حاكم إقليم دارفور يجتمع مع المديرة العامة بالإنابة لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية بجنيف (OCHA)    شاهد بالفيديو.. طبيب بمستشفى نيالا يشكو من انتهاكات أفراد الدعم السريع ويحكي قصة نجاته من القتل بعدما رفع أحدهم السلاح في وجهه    شاهد بالصورة والفيديو.. الراقصة الحسناء "هاجر" تشعل حفل طمبور بفاصل من الرقص الاستعراضي والجمهور يتفاعل معها بطريقة هستيرية    الهلال السوداني يفجر أزمة منشطات ضد نهضة بركان في دوري أبطال إفريقيا    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    من إيطاليا إلى بولندا.. سرقة 413 ألف قطعة شوكولاتة.. ما القصة؟    ترامب: إيران منحتنا 20 ناقلة نفط والشحن يبدأ غدًا    بوتين: روسيا مستعدة لاستضافة الألعاب الأولمبية في المستقبل    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    مجهولين ينبشون قبر رجل دين بولاية الجزيرة وينقلون جثمانه إلى جهة غير معلومة    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    عادل الباز يكتب: البلد محاصرة والشعب منصرف عن معركته    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    قمة الافلاس.. وآخر "البليلة حصحاص"..!!    شكوى الهلال تربك «الكاف».. والتأجيل لغدًا الثلاثاء    شاهد بالصورة والفيديو.. بعد إيمي سمير غانم.. "كورال" مصري يغني أغنية الفنانة السودانية توتة عذاب "الترند" وشاعر الأغنية يعبر عن إعجابه    شاهد بالفيديو.. حمزة عوض الله يهاجم الشاعرة داليا الياس بسبب تبادل السلام بالأحضان مع المطرب شريف الفحيل ويصف المدافعين عنها بأصحاب الفكر الديوثي    عثمان ميرغني يكتب: حلفا .. والشمالية..    قوى سياسية في السودان تعلن عن مقاطعة مؤتمر في برلين    شاهد بالفيديو.. في ظهور مثير.. رجل يمسك بيد الفنانة هدى عربي كأنه عريسها ويدخل بها لقاعة الفرح والشائعات تلاحق السلطانة هل هو زوجها؟    الكاف.. (الجهاز) في القاهرة و(الريموت كنترول) في الرباط    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



جنوب السودان.. المشكلة !! والحل


!!(4)
محمد محمد الأمين عبد الرازق
Mmalamin2006_(at)_yahoo.com
كان الأستاذ محمود معتقلا عندما اغتيلت الزعيمة الهندية اندبرا غاندي، فتحدث عدة مرات عن اغتيالها.. وقال: إنه حزين جداً، وإنها امرأة عظيمة، وقد ماتت ميتة عظيمة ..وهي أول امرأة تغتال في التاريخ، وحياتها كانت عظيمة.. وكانت حريصة على وحدة الهند، التي منذ أن جاءت إلى السلطة وجدتها ممزقة وموزعة.. وكان السيخ يريدون الانفصال بإقليمهم الغني ..وكانت المشكلة لن تقف عند السيخ وحدهم، فإن كل العناصر والأقاليم الأخرى ستطالب بالانفصال..ولقد كان عمل السيخ مستهجناً وغوغائياً، وبهذه الطريقة لن تنتصر قضية لأي مجموعة .. وقال: إن اغتيالها يشبه اغتيال السادات.. في كلتا الحالتين كان هناك غدر وخسة في القتل، فهي قد قتلها حرسها الذي تطمئن إليه، وكانت تسلم عليهم بالطريقة الهندية التي تشبه الصلاة .. وكذلك كان مقتل السادات، قتله بعض جنوده في احتفال كبير، واستعراض لم يكن من المتوقع فيه أن يكون هناك شخص يحمل سلاح أو ذخيرة ..كذلك تطرق الحديث إلى غاندي ،ونهرو، والد انديرا ..وكيف قتل غاندي بخسة أيضاً ،على الرغم من دفاعه عن المنبوذين والضعفاء ..وذكر الأستاذ دور نهرو وانديرا في استقلال الهند وحركة عدم الانحياز .. وأوصى الأستاذ بان يكون هناك حديث في المنابر الحرة عن انديرا ، ودورها ، وإدانة الحادث ، وتبيين خطر الهوس الديني في أي صورة كان ..
أيضاً ورد حديث عن مسس مارقريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا آنذاك، فهي كذلك في اعتبارها توحيد بريطانيا ، وتواجه نفس مشاكل العنصريات ..وسألت د.بتول مختار الأستاذ عن سبب إصرار الإنجليز على عدم منح الاستقلال للايرلنديين ؟؟ فقال لها لو فتحوا هذا الطريق لن تكون هناك بريطانيا ..فلو انفصل جزء ستزول بريطانيا ..وهي أصلاً مكونة من انجلاند وويلز وسكوتلندة وايرلندة ..فلو انفصل جزء ستسعى بقية الأجزاء إلى الانفصال ..
وقال الأستاذ: إن حركات الانفصال في العالم أصبحت كثيرة ..ولو أي جزء تمكن من الانفصال سيتوقف التقدم ،لأن الأجزاء التي تطالب بالانفصال غالباً لا تستطيع تطوير نفسها ، وتعوق الأجزاء الأخرى ..وقال: إن الناس منتظرين العدل في شكل الحكومة الكبيرة المهيمنة على كل الأجزاء وعادلة في نفس الوقت .. انتهى.. هذه مقتطفات من تقرير حول ما دار بين الأستاذ محمود وتلاميذه في احدى الزيارات أثناء اعتقاله، وكان ذلك في نوفمبر 1984م.. ونحن أوردناه لعلاقته بقضية الوحدة والانفصال من الناحية المبدئية..
نواصل في هذه الحلقة رصدنا لتاريخ مشكلة الجنوب من كتاب الأخوان الجمهوريين الذي صدر عام 1982م بعنوان \"جنوب السودان .. المشكلة والحل\".. جاء تحت عنوان الإستعمار الإنجليزي المصري ومشكلة الجنوب ما يلي:
( إن كل ما سبق من حديث عن مشكلة الجنوب، إنما يعتبر مجرد خلفية للمشكلة.. أما البداية الحقيقية للمشكلة فقد برزت أثناء الحكم الثنائي (1898م – 1956م ) كنتيجة مباشرة لسياسة الإستعمار الإنجليزي القائمة على مبدأ (فرق تسد).. تلك السياسة التي عملت وفق تخطيط محدد لتعميق الخلافات القائمة بين الشمال والجنوب، وتصعيدها حتى تكون سبباً للصراع بين الإقليمين، بصورة يصعب معها الوفاق، وتصعب الوحدة.. وقد عمل الإنجليز أثناء فترة حكمهم، بصورة محددة، على فصل الجنوب عن الشمال لخدمة أغراضهم الإستعارية في السودان، وفي أفريقيا.. وقد استغلوا في عملهم هذه الاختلافات العنصرية والدينية، كما استغلوا تجارة الرقيق، وأوجدوا من السياسات والقرارات الإدارية، ما يحول دون أي وجود عربي إسلامي في الجنوب، يمكن أن يتم من خلاله تعامل بين الإقليمين.. بالإضافة إلى ذلك زرعوا عدم الثقة في الشماليين، في نفوس الجنوبيين، كما عملوا على خلق وتنمية الاختلافات الثقافية بين الإقليمين..
ويمكن تفسيم السياسية البريطانية نحو جنوب السودان إلى ثلاث مراحل هي: المرحلة الأولى، وهي تبدأ بدخول الإستعمار الإنجليزي وتستمر حتى نهاية الحرب العالمية الأولى وقيام ثور 1919م المصرية، وهذه المرحلة تعتبر مرحلة تمهيدية لسياسة فصل الجنوب، أما المرحلة الثانية والتي تستمر حتى 1947م، فقد تمت فيها الإجراءات الفعلية لتنفيذ سياسة فصل الجنوب، وخلق المشكلة بينه وبين الشمال.. أما المرحلة الثالثة (1947 م – 1955م ) فقد ظهر فيها فشل ساسية الفصل فتم التراجع عنها.. ونحن هنا سنتناول هذه المراحل بشئ من الإيجاز..
المرحلة الأولى للسياسة البريطانية في الجنوب:
لقد كان هم الإنجليز الأساسي في الجنوب في هذه الفترة هو حفظ الأمن والنظام، وتأكيد سلطتهم على القبائل بفرض إدارة قوية.. وقد بدأ في هذه الفترة التبشير المسيحي في الجنوب من جديد بعد أن توقف في فترة المهدية، فقد سمحت الحكومة للمبشرين بممارسة نشاطهم، وشجعتهم على ذلك، وخصصت لكل هيئة تبشيرية منطقة خاصة بها.. كما اتجهت الحكومة البريطانية في هذه المرحلة إلى الحد من انتشار الإسلام في الجنوب، فقررت استبدال الجيش المصري سنة 1911م بقوات محلية تحت إشراف ضباط إنجليز سميت فرق الإستوائية.. وقد جعلت الحكومة كل مديرية من مديريات الجنوب الثلاث مستقلة بشئونها إلى حد كبير.. ولقد لخص اللورد كرومر دوافع بريطانيا في تشجيع التبشير المسيحي والعمل على الحد من انتشار الإسلام في تقرير له، كان ضمن ما جاء فيه قوله: \" إن سكان هذا القسم وثنيون كلهم لم يروا واحداً من المسيحيين إلا قريباً.. واتصالهم بالمسلمين يذكرهم بفظائع الدراويش والنخاسين العرب\" .. ( كتاب (العلاقات العربية الأفريقية إصدارة: المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، صفحة 285 )..
وفيما بعد، في عام 1929م، بيّن هندرسون غرض الإنجليز بعبارات أوضح من عبارات كرومر، فقد قال: (إن إنجلترا كدولة مسيحية لا يمكنها بحكم دينها أن تشارك في سياسة تشجيع انتشار العروبة والإسلام بين شعب يزيد على ثلاثة ملايين وثني، إذ أن ذلك قد يترتب عليه نتائج مدمرة بالنسية لمصالحها ) (المصدر السابق، صفحة 273 ).. وقد رأى ونجت حاكم عام السودان آنذاك في فرق الإستوائية التي حلت محل القوات المصرية والجنود الشماليين أنها تشكل (حاجزاً إفريقياً له قيمته ضد أي ثورة عربية في السودان ).. المصدر السابق، صفحة 290 .. ولدعم العزلة بين الجنوب والشمال، استبدلت إجازة يوم الجمعة الإسبوعية في الجنوب بيوم الأحد، وقد عمم ذلك على جميع أنحاء الجنوب إبتداءً من 3 يناير 1918م..
المرحلة الثانية: 1920 – 1946م:
في هذه المرحلة وبعد ثورة 1919م المصرية، وحركة 1924م السودانية ذات الارتباط بمصر، رأت بريطانيا أن مصالحها الإستعمارية في السودان، وشرق أفريقيا، تقضي بأن تنتهج سياسة تهدف إلى فصل الجنوب عن الشمال، أملاً في أن يتم ضمه في المستقبل لممتلكات بريطانيا في يوغندا، وشرق أفريقيا.. ولتحقيق هذا الغرض اتجهت السياسة الإنجليزية إلى عزل الجنوب عن الشمال ثم تصفية الوجود الشمالي في الجنوب بشتى الوسائل.. ويمكن تلخيص أهم معالم هذه السياسة فيما يلي:
1 - منع مديري المديريات الجنوبية من حضور إجتماع مديري المديريات، الذي كان يعقد سنوياً في الخرطوم، فكان عليهم أن يجتمعوا وحدهم في الجنوب وأن يكونوا على اتصال بزملائهم في يوعندا وكينيا.. ولقد وصلت إلى لجنة (ملنر) ثلاث مذكرات عن الوضع بالنسبة لجنوب السودان، كانت الأولى منها بتاريخ 15 فبرائر 1920م بعنوان (فصل السودان عن مصر)، وتبحث هذه المذكرة في (اللامركزية في حكومة السودان بهدف فصل الزنوج عن الأراضي العربية ) المصدر السابق، صفحة 293 والمذكرة تقترح فصل السودان إلى شمالي وجنوبي، وإقامة خط فاصل يمتد من الشرق إلى الغرب حددت مواقعه.. وبعد هذه المذكرة بعشرة أيام أعدت السلطات المسئولة في الخرطوم مذكرة جديدة ذات تصور أكثر تحديداً وقد جاء فيها: (إن حكومة السودان سوف تكون على استعداد للإندماج في حكومات أملاك أفريقية أخرى مثل أوغندا، وشرق أفريقيا إذا كان الأمر يخص الزنوج.. أما المديريات العربية فهي تحتاج إلى معاملة مختلفة، وعلى ذلك فيجب أن تبحث مسألة إقامة اتحاد لوسط أفريقيا تحت الإدارة البريطانية يضم بالطبع زنوج السودان ).. المصدر السابق، صفحة 293 ..
وفي مذكرة صدرت في 14 مارس 1920م جاء: (إن سياسة الحكومة هي الحفاظ على قدر الإمكان بجنوب السودان بعيداً عن التأثير الإسلامي، ففيه يتم توظيف المآمير السود، وعندما يكون من الضروري إرسال كتيبة من المصريين فيختار الأقباط.. وأصبح يوم الأحد هو يوم الإجازة بدلاً من يوم الجمعة كما في الشمال، هذا بالإضافة إلى تشجيع المشاريع التبشيرية ) .. وتواصل المذكرة: (ينبغي أن يوقر في الأذهان إمكانية فصل مناطق الجنوب الأسود من السودان عن مناطق الشمال (العربي) وربطه بتنظيم لأواسط أفريقيا ) المصدر السابق، عن، مدثر عبد الرحيم (تطور الإدارة الإنجليزية في جنوب السودان)، صفحة 7 ..
2- في سبتمبر 1922م، صدر قانون المناطق المقفولة، والذي بمقتضاه جعل الجنوب منطقة مقفولة لا يجوز دخولها أوالخروج منها، إلا بإذن خاص من السلطات(وقد هدف هذا القانون إلى إبعاد الشماليين والمصريين من جنوب السودان، واستبدالهم بالأغاريق والبسوريين المسيحيين،وتقليل أعداد الجنوبيين الراغبين في الانتقال للعمل في الشمال .. وصدر قانون آخر في سنة 1925م منع الشماليين من التجارة في الجنوب إلا بإذن خاص من السلطات دكتور حسن أحمد إبراهيم (تاريخ السودان الحديث ) صفحة 138.. وكان التاجر الذي يرفض الرحيل يجبر على ذلك ثم تنتحل أي أسباب لإبعاده فقد جاء في التوجيهات الإجبارية (وإن كان منهم من يرفضون الرحيل وترون ضرورة التخلص منهم يبيّن أسباب ذلك بقول أوبآخر مثل \"المتجر خالي من البضائع \" أو\"لا يؤدي أي عمل \" أو\" شخصية رديئة \" الخ مدثر عبد الرحيم، المصدر السابق، صفحة 94..
3- لتنفيذ سياستها اتجهت الحكومة إلى القضاء على اللغة العربية في الجنوب واستبدالها باللغة الإنجليزية واللهجات المحلية وبذلت الحكومة مجهوداً كبيراً في هذا الصدد، فشجعت الموظفين الإنجليز على تعلم اللغات الجنوبية،ووصل بها الأمر حد تشجيع الجنوبيين على استبدال أسمائهم العربية بأسماء قبلية، وأن يتركوا لبس الملابس العربية ويستبدلوها بالزي الأفرنجي..
4- عملت الحكومة على إبعاد الموظفين الشماليين العاملين بالجنوب، واستبدالهم تدريجياً بموظفين جنوبيين،ولتحقيق هذا الغرض فتحت بالتعاون مع المبشرين عدداً من المدارس الأولية والوسطى..
5- وضعت الحكومة التعليم في الجنوب في يد الإرساليات المسيحية لنشرالمسيحية، وربط الجنوب بالحضارة الغربية وتمكين العزلة الثقافية بينه وبين الشمال.. وقد كان يصرف على التعليم التبشيري من ميزانية الحكومة، التي تأتي أساساً من المديريات الشمالية (بلغت المعونة الحكومية لمدارس الإرساليات عام 1924م مائة وخمسين (150) جنيهاً فقط، زادت عام 1927م إلى 3800 جنيهاً، وقفزت بعد ذلك ثلاث سنوات لتبغل 7550 جنيهاً ) كتاب (العلاقات الإفريقية العربية )، صفحة 307 .. وعن حجم التعليم التبشيري بالجنوب جاء بالمصدر السابق صفحة 32: (وتظل المدارس التبشيرية في ازيايد في الجنوب لتقفز عام 1934م إلى 368 مدرسة منها 310 من مدارس الشجر وخمسين مدرسة أولية للنبات والبنين وتزداد مدارس المعلمين لتصبح إثنتين،وبعد ذلك بعامين تزداد مدارس الشجر 83 مدرسة أخرى والمدارس الأولية خمسة مدارس كما تزداد مدارس المعلمين مدرسة واحدة ).. وقد لعب المبشرون دوراً كبيراً في خلق مشكلة الجنوب، حتى بعد استقلال السودان.. وقد كانت الجمعيات التبشيرية تعارض قيام (سودان موحد)،لأنها: (من ناحية ترى أن أبناء الشمال سيجعلون من الإسلام ديناً للسودان كله، وهي من ناحية أخرى تعتقد أن الشماليين سيفرضون القيود على الحرية الدينية، وثم إنها أخيراً تؤمن بأنه لن يمضي وقت طويل حتى يتم إخضاع التعليم في الجنوب للإشراف الحكومي ) المصدر السابق، صفحة 326 وقد كان المبشرون أثناء عملهم التعليمي يحرصون على الحديث عن تجارة الرقيق بالجنوب،ويصورونها علىأنها من أعمال العرب الشماليين، مما أدى إلى إيغار صدور الجنوبيين على الشماليين، وعمّق أسباب العداوة.. (وفي سنة 1930م أعلنت الحكومة رسمياً سياستها الانفصالية في مذكرة أعدها السكرتير الإداري هارولد ماكمايكل وأرسلها إلى مديري المديريات الجنوبية الثلاث ورؤساء المصالح) كتاب (تاريخ السودان الحديث)، دكتور حسن أحمد إراهيم، صفحة 139 وقد بلغت السياسة الانفصالية ذروتها في منتصف الثلاثينات، إلا أن هذه السياسة قد فشلت في النهاية ..
المرحلة الثالثة (1947 – 1955م):
لقد أدت أسباب عملية الي فشل سياسة فصل جنوب السودان، ومن هذه الاسباب صعوبة تطوير المواصلات بين الجنوب وشرق افريقيا، والحاجة للشماليين في العمل في الجنوب بالاضافة الي عودة النفوذ المصري بعد معاهدة 1936م والنقد الذي لقيته سياسة الفصل من السياسيين المصريين ومن الصحافة المصرية.. هذه بالاضافة الي أن الحركة الوطنية السودانية نفسها قد بدأت تنشط في هذه الفترة، قبيل الحرب العالمية الثانية.. وقد تضمنت المذكرة التي رفعها مؤتمر الخريجين سنة 1942م المطالبة بإلغاء قوانين المناطق المقفولة، ورفع القيود عن حرية التجارة وتنقل السودانيين داخل السودان، ووقف الإعانات التي تقدم للمدارس التبشيرية وتوحيد مناهج الدراسة في الشمال والجنوب.. كما أن ظروف الحرب العالمية الثانية أعانت علي أن تغير بريطانيا من سياستها تجاه الجنوب لكسب القوي الوطنية في مصر والسودان.. ففي 16 ديسمبر 1946م، وجه المستر روبرتسون السكرتير الاداري مذكرة الي رؤساء الادارات ومديري المديريات، جاء فيه عن الجنوبيين: (ان العوامل الجغرافية والاقتصادية تحتم توحيدهم في مستقبل تطورهم، توحيدا لا انفصام له، مع السودان الشمالي الذي من صفاته الاساسية أنه جزء من الشرق الاوسط وأنه مستعرب.. وبناء عليه فان سياستنا تستهدف إعانة الجنوبيين عن طريق التطور التعليمي والاقتصادي، حتي يستطيعوا الاعتماد علي أنفسهم مستقبلا ويكونوا اندادا متساويين اجتماعيا واقتصاديا مع شركائهم وزملائهم من السودانيين الشماليين في سودان المستقبل الموحد)..
مؤتمر جوبا 1947م:
عقد في 13 يونيو1947م مؤتمر بجوبا لمناقشة مسألة الجنوب تحت رئاسة السكرتير الاداري السير جيمس روبرتسون، وقد حضره مديروالمديريات الجنوبية الثلاث، ومدير شئون الخدمة، وسبعة عشر جنوبيا من زعماء القبائل المثقفين، وستة من الشماليين.. وقد توصل المؤتمر الي أن رغبة الجنوبيين هي الاتحاد مع الشماليين في سودان موحد.. وقد قبلت الحكومة هذا القرار وجعلته أساسا لسياستها الجديدة، وحاولت إزالة بعض الحواجز التي اصطنعتها بين الشمال والجنوب، فأدخلت تعليم اللغة العربية في مدارس الجنوب فوق الأولية سنة 1950م.. ورغم أن بريطانيا قد غيرت من سياستها نحوالجنوب في نهاية الأمر، الا أن تلك السياسة قد تركت جوا من التشكيك، وعدم الثقة، عند الجنوبيين نحوالشماليين، وخلقت من أسباب الفرقة والصراع بين الشمال والجنوب ما جعل مشكلة الجنوب تستمر، وتتفاقم، الي الحد الذي أدت فيه الي حرب أهلية طويلة.. وعندما نشأت الاحزاب الشمالية في الشمال، ولجات الى أسلوب المفاوضات مع دولتي الحكم الثنائي، لم تشرك الجنوبيين معها.. وعند قيام وفد الاحزاب الي مصر لم يكن الجنوبيين ممثلين فيه، الأمر الذي زاد من شعور الجنوبيين بالعزلة، وهكذا لم تحرص الاحزاب الشمالية علي توثيق صلتها بالجنوبيين.. وعقب اتفاقية 1953م المصرية – البريطانية والتي أعطت السودان الحكم الذاتي وحق تقرير المصير، أعلن الساسة الجنوبيون أن هدفهم هو إقامة نظام فدرالي في السودان يمنح بمقتضاه الجنوب الحكم الذاتي.. وقد أصبح الحكم الذاتي هو المطلب الاساسي للجنوبيين بعد الاستقلال، الا أن بعض المتطرفين منهم كانوا يطالبون بالاستقلال التام..) انتهى..
كانت تلك تفاصيل محاولة فصل الجنوب التي فشلت، وانتهت بتثبيت خيار الوحدة في مؤتمر جوبا، والدوافع والحيثيلت في الحالتين بتوجيه الاستعمار البريطاني.. واليوم، الدوافع الأجنبية تعمل عملها من خلال العقول، لفصل الجنوب كان ذلك في الواقع المنفر عن الوحدة الذي أفرزته أفكار الأخوان المسلمين المستوردة من مصر، أو الإغراءات الغربية للجنوبيين.. فهل من المحتمل أن ينهض السودانيون لإنقاذ وطنهم على أسس من الفكر السوداني ؟؟
كيف تعاملت حكومات ما بعد الاستقلال، مع مشكلة الجنوب ؟؟ الإجابة بالتفصيل تجدها في الحلقة القادمة..
اجراس الحرية


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.