الأهلي يتعادل امام المسيكتاب بدوري شندي    الهلال ينتظر رد الكاف وفريق الكرة يواجه مارينز    مقررات الاجتماع الدوري لمجلس تسيير نادي المريخ    حسين خوجلي يكتب: فريقان وعميد ودم وشهيد    نظرة على مؤتمر WWDC 2026.. نظام iOS 27 وSiri المدعوم بالذكاء الاصطناعي    ميزة جديدة فى أندرويد 17 تمنح المستخدم سيطرة كاملة على إشعارات التطبيقات    تحديثات جديدة في إصدارات "أبل" بمميزات متطورة    شاهد بالصورة والفيديو.. "بلوغر" سودانية حسناء تخطف الأضواء بجمالها الملفت    شاهد بالصورة والفيديو.. دخل معها في وصلة رقص مثيرة.. الفنان محمد بشير يتعاقد مع "راقصة" مصرية لإشعال حفل عيد ميلاده    شك بورم في الرئة.. نجل عبد الرحمن أبو زهرة يكشف تفاصيل جديدة    الزمالك فى مواجهة قوية أمام المصري بافتتاح منافسات مجموعة التتويج بالدوري    على غرار روسيا.. إيران تطالب فيفا بتجميد عضوية إسرائيل    مصر تستضيف بطولة أفريقيا لناشئي البادل فى يونيو المقبل    قضية أثارت جدلاً.. براءة عصام صاصا من تهمة المشاجرة بملهى ليلي    باسم سمرة: الدنيا بقت عين سحرية والمسلسل واكب العصر والحداثة    إطلالة جديدة للفنانة كارولين عزمي بالفستان الأبيض    أعمال جمعت بين دنيا وإيمي سمير غانم قبل تعاونهما المسرحي الجديد    ماذا يحدث عند شرب القهوة يوميا لمدة 14 يوما؟.. فوائد لا تتوقعها    كيف تقيس ضغط الدم في المنزل؟.. أخطاء شائعة قد تُفسد دقة النتائج    الفواكه والخضروات مفيدة إذا عرفت كيف تأكلها.. تعرف على أفضل الطرق الصحية    شاهد بالصور.. بإطلالة أنيقة الفنانة إيمان الشريف ترد على هجوم النشطاء بشأن التسجيلات المسربة لها: (التجاهل صدقة جارية علي فقراء الأدب)    شاهد بالصورة والفيديو.. دخل معها في وصلة رقص مثيرة.. الفنان محمد بشير يتعاقد مع "راقصة" مصرية لإشعال حفل عيد ميلاده    شاهد بالفيديو.. الفنانة إيمان الشريف تفاجئ جمهورها بظهورها "عروساً" مع ممثل مصري معروف    المدير العام لقوات الشرطة يتفقد مكان حادثة الإنفجار ببرى ويطمئن مواطنى المنطقة    وزير الداخلية يبحث مع نظيره المصري تعزيز التعاون الأمني وتبادل الخبرات    ضبط شبكة إجرامية خطيرة في الخرطوم    شاهد بالفيديو.. من هو مجاهد سهل رئيس نادي المريخ؟ تعرف على مجال عمله والشركات التي يديرها!!    قوات الدفاع المدني تنفذ حملة واسعة النطاق لمكافحة نواقل الأمراض وإصحاح البيئة بمحلية جبل أولياء    وزارة الداخلية توضّح بشأن دوي انفجار هزّ منطقة شرق الخرطوم    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    تطوّرات في ملف شكوى الهلال ونهضة بركان    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الشيخ سيف الدين أبو العزائم يُقلّب صفحات العُمر لهذا السبب (…) قُلت لجمال الوالي أنا زول صلاح إدريس
نشر في النيلين يوم 21 - 07 - 2015

لهذا السبب (…) قُلت لجمال الوالي أنا زول صلاح إدريس
والدي جاء للخرطوم لتجارة الدنيا فأراد الله له تجارة الآخرة
اهتم الوالد بتعليم البنات منذ عام 1924م
كنت أميل إلى الأزرق والأبيض ولا زالت عواطفي معه
الفنان عثمان حسين تعلم القرآن في خلوتنا
هذه (….) قصة والدي مع قادة ثورة 1924م
القبلية ليست صناعة سودانية وأشعلها الطامعون في بلدنا
كان الشيخ أبو العزائم يطلق على كلية غردون كلية أهل الله
حوار: حسن عبد الحميد – عمر عبد السيد – تصوير: محمد نور محكر
في هذه السلسلة من الحوارات، نحاول أن نسلط الضوء على الجوانب الخفيَّة في حياة بعض الذين ارتبطوا لدى الذاكرة الجمعية للشعب السوداني بالإشراقات وربما الإخفاقات.
ونسعى من خلال ذلك إلى تتبع سيرة من أسهموا سلبًا أو إيجابًا في حركة المجتمع والسياسة، وبالطبع نهدف إلى تقليب أوراق حياتهم المرتبطة بالجانب العام، دون أن نتطفّل على مخصوصاتهم، حال لم تكن ذات علاقة مباشرة بالشأن العام، دافعنا في كل ذلك أن نُعيد كتابة الأحداث والتاريخ، بعد أن تكشّفت الكثير من الحقائق المهمة، حول كثير من الوقائع التي أثرت في المشهد السياسي السوداني.
“”””””””””””””””””””
أ – أولاً حدثنا، عن ميلادكم ونشأتكم وأصولكم؟
أصولنا تعود إلى منطقة المحمية بولاية نهر النيل. ونشأ والدي ووالدتي في منطقة الجعليين، وتحديداً في المحمية بقرية اسمها “المضمر” بين جبل أم علي والمحمية. ونحن ننتسب إلى عدة بيوت في المنطقة، لكني ولدت هنا في الخرطوم في حي الديوم، ووالدنا جاء إلى الخرطوم ليتلقى العلم، وينهل العلوم من المصادر الموثوقة. وكانت أم درمان آنذاك مشهورة بالعلماء وعلى رأسهم شيخ الإسلام وشيخ العلماء الشيخ محمد البدوي، وغيرهم من العلماء الذين يدرسون العلوم الشرعية، وكان ذلك قبل إنشاء المعهد العلمي بأم درمان.
ب – بدأ والدك تلقي العلوم الشرعية على يد شيخ العلماء.. إلى أين اتجه بعدها؟
بشئ من التفصيل والتدقيق، أقول إن والدنا جاء إلى الخرطوم في العام 1900م، فوجد من أرشده إلى مجلس شيخ العلماء، الذي يعد من علامات ذلك الزمان. وبالفعل وصل والدنا إلى شيخ العلماء، وجلس إليه وتلقى العلم على يديه وعلى يد مجموعة من العلماء آنذاك، وتلك تعتبر بدايته مع نهل العلوم الشرعية.
ت – تلك كانت فترة البدايات الممزوجة بالعنت، فهل انقطع والدك للعلم أم أنه لم يكن متفرغا؟
تزامن وجود والدنا مع شيخ العلماء ونهله العلم على يديه مع نزوعه إلى ممارسة مهنة التجارة، حتى يعول نفسه ويكفلها حتى لا يكون عبئا على أحد. وبعد تلك الفترة مضى والدنا إلى وجهة أخرى حيث جلس إلى المعهد العلمي بجامع الخرطوم الكبير يتلقى العلم. وكان شيخ المعهد آنذاك شيخ الباقر جد الدكتور كامل الباقر المدير الأسبق لجامعة أم درمان الإسلامية.
ث – ثمة متغيرات كثيرة طرأت على المشهد حينها، أبرزها نشوء علاقات بين والدكم وبين بعض المثقفين؟
ثارت ثائرة الإنجليز، بعدما علموا أن والدنا أثناء عمله بالتجارة، وسكنه بالخرطوم، كان يُجالس بعض قادة ثورة 1924م وهم مجتمعون لقراءة الصحف. فكان أن اعتبر الإنجليز أن الوالد يعمل بالسياسة وهذا خطر عليهم، وخافوا من التأثيرات السياسية لذلك، وكان عمدة الخرطوم آنذاك المرضي جد محمد أحمد المرضي الوزير أيام الأزهري، والمرضي كان صديقا للوالد، فنصح الوالد أن يرحل إلى الديوم حتى لا يثير عليه الإنجليز، والديوم في ذلك الوقت كانت آخر منطقة في الخرطوم من الناحية الجنوبية، وفي ذلك الوقت لم تكن الخرطوم (2) والخرطوم (3) موجودتان، وكانت هذه المنطقة خلاء كبيراً وفراغاً، ويمكنك أن ترى من الديوم السكة حديد بالخرطوم.
ج – جنوح الإنجليز إلى التضييق على من يظنون أنه ينشط في السياسة قاد والدكم إلى الديوم؟
جزء كبير من أبناء الديوم كانوا فرحين بمقدم الوالد إلى هناك، وسارعوا إلى إخطار أهل الحي بأن والدي عالم، فكان أن عرضوا عليه أن يدرس أبناءهم القرآن الكريم، فصنع له أحد النجارين سبورة، وجاءوا له في اليوم الأول بخمس وعشرين طالبا، فكان الوالد يقول جئنا لتجارة الدنيا فأراد الله لنا تجارة الآخرة وأصبحنا نعلم أبناء المسلمين القرآن الكريم وفي هذا خير كثير.
ح – حرمان والدكم من البقاء في الخرطوم، هل كان سبباً في حدوث بعض المتغيرات والتحولات؟
حينما اُجبر والي على الرحيل إلى الديوم، واجه بعض المتغيرات، لكنه تمكن من تطويعها لصالح الدعوة، فكان أن نشأت الخلوة ثم توسعت بعد ذلك بفضل الله تعالى، وأنا ولدت عام 1935م، وتتلمذت على يد الوالد وتلقيت على يديه القرآن الكريم والعلوم الإسلامية والعربية، والوالد لم يكن له ولد غيري من الذكور، ولما انتقل الوالد إلى رحمة مولاه عام 1965م أصبحت خليفته في تعليم القرآن، وشيخ للطريقة العزمية، وقد كتب إليّ شيخ الطريقة العزمية يقرني على خلافة والدي في الطريقة.
خ – خلوة والدكم – يُقال – إنها تتميز عن بقية الخلاوي في السودان، من حيث طريقة التدريس؟
خلاوي السودان كلها تُدرِّس برواية الدوري، ووالدي كان يُدرِّس في خلوته برواية حفص، وعندما سأله الناس عن السر في ذلك قال لهم لأني أقوم بتأهيل الطلاب للمدارس، وهناك يقرأ الطلاب من المصحف وهو مكتوب برواية حفص، وأنا أعلمهم من هنا رواية حفص حتى لا تختلط عليهم القراءة في المدرسة. ولتميز الخلوة كان الطلاب يقبلون في الصف الثاني مباشرة لأنهم متميزون عن غيرهم.
د – دعاة كثر يرون أن الغناء والفنون حرام، بينما يرى آخرون عكس ذلك، فما هي علاقتك بالفن، وهل تستمع إلى الأغاني؟
دعني أتحدث معك بوضوح شديد، فأنا لست من دعاة تحريم الفن، وهناك أكثر من رأي يدعم موقفي هذا. وبعيداً عن هذه الجدلية أقول لك إن هناك فنانين كثيرين قرأوا القرآن، وهناك من يحفظ منه الكثير، بل أن منهم من قرأه على يد الوالد في الخلوة، مثل الفنان الراحل عثمان حسين. هذا بجانب بعض العازفين الذين كانوا يقرأون القرآن في خلوة الوالد، ولا زالوا يتواصلون معنا. وعن نفسي فأنا أميل إلى الاستماع إلى الحقيبة واستمع لكل المدائح.
ذ – ذكرى والدك لا تزال حاضرة في مجال العمل العام والعمل الإسلامي على وجه الخصوص؟
ذات مرة دخل والدي في صراع كبير وعنيف للحيولة دون بيع مسجد الديوم إلى أحد “الخواجات”. ووالدي كان له صولات وجولات في العمل العام كما قلت. ومن هذه الجولات أذكر أن مسجد الأحمدي الكائن الآن بالخرطوم (2) كان مسجد الديوم، وصاحب فكرة المسجد كان الأحمدي وهو جار المسجد، والذي تم تكليفه بتسوية أراضي الديوم باع أرض المسجد إلى خواجة، فاحتج أبي وقال لهم كسروا المسجد على رأسي ولن أسمح بتحويل أرض المسجد إلى غرض آخر، وذهب واشتكى إلى شيخ الإسلام وطلب منه حماية المسجد، وقال له تبني المسجد بأموال الأوقاف، والشيخ حسن مدثر وافق على ذلك واتصل بمفتش الخرطوم عبر الهاتف، ووافق المفتش على عودة الأرض للمسجد، ودفعت الأوقاف ستمائة جنيه لبناء المسجد. واتصلوا بالأمير عمر طوسون في مصر فأرسل لهم ثلاثين جنيها للمساهمة في بناء المسجد، وهذه الأرض تقدر قيمتها اليوم بالمليارات.
ر – رجاحة عقل والدكم كان سببا في بقاء المسجد، بعدما استجاب الأنجليز لمطالبه.. ترى كيف تنظر إلى هذه الواقعة؟
رأينا كيف كان الإنجليز يعاملون البيوت الدينية، فقد كانوا يحاولون كسب ودّ الناس، لذلك كانوا يعاملون الشيوخ بحذر ويسمعون كلامهم، وكان أبي ومجموعة من الشيوخ يدافعون عن المسلمين، ويقترحون أشياء للتخفيف على الناس لدى السلطات الإنجليزية، ومثلا لما كانت مصاريف المدارس مبلغا زهيدا حوالي خمسة قروش في ذلك الوقت، كتب أبي إلى المفتش الإنجليزي وقال له إن أهل الديوم لا يستطيعون دفع هذا المبلغ فقام المفتش بتخفيض المبلغ لأهالي الديوم.
ز – زدنا تفصيلاً عن الاعمال التي أسهم فيها الوالد، مستفيدا من قدرته على الإقناع؟
زانت المنطقة الكثير من المشاريع التي أسهم فيها الوالد – رفقة آخرين – لكنني أذكر أن والدي ساهم مع إخوانه في الحي في تسوير مقابر فاروق الحالية، وسبب تسميتها بمقابر فاروق أنهم كتبوا إلى الحكومة المصرية لتساهم في تسوير المقابر، فتبرعت لهم بخمسة آلاف جنيه، ومن هنا جاءت تسمية مقابر فاروق، وكذلك قاموا في الحي بإنشاء شفخانة وطلبوا من مصلحة الصحة مدهم بالطاقم الطبي والمعينات اللازمة.
س – سعة الخلوة لم تكن في حدود المتاح في ذلك الوقت، فكم كانت تبلغ وكيف كانت طريقة التدريس فيها؟
سر نجاح الخلوة التي أسسها الوالد يتمحور في أن سعتها في تلك الأيام ستمائة إلى سبعمائة طالب، وكانت تؤهل الطلاب للقبول بالمدارس، ومنذ إنشائها كانت الخلوة تعلم البنين والبنات، وقد بدأ الوالد تعليم البنات في الخلاوي منذ عام 1924م واستمر على ذلك، والآن الخلوة تقتصر فقط على تعليم الأولاد، والبنات يأتين في الإجازة في العطلة الصيفية، ولدينا طلاب من الدمازين وسنار وغيرها من مناطق السودان المختلفة.
ش – شاءت الأقدار والظروف أن تتولد تيارات سياسية كثيرة في تلك الفترة، هل كانت للوالد أي ميول سياسية؟
شواغل والدنا بالعمل العام والعمل الإسلامي، وإنكبابه على تعلم الطلاب والطالبات، وحرصه على المساهمة في تعمير المنطقة، جعله لا ينحاز إلى جهة سياسية معينة، وكان رجلا وطنيا لا يميز بين التيارات والأحزاب السياسية، لكنه كان لا يحب الإنجليز مطلقا. وبالتالي كانت لديه صداقات راسخة مع كل الزعامات الوطنية في ذلك الوقت بلا استثناء، وكان لا يحب الانحياز إلى جهة سياسية محددة أو قبيلة بعينها لذلك جمع عليه الناس، وهذا أحد اسرار نجاحه وتمدده بين الناس.
ص – صارت القبلية التي تقول إن والدكم يمقتها واحدة من آفات هذا العصر.. فكيف تنظر إلى ذلك، وما الطريق إلى اجتثاث هذا الداء العضال؟
صحيح أن القبلية استشرت بصورة كبيرة ومخيفة، وصحيح أنها أضحت واحدة من مشكلات هذه الحقبة، وعن نفسي لا أدري ماذا دهانا حتى تتفشى القبلية بهذه الصورة المزعجة، فالناس في السودان لم يكونوا يتميزون بسبب القبيلة أبدا، وفي رأيي أن تفشي القبلية ليس صناعة سودانية، وإنما أشعلها من يريدون أطماعا في السودان، وهم الذين يزيدون حطبها اشتعالا هذه الأيام.
ض – ضاع الكثير من فرص النهضة والعمار والتنمية على السودان بسبب الحروبات المستندة على المد القبلي؟
ضريبة العمل تسوجب على القائمين على أمر الدولة، أن يعملوا على اجتثاث داء القبلية، ومحاصرتها وعدم السماح لها بالتمدد أكثر من ذلك. والغريب أن كل من حمل بندقية أعطوه منصبا. وعندما أجلس مع الكبار من أهلنا في دارفور نجد روح التعاون والمودة، وهذه القبلية فتنة، والقتال بين القبائل لم نسمع به من قبل، فهناك جهات تشعل الفتن بين القبائل، والمسألة تحتاج إلى تجرد لحلها وعلى الجميع أن يجلسوا في الأرض ليناقشوا الحلول.
ط – طرق صوفية كثيرة تهتم بأمر الرياضة، وهناك شيوخ يحرصون على ممارسة الرياضة وتشجيعها، فهل لفضيلة الشيخ سيف الدين أي ميول رياضية؟
طبعا، لابد من المنادة بإعلاء أمر الرياضة، ففيها بعض العبادة، وعن نفسي كنت أميل إلى الأزرق والأبيض، وإلى الآن هناك عواطف تجاهه، وأذكر عندما دعانا الأستاذ علي عثمان إلى نيفاشا لنشهد التوقيع على الاتفاقية ضمن وفد كبير، نزلنا في فندق في نيروبي، فقابلت هناك جمال الوالي وصلاح إدريس، فطلب مني جمال الوالي أن أزورهم، فقلت له يمكن أن أزورك، لكني أنا زول صلاح إدريس.
ظ – ظروف العمل الدعوي والديني تحول بين بعض رجالات الطرق الصوفية وبين بعض هوايتهم، فهل تجد وقتا لمتابعة ما يدور في الصحف اليومية؟
ظل والدنا حريصا على قراءة الصحف منذ أيام صحيفة (حضارة السودان)، ونحن ورثنا منه قراءة الصحف، وعن نفسي فأنا أقرأ يوميا حوالي خمس عشرة صحيفة. وأذكر أنه كان لوالدنا كمية كبيرة من الصحف، فشاور أحد أقربائه ماذا يفعل في هذا الكم من الصحف التي قرأها وأصبحت متراكمة عنده بكمية كبيرة، فأشاروا عليه أن يحفر حفرة كبيرة ويدفنها بداخلها لأنها تحتوي على آيات وأحاديث، وقد كان.
ع – على ذكر الصحافة.. كيف تقارن بين صحافة اليوم وصحافة الأمس؟
على العموم، المقارنة بين صحافة زمان والصحافة اليوم تكمن في فارق الإمكانات، ولكن صحفيي اليوم محتاجون أن يتزودوا قليلا من الثقافة، وقد كان من ضمن صحفيي زمان من لم يتدرج في التعليم النظامي كثيرا، لكنهم كانوا يبزون الصحفيين الآخرين في كل مجال، ومثال لذلك الأستاذ طه الريفي فقد كان يحرر صفحة تجمع الكثير من العلوم وتدل على ثقافة واسعة.
غ – غابت الأسئلة عن الشأن الخاص.. فماذا عن أسرتك الصغيرة؟
غمرتني سعادة كبيرة لأن لي زوجتان، الأولى عندي منها الأولاد الكبار د. محمد علي، ومحمد أحمد، ومحمد عثمان، وثلاث بنات متزوجات، والثانية لي منها ولدان وثلاث بنات إحداهما متزوجة والأخريين طالبات في الدراسة. ولي أبناء الروح أبناء الطريقة.
ف – فضيلة الشيخ أبو العزائم يظل علماً بارزاُ في سماء التصوف والدعوة والعمل الإسلامي؟
في تقديري أن الحديث عن الشيخ أبو العزائم يحتاج إلى حلقات، ولكن نقول اختصارا إن الشيخ أبو العزائم كان أستاذا في كلية غردون، وقام الإنجليز بطرده من السودان بسبب مواقفه المعادية للإنجليز مع أنه جاء من وزارة المعارف المصرية، وكان يكره تسميتها ب كلية غردون التذكارية، ويقول هذه كلية أهل الله، غردون ليس له كلية عندنا.
ق – قد لا يعرف الكثيرون ان الشيخ أبو العزائم كان شديد العداء للإنجليز، وأنه لطالما وجه سهام نقده لهم؟
قليلون هم الذين يعلمون أن الشيخ أبو العزائم كان يشتد في نقد الإنجليز في دروسه التي يلقيها بالجامع الكبير بالخرطوم، فمثلا كان يشير إلى الجوارب التي يلبسها الناس، ويرفع إحداها ويقول لهم هذه صنعها الإنجليز من القطن الذي تزرعون، وهم يستولون عليه ويصنعونه في مصانعهم ويعيدونه إليكم فهي بضاعتكم وهذه زراعتكم والإنجليز يستولون على خيراتكم.
ك – كان كثير الهجوم عليهم، وهذا ما جعله يدفع الكثير من الفواتير ويلاقي الكثير من المتاعب؟
كرّس الإنجليز طاقاتهم كلها للقضاء على الثورة المهدية، وتهيأوا لحكم السودان بدون متاعب لذا لم يكونوا يسمحوا لأحد ان يؤلّب الناس ضدهم، ولهذا كان حظ الشيخ ابو العزائم من تقصُّدِهم كبيرا وكثيرا، خصوصا بعدما انتبهوا إلى أن الشيخ أبو العزائم يملك قدرة كبيرة وفارقة على التأثير في الناس. لذا وجد من الإنجليز الكثير من المتاعب.
ل – لم يكن الشيخ أبو العزائم لينتزع اهتمام الإنجليز ويزرع الرعب في قلوبهم لو لم يكن من رجال العلم والدين.. إليس صحيحاً؟
للإنجليز قناعة راسخة يتحركون منها، وهي أنهم لن يسمحوا لأي أحد بأن يؤثر في الناس بحيث يتحركوا ضدهم، خصوصا إذا كان من رجال الدين، ولما انتبهوا إلى قدرة الشيخ أبو العزائم على التأثير خافوا مما يمكن أن يترتب على حديثه من قناعة لدى الناس، وقالوا قضينا على الثورة المهدية ولا نريد لأحد أن يعارضنا باسم الدين مرة أخرى.
ي – يدور لغط كبير حول نسب الشيخ أبو العزائم، فهل لك أن تفصِّل لنا في هذا الجانب؟
ينتمي الشيخ أبو العزائم إلى الأشراف وهو شريف من ناحية أبيه وأمه. وهاجر أجداده مبكرا إلى إفريقيا واستقروا حيناً بالجزائر، واستقروا هناك بمنطقة اسمها عين ماضي، وتعني بئر ماضي، وماضي هذا جده، وهي بلد الشيخ أحمد التيجاني، لكنه ولد بمصر لأن والده كان يعمل بالتجارة، وقد جاء أواخر الدولة المهدية إلى سواكن وشهد نهاية عهد الأمير عثمان دقنة هناك.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.