إن السمة الطاغية في الشعر الصوفي هي الغلو في المبالغة، وكثرة التهويل، والضرب في أودية المبهمات، والإطناب في مدح النفس، وخنق أنفاسها بعبارات التقريظ والثناء، وشعراء المتصوفة الذين تفتقت قرائحهم بأشعار يطفئ من وضاءة حسنها، ورونق نظمها، شيوع الرمز، وكثرة المصطلحات التي تحتاج إلى بوارق من الضياء، ذابت حشاشتهم على عرك الهوى الإلهي، وذوت نضارتهم تباريح الشوق إلى عالم يبهر العيون، ويخلب الأفئدة، عالم يخسأ فيه الكافر، ولا يضام فيه المؤمن، عالم خالد لا تناله عوامل الذوّى والبلى، عالم يشتهي فيه المرء كل شيء، ويبتغي كل معنى، لقد أكدى الصوفي روحه، ورفض أن يتفيأ ظلال الراحة، وأن يقع في شوائب الإسراف، من أجل أن يرد حوضاً لا يظمأ والله ناهله، ويجاور سخيّ ما تغب نوافله، ولقد هام الشيخ عبد القادر الجيلاني الذي يعده مريدوه من أصدق الناس جوهراً، وأزكاهم أرومة، حباً بهذا العالم الذي تشرئب إليه كل نفس، وتتوق إليه كل عين، وأوهى يراعه ومحبرته بنظم القصائد الجياد، والنثر الشعري، التي صاغها في حب الإله، والتي أبان فيها أنه دائب الشوق والحنين لملاقاة رب أسبغ عليه روافد النعم، فلقد هتك بفضله أستار الطبيعة، وأيقن بإرادته أسرار الوجود، وخصه بالمنزلة الرفيعة، والمعجزات التي لا تأتي إلا للأنبياء، لقد سارت أشعار الشيخ عبد القادر الجيلاني التي خلت من الأغراض التقليدية في المدح والذم والغزل والرثاء، في كل صقع وواد، وملأت رحاب الدنيا، وتلقفها مريدوه المنتشرون على ظهر البسيطة، وأضحت عرضة للزيادة والانتحال، وأنا هنا على قصر باعي، وقلة حيلتي، وضمور معرفتي، أود أن أقارن بين مخطوط حوى قصيدته التي تسمى «الغوثية» وبين نفس القصيدة التي ضمها ديوانه. الفصل الأول: حياة الشيخ نسبه: هو «أبو صالح محيي الدين عبد القادر بن أبي صالح موسى بن عبدالله بن يحيى الزاهد ابن محمد بن داود بن موسى الجون بن عبدالله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه». أمه هي أم الخير فاطمة بنت الشيخ عبد الله الصومعي الحسني الزاهد، فهو حسني من جهة الأب، حسيني من جهة الأم، وعمته الشيخة الصالحة أم عائشة». ولقد طعن في نسب الشيخ على مر العصور العديد من المؤرخين، وأنكروا انتمائه لعترة الحسن رضي الله عنه سبط الرسول الخاتم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا الجحود سببه يعزى إلى كلمة جنكي دوست التي وردت في نسب الشيخ عبد القادر، والتي تعني العظيم القدر، والرجل المحب للقتال، والمتهيئ دوماً للنزال، لقد رسخ في أذهان هؤلاء المؤرخين أن تلك الكلمة التي لا تمت للعروبة بصلة ولا تصل إليها بسبب، تبرهن بجلاء أن الشيخ جرثومته أعجمية، وإنّ مِنحت الشيخ ليس بأثيل المنبت، ولا زكيُّ المغرس كما يدعي أسلافه ومحبوه، ولقد تصدى لهؤلاء المؤرخون العديد من المحبين والمنصفين، ففندوا مزاعمهم، وأبطلوا حججهم، وكان في طليعة هؤلاء المدافعين حديثاً الشيخ محمد المكي بن عزوز التونسي المتوفي عام 1916م، الذي ذكر في رسالته الموسومة ب «السيف الرباني في عنق المعترض على الغوث الجيلاني»، وقد ذكر في هذه الرسالة أنّ هناك أكثر من ستين من العلماء النسّابين، والمحققين البارعين، أقروا باتصال نسب الشيخ عبد القادر بالحسن رضي الله عنه. مولده ونشأته: «ولد الشيخ عبد القادر عام 470ه /1077م على رأي معظم الذين أرخوا لحياته، وكانت ولادته في جيلان أو كيلان فعرف بالجيلاني أو الكيلاني، أو الجيلي، وجيلان إقليم فارسي يقع في الجنوب الغربي لبحر قزوين، اشتق اسمها من الجيالي بمعنى الوحل وذلك لكثرة المستنقعات التي تغمر الإقليم». ويبدو أن الشيخ الذي ضربت شهرته الآفاق«كان آخر أولاد أبويه، لأنه عاش يتيماً، فقد توفي أبوه بعد ولادته بقليل لذلك عاش في كنف جده لأمه السيد عبد الله الصومعي فكان ينسب إليه عندما كان في جيلان فيقال بن الصومعي، وكان آخر أولاد أمه لأنها حملت به قبيل سن يأسها بقليل، حتى قال محمد بن يحيى التادفي في «قلائد الجواهر» إنها حملت به وهي في الستين من عمرها، ونشأ الشيخ عبد القادر في كنف أمه التقية النقية، وجده العابد المتحنث، الذي رباه على التقوى والصلاح ومكارم الأخلاق، فأخذ بخلائقهم، واقتبس من خلالهم، ومضى على منوالهم في الزهد والتفاني في العبادة وطاعة الرب عز وجل ومراقبته في السر والعلن. كان الشيخ عبد القادر في بواكير صباه تواقاً للعلوم، مشرئباً للمعرفة، وكان غاية آماله، وحديث أمانيه، أن يلم بأصول الشريعة الإسلامية، ويحيط بمداخلها ومخارجها. وأزمع عبد القادر في قرارة نفسه السفر لحاضرة الدنيا ومنارة العلوم بغداد؛ لأن بلاد جيلان التي مكث فيها ثمانية عشر عاماً تفتقر لما يروي ظمأه، ويشفي غليله، ولقد نسج محبوه له العديد من الخوارق والكرامات وهو في هذا العمر الغض، والسن المبكرة، وأحاطوا تلك الفترة بهالة عظيمة من المعجزات التي لا تتسنى لطفل ما زال في معية الصبا، وطراءة السن، أذكر منها انقطاعه عن الرضاعة في نهار رمضان، والانكباب على ثدي والدته ليلاً، وحديث الثور له عندما كان يسير في البراري وإبلاغه بأنه لم يخلق ليكون فلاحاً، ومشاهدته للحج الأكبر من سطح بيته.