إن النقاب والمقصود به تغطية وجه المرأة «حكم شرعي» وردت بشأنه النصوص الشرعية من الكتاب والسنة، وعملت به الأمة الإسلامية منذ عهد النبوة وإلى يومنا هذا، والأمانة العلمية تقتضي أن أبين أن من المعلوم بين أهل العلم المتقدمين والمعاصرين أن للعلماء في مسألة وجوب تغطية الوجه قولان: الأول: يرى وجوب تغطية الوجه وهو القول الصحيح والراجح. والقول الثاني: يرى الاستحباب. وإن القول الذي تسنده النصوص التي سأعرضها في هاتين الحلقتين هو القول بالوجوب، والقول الثاني قال به بعض أهل العلم، فالأمر دائر عند العلماء المتقدمين والمعاصرين بين الوجوب «وهو الراجح» وبين الاستحباب، إلا أنّ يجب أن أُنبّه تنبيهاً مهماً في هذا المقام وهو أن كلا الفريقين متفقان على وجوب ستر المرأة وجهها عند عدم الأمن من الفتنة، هكذا يرى أهل العلم ويجب أن يعلم عنهم ذلك، والفتنة والجمال هي في الوجه كما هو معلوم، وثمة تنبيه آخر هو أنّه لم يقل أحد ممن يعتد بهم من أهل العلم أن تغطية وجه المرأة إهانة لها أو إلغاء لهويتها!! كما نسمعه من بعض «الرويبضات» في زماننا الذي سهل فيه النشر ونقل الشنشنات!! وقد كثرت في زماننا هذا العجائب والشواذ من الأقوال حتى- للأسف- بتنا لا نستغرب ذلك، كما لا نستغرب الجرأة في طرح الغرائب والطوام وعبر وسائل الإعلام، وهو مصداق خبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه يأتي زمان ينطق فيه الرويبضة!! وإلى الله المشتكى. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري شرح صحيح البخاري: «إن العمل استمر على جواز خروج النساء إلى المساجد والأسواق والأسفار منتقبات لئلا يراهن الرجال». وقال ابن تيمية رحمه الله: «كانت نساء المؤمنين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم أن الحرة تحتجب». وقال ابن رسلان: «اتفاق المسلمين على منع النساء من الخروج سافرات». وقال أبو حامد الغزالي: «لم يزل الرجال على ممر الزمان مكشوفي الوجوه، والنساء يخرجن منتقبات» ، وحكاية هؤلاء العلماء المتقدمين ليس لبيان الحكم الشرعي حتى يأتي من يعترض ويقول إنه مجرد فهمهم، وإنما هم يصفون «اتفاق» المسلمين على هذا الحكم الشرعي الذي كثرت أدلته في الكتاب والسنة فهي حكاية منهم لموقع «تغطية الوجه» ومكانها في المجتمع الإسلامي. فإن هذه النقول من هؤلاء العلماء وغيرها كثير جداً يتبين من خلالها أن لبس المرأة للنقاب هو الذي عليه العمل في المجتمع الإسلامي، وأما النصوص الشرعية التي تبين وجوب لبس المرأة للنقاب فهي كثيرة منها: 1 قال الله تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا». وقد ساق ابن جرير الطبري وغيره بسند صحيح عن حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال في تفسير هذه الآية: «أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب، ويبدين عيناً واحدة». هذا تفسير ترجمان القرآن، وهو الذي قد دعا له النبي عليه الصلاة والسلام بالفقه والدين ومعرفة التأويل أي التفسير. يقول ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: «يقول تعالى آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم أن يأمر النساء المؤمنات خاصة أزواجه وبناته لشرفهن بأن يدنين عليهن من جلابيبهن ليتميزن عن سمات نساء الجاهلية، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويُبدين عيناً واحدةً». وقال العلامة الأصولي المفسر محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله في تفسير هذه الآية: «ومن الأدلة القرآنية على احتجاب المرأة وسترها جميع بدنها حتى وجهها، قوله تعالى: «يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن» فقد قال غير واحد من أهل العلم إن معنى «يدنين عليهن من جلابيبهن» أنهن يسترن بها جميع وجوههن ولا يظهر منهن شيٌ إلا عيناً واحدة تبصر بها، وممن قال به ابن مسعود، وابن عباس، وعبيدة السلماني وغيرهم». 2 وقال الله تعالى: «وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ». لقد ساق الإمام البخاري في صحيحه في باب «وليضربن بخمرهن على جيوبهن» بسنده عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «يرحم الله نساء المهاجرات الأُوَل، لما أنزل الله «وليضربن بخمرهن على جيوبهن» شققن مروطهن فاختمرن بها». وفي رواية قالت رضي الله عنها: «لما نزلت هذه الآية «وليضربن بخمرهن على جيوبهن» أخذن أُزُرهن فشققنها من قبل الحواشي فاختمرن بها». قال العلامة الشنقيطي في تعليقه على حديث عائشة رضي الله عنها: «وهذا الحديث الصحيح صريح في أن النساء الصحابيات المذكورات فيه فهمن أن معنى قوله تعالى «وليضربن بخمرهن على جيوبهن» يقتضي ستر وجوههن وأنهن شققن أزرهن فاختمرن أي سترن وجوههن بها امتثالاً لأمر الله». 3 ومن الأدلة من القرآن الكريم قوله تعالى: «وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ». فإن الله تعالى نهى المرأة من أن تضرب برجلها فيعلم ما تخفي من الخلاخيل ونحوها مما تتحلى به للرجل. فأيما أعظم فتنة أن يسمع الرجل خلخالاً بقدم المرأة لا يدري ما هي؟ وما جمالها ؟ أشابة هي أم عجوز؟ أيما أعظم فتنة هذا أو أن ينظر إلى وجه سافر جميل ممتلئ نضارة وحسناً؟! وأما الأحاديث النبوية التي تدل على ستر المرأة لوجهها فهي كثيرة أيضاً ذكرها العلماء في مظانها، وبينوا أوجه الاستشهاد بها، مثل حديث جواز نظر الخاطب لمن أراد خطبتها، وحديث نهي المرأة المحرمة من لبس النقاب في حال الإحرام، وستر النساء المحرمات لوجوههن بخمرهن إذا مر بهن الركبان، وهي أحاديث صحيحة لا تقاومها شنشنات المتعالمين، ولا يشوّش في حكمها المتجاسرون على الأحكام الشرعية الذين وصل بهم الهوى إلى الطعن والغمز في راوية الحديث العالمة الفقيهة المُحدّثة أمّنا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، والنصوص التي تلقتها الأمة بالقبول وسلمت لحكم الشرع بها تسليماً كريماً في باب الحكم الشرعي للحجاب ومنه النقاب واضحة جليّة ألقي على بعضها الضوء في الحلقة التالية إن شاء الله لعل أن يكون في ذلك عظة وفائدة لمن تطاول على هذا الحكم الشرعي.