بادئ ذي بدء، لعل المتأمل للماضي السياسي والمتمعِّن للخلفية التاريخية لمعطيات وحيثيات نشأة ولاية غرب كردفان في العقد الأخير من القرن العشرين أي في عام 1994م على وجه الدقة.. يلحظ أنها تشكّلت وبرزت إلى السطح بغتة مثل نظيراتها وأخواتها الأخريات اللائي برزن في جهات ونواحي السودان المختلفة كإفراز طبيعي لمخرجات ما يسمى بفلسفة الحكم الفدرالي أي الاتحادي آنذاك.. والتي هدفت ورمت من ورائه حكومة الإنقاذ الوطني في حينه إلى طي الظل الإداري المترهل الأطراف والعمل على تقصيره إلى المستوى الذي يجعله ذا فائدة ومنفعة للشعب وليس نقمة عليه، أي بمعنى آخر، تخفيف قبضة المركز للسلطة وإرخائها بحيث يفسح المجال لأبناء الهامش السوداني ويفتح لهم الأبواب على مصراعيها غير مواربة لحكم أنفسهم بأنفسهم بدلاً من تصدير الحكام إليهم من خزائنه.. الشيء الذي درجت عليه الحكومات السودانية المختلفة منذ الاستقلال بمختلف توجهاتها الفكرية وأنظمتها الحكمية عسكرية كانت أم مدنية، والتي لم يكن نظام الإنقاذ بريء منها في بداية عهدها إلا أنه أفلح لاحقاً في تقويم ذلك الاعوجاج وإصلاح ذاك العطب السياسي المزمن.. حيث سعى أي نظام الإنقاذ من خلال النظام الاتحادي إلى تنزيل السلطة إلى حكام الولايات بغرض جعلها متاحة ومنداحة لكل المشتغلين بالسلطة ومباحة لكل أبناء الشعب السوداني في حواضرهم وأريافهم، في مدنهم وقراهم، وذلك عبر التسلسل الإداري والتنظيمي للسلطة في مستوياتها المختلفة ابتداءً برئاسة الولاية وانتهاءً بأصغر وحدة إدارية في المحلية المعنية، الشيء الذي جعل أهل السودان عموماً وأهل غرب كردفان على وجه الخصوص يستنشقون عبير السلطة ويشعرون لأول مرة في قرارة أنفسهم بأنهم شركاء في السلطة واصلاء في تعاطيها وممارستها اليومية، وذلك عبر الصعيدين التنفيذي والتشريعي وما أدل على ذلك سوى بروز مباني الهيئة التشريعية عالية آنذاك بين أكناف مدينة الفولة حاضرة الولاية وتطاول بنيان الوزارات والمؤسسات السيادية في رحابها.. ولكن المغزى كما يقال ليس في المبنى بقدر ما هو في المعنى، الشيء الذي يدفعنا لطرح جملة من الأسئلة على النخب السياسية بالولاية والتي نحسب لها واقعية وهي على النحو التالي: هل نحن كنخب ثقافية وسياسية (cultural and political intectuals في منطقة غرب كردفان تعاملنا بعقلانية ورشد بالسلطة التي خلعها المركز على كواهلنا؟ وهل أحسنا استغلالها وتمكنا من خلال أدائنا السياسي والأمني من إقناع الآخرين بأننا أهل لها؟ هل نجحنا حتى في إقناع أهلنا الغبش «أو الترابلة» وأصحاب المصلحة (Stakeholders) من أبناء المنطقة بأننا قمينون بذلك؟ أم جعلناهم يعضون على بنان الحسرة ويلوكون ألسنتهم أسفاً للحال الذي آلت إليه المنطقة بعد أيلولة السلطة إلى أبنائها خلال عقد من الزمان على وجه التقريب.. أجل لعلي أعتقد في مشروعية هذه الأسئلة وأحسب كذلك بأنها تحمل في مظانها ضرباً من ضروب النقد الذاتي الذي صامت عنه النخب السياسية في تعاطيها مع السلطة في الولاية، فصحيح إذا ما كان جهل وبساطة المواطن البسيط بالمنطقة حالا دون ممارسته لأي شكل من أشكال النقد لأداء الجهاز التنفيذي ولو في حدود معرفته المحدودة فكان أجدر بقبيلة المثقفين وافخاذهم وجماعة النخب وبطونهم أن يفعلوا ذلك.. ولكن هيهات!! فقد انغمس الجميع في لعبة السلطة إلا من رحم الله وغاصوا في وحلها من قمة رؤوسهم إلى أخمص أقدامهم فخطف بريقها أبصارهم وذهب بعقولهم بهرجهاً وظلوا هكذا الحال حتى أفاقوا على اللكمة السياسية القوية التي سددها لهم قرار تصفية الولاية وتذويبها في ولاية جنوب كردفان كاستحقاق سياسي من ضمن اسحقاقات اتفاقية السلام الشامل بنيفاشا بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية في العام 2005م. أجل إني أفصح عن كل هذا ويجدر بي أن أرجع بذاكرتي إلى الوراء أي إلى عهد قيام ولاية غرب كردفان في العام 1994م.. إذ أذكر أن الأستاذ/ عادل البلالي الصحفي المعروف وأحد مثقفي المنطقة قد أعد ملفاً تعريفياً كاملاً عن الولاية الوليدة تحت عنوان «ملف ولاية غرب كردفان» وقد تم نشره في حلقات في جريدة دارفور الجديدة آنذاك، وكان بمثابة تعريف بالولاية وتقديمها لجماهير الشعب السوداني، وقد ركز في ذات الملف على تناول أرياف قبائل حَمر «بفتح الحاء» وديار قبائل المسيرية الحُمر «بضم الحاء» ضارباً عرض الحائط بالمجموعات والاثنيات الأخرى التي تساكنهم الولاية والمتمثلة في قبائل المسيرية الزرق والداجو والنوبة ودينكا نقوك بأبيي، الشيء الذي جعل صاحب هذا القلم يعقب على الملف المذكور في نفس الجريدة بتاريخ 28 مايو 1994م تحت عنوان «ولاية غرب كردفان والرؤية القومية» ويجدر بي في هذا المقام أن أقتطف بعض ما ورد في التعقيب المعني ما يلي: «ومما يؤسف له أننا قد لمسنا في دسم عنوان الملف سم القبلية والجهوية القاتل، وهذا ما ينبغي ألا نفسح له مجالاً ليساهم في بلورة معالم شخصية الولاية من أول وهلة». ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو الآتي: هل تبينت النخب السياسية النصح وأقلعوا كذلك عن أثننة الولاية (Ethnicization) وقبلتها (Triblization) وانتحوا بها بعيداً عن كل ما يقود إلى الاصطراع السياسي ونزعة الهيمنة والتناحر القبلي؟ لا أظن كذلك؛ لأن المتتبع للتاريخ السياسي للولاية المذكورة منذ إنشائها إلى تذويبها كما أشرنا آنفاً.. يجد أن هذه الأدواء السياسية السالبة التي أشرنا إليها آنفاً قد تفاقمت قبيل تذويبها، الشيء الذي جعل المهمشين في حاضرة ذات الولاية قد أداروا لها ظهورهم غير آبهين بما يدور في سوحها ويعضد ذلك القول أنه بعد إعلان تصفيتها وتذويبها في ولاية جنوب كردفان بأمر نيفاشا، لم تجد لها بواكٍ وسط تلك المجموعات ولم تلطم لها الخدود وتشق لها الجيوب خاصة في القطاع الشرقي من الولاية ونذكر منهم على سبيل المثال قبائل النوبة بالجبال الغربية الذين نشروا في الصحف السيارة أكثر من بيانٍ يطالبون فيه الدولة بإبقائهم بولاية جنوب كردفان مستندين في ذلك إلى اتفاقية سويسرا في العام 2002م ونيفاشا في العام 2005م اللتان تشيران إلى تبعية محافظة لقاوة إلى ولاية جنوب كردفان، علاوة على قبائل الداجو بنفس المحافظة والتي رفعت مذكرة من قبل تطالب فيها أيضاً سلطات الولاية بإبقائهم بولاية جنوب كردفان عندما رشحت معلومات في فترة سابقة لعهد مولانا/ أحمد هارون الوالي الحالي لولاية جنوب كردفان بإمكانية عودة ولاية غرب كردفان.. وفوق كل هذا وذاك نجد أن قبائل دار حمر والتي تشكل قوة اقتصادية ضاربة في الولاية المذوبة وتشغل الجزء الشمالي من حيزها الجغرافي قد رفعت كذلك مطلبها مؤخراً لرئاسة الدولة تطالب بإنشاء ولاية جديدة لها في دار حمر وتكون عاصمتها مدينة النهود العاصمة الاقتصادية السابقة للولاية المذوبة.. ولعل كل هذا التململ ومحاولات الخروج المتكررة من تلك المجموعات من بين أسوار الولاية تعد مظهراً من مظاهر الفشل في إدارة التنوع مما يشيء إلى فشل تجربة الحكم في ولاية غرب كردفان التي أخفقت النخب السياسية فيها في أن يجعلوها بوتقة قومية تتآلف فيها كل هذه المجموعات والقوميات، ومحجة وطنية يغشاها كل أبناء الشعب السوداني وكذلك عتبة منيعة تتكسر عندها كل أشكال التمييز على أساس العرق أو الجهة.. لتزدهر وتفرهد في أروقتها كل قيم المحبة والعدالة والمساواة، فتتولد في قلوب أبنائها روح الانتماء والولاء ومن ثم يهون كل غالٍ ونفيس عندهم من أجل بقائها.. ولكن هيهات.. إلا أنه في خاتمة ونهاية مطاف هذا المقال يطيب لي أن أحيل كل الأسئلة التي وردت في سياقه وصلبه إلى أيدي صناع القرار على الصعيدين الرئاسي والولائي ليستصحبوها معهم ويستنبطونها في حيثياتهم المتعلقة بأمر البت في إمكانية عودة ولاية غرب كردفان كما رشحت المعلومات مؤخراً.. وذلك حتى لا نسهم جميعاً في إعادة إنتاج أزمة الحكم من جديد في تلك البقعة.