ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    هدى الإتربي تكشف كواليس مسلسل "مناعة": تجربة مختلفة بتفاصيل إنسانية    علامات فى العينين تساعد على اكتشاف الإصابة ب 3 أمراض مختلفة    مدينة على القمر خلال 10 سنوات.. هل يتراجع حلم المريخ؟    رئيس الوزراء يتوجه إلى ألمانيا مترأساً وفد السودان المشارك في أعمال الدورة 62 لمؤتمر ميونيخ للأمن    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الحكومة تؤكد عودتها الكاملة إلى الخرطوم.. ولقاء حاشد للإعيسر مع الجالية السودانية بالكويت يعكس التفافاً وطنياً واسعاً    الفنانة شيماء سيف: من ساعة ما حجيت ونفسي اتنقب واختفي    علاجك من أحلامك.. دراسة تتوصل لإمكانية استخدام أحلام الشخص فى العلاج النفسى    7 أطعمة للإفطار لا ترفع مستوى السكر في الدم    الموسياب يبدع ويقسو على الأمل بثلاثية نظيفة    الرابطة والتوفيقية يتعادلان في مباراة الأحداث المثيرة    الهلال ينفرد بصدارة الدوري الرواندي    وزير التعليم العالي السوداني: العودة إلى الدراسة خطوة استراتيجية    ضياء الدين بلال يكتب: قوش وآخرون... جرد حساب!    رويترز تنشر تقريراً استقصائياً حول إنشاء معسكرات لمليشيا الدعم السريع باثيوبيا    عاطف حسن يكتب: بنك الخرطوم.. اعتذارك ماااااا بفيدك .. !!    شاهد بالصور.. زواج شاب سوداني من فتاة "صينية" مسلمة ومطربة الحفل تكتب: (جمعتهما لغة الحب والدين الاسلامي الحنيف لمدة 14 عام)    شاهد.. مقطع فيديو نادر للحرس الشخصي لقائد الدعم السريع وزوج الحسناء أمول المنير يظهر فيه وهو يتجول بحذر قبل ساعات من اغتياله    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    شاهد بالفيديو.. جمهور ولاعبو أم مغد الكاملين يحملون مدرب الفريق على الأعناق احتفالاً بالتأهل لدوري النخبة: (جندي معانا ما همانا)    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    اللواء الركن (م) أسامة محمد أحمد عبد السلام يكتب: البغلة في إبريق (شيخ اللمين)    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    آبل تستعد لأكبر تغيير فى تصميم آيفون منذ سنوات مع iPhone 18 Pro    دعوى ضد ميتا ويوتيوب بشأن إدمان الأطفال للتطبيقات    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



صديقي .. صلاح قوش ...
نشر في الراكوبة يوم 19 - 05 - 2010


فتحي الضَّو
[email protected]
كُلنا يعلم أن للخلق في اسمائهم شئون وفنون وشجون. أما أنا فلن أذيع سراً إن كشفت عن شغفي في مقارنة أسماء بعض عباد الرحمن بمدى تطابقها بشخوصهم إن استطعت إلي ذلك سبيلا. لهذا احسبوه – يا أعزائي القراء - نوع من أنواع حب الاستطلاع، أو رياضة ذهنية تهدف إلى محاولة معرفة إن كان للمرء من اسمه نصيب، كما تقول العرب العاربة. مع التسليم بأنه ليس للناس خيار في اسمائهم، فهم يشبون عن الطوق ويجدونها أمامهم كقدر لا فكاك منه، عدا بعض الأوروبيين ودول الغرب، فقد ظلوا يتمردون على هذه القاعدة بتغيير اسمائهم. أما نحن في السودان كما سائر خلق الله أيضاً، يوجد بين ظهرانينا العديد من الذين تضادت اسماؤهم مع صفاتهم الفطرية أو سلوكياتهم المكتسبة. فأنا مثلاً أعرف شخصاً أسمه نجيب وهو بالفعل كذلك، لكنه سخَّر نجابته تلك في حياكة المؤامرات وتطريز الانتهازية وصناعة الخبائث. وكان لنا زميل أيام الدراسة الثانوية أسمه عامر لكن الجميع كانوا يعرفون أن فؤاده أفرغ من جوف أم موسى. وقد تجد واحداً سُمي سعيداً وهو أتعس خلق الله، وهناك من توخي والده فيه أن يكون نافعاً للناس، لكنه خذله وكان أشدهم ضرراً لهم. وكان جدي هو من أطلق أسم (الضو) على والدي والذي رحل مبكراً عن دنيانا الفانية ولم أنعم برؤيته - عليه شآبيب الرحمة - وقد قيل لي من فضل الله عليه إنه كان اسماً على مسمى. ولكن هب - لا قدر الله – لو أنه كان أحد الظلاميين الذين ينتمون للعصبة ذوي البأس فما الذي سيحدث؟ أظنه ببساطة شديدة، كان سيجد من يُعري مفارقته تلك بأقلام سنان!
في سياق (نظريتي) سالفة الذكر كثيراً ما توقفت في أسماء ننفرد بها دون آخرين، خاصة تلك التي تحاول التقرب من الله زلفى وإن خالط بعضها شيء من التأويل، مثل دفع الله وقريب الله وحبيب الله. أما وقيع الله فقد زالت حيرتي عندما رأيت من طبَقَه مَثلاً يجري بين الناس. وكذلك فثمة أسماء نتوسل بها العيش في رحاب النبوة، ومنها عبد النبي وعبد الرسول والأخير كدنا أن ننفرد به في السودان، لولا أن شاركنا فيه الأخوة الأفغانيون.. شركاؤنا في العقيدة وقرناء العصبة في التطرف. ومن المفارقات المحزنة والمضحكة معاً، أن الزعيم الأفغاني (عبد الرسول سياف) استجار منتصف تسعينات القرن الماضي بدولة إسلامية كبرى على أثر اجتياح طالبان البلاد وتسلمهم زمام السلطة. فما كان من مسؤولي ذاك البلد الأمين إلا أن طلبوا من الرجل تغيير اسمه إلى (عبد رب الرسول سياف) ثم أصدروا تعميماً لصحفهم بذلك. وبمناسبة افغانستان هذه فكثيراً ما توقفت في اسم الناطق الرسمي لطالبان (ذبيح الله مجاهد) والحمد لله إنني لست ممن يعيرون الخلق بهيئتهم التي فطرهم عليهما رب العباد. لكن إن ساقك حب الاستطلاع مثلي لترى صورته في الشبكة العنكبوتية، فلن تعجب من تطابق اسمه برسمه. لكن ذلك قد يكون أخف قدراً من أسباب الأزمة الدبلوماسية الصامته التي اندلعت قبل أيام بين بعض دول الخليج وباكستان. والتي حدثت على إثر محاولة باكستان تعيين سفيراً لها في دولة الإمارات العربية، ولكن طلبها قوبل بالرفض. ثمَّ حاولت تعيينه في البحرين فرُفض طلبها أيضاً، ولما بعثت تستمزج رأي المملكة السعودية في احتمال تعيينه سفيراً لها جاء الرفص السعودي مثلما حدث مع الدولتين المذكورتين بدون توضيح الأسباب، فظنت الحكومة الباكستانية أن قوى كبرى تقف من وراء ذلك، ولم يدر بخلدها أنه جاء بناءاً على اسم السفير الكامل والذي يضم اسماً يقابله معنىً خادشاً للحياء في لغة (الضاد) بالرغم من أنه بلغة (الأردو) لا يعني المعنى نفسه!
كذلك لفت نظري أن مسلمي أهل السودان يطلقون على أولادهم إسم موسى وعيسى وشعيب وهارون، وتكثر هذه الأسماء في غرب السودان بصفة عامة ودارفور بصفة خاصة، بالرغم من أنها الولاية الوحيدة التي لا يوجد فيها مسيحي واحد أو أيٍ من اصحاب الديانات الأخري. ولا شك أن الظاهرة دليل على التسامح الديني الذي جُبلنا عليه قبل أن تهبط علينا العصبة ذوي البأس وتعصف بالأسماء والمعاني إلى درك سحيق. كذلك فهو من جهة أخرى يدل على أننا لا نتعامل بحساسية شديدة مع ظاهرة الأسماء مثلما يحدث في بعض البلدان العربية والإسلامية. ونستزيد بالأمثلة في هذا الشأن بأن السودانيين يسمون علي والحسن والحسين، وذلك في تصالح كامل مع عقيدتهم الإسلامية وإتساقاً مع مذهبها المالكي الذي يهتدي به غالبية أهل السودان. يحدث ذلك دون أن يكون في ذهنهم إنها أسماء كاد اتباع المذهب الشيعي أن يحتكرونها بلا منافس. وكدليل على عفوية مسلمي أهل السودان فهم بذات المستوى يسمون أسماءً يفر منها الشيعة كفرار السليم من الأبرص، ومن ذلك مروان ومعاوية دون أن يعني الأمر شيئاً أو يشكل هاجساً بالنسبة لهم، لا سيما، وقد شهدنا في لبنان إبان حربه الأهلية طقوس الذبح على الهوية، مثلما شهدنا في العراق بعدئذ الذبح على المذهبية الدينية. ومن مفارقات ما ذكرنا في هذا الصدد، أذكر إبان اقامتي في قطر خليجي أن سودانياً أسمه معاوية تم توظيفه في شركة يملكها شيعي، والذي ما أن علم بذلك، حتى أرغى وأزبد وأمر بفصله فوراً – فصله من العمل وليس فصل رأسه عن جسده – وإن كان هياجه يوحي بالأخيرة، ولكن وضحوا له استحالة ذلك، لأن الشركة كانت بحاجة ماسة لخبرته ويصعب الحصول على آخر، فقبل (الكفيل) الأمر على مضض ولكنه لم يسم (المكفول) يوماً باسمه، فقد كان يقول له دوماً (الملعون) ويناديه بذلك، ويبدو من فرط تسامحنا أن معاوية الملعون تفهم الوضع وأخذه مأخذ الهذر ورثاء الجهل.
بيد أن ذلك تراث ضارب في جذور الأمتين العربية والاسلامية، وبغض النظر عن الفترة الجاهلية فعهود الانحطاط في الدولتين الأموية والعباسية جسدت الكثير الذي تشمئز منه النفوس. كان الناس لا يكتفون بتقريع المرء باسمه وإنما يزيدون بخلع لقباً عليه يعبر عن دمويته التي يختال بها في زهو وخيلاء. ومثل ذلك كان الخليفة العباسي الأول المُسمى عبد الله الأول بن محمد بن علي، والذي لُقب ب (السفاح) حتى غلب على اسمه. وكان قد بويع بعد إنهيار الخلافة الأموية، فدعا كل أمرائهم وقام بذبحهم كما تذبح الشياه، ولم ينجُ منهم سوى عبد الرحمن الداخل الذي هرب إلى الأندلس عن طريق المغرب. وبعد أن فعل (السفاح) فعلته جاء بما هو أنكى، إذ أمر بمد المفارش فوق الجثث ووضع الطعام فوقها، ثمَّ جلس يلتهمه وصحبه بينما أنين الجرحى - قبل أن يلفظوا أنفاسهم الأخيرة - يكاد يقطع نياط القلوب! وعلى ذكر هذه الوحشية.. هل تأمل أحدكم يوماً سيرة مسرور السياف من زاوية التناقض. فمسرور لا نعرف عنه شيئاً سوى أنه باتر أوصال وقاطع رؤوس، ولا أدري إن كان سُمي بذلك لأنه مسرور بالفطرة أم لأن حالة السرور تلك كانت تنتابه بعد أن ينجز مهمته الدموية. أياً كان التفسير.. لقد كان الأجدر أن يسمونه محزوناً وليس مسروراً!
ولكن قل لي يا صاح ما مناسبة كل ذلك؟ أقول لك إنه سعادة الفريق مهندس صلاح عبد الله المكنى بصلاح قوش، أو الرجل الذي ملأ الدنيا وشغل الناس. وأرجو ألا يغير زميلنا الممتليء شحماً ولحماً ونفاقاً. فهو يحرص أن يقول للقراء إن كل العصبة ذوي البأس من أصدقائه المقربين، ويذكرنا دوماً بأنهم ما جلسوا على سدة هذه السلطة وقبلوا عذابها إلا من أجل رفاهيتنا، ويعيب علينا إننا قوم جاحدين لا نقدر الناس حق قدرهم، فقد كان الأوجب أن نصنع لهم تماثيل ونضعها في الميادين العامة لولا انهم زاهدون. المهم كان لزاماً عليَّ وأنا أتوسل صداقة يحلم بها المحرومون، أن أمارس هوايتي في مضاهاة المفردات بالشخوص. واشهد ألا شيء أرهقني مثلما أرهقتني مفردة (قوش) والتي يكتبها الصحافيون (غوش) أحياناً وسعادة الفريق في الحالين لا يضيق و لا يتبرم، وفي ذلك دلالة على سعة صدره واحترامه الرأي الآخر. وطبقاً لهذا أرجو أن يتمدد صبر القراء ولا يحسبن أحدهم إنني اشغل نفسي بسفاسف الأمور..فأنا قد تساءلت ابتداءاً هل قوش هذه اسماً أم كنية؟ ثم طفقت أجوس بناظريَّ في بطون القواميس وأمهات الكتب. ولما أعياني البحث وعدت بخفي حنين، قصدت أصدقائي من الثقاة الضليعين في بحور الفصحى والعامية. وأسعدني أنهم أجمعوا على أن (قوش) لا معنى له! وقالوا إنه اسم لأستاذ هندي كان يُدرِّس في كلية الهندسة التي تضم المذكور. غير أن بعضهم زاد بأن هناك روايتان لإلحاق الاسم به ويصبح لقباً، الأولى، أن ذاك الاستاذ كان يتعمد إسقاط صلاح لأسباب غير معلومة، والثانية إنه ضبطه ذات يوم وهو يستمع إلى جهاز راديو صغير أثناء المحاضرة! ولا أدري إن كان شنٌ قد وافق طبقه أم كذب المسمون فيما زعموا!
واقع الأمر يشغل بالي شيء هام وأنا أخطب ود صداقة قوش، فقد وددت أن أساله كيف ينام كل ليلة وفي صدره أطنان من أسرارنا، ربما بدءاً من سياسي انفصل عن زوجه، مروراً بحملة الأنفال التي دحرت خليل وصحبه، وإنتهاءاً بلقاء بين طيات السحاب مع الاستخبارات الأمريكية التي يرتعب لذكرها الشجعان. تلك والله مقدرة فائقة لرجل يتكنز الأسرار في جوفه ويزدردها كما يزدرد الجمل طعاماً مخزوناً في سنامه. فأنا مثلا عندما يقول لي صديق سراً واحداً ويطلب مني ألا أذيعه، ترهقني تلك السرية البغيضة وابدأ أحوص كما تحوص الدجاجة القلقة قبل المبيض. أذكر أن صديقي الاستاذ صالح كيكيا نائب وزير الخارجية الاريتري (فك الله أسره) كنت أجالسه في مكتبه ذات مساء أواخر ديسمبر من العام 1997 وحين تأهبت للمغادرة قال لي الرجل بهدوءه المعهود.. سأسمعك خبراً ليس للنشر، ثم أسرَّ لي بعبور السيد الصادق المهدي الحدود السودانية الاريترية، وقال إنه في طريقه للعاصمة أسمرا، وعندما وصلت مكتبي استبد بي القلق وناوشتني الظنون وأرهقتني الشكوك في أن هذا الخبر يمكن أن يتسرب. فضربت أخماسا في أسداس وقررت نشره، وفي الليل هاتفت صديقي كيكيا وقلت له إنني حنثت بوعدي ولم يكن باليد حيلة، وأكدت له أن الخبر سينشر غداً في صحيفة (الوطن الكويتية) التي انفردت به. الأمر الذي أغضب السيد مبارك الفاضل ولم يغضب كيكيا، لأن الأول كان فيما يبدو يأمل أن يخرجه بسيناريو معين وأجهضته بنشري، أما الثاني فأظنه جنح إلى أن ناقل الكفر ليس بكافر. وبمناسبة السر والأسرار وسير السياسيين هذه، كان يحلو للدكتور جون قرنق أن يقول لمستمعيه وهو يشير بأصبعيه الوسطى والسباب إن (السر الذي يعرفه أثنان، يعرفه في الواقع 11 شخصاً) فكيف يا سيد صلاح تنام الليل ملء جفونك عن شواردها وفي صدرك تلك الأطنان التي نسهر نحن جراءها ونختصم!
ليس كل الأمريكيون يجهلون ما يدور في العالم الخارجي، فلي صديقة (أقول من قبل ان تشرئب أعناق العصبة) إنها ليست غرَّاء ولا فرعَّاء ولا هيفاء. هي في منتصف العقد السادس، بها مس من ارستقراطية مصطنعة، تبدت في أناقة مظهرها وجزالة عبارتها. تقاعدت مبكراً حتى تستمتع ببقية عمرها كما قالت، فبدأت تقرأ كثيراً، وتشاهد القنوات الفضائية بإدمان، ولديها حب استطلاع جارف في معرفة ثقافات الشعوب. وبعكس غالبية الأمريكيين فهي تحب السياسة حباً جماً، وقد أرهقتني من أمري عسراً منذ أن قلت لها إنني من ذاك البلد الذي هو كل يوم في حال. وكدأب معظم الأمريكيين الذين يتخيرون اهتماماتك حتى يجدوا منفذاً للحديث بعد أحوال الطقس، صارت صديقتي تتابع أخبار بلدي بكثافة حتى بت اشفق عليها. كانت في باديء الأمر تدهشني عندما تقول لي: يا إلهي كيف اغتصب ذلك الرجل المخبول تلك الطفلة البريئة في الدروشاب؟ ثمَّ بتكرار غير المألوف زالت دهشتي، مثلما حدث أول أمس عندما سألتني عن معاني أسماء بعض المرشحين للرئاسة، فتوقفت برهةً أمام أسم زميلنا حاتم السر، ثمَّ أطلقت ضحكة هازئة، وقالت لي: لكن المنصب يستوجب الشفافية! كانت تلك هي المرة الأولى التي أعرف أنها تحب المِلح والطرائف!
لكن الذي أنا بصدده الآن لمختلف جداً، أذكر إنها فاجأتني قبل سنوات خلت وقالت لي بثقة واضحة: يبدو أن السيد صلاح قوش سيصبح رئيساً لبلادكم! لم اكترث كثيراً لقولها هذا، وكالعهد بنا في مثل هذه المواقف اكثرت لها من تعابيرنا المحايدة مثل (مش معقول) (بلاهي) (يا سلام)! ثم سألتها بعد لأيٍ متعمد عن أسباب اعتقادها ذاك؟ فقالت لي إنها قرأت في صحيفة (لوس أنجلوس تايمز) تقريراً مطولاً عن العلاقة بين وكالة الاستخبارات الأمريكية وجهاز الأمن السوداني، وأن مديره صلاح قوش حملته أبابيل خاصة تابعة للوكالة الأمريكية من مروة (وادي سيدنا) إلى صفا (لانغلي)! ثم أفصحت عن قناعتها بقولها (هل تعلم أن 90% من رؤساء دول هذا العالم التعيس مروا من هنا) وبالطبع كانت تقصد الوكالة. لكن أشكر صديقي صلاح قوش الذي منحني فرصة دحض هذا الافتراض بعد كل هذا السنين، سألتقيها قريباً وسأقول لها أولاً إننا راضون عن سيد صلاح وسأعيد على مسامعها ما قاله في حواره مع صحيفة الأخبار 25/11/2009 (أعتقد أنني أديت دوراً أنا راض عنه، وكل الشعب السوداني راض عنه، وكل الدولة راضية عنه، وأديت دوري في فترة كان مطلوباً أن أؤدي هذا الدور) وسأقول لها ثانياً خابت توقعاتك فصديقي قوش ليس من شاكلة الرجال الذين يخونون عصبتهم ويدبرون انقلابات الكواليس. وسأقول لها ثالثاً لم يكن سيد صلاح يطمح بمنصب رئيس الجمهورية فهو من فرط تواضعه يحلم الآن بمقعد في البرلمان، ولهذا قرر أن يخرج للعلن ويترشح في الدائرة 5 مروي حتى تصلنا نفحاته النيرة مع تيار السد.. لتنير لنا ملتقي النيلين!
سبحان الذي أسرى بصديقي من دهاليز الكتمان إلى فضاء العلانية، فصديقي يود أن يخوض معركة الانتخابات ولعله يعلم إن هذا تغييراً كاملاً للمهنة التي لم يعمل غيرها على حد علمي، هو في الواقع تحول جذري من النقيض إلى النقيض. أي أن مهنته السابقة كمدير لجهاز الأمن والاستخبارات والحالية كرئيس لمستشارية الأمن، تتقاطعان تماماً مع المنصب الذي سيقدم عليه وما أحسبه إلا من الفائزين. لهذا فأنا أشفق عليه لأن الأمن طبيعته السرية والكتمان والبرلمان من شروطه الشفافية. والأمن يحلو لشاغره العمل من وراء الكواليس وربما القيام بمهام في الظلام، بينما البرلمان يستوجب على النائب العمل في الهواء الطلق، والأمن يعشعش في الصدور، بينما البرلمان ينفر من الحجب ويُحرِّم الأستار، والأمن قد لا يسأل فيه أحد أحدا عما يفعل حتى لو تجاوز الخطوط الحمراء، أما البرلمان فيفترض المساءلة والمحاسبة حتى يرى الناس إن كان نائبهم أوفى بما وعد أم نكث على عقبيه. ولكن دعك من هرطقات الكُتَّاب والصحفيين أمثالنا يا سيدي.. مالنا والماضي، فبما انك تفتح صفحة بيضاء من غير سوء، وبما أنه كل مرشح بما فيه ينضح.. ليتك تزركشها بشيء ينزل علينا دفئاً وسلاماً.. عليه ليتك كشفت لناخبيك تلك الأسرار التي تنوء بحملها الدواب. قل لهم هذا فعل هذا؟ وهذا لم يفعل ذاك؟ قل لهم هذا قتل وذاك سحل، قل لهم هذا عذَّب وذاك اضطهد، قل لهم هذا تجسس وذاك تحسس.. فضفض مكنون صدرك ولا تبتئس فتلك أيام الجاهلية الأولى، فلا جناح ولا تثريب عليك إذ كانت الثورة حمراء بكل يد مضرجة تدق أبواب معارضيها. أَبَن لهم حقيقة بيوت لم يُذكر فيها أسم الله، نُسجت حولها الأساطير وقيل أن من دخلها وخرج كان محظوظاً لأنه ترك عقله وراءه، لكن تعيس الحظ هو من لم يعرف له مكان، أما خائب الرجاء فقد ذهبت روحه إلى بارئها!
أرأيتم نعم الله علينا يا هؤلاء، يومذاك كان البعض يسمع عن صديقي ويظنه كالغول والعنقاء والخل الوفي، أما اليوم فقد هيأت لنا الديمقراطية التي ننعم بفيئها أن نراه عياناً ونسمعه بياناً. لهذا فنحن نريده أن يخزي بشفافيته عيون الطابور الخامس الذين يطلقون الشائعات بضمائر متكلسة. نريده أن يلقم المتنطعين حجراً ويقول لهم إن الجهاز العتيد الذي كنت على رأسه، يعلم زائره إنه أشبه بفندق من ذوات الخمس نجوم، فزائره يسمع موسيقى بتهوفن وباخ وموزارت عوضاً عن آهات المعتقلين وأنين المسجونين. نريده أن يدحض افتراءات المشائين بنميم ويقول لهم إن زائر الجهاز العتيد يجد من يقابله بابتسامة تبعث الحياة في العظام وهي رميم. نريده أن يقول للمفترين كذباً إن بالجهاز رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وليسوا من جنس الذين يتوارون خلف اسماء مستعارة أو يختبئون في أشكال تنكرية. لله درك وأنت تقول لناخبيك في لقاء تفاكري نشرته الصحف يوم 25/11/2009 (لا أقول لكم سأنزل الثريا في مروي) ويا سعدنا بك.. أليس أنت من قال فيه رئيسنا المفدى وقائد مسيرتنا وحادي الركب.. في حواره المقتضب مع رئيس تحرير صحيفة الأخبار 28/11/2009 (شوف صلاح دا.. ويعني الفريق صلاح عبد الله بالطبع.. يتمتع بقدرات أنا شخصياً أعتبرها خارقة.. قدرة على الرصد.. قدرة على التحليل.. قدرة على المتابعة.. قدرة على إدارة الحوار.. واستخلاص النتائج.. وقدرة على ابتدار المشاريع.. فكل هذه المقدرات تؤهله لشغل موقع متقدم في جهاز الدولة ولكل هذه الأسباب – يمضي السيد الرئيس قائلاً: قررنا الاستفادة منه في موقع سياسي متقدم، وحين يكون الشخص مستشاراً للرئيس، يضيف السيد الرئيس: فهذا أنه أصبح جزءاً من كابينة القيادة)! كان ذلك رداً على سؤاله عما حدث لصديقي الفريق مهندس صلاح قوش في الانتقال من فنن إلى فنن!
صديقي.. عازف الأوتار!!
عن صحيفة (الأحداث) 31/1/2010


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.