أثارت ورشة العلاقة بين الدوائر الأكاديمية وجهات اتخاذ القرار في الدولة ردود أفعال واسعة حول نجاعة مخرجات تلك المراكز البحثية في الوقت الذي لا تجد فيه الاهتمام من قِبل الأجهزة السيادية، وتطول كل تلك الجهود المبذولة تطوعاً في إطار الوصول إلى تسويات للإشكاليات التي تلج الساحة إن كانت أكاديمية أو سياسية أو غيرها من المشكلات مجال البحث والدراسة بغية المساعدة بالطرح والرأي والتحليل فيما يمليه واجب المواطنة والمصير المشترك. وتأتي أعمال تلك الورشة رد فعل على ورشة سابقة أقامها مركز السودان للبحوث والدراسات الإستراتيجية عن علاقة السودان والجنوب عقب تداعيات أحداث أبو كرشولا في وقت سابق، وتساؤلات الخبراء الذين تحدثوا حينها عن نجاعة مخرجات تلك الندوة، لتأتي الندوة رداً عملياً من المركز لسبر غور تلك الشكوك. وقال بروفيسور محمد أحمد داني في ورقته ترشيد عملية اتخاذ القرارات السيادية السودانية إن الورقة تطرح جدلية صنع القرارات السيادية وعملية اتخاذها في الدولة السودانية وعن المشاركة الحقيقية للمؤسسات الأكاديمية في عملية اتخاذ القرارات الحكومية والسيادية. و قال إن مهام وظائف الدولة الحديثة تطورت تكاملاً أو إكراهاً في أدائها وصنع سياستها واتخاذ قراراتها بين النظام الإداري والتنفيذي والنظام السياسي والتشريعي والرقابي ولكن بعض وظائف الدولة على الأحرى تتوقف وتعتمد كثيراً على إستراتيجية وطبيعة القرار السياسي والسيادي ودرجة رشده وعقلانية صنعه واتخاذه وذلك لأن النظام السياسي والإداري يتفاعلان مع مجموعة من المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية باعتبار أننا لا نفهم أداء الدولة إلا إذا عرفنا منطلقاتها الفلسفية أو الإيدولوجية في النظرة للناس والأشياء وتفاعلها من أجل النهضة الحضارية والإنسانية الراقية. وقد توجد نظم سياسية لها مدخلات لا تؤدي إلى صنع شرعية دستورية وقانونية تحكم وتراقب أداءها الفعَّال واتخاذ قراراتها السيادية من أجل المنفعة العامة للشعب والأمة ويضيف محمداني لذا إن عملية كسر جمود الدولة القومية في هذا الشأن يتطلب تحسين وتطوير عملية صنع القرارات السياسية والسيادية على وجه الخصوص في منظمات الإدارة العامة. وأكد أن القرارات الحكومية تُتخذ إما مشاركة بين النظام الإداري والنظام السياسي أو انفراداً عن طريق النظام السياسي خاصة في دولة كالسودان يهيمن على عملية اتخاذ القرار السيادي فيها الحزب الحاكم، ويقول إن القرارات الروتينية والتسييرية في الدولة من شأن النظام الإداري. ويضيف محمد داني أن القرارات الحكومية ترتكز على طبيعة القرار سياسي أم إداري روتيني، ويقول إن القرار السياسي عادة ما يكون إستراتيجيًا واسع النطاق ملزم الخضوع له والرقابة عليه، ولكن ينبغي لكلا النوعين أن يلتزم بما يسمى بالموضوعية والمشروعية والدستورية. ويؤكد أن القرار السياسي دائمًا يرتكز على الشرعية والتراضي والعمومية في طابعه. ويؤكد أن القرار السيادي أوسع مجالاً من القرار الإداري التنفيذي الذي يرتكز على تنفيذ القرار السياسي في الدولة وهذا الحديث هنا للبروفيسور محمداني يتميَّز القرار بصراعات قوى المصالح القومية والفئوية كما يتميز بإمكانية الاتفاق على حلول وسطى يتراضى عليها اجتماعياً وسياسياً إضافة إلى طبيعة العمومية حيث يسري بعد التوافق عليه أو اتخاذه على الجميع أفرادًا وجماعات ومؤسسات. ويؤكد بروف محمد أن القرارات يمكن أن تكون إستراتيجية أو إجرائية روتينية أو قد تكون ديمقراطية أو أوتوقراطية والقرار السيادي هو بؤرة هادية لكيفية اتخاذ تلك القرارات وهو من شأن رأس الدولة وبالتالي يتبعه أركانه وهم الوزراء التنفيذيون وأقرانهم وهؤلاء القوم يتأثرون بدوافعهم الشخصية واستعدادهم لتحمل المسؤولية الملقاة على عاتقهم وكيفية إدراكهم للبيئة بمعناها الشامل وطريقة أو أسلوب التعامل معها ولذلك فهناك خياران مطروحان أمام كل مسؤول في الدولة يتخذ قرارًا سياديًا أو غير سيادي يهم الناس وهما: خيار أن يربط بين النظم الاجتماعية ومراعاة تلك الجوانب التي تهم الناس من حيث التأثير المتبادل لحظة اتخاذ القرار سلباً أو إيجاباً، أو النموذج الذي يرى أن عملية اتخاذ القرار عملية ذاتية فردية تعبِّر عن أهداف صانع القرار. ولم يستبعد تأثير الضغوط المتنوعة في تشكيل صياغة القرار واتخاذه. ويشير الى صعوبة وتعقيد عملية صنع القرارات السيادية ويرى ضرورة مشاركة ذوي الخبرة الأكاديمية العلمية والعملية وشراكتهم على مستوى مؤسسات التعليم العالي المختلفة وبيوت الخبرة، ويضيف أنه لما كان أداء الدولة يتميز بالمهنية والعلمية ازدادت أهمية الأكاديميين في كل قطاعات الدولة المذكورة لذلك لجأت الحكومات المتعاقية على إدارة البلاد إلى الخبرات الأكاديمية لحلحلة مشكلات الدولة وتقديم الرؤى ويقول إن الخبراء يشاركون حتى في وضع الميزانيات العامة والقضايا الإستراتيجية وتجاز بواسطة رئيس الجمهورية. ويشير بروفيسور خليل عبدالله المدني في ورقته إلى العديد من الإشكالات التي تواجه العلاقة بين مراكز البحوث ومؤسسات اتخاذ القرار في الدولة منها إشكاليات عامة وإشكاليات البيئة التي تعمل فيها مراكز البحوث، ويشير الى التمويل والموضوعية والاستقلالية والإبداع والابتكار وضعف ثقافة التفكير المنهجي والحذر المفرط وغيره من النقاط المهمة التي تؤثر في اتخاذ القرار ومساهمة بيوت الخبرة في ذلك.