شاهد بالفيديو.. رمى عليهم عبوة ناسفة وهرب.. جنود بالدعم السريع يضبطون مرتزق من جنوب السودان في وضع مخل مع سيدة داخل "راكوبة" بمدينة الفولة    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    البرهان يتفقد مستشفى الرباط ويوجّه بتطوير الخدمات الطبية الشرطية    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    (أماجوجو والنقطة 54)    الأهلي يخسر من ساردية بدوري شندي    مجلس الهلال يترقب قرار الانضباط ويعلن الاستعداد للتصعيد.. والكاف في مأزق كبير    حاكم إقليم دارفور يجتمع مع المديرة العامة بالإنابة لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية بجنيف (OCHA)    بوتين: روسيا مستعدة لاستضافة الألعاب الأولمبية في المستقبل    شاهد بالفيديو.. طبيب بمستشفى نيالا يشكو من انتهاكات أفراد الدعم السريع ويحكي قصة نجاته من القتل بعدما رفع أحدهم السلاح في وجهه    شاهد بالصورة والفيديو.. الراقصة الحسناء "هاجر" تشعل حفل طمبور بفاصل من الرقص الاستعراضي والجمهور يتفاعل معها بطريقة هستيرية    الهلال السوداني يفجر أزمة منشطات ضد نهضة بركان في دوري أبطال إفريقيا    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    من إيطاليا إلى بولندا.. سرقة 413 ألف قطعة شوكولاتة.. ما القصة؟    ترامب: إيران منحتنا 20 ناقلة نفط والشحن يبدأ غدًا    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    مجهولين ينبشون قبر رجل دين بولاية الجزيرة وينقلون جثمانه إلى جهة غير معلومة    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    قوى سياسية في السودان تعلن عن مقاطعة مؤتمر في برلين    عثمان ميرغني يكتب: حلفا .. والشمالية..    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



السودان إلى أين؟ا
نشر في الراكوبة يوم 15 - 05 - 2011


1-المقدمة:
السودان إلى أين؟
أبكر محمد أبوالبشر
[email protected]
الرقعة الجغرافية للدولة السودانية المتعارف عليها حتى تاريخ التاسع من يوليو 2011م، كانت تضم ممالك وسلطنات مستقلة إذ لعبت قوى أجنبية إستعمارية دوراً رئيسياً في جعلها دولة واحدة، في نفس الوقت لا ننسى أن المهدية كقوة وطنية أيضاً ساهمت بدرجة كبيرة في لعب ذاك الدور، لكن الحدود الحالية هي من ترسيم الإستعمار البريطاني.
مما تقدم نخلص بأن الشعوب التي تعيش داخل حدود السودان الحالية تم تجميعهم قسراً في دولة واحدة من دون إرادتهم، وعند خروج المستعمر البريطاني لم يكن هناك من ضمن إجراءات الإستقلال ما يفيد مشورة الأقاليم الت وُحِدت قسراً مستقبل تريد. وإعلان الإستقلال الذي تم من داخل البرلمان على لسان النائب عبد الرحمن دبكة وهو من دارفور لم يكن ذلك انعكاس لرأي شعب دارفور بل كان ذلك تنفيذ لبرنامج حزب الأمة كما كان مشورة النواب الجنوبيين في أمر الاستقلال بدواعي انتزاع الموافقة على الإستقلال، إذ سرعان ما نكث الشماليون وعودهم للجنوبيين بعد نيل الإستقلال وبالتالي تصبح تلك العملية خيانة غير أخلاقية ونتيجتها غير دستورية وغير ملزمة للجنوبيين خاصة وللهامش بصفة عامة.
وإذا نظرنا لتاريخ الثورات السودانية بدءاً بالثورة المهدية - وهي بالطبع ثورة قومية حقيقية إلا أن طابع الطائفية الدينية قد نزعت منها بعض من الصبغة الوطنية – ثم مروراً بالثورات القبلية ضد الاستعمار مثل ثورة الزاندي العام 1901م والثورات الوطنية كاللواء الأبيض العام 1924م وثورة أكتوبر 1964م وإبريل 1985م وحديثاً الثورات الإقليمية المسلحة في الجنوب منذ العام 1955 ثم الجنوب الثانية في العام 1983. وجبال النوبة وجنوب النيل الأزرق وثورة الشرق ودارفور العام 2002م والحركات المطلبية الإقليمية في أواسط الستينات من القرن الماضي – مؤتمر البجا في الشرق وسانو في الجنوب واتحاد عام جبال النوبة في جنوب كردفان وجبهة نهضة دارفور في دارفور كل هذه الثورات، القبلية أو الوطنية أو الإقليمية أو السلمية، يجمعها قاسم مشترك أساسي هو نبذ الاستعمار ورفض هيمنة المركز على الهامش سواءاً كان ذلك من قوى خارجية أو داخلية، كما هو أيضاً دلالة واضحة على هشاشة تركيبة الدولة السودانية التي لم تتم بطريقة طبيعية.
وعندما تم الاستقلال إذ خان النخب النيلية شعوب الهامش فيما اتفقوا عليه لم تستطع بل لم تشأ هذه النخب التي ورثت السلطة ان تستثمر ذلك لصالح تماسك الوطن ومن ثمّ خلق أمة سودانية قوية من التعدد الغني إنما تمادت في ممارسة أساليب الخداع وإبتكار صور التهميش بكل أنواعه ضد الأطراف. ففي تطبيق سياسات التهميش فقد تطور الأمر من الحرمان وعدم التنمية في الهامش إلى ممارسة التطهير العرقي والإبادة الجماعية وسياسة الأرض المحروقة كما هو الحال في دارفور ممثلة في السياسات التي ينفذها نظام المؤتمر الوطني الحاكم حالياً. هكذا تفاقمت المشكلة السودانية إلى أن قادت البلاد أن تنشطر إلى جزءين حيث خرج الجزء الجنوبي وهو يقارب ثلث مساحة المليون ميل مربع، بل هناك إشارات أخرى قوية تشير بأن تتفكك الجزء الشمالي المتبقي من السودان إلى عدة كيانات مستقلة. إزاء كل هذه التطورات المرعبة لا تزال الطامعين من النخب النيلية الحاكمة تتمادى في نقض العهود وإبطال أي محاولة وطنية في إشراك الجميع لإدارة وطنهم، لذا لم يبق للسودانيين الوطنيين محاولة للإصلاح إلا في ممارسة حق تقرير المصير ليقرروا جميعاً أي نوع يريدون لدولتهم مستقبلاً.
2- تقرير المصير:
لغوياً تقرير المصير يعني الإختيار الحر لأفعال المرء دون إكراه خارجي، أما في السياسة فيفسره البعض على أنه حرية شعب إقليم ما أو تجمع مجموعة وطنية ما في تحديد وضعها السياسي والكيفية التي سيحكم بها من دون اي تأثير من أي بلد آخر.
من التعريف أعلاه لا شك أن تقرير المصير هو إرادة الشعوب العليا في وضع أبجديات وأسس مسيرة حياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهذا هو أساس مبدأ حقوق الإنسان بعينه. هنا لا بد لنا أن نستصحب معنا التطور التاريخي لتقرير المصير، فمثلما الإستعمار قد مُورِس أثناء الحقب التاريخية المدونة، فإن تقرير المصير السياسي قد تم توثيقه وتعزيزه من قبل الشعوب القديمة كبلاد ما بين النهرين Ancient Mesopotamia ودولة-المدينة في اليونان Greek City-States ومع توسع الإمبراطوريات وتطور مفهوم السيادة السياسية الذي حدث بعد\"معاهدة وستفاليا\" Treaty of Westphalia أدى ذلك إلى ظهور تقرير المصير بشكل واضح خلال العصر الحديث. كما ظهرت في أوروبا مفهوم القومية كأيديولوجيا توحيد في أثناء الثورة الصناعية وما بعدها ليس فقط بين القوى المتنافسة لكن أيضاً لدى الجماعات التي شعرت بالتبعية والحرمان داخل دولها الكبرى ففي مثل هذه الحالات يمكن أن ينظر لتقرير المصير على أنه رد فعل على الإمبريالية. وعندما وقع حلفاء الحرب العالمية الثانية في العام 1941م على ميثاق الأطلسي تطور الأمر في العام 1945م فأصبح حق تقرير المصير بنهاية الحرب ضمن ميثاق الأمم المتحدة وبالتالي جزء من القانون الدولي والدبلوماسية العالمية. لذا نجد في الفقرة الثانية من المادة الأولى للفصل الأول من ميثاق الأمم المتحدة تنص على أن الغرض من الميثاق هو \"تطوير العلاقات الودية بين الأمم على أساس احترام مبدأ المساواة في الحقوق وتقرير المصير للشعوب واتخاذ التدابير الأخرى الملائمة لتعزيز السلام العالمي\". لذا يصبح حق تقرير المصير حق قانوني وشرعي وأخلاقي يجب احترامه والعمل به.
لهذا فإن تقرير المصير هو مبدأ في القانون الدولي الذي أقره ميثاق الأمم المتحدة وفي ذلك أن لجميع الشعوب الحق في تقرير مصيرها. لذا في الفقه الدستوري يُفسر تقرير المصير بأنه الحق الأساسي لجميع الناس في أن تقرر بحرية تامة وضعها الخاص وأن تسعى بحرية لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الذاتية. الجدير بالذكر أن مفهوم تقرير المصير قد تجسد أولاً في إعلان الاستقلال الأمريكي في العام 1776م ثم في الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان في العام 1789م.
وبما أن حق تقرير المصير لجميع الشعوب قد كُرس في ميثاق الأمم المتحدة إلا أن النقاش حول مضمونه والفئات التي لها حق الممارسة لا زال في تطور مستمر في القانون الدولي. لذا فإن ميثاق الأمم المتحدة لم يحدد بعد كيف يتم إتخاذ القرار في عملية تقرير المصير، أو ما يجب أن تكون نتيجة القرار سواءً كان ذلك هو الاستقلال التام أو الإتحاد (فدرالية/إقليمية/كنفدرالية) أو الحماية أو شكلاً من أشكال الحكم الذاتي أو الإندماج الكامل/الوحدة الكاملة. لكن الشيئ الواضح والمتفق عليه حتى الآن، هو أن حق تقرير المصير هو حق جماعي وفي ذلك فإن الشعب وليس الفرد هو الذي يمارس هذا الحق، ففي السابق كان هذا الحق يخص أناس أو سكان إقليم محدد خاصةً الشعوب المضطهدة من قبل القوات المستعمرة، لكن تطور الأمر ليشمل الشعوب المضطهدة من قبل حكوماتها الوطنية خاصة إذا مُورِس ضدهم التطهير العرقي أو الإبادة الجماعية. ففي هذا يدعم كثير من فقهاء القانون الدولي الذين يسعون إلى تطوير منهجية تقرير المصير، استخدام تقرير المصير لاستقلال وتوطيد سيادة إقليم ما كمسألة أخلاقية وقانونية وأن انفصال أي إقليم من الوطن الأم يُعد ضرورياً عندما يعاني ذلك الإقليم من المعاملات الغير قانونية واللاإنسانية وهم يستندون في ذلك على نظرية (فقط نظرية حقوق العلاج) Remedial Rights Only Theory.
3- ممارسة تقرير المصير في عموم السودان:
مما تقدم هل ثِمة مبرر يستدعي ممارسة حق تقرير المصير في عموم السودان؟ بالطبع لا خلاف في أن الطريقة التي تمت بها تشكيل الدولة السودانية الحالية كانت من دون إرادة الشعوب القاطنة داخل حدود هذا البلد، لهذا يصبح من الضروري أن تحدد هذه الشعوب بنفسها كيفية صناعة تاريخها بمحض إرادتها دون إكراه خارجي. وفي اتجاه آخر، هل كان لزاماً على السودان أن يستمر ويتواصل كدولة موحدة بعد خروج المستعمر البريطاني في العام 1956م؟ هذه الوحدة التي استغلتها النخب الحاكمة في هدم أسس التطور الطبيعي المتدرج للممالك والسلطنات أي الدول التي كانت قائمة قبل الاستعمار! لو كانت الأوضاع بعد الإستقلال قد عادت إلى سابق عهدها، لكان الوضع مختلفاً تماماً في عموم السودان مما هو عليه الآن. لأن النخبة النيلية التي ورثت السلطة السياسية من المستعمر كانت فاقدة لتجارب إدارات الرقعات الجغرافية الواسعة \"مليون ميل مربع\" وكذا فاقدة للرؤية والإرادة الوطنية لتماسك مثل هذه المساحة الموروثة التي جمعت شعوب شتى لها عادات وتقاليد وأساليب حكم مختلفة ومتنوعة عن تلك التي يألفها النخب الحاكمة، إذ أثبتت هذه النخب أن عقليتها السياسية متأصلة في الروح الاستعماري فلا يرون أنفسهم إلا بمنظار أنهم تواصل للاستعمار الأجنبي دون أن يستوعبوا ويطوروا لأساليب إدارات المناطق الواسعة المساحة ذات التنوع الديني والعرقي والثقافي الغزير.
وتتوالى الأسئلة الموضوعية، منها لماذا لم ينعم السودان بإستقرار سياسي في عمر استقلاله الذي يفوق الخمسة عقود؟ لماذا الثورات المسلحة الإقليمية ضد المركز والشعبية المركزية ضد المركز نفسه؟ أضف إلى ذلك عدم التنمية في كل صورها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية بالرغم من أن البلد يزخر بالموارد الطبيعية والبشرية والتي إن وُظفت في الاتجاه الصحيح لأصبح السودان اليوم في مصاف الدول المتقدمة، كما أن الموقع الجغرافي للسودان لم يتم استغلاله لتواصل الثقافات الإقليمية والسلام الإقليمي بل وظفت في الإتجاه المعاكس.
منذ الاستقلال تم وصف السودان بواسطة النخب الحاكمة بأنه بلد عربي/مسلم وهذه هوية كاذبة إذ ضربت بعرض الحائط كل التنوع الديني والعرقي والثقافي الغزير داخل الوطن الواحد، وبالتالي فشلت النخب الحاكمة من أن تؤطر لمناخ ملائم يفضي إلى خلق أمة واحدة من تنوع هذه الشعوب. سوء التقدير هذا والإصرار على الهوية الآحادية هما اللذان ولدا الحروبات والثورات المتتالية في السودان. لكن الأسوأ من كل هذا أن النخب الحاكمة تتواصل في نقد العهود – منذ مؤتمر جوبا العام 1947م لتعزيز إدارة السودان – بل وإبطال أي جهد وطني يبذل في سبيل وقف الإقتتال الذي يقود إلى الاستقرار السياسي، مما أدى ذلك إلى تفكك الدولة السودانية إذ سيصبح جنوب السودان دولة مستقلة ذات سيادة في التاسع من يوليو 2011م. وهذا التطور قاد الكثير من المراقبين أن يتوقعوا بأن تتشدد مناطق أخرى من الأطراف في كفاحها ضد المركز لإنهاء العلاقات الإدارية الغير متوازنة السائدة اليوم في البلاد وتختار خياراً مماثلاً، أي الإنفصال. ولإنقاذ بقية الجزء الشمالى للبلاد من هوة الإنهيار والتفكك الكلي، يرى العديد من الناس أن الحل الناجع يكمن في ممارسة حق تقرير المصير في عموم السودان الذي يمكن أن يقود إلى تماسك الوحدة بإجراءات طوعية شاملة.
4- حجج رافضي ممارسة حق تقرير المصير:
في كثير من حواراتي مع الأصدقاء والرفاق من مختلف أنحاء السودان، تبيَن لي أن عدداً منهم يقفون ضد المناداة لممارسة حق تقرير المصير في السودان ولهم حججهم في ذلك منها، أن ممارسة تقرير المصير قد تم عند الاستقلال، لكن كثير منا يعتقد جازماً أن التصويت الذي تم في البرلمان لصالح الإنفصال لم يكن نزيهاً وشفافاً وشاملاً وذلك لاتباع أسلوب ظاهره طيب وباطنه فاسد، افضى في النهاية لخيانة النواب الجنوبيين.في تلك العملية كما أن حجة الآخرين هو أن تقرير المصير يعني شيئين فقط، أي إما وحدة كاملة أو إنفصال، وأن تجربة نيفاشا قادت لإنفصال الجنوب لأن حزب المؤتمر الوطني الحاكم فشل تماماً في خلق مناخ وطني جاذب لتماسك الوحدة فما كان من أمريكا إلا أن ترفع العصا بإستمرار على رأس المؤتمر الوطني ليتم تنفيذ الخيار الآخر. لكن كما أسلفنا من قبل في هذا الصدد واضحٌ أن تقرير المصير يحتمل عدة خيارات وليس خيارين فقط وكلها خيارات طوعية ليست من بينها أي خيار إجباري، وأن تجربة نيفاشا قد شوهها الإعلام المضلل دون أن يوضح بأن تقرير المصير في الأساس إرادة حرة لشعب ما في منهاج إدارة شئون البلاد مستخدماً أحد الخيارات العديدة المتاحة.
بالمثل لاحظت أن بعض من أصدقائي ورفاقي من دارفور أيضاً يرفضون المناداة لممارسة حق تقرير المصير، الجدير بالذكر أن هذه المناداة بدأت تنمو في وسط أهل دارفور لعله يخرجهم من محنتهم الحالية. أما حجة الرافضين يتمثل في أن دارفور هو الذي ساهم بقدر أكبر من أية جهة أخرى في صناعة السودان الحالي بل وفي بنائه أيضاً وأن لدارفور وجود اجتماعي مكثف في كل أركان السودان، لذا يتحدث هؤلاء بلغة دارفور الاجتماعي وليس دارفور الجغرافي، بينما آخرون يرون أن نسبة حجم دارفور في السودان الشمالي بعد ذهاب الجنوب ستصبح هي الأكبر مقارنة ببقية أقاليم السودان الشمالي من ناحيتي التعداد السكاني والمساحة الجغرافية، هنا يطرحون السؤال التالي! من الذي ينفصل ممن؟ لكن السؤال الأساسي الذي لم أجد له إجابة من كل هؤلاء هو! ما الفائدة في أن تتمسك بمفهوم دارفور الاجتماعي بينما المركز يهدم دارفور الجغرافي؟ أي بمعنى آخر ماذا تتوقع أو ما الذي تجنيه عندما يتم تكسير وهدم كل الجذور؟ إذا وضعنا في الإعتبار أن وجود دارفور الاجتماعي في الأماكن الموجود فيها خارج دارفور يمثل الأقلية والطريقة اللا إنسانية التي تتعامل بها النخب الحاكمة خاصة المؤتمر الوطني الحالي لشعب دارفور في بلدهم، إذ يصعب للمرء أن يستوعب حجم الحقد الذي يكنه هؤلاء الحكام تجاه أهل دارفور، أضف إلى ذلك أنه تراودنا أحياناً بعض الشكوك في أن النخب الحاكمة يعملون بتوصيات المستعمر الإنجليزي التي تقول أن \"الدارفوريين متمردون بطبعهم\". أزاء كل هذه الأمور يبقى السؤال! ما هي الضمانات بأن دارفور الاجتماعي سوف يسلم من الحرمان والتشريد بل والسلامة في الأرواح؟ أليس ذاكرة أحداث أم درمان العام 2008م بقريب؟ ناهيك للذي حصل للإخوة الجنوبيين في أكثر من مرة في الخرطوم. لذا نرى أن هذه الحجج قد تكون موضوعية في وقتٍ ما إلا أنها غير واقعية في زمننا هذا. فإذا نظرنا لتاريخ دارفور إذ انه كان دولة مستقلة عندما تم ضمه قسراً للسودان في الأول من يناير العام 1917م وبدلاً أن يكون الجسم الجديد حافظاً يعزز نمو البلد كله آثرت كل الأنظمة التي تعاقبت على حكم البلاد أن تدمر الجزء الجديد وذلك بتطبيق كل أنواع سياسات التهميش في شعب دارفور من حرمان للتنمية والمشاركة الفعلية في السلطة وصولاً إلى ممارسة الإبادة الجماعية والتطهير العرقي وتنفيذ سياسات الأرض المحروقة، كل هذه السياسات المدمرة للنسيج الاجتماعي الدارفوري والهدامة للإرث التاريخي الغني يجعل دارفور بأن يكون أولى/أجدر من أي إقليم آخر بالمناداة لممارسة حق تقرير المصير.
5- النتيجة المتوقعة من جراء ممارسة تقرير المصير:
لقد أوضحنا في الفقرات السابقة بأن ممارسة تقرير المصير حق إنساني وقانوني وشرعي يمثل إرادة الشعب العليا في ترتيب وضعها السياسي وذلك في كيفية إدارة شئونها السياسية والاقتصادية والاجتماعية ومن ثمّ تطوير ثقافتها والحفاظ على إرثها التاريخي، فهو قرار يتخذه الجماعة المعنية بمحض إرادتها ويكون نتيجته أحد الخيارات التالية؛ (أ) الاستقلال التام، أو (ب) الإتحاد (فدرالية/إقليمية/كنفدرالية)، أو (ج) الحماية الدولية (مثلاً أهل منطقة الميدوب في شمال دارفور ونسبة لوضعهم الفريد يمكن أن يطالبوا) أو (د) شكلاً من أشكال الحكم الذاتي، أو (ه) الإندماج الكامل/الوحدة الكاملة. في تصورنا المتواضع نرى أن النتيجة المتوقعة عندما يتم ممارسة حق تقرير المصير في عموم السودان قد تنحصر في واحدة من الآتي:-
1- في حالة الاستقلال التام للأقاليم وأصبح كل إقليم دولة ذات سيادة مستقلة، أولاً سيكون ذلك مناسبة جيدة لوقف الحروبات ضد المركز وهي ثانياً فرصة للدول الصغير الجديدة في أن تنمي قدراتها الذاتية، لكن الفرصة الكبيرة تكمن في أن هذه الدول سوف تجد كل واحدة منها محتاجة للآخر وبالتالي قد تكون هذه وسيلة مثلى لإعادة الوحدة الإندماجية الشاملة كما تم حديثاً لليمنين والألمانيتين أو يتم نوع من الكنفدرالية، لأن الوقوف على كتوف متساوية سيقود بالتأكيد إلى إتخاذ قرارات عادلة مقبولة للجميع.
2- النتيجة الثانية المحتملة، هي أن تؤدي ممارسة حق تقرير المصير إلى إقامة مؤتمر دستوري جامع لكل أهل السودان يمثلون كل فئات المجتمع الاقتصادية والاجتماعية والأهلية ويقرروا في هذا المؤتمر تماسك وحدة السودان على أسس جديدة بحيث يبعدون كل ما يفرق بين الناس بل وبين المجموعات المختلفة، لتصبح الأشياء التي تفرق بين الناس غير دستورية. في هذه الحالة قد يقر المؤتمرون بالوضع الفدرالي الديمقراطي على أسس المعايير الدولية بما يتناسب مع ظروف السودان، أو يذهبون إلى خلق نظام كنفدرالي – والكنفدرالية هي الوظيفة المقننة للدولة وليس بالضرورة اتباع العرف التاريخي بأن تكون هناك دول مستقلة قائمة أصلاً لتتحد في نظام كنفدرالي - وربما يقر المؤتمرون في إحتمال آخر بالعودة إلى النظام المركزي، كل هذا تأسيس لحرية اتخاذ الرأي الجماعي واحترامه.
3- في تصور ثالث، أن تطالب بعض المجموعات السكانية ذات إرث تاريخي واحد تخشى طمسها من المركز أو المجموعات الكبيرة بالحماية الدولية أو الدستورية الوطنية مثل الميدوب في شمال دارفور والنوبة في جبال النوبة بجنوب كردفان والأنقسنا في جنوب النيل الأزرق، هذه الحماية قد تشمل في الأساس حرية إختيار هذه المجموعات لإدارة شئونها الداخلية والتمتع بكل الحقوق الوطنية والحفاظ على إرثها التاريخي.
6- خاتمة:
إذا كانت الجبهة السودانية للتغيير تهدف إلى اسقاط النظام الحالي وإعادة تشكيل الدولة السودانية على أسس السودان الجديد، وبما أن هذه الجبهة قومية المنشأ وطنية الرؤية جامعة القيادة (في قمة قيادتها نساء) فهي أولى من أي تنظيم سياسي معارض آخر أن تتبنى مشروع تقرير المصير لكل أقاليم السودان كمشروع متقدم تواصلي لمشروع الراحل د. جون قرنق للسودان الجديد.
في يقيني أن تقرير المصير سوف يحل المعضلة السياسية السودانية على أسس السودان الجديد لو توفرت المصداقية والعزيمة القوية والشفافية على مستوى السودان الشمالي.
أبكر محمد أبوالبشر
مانشستر، المملكة المتحدة
الثلاثاء، 10 أيار/مايو، 2011م


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.