا بد من تغليب أولوية الحلول الثقافية والاجتماعية والسياسية, المعنية باستراتجيات التكامل والتمازج الثقافي والاجتماعي, والبحث عن القواسم الثقافية المشتركة, بدلاً من الرهان على الحلول الأمنية والعسكرية واللجوء إلى استخدام العنف والقوة, والتي أدت إلى إضعاف ثقافة ومعاني الوحدة وانعدمت الثقة أو تكاد بين المجموعات والاثنيات المختلفة, ويكون ذلك برفع تدنى مستوى التنمية والتعليم والوعي الثقافي والمشاركة السياسية وإقامة العدالة الانتقالية.
رابعاً: تأكيد الدعوة إلى ضرورة التوصل لعقد سياسي عام »دستور«, مبني على فكرة الحكم الاتحادي الرئاسي المختلط , والقائم على مبادئ الحكم المقيد وتجدد الانتخاب والمساءلة, والتداول السلمي للسلطة, وإنفاذ منظومته القيمية والأخلاقية في الحرية والاستقامة والعدالة والمشاركة السياسية واحترام حقوق الناس وحرماتهم, لاسيما حق المرأة والشباب في المشاركة الايجابية, بما يقرر حدود الولاية العامة وطبيعة وظيفتها, بالمقاربة مع حدود القوي والنظم الاجتماعية الأخرى, فيعترف لها بالوجود المتباين في الخصائص: الثقافية والسياسية والاجتماعية، والعرقية, بما يجسد فكرة مبدأ الحوار والتثاقف السياسي ويفتح الأبواب أمام فرص تكامل وتضامن الأدوار والوظائف المتبادلة بين مؤسسة النظام السياسي ووظائف غيره من النظم والفئات الاجتماعية والأهلية الفاعلة في الحياة السياسية.
خامساً: تأكيد الدعوة على مبدأ حق الشعب في الاستفتاء على ماهية الدستور ونظام الحكم الملائم لأحوال السودان, وهو ما يعني إجازته استفاءً, وسائر القوانين السياسية الملازمة له: كقانون الانتخابات وقانون الإعلام والأمن والأحزاب, من خلال جمعية تأسيسية للدستور, بما يضمن حضور لسائر الطيف السياسي السوداني, لاحتمال أن يكون هو الدستور »الدائم«, وما يترتب عليه بعداً من انتخابات عامة تجديداً للمشروعية السياسية للنخبة الحاكمة, وتجديد الدماء والروح وكسر حالة الانفراد بالسلطة لفترات طويلة, فيكون احترام مبدأ الاحتكام إلى مبدأ الرضا الشعبي وتحقق إرادة الأمة, والمبني بدوره على معاني العدالة وتكافؤ الفرص والشفافية والنزاهة, وفك الارتباط بين النخب الحاكمة وإمكانات الدولة, ورمزيتها السياسية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.