ظنَّ كثيرٌ من الناس، أن العلاقة بين السودان ودولة جنوب السودان، ستكون في أفضل حالاتها، بعد توقيع المصفوفات خاصة ما يتعلق بالترتيبات الأمنية والمنطقة العازلة، ومرور بترول الجنوب وغيرها من القضايا العالقة.. وعزَّزت زيارة الرئيس البشير إلى جوبا، الرأي القائل بأن صفحة جديدة قد نُشرت بعد طي الصفحة السابقة.. لكنَّ الأمور ذهبت في اتجاه مغاير، وظهرت جوبا على حقيقتها التي ظللنا نشير إليها ونحذِّر منها، فالعلاقة بين الجانبَين لا تتحكَّم فيها منافع ومصالح مشتركة، بل هي رهن مَن بيده القرار في شأن وتوجُّهات دولة جنوب السودان، ولا يتجادل اثنان في أن حكومة دولة الجنوب ليست مالكة لقرارها ولا هي التي ترسم السياسات وتتخذ المواقف، فالقوى الدولية التي أنشأت هذه الحركة الشعبيَّة ورسمت معالم مشروع السوان الجديد ودعمت وساندت الحرب منذ 1983م، هي التي تتحكم في هذه الدويلة التي صُنعت لتحقيق أهداف محدَّدة ضمن منظومة ترتيبات لإعادة تركيب المنطقة وفي مقدمتها السودان.. والغريب أن دولاً إفريقيَّة من الوسط والجنوب والشرق الإفريقي، لديها آراء في الحركة الشعبية الحاكمة في الجنوب منذ فترة طويلة، وتنظر إليها بأنها ليست حركة وطنيَّة ولا تنتمي للفضاء السياسي التحرري الإفريقي ولا تمثل أي امتدادات له.. وقد سمعنا من قيادات حزبية وسياسية في دول إفريقيَّة عديدة في مناسبات مختلفة هذا الرأي.. وبعضهم لا يُخفي خشيته من أنَّ الحكام الجدد في دولة الجنوب سيكون برنامجُهم بعد حصولهم على دولتهم هو تسديد روزنامات الفواتير المؤجلة، مقابل الدعم الغربي طوال الفترة من قيام الحركة حتى اليوم.. ولذلك من الصعب الجزم بأن العلاقات بين الخرطوموجوبا يمكن أن تتحسن أو تكون في الحد الأدنى المقبول، والحركة الشعبية بيدها مقاليد الأمور في جنوب السودان، فالتوجه الإستراتيجي للحركة الشعبية والقوى الدولية التي تدعمها، هو ذهاب النظام القائم في الخرطوم ومسخ هُوية السُّودان بعد أن يأتي عملاء الحركة وربائب القوى الأجنبيَّة لحكم السودان، وتغيير هُويته وتحقيق الهدف الإستراتيجي الذي عبَّر عنه جون قرنق في العام 2002 بأنَّ العناصر ذات التوجُّه الإسلامي والعربي ستخرج عنه وتُجلى كما خرج أسلافُهم من الأندلس بعد أن بقُوا هناك خمسة قرون! وكذلك من الصعب التصديق بأنَّ العلاقة بين الخرطوموجوبا يمكن أن تستقر وتستوي، فمن يقف وراء جوبا من دوائر صنع القرار الغربية وفي إسرائيل، تريد محو السودان بشكله الحالي، أو إضعافه إلى أدنى درجة وسلب إرادته ونهب ثرواته وكسر عظمه وقهر شعبه، فليس وارداً أن تتخلَّى حكومة الحركة الشعبيَّة في الجنوب ولا النخب السياسيَّة هناك عن هذا الهدف لأنها ربطت وجودها ومصالحها مع هذه المشروعات الإستراتيجيَّة التي لا تحتاج إلى شواهد ودليل... فما يجري اليوم في بلدنا خاصة في جنوب كردفان والنيل الأزرق ودارفور، حلقة واحدة ومخطَّط موكل بتنفيذه الحركة الشعبية الحاكمة في الجنوب وعملاؤها من الحركات المتمردة في دارفور وما يسمَّى بالجبهة الثورية فضلاً عن قطاع الشمال الذي هو جزء أصيل من الحركة الشعبيَّة الأم.. إذا كانت الحكومة تسعى وتجتهد في واجباتها واعتقاداتها بأنها يمكن أن تسدَّ الذَّرائع وتؤجِّل المواجهة وتقلِّل من احتدام الخلاف والصدام مع دولة الجنوب، فعليها ألّا تركن إلى النوايا الطيبة ولغة الحوار والتعامل الدبلوماسي ووضع الندى في موضع السيف... فجوبا والمنظومة الدوليَّة والإقليميَّة التي تقف وراءها تعرف ماذا تريد في السودان وستمضي في تنفيذه مهما كلَّفها ذلك.. فعلينا ألَّا نغمض أعيننا ونضع إستراتيجية جديدة للتعامل مع هذه الدويلة التي لم تبلغ الحلم بعد، ونحدِّد خيارات التعامل معها قبل فوات الأوان.. لدينا أوراق في أيدينا يجب أن نتعامل بها، ونحن نعرف مَقَاتل هذه الدُّويلة ويدها التي توجعها، ونقاط ضعفها كلَّها، فدعونا هذه المرة نكشِّر عن أنيابنا ونحمل العصي عند الجلوس على موائد اللئام!