كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    ((نار فلوران ولاجنة ريجيكامب؟؟))    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    تعطيل الدراسة في الخرطوم    المريخ يكثف درجات إعداده ويتدرب بالصالة    النخبة بالخرطوم.. كيف؟    "تمبور" يكشف عن توجيهات صادرة جديدة    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    هل تستطيع أمريكا احتلال جزيرة خارك الإيرانية؟    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



هل يؤثر تمرد "فاجنر" على تراجع دورها في مناطق الصراعات بأفريقيا؟
نشر في النيلين يوم 26 - 06 - 2023

أعلن يفجيني بريجوجين قائد مجموعة "فاجنر" الروسية، في 24 يونيو الجاري (2023) التمرد ضد القيادة العسكرية الروسية التي اتهم قواتها باستهداف عناصر "فاجنر" في المسرح العملياتي الأوكراني، مما دفع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى اتهامه بالخيانة، وتعهد باتخاذ إجراءات حاسمة لإخماد التمرد لتحقيق الاستقرار في البلاد، قبل أن يعلن الطرفان الوصول إلى تسوية بمقتضى وساطة قامت بها بيلاروسيا وقضت بخروج قوات "فاجنر" من روستوف.
ورغم هذه التسوية، تبقى تراكمات الأزمة قائمة، على نحو يلقي بظلاله على مستقبل وجود "فاجنر" في المسرح الأفريقي الذي انخرطت فيه منذ عام 2017، وما إذا كان الرهان الروسي على قوات "فاجنر" سيستمر في بعض مناطق الصراعات بأفريقيا في ضوء اهتزاز ثقة موسكو في قادتها عقب التمرد الأخير حتى وإن كان قد تم احتواؤه. عبّرت "فاجنر" عن نفسها بقوة باعتبارها أحد أبرز أدوات السياسة الروسية في القارة الأفريقية خلال السنوات الأخيرة، والتي تكتسب أهميتها هناك من واقع أنها تمثل أداة جيوسياسية مهمة توظفها موسكو بامتياز لتنفيذ سياساتها وتحقيق مصالحها الحيوية في أنحاء أفريقيا؛ بما في ذلك موازنة الأدوار الدولية الفاعلة في عدد من المناطق الاستراتيجية هناك. وفي محاولة للهيمنة على عدد من الملفات الاستراتيجية التي تستطيع بها مساومة ومقايضة الغرب والولايات المتحدة عند تفاقم الأزمات بينهما مثل ملف الهجرة غير الشرعية والإرهاب واللاجئين. وتتوسع "فاجنر" خلال السنوات الأخيرة في تنفيذ العديد من الاختراقات الاستراتيجية المهمة في عدد من الدول الأفريقية، وذلك برغم المزاعم التي برزت حول تراجع دورها وحضورها على الساحة الأفريقية وسحب قواتها عقب اندلاع الحرب الروسية-الأوكرانية في فبراير 2022، إلا أنها استطاعت تكثيف نشاطها على الصعيد الأفريقي، والذي يمكن الإشارة إلى أبرز مؤشراته على النحو التالي:
1- توسع نفوذ "فاجنر" أفريقيًّا: أضحت "فاجنر" بمثابة وسيلة لتأمين النفوذ الروسي في القارة الأفريقية التي تحظى بمكانة مهمة في أجندة السياسة الروسية العالمية، وهو ما دفع موسكو لتمهيد الطريق لها نحو توسيع حضورها في المناطق الاستراتيجية هناك. حتى أن صحيفة واشنطن بوست قد ادعت شروع موسكو في تأسيس اتحاد كونفدرالي أفريقي يضم ثمانِ دول أفريقية على الأقل معادية للسياسات الغربية بما في ذلك بوركينا فاسو وإريتريا وغينيا ومالي والنيجر والسودان وهو ما يعزز اتهامات الغرب لموسكو بزعزعة استقرار أفريقيا واعتبارها بمثابة استعمار جديد يعززه نشاط "فاجنر" المتنامي هناك.
2- البحث عن حلفاء جدد: تنظر موسكو إلى أفريقيا باعتبارها فرصة جيوستراتيجية يمكن أن تحقق من خلالها أهدافًا نوعية، على رأسها كسر العزلة الدولية المفروضة عليها من قبل الغرب منذ عام 2014 والتي تضاعفت في خضم الأزمة الأوكرانية الراهنة. لذلك هي تبحث دائمًا عن حلفاء أفارقة جدد، مستغلة حالة التراجع الفرنسي في بعض مناطق نفوذها لا سيما الساحل وغرب أفريقيا، والانسحاب الأمريكي التدريجي خلال السنوات الأخيرة.
إذ تنتشر "فاجنر" -أداة موسكو- في عدد من الدول الأفريقية مثل أفريقيا الوسطى وليبيا والسودان ومالي، ومولت حملات سياسية في مدغشقر، وطالت أنشطتها السياسية أيضًا دول الكونغو الديمقراطية وغينيا الاستوائية وجنوب أفريقيا وزيمبابوي وموزمبيق. كما أنها تتودد إلى بوركينا فاسو من خلال تقديم الدعم الأمني واللوجستي لمحاربة الإرهاب، بالإضافة إلى تعزيز العلاقات مع الكاميرون في مجالات التجارة والأمن.
ويعزز ذلك وصف الرئيس بوتين لها باعتبارها وسيلة لتنفيذ المصالح الوطنية الروسية دون مشاركة مباشرة من الكرملين، حيث تقوم بمهام متعددة في القارة بما في ذلك المجال الأمني والعسكري والتدريب للقوات الشرطية وأجهزة الاستخبارات وعمليات التأمين الشخصي لكبار الشخصيات السياسية في بعض الدول مثل أفريقيا الوسطى، بالإضافة إلى مجالات الإعلام والاقتصاد والاستثمارات في التعدين وغيره.
3- الانخراط في مناطق الأزمات: يتمثل الأساس المنطقي لوجود "فاجنر" في أفريقيا في مواجهة الإرهاب والحيلولة دون زعزعة الاستقرار في القارة، فهي تقدم خدمة أمنية بالأساس لبعض الحكومات الأفريقية التي تعاني أزمات أمنية في بلدانها بحيث تدعمها في العمليات القتالية ضد التنظيمات الإرهابية والحركات المسلحة المتمردة مثل أفريقيا الوسطى.
وبالرغم من اتهام الغرب لها بإثارة الفوضى في الدول الأفريقية، حتى أن البعض اتهمها بالسعي لإنشاء بيئات أمنية جديدة في الدول الأفريقية لكي تُمكِّن الشركات الروسية من إقامة المزيد من الاستثمارات والمشروعات في مجالات مختلفة، وهو ما يكشف انخراط شركات أمنية روسية أخرى بخلاف "فاجنر" في القارة مثل شركة باتريوت Patriot وشركة سيو Sew المتواجدتين منذ عام 2018 لتعزيز الحضور الأمني لموسكو.
ومع ذلك، دفعت موسكو نحو انخراط "فاجنر" -التي تشير تقديرات إلى أن عدد أفرادها يبلغ حوالي 5000 عنصر- في 23 دولة أفريقية بما في ذلك بعض البؤر الأفريقية الساخنة للاضطلاع بعمليات بالوكالة لصالحها، بحيث أضحت نقاط تمركز "فاجنر" الرئيسية في أفريقيا كما يلي:
أ- ليبيا: قامت "فاجنر" بنشر حوالي 800-1200 مقاتل في سبتمبر 2019 للقتال إلى جانب الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر بهدف ترجيح كفة الصراع لصالحه، بالإضافة إلى تعزيز النفوذ الروسي في البلاد والمنطقة، وضمان لعب موسكو دورًا في أي تسوية محتملة مستقبلًا هناك، بالإضافة إلى ضمان التواجد العسكري في منطقة المتوسط بالقرب من مسرح الأحداث في الشرق الأوسط.
ب- أفريقيا الوسطى: تمثل قلب الاستراتيجية الروسية في أفريقيا، فهي من أولى الدول الأفريقية التي استقبلت قوات "فاجنر" (1000 عنصر) في عام 2018 لمواجهة التنظيمات المتطرفة في البلاد. حتى أن "فاجنر" تقوم بتدريب الحرس الرئاسي في البلاد، وتتولى مسئولية الأمن الشخصي للرئيس فوستين تواديرا.
بالإضافة إلى دورها البارز في حماية مناجم الذهب والماس في البلاد، والحصول على امتيازات التعدين في مناجم البلاد مثل منجم نداسيما. كما تجني "فاجنر" المزيد من الأرباح المادية من تصدير الأخشاب الاستوائية من أفريقيا الوسطى بعد الحصول على امتياز قطع الأشجار بدون قيود على مساحة تقدر بحوالي 187 ألف هكتار، ونقل تلك الثروات إلى روسيا عبر ميناء دوالا الكاميروني، حيث يتم تنظيم ثلاث قوافل شاحنات أسبوعيًّا من العاصمة بانجي إلى دوالا تحت حماية عناصر "فاجنر".
كما تم رصد قيام "فاجنر" بإجبار بعض الشركات الفرنسية للخروج من السوق في أفريقيا الوسطى مثل شركة السكر الفرنسية SUCAF وسيطرتها على قطاعي الجمارك والضرائب.
ج- السودان: تعمل "فاجنر" في السودان منذ عام 2017 من خلال تدريب القوات السودانية وحماية الثروات المعدنية، وقمع معارضة الرئيس السابق عمر البشير من خلال نشر 500 عنصر من "فاجنر" هناك، في مقابل الحصول على امتيازات التعدين لمعدن الذهب في البلاد عبر شركة M-invest.
وتشير تقارير إلى استمرار "فاجنر" في السودان بعدما وطّدت علاقاتها مع المكون العسكري بالبلاد منذ الإطاحة بنظام الإنقاذ في أبريل 2019، وتوطدت علاقاتها بالأساس مع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، قائد قوات الدعم السريع، بحيث تشير تقارير إلى تزويد "فاجنر" للدعم السريع بالصواريخ خلال الصراع الجاري في البلاد.
د- مالي: نجحت موسكو في تأليب العلاقات بين فرنسا والحكام العسكريين الجدد في باماكو، لتنطلق نحو تعزيز العلاقات معها عبر بوابة مكافحة الإرهاب الذي اتسع نطاقه في شمال ووسط البلاد، بعدما أخفقت باريس في تحقيق نتائج إيجابية منذ انخراطها في عام 2012. وقد انتشر نحو 1000 مقاتل من "فاجنر" في عدد من المناطق المضطربة بالبلاد عقب توقيع اتفاق بين الحكومة المالية و"فاجنر" في سبتمبر 2021، بموجبه تحصل الأخيرة على 10 ملايين دولار شهريًّا.
وتتمركز قوات "فاجنر" حاليًّا في القاعدة العسكرية 101 قرب مطار باماكو، وفي معسكر خارج مطار موديبو كيتا الدولي في باماكو، كما ينتشر نحو 200 مقاتل من "فاجنر" في مدينة موبتي وسط مالي، وفي مدن سيغو وتمبكتو شمالي البلاد.
ه- موزمبيق: انتشر نحو 200 مقاتل من قوات "فاجنر" في عام 2019 في إقليم كابو ديلجادو شمالي البلاد الغني بالنفط والغاز؛ للانخراط في مواجهة تهديدات تنظيم داعش، إلا أنها فشلت في احتواء مخاطر التنظيم.
و- تشاد: إن تواجد "فاجنر" في دول ليبيا والسودان وأفريقيا الوسطى يجعلها تحيط نجامينا من ثلاث جهات استراتيجية هي الشمال والجنوب والشرق، وهو ما يعزز مخاوف النظام التشادي من انتشار "فاجنر" في جواره المباشر الذي يعزز نفوذها في شرق منطقة الساحل ضد فرنسا والغرب، واحتمال أن تتحول البلاد إلى ساحة صراعية بين فرنسا وروسيا، لا سيما أن صحيفة وول ستريت جورنال قد أشارت في فبراير 2023 إلى مصادر استخباراتية أمريكية تؤكد أن "فاجنر" كانت تخطط مع متمردين تشاديين محليين لانقلاب عسكري في تشاد ضد محمد إدريس ديبي. كما قامت "فاجنر" بإنشاء موقع تدريب عسكري في أفريقيا الوسطى يضم حوالي 300 مقاتل بهدف إسقاط الحكومة التشادية.
4- الاستحواذ على الثروات الأفريقية: يعد توسع "فاجنر" في أفريقيا مدفوعًا بمنطق تجاري أكثر منه سياسي كما أنه يتجاوز مجال الأمن أيضًا، فالمكاسب الاقتصادية هي التي تدفعها لتأكيد حضورها، لا سيما أنها أضحت تسيطر على المزيد من الامتيازات في قطاعات النفط والتعدين في عدد من الدول الأفريقية مثل أفريقيا الوسطى ومالي والسودان.
كما تتبعها شركاتها إلى مناطق نفوذها بأفريقيا مثل شركة مروي جولد وكروما مايننجولوباي إنفست لاستخراج الثروة المعدنية وإنترناشيونال جلوبال لوجستيك التي تتخذ مقرًا لها في الكاميرون وتتولى نقل الموارد والمواد الخام والمعدات عبر ميناء دوالا من وإلى أفريقيا الوسطى[7]. بينما تزعم تقارير دولية قيام "فاجنر" بتهريب نحو 32.7 طن من الذهب بقيمة 1.9 مليار دولار في الفترة بين فبراير 2022 وفبراير 2023[8]، وهو ما يعكس توسعها الاقتصادي في المنطقة.
يحمل تمرد "فاجنر" في الداخل الروسي العديد من التداعيات المحتملة على دورها المتنامي في القارة الأفريقية وبخاصة مناطق الصراعات التي تنخرط فيها منذ سنوات، وذلك بالرغم من إخماده بعد ساعات قليلة من اندلاعه، إلا أن تأثيراته ستظل مستمرة على أكثر من صعيد بما في ذلك الساحة الأفريقية. وتتمثل أبرز تلك التداعيات فيما يلي:
1- تمرد قوات "فاجنر" في أفريقيا: ربما يمتد تأثير الدومينو لعناصر "فاجنر" المنتشرة في القارة الأفريقية، بالرغم من الخروج الآمن لقائد المجموعة يفجيني بريجوجين إلى بيلاروسيا، بما قد يؤثر على معنويات عناصر "فاجنر"، وهو ما يجعلنا أمام عدة سيناريوهات محتملة مثل انشقاق بعض العناصر عن الحكومة الروسية، أو انسحاب عناصر أخرى من الدول الأفريقية، أو نزاع قادة "فاجنر" مع الحكومة الروسية على الموارد التي تحصل عليها، وهو ما قد يترتب عليه تراجع نفوذ "فاجنر" في الساحة الأفريقية، مما قد يمثل فرصة للمنافسين الاستراتيجيين لموسكو للانقضاض على مناطق النفوذ الروسي وملء الفراغ الذي ربما تخلفه "فاجنر" مستقبلًا.
2- إعادة هيكلة "فاجنر": قد تفكر موسكو في إعادة بناء الهيكل التنظيمي ل"فاجنر" بحيث تتبع مباشرة الرئيس بوتين، وذلك لضمان عدم تكرار الأزمة الأخيرة، وربما تقدم الحكومة الروسية بعض الإغراءات المادية لعناصر "فاجنر" لضمان ولائها، واستبعاد فكرة التمرد أو الانسحاب المحتمل من مناطق نفوذها في القارة، لا سيما أنها تستفيد من "فاجنر" في تأمين الثروات الأفريقية التي تنتقل إلى موسكو وتسهم في تمويل الحرب الروسية على أوكرانيا وفقًا لتقارير دولية.
3- تفاقم الصراعات والنزاعات الأفريقية: ربما يؤدي انسحاب "فاجنر" من الساحة الأفريقية إلى تفجر المزيد من الصراعات والنزاعات في عدد من الدول الأفريقية، لا سيما أن "فاجنر" تفرض توازنًا في بعض الصراعات الأفريقية مثل مالي، ونجحت في إخماد بعض التوترات في بعض الدول مثل أفريقيا الوسطى. ومع رغبة بعض الدول الأفريقية في مساعدة "فاجنر" لمواجهة التهديدات الإرهابية في بعض مناطقها مثل بوركينا فاسو، ربما يمثل احتمال تراجع "فاجنر" تحديًّا أمام هذه الحكومات لمواجهة التهديدات الأمنية في المدى المنظور.
4- توسع نشاط الإرهاب في أفريقيا: يعزز احتمال تراجع دور "فاجنر" من بعض المناطق المضطربة في أفريقيا لا سيما الساحل وغرب أفريقيا المخاوف من تنامي النشاط الإرهابي هناك، لا سيما أن تنظيميْ داعش والقاعدة ربما يجدان مساحة حركة أكبر للمناورة وتعزيز نشاطهما بما ينعكس على اتساع رقعة سيطرتهما في المنطقة الذي يرتبط بدوره على تعزيز نفوذهما الجهادي هناك، الأمر الذي يعزز حالة عدم الاستقرار الإقليمي في غرب أفريقيا والساحل.
5- انكشاف بعض الحكومات الأفريقية: وبخاصة العسكريين الجدد في الساحل وغرب أفريقيا الذين يعتمدون بشكل ملحوظ على "فاجنر" في محاربة الإرهاب ببلدانهم كبديل للنفوذ الفرنسي والغربي في المنطقة، الأمر الذي ربما يترتب عليه هز ثقة الرأي العام في الحكام الجدد وتراجع التأييد الشعبي لهم، بالإضافة إلى ضعف الثقة في "فاجنر"، ما يعطي فرصة لانقضاض القوى الغربية لتقديم نفسها مجددًا كبديل مستقر وكفء للأفارقة. كما يرتبط الأمر باحتمال انتهازية قوى المعارضة في الدول الأفريقية وبخاصة المعارضة المسلحة في إحراج بعض الأنظمة الحاكمة من خلال الدفع نحو تعزيز عملياتها المسلحة بهدف إسقاطها والسيطرة على الحكم.
6- تزايد الضغوط الغربية المزدوجة: قد يستغل الغرب وواشنطن هذه التطورات في محاولة للضغط على الدول الأفريقية للتراجع عن الشراكة مع "فاجنر"، خاصة أن واشنطن تقوم بصياغة خريطة طريق جديدة لإخراج "فاجنر" من أفريقيا، وتسعى من خلال عقد مشاورات مع مسئولين أفارقة خلال الفترة الأخيرة لتسليط الضوء على أن العمل مع "فاجنر" من المرجح أن يؤدي إلى اندلاع الفوضى على المدى الطويل في القارة[9]. ومن جهة ثانية، تستمر محاصرة واشنطن والغرب لمجموعة "فاجنر" من خلال الاستمرار في مضاعفة العقوبات المفروضة عليها، لا سيما أن واشنطن قد صنفتها في يناير 2023 كمنظمة إرهابية عابرة للحدود. فضلًا عن إعلان الاتحاد الأوروبي بعض العقوبات المفروضة على المجموعة وثمانية أشخاص وثلاث شركات مرتبطة بها، بسبب ما أسماه ممارسات مزعزعة للاستقرار في أفريقيا.
وإجمالًا، يظل انسحاب "فاجنر" من أفريقيا قرارًا غير مطروح بالنسبة لموسكو التي لا تريد خسارة موطئ قدمها الاستراتيجي في أفريقيا التي أضحت ساحة استراتيجية للمواجهة مع الغرب. ويبرر ذلك رغبة موسكو في الحفاظ على نفوذها المتنامي وحماية مصالحها الحيوية هناك، وعدم ترك مساحة للغرب يستغلها في تعزيز نفوذه والضغط على موسكو والذي قد يفقدها الدعم الأفريقي في المحافل الدولية، لا سيما أن أفريقيا تسهم بشكل كبير في كسر العزلة الدولية المفروضة على موسكو من الغرب وواشنطن بسبب الحرب الأوكرانية، لذلك، فهي لا تريد خسارة بوابتها الاستراتيجية للعالم الخارجي في هذا التوقيت الحرج لها.
أحمد عسكر – بوابة الأهرام اليوم
باحث مشارك – مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية
مواضيع مهمة
علاج الحمى في الطب النبوي مشكلة مص الإصبع التفاح الأخضر .. فوائد
الضغط في العمل كيف نتناول الكزبرة؟ ميكب خدود البشرة الداكنة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.