هنالك من يضعون أسماءهم في سجل التاريخ كعلامات مضيئة يستقي منها الناس معاني الوفاء والعطاء ويظلون أقماراً ساطعة في ذاكرة الأمة تحكي عن روعة زمانهم ومكانهم، فيمضون مسرعين تاركين وراءهم سيرة عطرة وكتاباً مليئاً بالقيم والفضائل. والذي يضع بصمة في الحياة هو الذي ينتقل جسده من الدنيا فتبقى روحه حية تجسد تلك المعاني العظيمة. وكان هذا العام موشحاً بالأحزان لما فقدنا فيه من رجال صدقوا الله ما عاهدوه، وأفنوا حياتهم في خدمة الدعوة، لهم مجاهدات في مسيرة العمل التربوي والجهادي، وظلوا طوال حياتهم مرابطين على الثغور خدمة للدين وحماية للعقيدة في السودان ومصر وغيرها من أبناء الحركة الإسلامية، مضوا عن دنيانا بعد أن تركوا خير سيرة، غيبهم الموت لتكون الابتلاءات جزءاً من نصيب المؤمنين الصادقين، ففي مصر عبرت قوافل الشهداء الذين اغتالتهم يد الغدر والخيانة وهم معتصمون بحبل من الله لتمكين شرعه واقامة دولة الحق والعدل والطهر، غدرت بهم فلول العلمانية البغيضة لتحكم في مصر المؤمنة مناهج الباطل والضلال، فقتلوا الراكعين الساجدين القانتين.. قتلوا عمار بديع وإخوانه الشرفاء وأسماء البلتاجي وأخواتها الحرائر.. وسكبوا الدماء الطاهرة ليسكتوا صوت الحق. لتصبح مصر بعد مذبحة رابعة معلماً لقوة الإرادة الشعبية التي يقودها التيار الإسلامي ونضوج فكرتهم والتحرر من الخوف للوقوف بصلابة أمام وحشية الطغاة والفراعنة الجدد. أما في السودان فقد كان للحركة الإسلامية نصيبها من الأحزان بفقد رجال أعلام هذا العام، منهم من قضى نحبه شهيداً فى ملامح الكرامة والفداء على أبواب أبو كرشولا التى دنستها مجموعات العملاء بعد أن انتهكوا الأعراض وذبحوا الأبرياء ونهبوا وروعوا الآمنين، فقد قدم الشهداء ارواحهم من أجل المستضعفين ولنصرة الدين والوطن، الشهيد دفع الله الحسين والشهيد شهاب الدين برج وبقية العقد الفريد من الاخيار الأطهار. كذلك رحل عن دنيانا الفانية الى رحاب الله هذا العام الشيخ الجليل/ ياسين عمر الإمام بعد رحلة حافلة بالعطاء والتضحيات لترسيخ تجربة العمل الإسلامى فى السودان، ورحل المجاهد/ عبد الحليم الترابى أمير لواء الخرساء الذى شارك فى العمليات القتالية فى بواكير الجهاد، وقدم عصارة فكرة وجهده للنهوض بالعمل الجهادي وحماية مقدرات البلاد.. واليوم يترجل احد المجاهدين من جيل الشباب ليرحل على عجل بعد أن وضع بصمة ستبقى شاهداً على رجل بقامة أمة.. إنه المجاهد وليد البحر ذلكم الفتى الذى أفنى عمره مجاهداً ومرابطاً فى كل الثغور، لا يعرف الراحة والسكون.. وكان مثل الشمعة التى تحترق لتضيء للآخرين.. ومثل البحر الذى يفيض ليعطي الناس الخير والثمار. وعرف بطيب المعشر وسماحة الخلق والورع وحب الخير للجميع، وما أن تراه حتى تلمح ابتسامة صادقة يرسمها للجميع تؤكد على أصالة معدنه ورحابة صدره، وقد عرفه اخوانه مجاهداً فى الصفوف الأمامية ومقداماً يؤثر ما عنده لرفقاء دربه ويسهر على خدمة المجاهدين، الذين كانوا ينادونه بالشهيد الحي وذلك لحبه للشهادة وبحثه المضني عند دروبها. وأصيب في رأسه نتيجة للارتطام بالأرض في مناطق العمليات، وظل يشكو من أثرها حتى رحيله، ونحسبه من الشهداء، ونسأل الله أن يتقبله في مقعد صدق عند مليك مقتدر، ويلهم آهله وإخوانه الصبر الجميل.