[email protected] قبل التفكير في وضع تصورات اختراقية لكسر الجمود الذي يقيم في المتصل السياسي والاجتماعي في سودان الراهن، رأيت تحديد المسئولية التاريخية عنه.وتلك مراجعة لا مفر منها عقب مأساة تقسيم السودان.وذلك لمعرفة الخلل الذي أصاب فكرة قيام الدولة السودانية،ومن ثم وضع تصورات اختراقية،تؤدي في نهاية المطاف، لمعالجة هذا الخلل على المدى القريب،وعكس مساره على المدى البعيد.. لم يكن لفجر الدولة،بمفهومها الحديث،أن يطل،لولا تحقيق ركيزتين تستقران في تربة المجتمع البشري بمقدار.حيث يترسخ الاستقرار المجتمعي،في متصله السياسي والاجتماعي، أو يتزعزع بمقدرا انغراس هاتين الركيزتين في العقل السائد.فأما الركيزة الأولى،فهي توزيع مهام شئون المجتمع،لوضع أولويات المجموعات المتباينة التي تشكل في مجملها هذا المجتمع.وهذه الركيزة الأولى تسمى السلطة،وتوزيعها يسمى الديمقراطية..وأما الركيزة الثانية،فهي توزيع خيرات المجتمع في قنوات تمثل مسار متطلبات المجموعات البشرية التي تشكل هذا المجتمع.وهذه الركيزة الثانية تسمى الثروة، وتوزيعها يسمى الاشتراكية.. وفي حقيقة الأمر،ظل ويظل الجمع بين الديمقراطية والاشتراكية،في انسجام،داخل الماعون الإداري،الذي يحكم المجتمع،هو التحدي الذي يواجه مسيرة المجتمع البشري منذ فجر التاريخ المعلوم.وذلك لأن الديمقراطية،تعني فيما تعني،فتح الباب واسعاً لتفجير طاقة الأفراد واحترام إبداعاتهم التي تؤدي ،فيم تؤدي ،الى التفاوت غير المنضبط في دخولهم جرّاء استثمارهم لإبداعاتهم ومبادراتهم، الأمر الذي يتهدد فكرة أن يكون الناس أشراكاً بشكل معقول في ثرواتهم.وهنا مصرع الاشتراكية.. وأما الاشتراكية،في الجهة المقابلة، تعني يما تعنى،السيطرة على السلطة من أجل توزيع الثروة بشكل لا يبقى معه محروم أو معوز تتقطع به سبل الحياة،تبتلعه أزقة وتتقيأه أخرى. وهنا مصرع الديمقراطية.. وليس في هذا المقال متسع لوضع ميزان طرفاه الديمقراطية والاشتراكية،ولكن ما يهمنا توكيده هنا بشكل لا غبش فيه،أن استقرار المجتمعات وسلامها في رقعها الجغرافية،تتفاوت حظوظها بقدر تفاوتها في الجمع الناعم والخلاق بين هذين المفهومين:الديمقراطية والاشتراكية.. وبطبيعة الحال يبدأ توزيع الثروة والسلطة بكسر احتكارهما.وهو ما افترعته تجربتا اكتوبر 1964 وأبريل 1985،اللتان لم تستطيعا أن تكملا المشوار لنهاياته المنطقية.وهو ذات ما استولدته اتفاقية نيفاشا الشهيرة..وفي حقيقة الأمر،لم يأت تفريظنا المستمر لاتفاقية نيفاشا وباريها الأكبر جون قرنق،إلا لهذا الاعتبار الذي أتاح لأول مرة في تاريخ السودان الحديث،غرس ركيزتي الديمقراطية والاشتراكية في تربة المتصل السياسي والاجتماعي لفكرة قيام الدولة السودانية. اقتضت هذه البداية،بطبيعة الحال،أن يرافقها،ويترفق بها،حراك سياسي واجتماعي،أتاحه كسر احتكار السلطة والثروة للحزب الحاكم،في مساحة حركة مقدارها 48% من الفضاء السياسي والاجتماعي،منزوع الثروة والسلطة من الحزب الحاكم،وممنوح الثروة والسلطة لغيره من الأحزاب السياسية وبقية منظمات المجتمع المدني. وإنى لأجدنى أسيفاً لغفلة المعارضة، وكياشتها، وعدم إداركها لحتمية التحرك في هذه المساحة المحروسة دولياً،بالاتفاقية المشهودة دولياً كذلك.. ولأن الطبيعة لا تقبل الفراغ،استردّ الحزب الحاكم المساحة المنزوعة منه نيفاشياً،وذلك لعجز القوى الساسية والاجتماعية المعارضة من التحرّك فيها، ومن ثم إحتلالها.. وفي حقيقة الأمر،إن اكتساب أو فقدان أى مساحة في المتصل السياسي والاجتماعي في لحظة تاريخية معطاة،وارتباطه الحتمى بتقسيم البلد المعني وذهاب ريحه،ومن ثم المسئولية عنه،هو أمر لاغبش فيه،بل هو استنتاج لا مفرّ منه. وهنا تتضح المسئولية وأسبابها في نشوء وترعرع الوضع الراهن في السودان..وقد يتبادر إلى الذهن،الاستعانة بنسب نيفاشا،بعد هذه المقدمة،لتحديد مسئولية تقسيم السودان.وذلك بأن يتحمل المؤتمر الوطني 52% من مسئولية الفشل في الحفاظ على وحدة السودان،وتتحمل الحركة الشعبية 28% منه،والأحزاب الشمالية 14% منه،والأحزاب الجنوبية 6% منه.ولكن هذا محض استسهال يلوذ بالقشور فزعاً من اللّباب تجنباً لآلام الغوص فيها. إذن،ماهي اللّباب المعنية بالفشل والجمود ؟؟ التي إن راوغتك تكون أسندت نسلاً لذى عقم؟؟ وفي هذا السياق،نبدأ بأبريل 1985 والتغيير الذي أحدثته في المتصل السياسي والاجتماعي.فقبل ذلك لم تنشأ حركة في الجنوب تقدم طرحاً وحدوياً تهتز له أركان الفكر السياسي الكلاسيكي في السودان.فقبل ذلك،كان الجنوب حاضراً،على مستوى المشكلة لأنه جزء من السودان،وغائباً على مستوى الحل لأنه لا يرى حلاً داخل السودان،إنما هو الابتعاد عن السودان.ولكن الحركة الشعبية جاءت حاضرة على مستوى المشكلة،وحاضرة على مستوى الحل،لأنها تراه داخل السودان،إنما هو الاقتراب من السودان.وهو ما عنيناه بزلزلة الفكر السياسي الكلاسيكي في السودان الحديث،ووضعه أمام تحدي مصيري تجاه غرس ركيزتي الديمقراطية والاشتراكية في تربة المتصل السياسي والاجتماعي التي تهيأ لفعلها العقل السائد بعيد انتفاضة أبري 1985. ولكن الحركة ترددت في الانخراط في العمل السياسي المدني،حينها.ولعلها كانت حديثة التكوين لما تبلور أفكارها عن السودان الجديد بعد.وذلك خطأ فادح في التقدير،لأن مشروع السودان الجديد،في جوهره،ليس سوى تنوع معاصر،متصالح مع نفسه،ومتفاعل مع العصر،يشكل امتداداً لتنوع قديم.فكيف يكون التصالح والتفاعل إن ترعرع المشروع خارج رحم وأمشاج الجماهير؟؟ كان من شان انخراط الحركة الشعبية في مناخ ما بعد أبريل 1985،إخصاب التربة السياسية وتلقيحها،وبالتالي إكساب الأخيرة مناعة ضد التغيير القسري الإسلامي في يونيو 1989م.بل ما قيمة التفاعل مع العصر؟؟ أوليست الجماهير عصراً من دم ولحم يمشي على قدمين ؟؟ قبيل الانتفاضة،في أبريل 1985م،هز ضمير العالم الإنساني إعدام المفكر،صافي السّريرة،محمود محمد طه،بتهمة الردة عن الدين الإسلامي لاكتشافه أن بالإسلام رسالتين. واحدة عالجت ماضي البشرية،والثانية تعالج حاضر البشرية.وهنا يدخل لاعب شديد الخطر،قوي الحضور وممتد الغياب في آن:الأخوان الجمهوريون. وتأتى مسئولية الأخوان الجمهوريون من كون الإسلاميين الذين انقضوا على السلطة في يونيو 1989م،يحملون مشروعاً يعتقد الأخوان الجمهوريون أنه طرح إسلامي متخلف عن إنسان العصر.وهنا وقع على عاتق الجمهوريين العمل لطرح مشروعهم الذي يعتقدون أنه يقدم حلاً لاشكالية المواطنة داخل الدولة\"الإسلامية\". ولكن الجمهوريين ترددوا في مواصلة عملهم المدني التوعوي الذي كان منثوراً ذات يوم على الأزرقة والطرقات.ولعل الغياب الفاجع لمعلمهم أدخلهم حيرة كبرى. إذ كان معلمهم نوراً يضىء لهم الطريق سلوكاً ومعرفة،وكان بينهم شذى معطاراً يضوع ندىً بغير تكلف،يمنحهم القاً إثر ألق،يتفتحون به كل يوم عن جديد من الثمر وجديد من الزهر.. كان من شأن انخراط الجمهوريين في العمل العام،الذي أتاحته أجواء انتفاضة 1985م،تعرية مشروع الإسلاميين،بحيث لم يبق فيه سوى زبائب معلقات على الجباه ومسابح مخضّبة بحناّء البنوك.. وهو الأمر الذي كان سيقطع الطريق على انقلاب الإسلاميين،ومن ثم يعفى الشعب السوداني من آلام التجربة. فإن وجدنا العذر للحركة الشعبية،لحداثة سنها،حينها،ووجدنا العذر للجمهوريين حينها،للفقد الكارثي لمعلمهم،فلا عذر بعد اتفاقية نيفاشا التي أتاحت من الحركة أكثر من ما أتاحته انتفاضة أبريل 85 وذلك للحضور الطاغى للمجتمع الدولي وتشجيعه والتفكيك السلس لدعائم النظام الآحادي،ولزيادة الوعي للشارع السياسي عموماً. ولكن،واحسرتاه!جبُنت الحركة عن مواصلة النضال،واستمرأت لذائذ السلطة والثروة.فما أن رفعت عقيرتها انحيازاً لقضايا جماهير،في لحظة ما،حتى عادت،بعد هنيهة،إلى مخدعها المخملي لتزيل عن جبينها وعثاء النضال..وجبُن الأخوان الجمهوريين عن تعرية المشروع السلفي الإسلامي،وطرح بديل له،فما أن غاب معلمهم الكريم،حتى أضحوا زهوراً ذابلات،عقيمة الفكر،بئيسة الشعور،لا شميم فيها ولا ألق. ها أنت يا تاريخ بين يديك صحيفة الاتهام،يقف أمامك المتهمان الحقيقيان المسؤلان عن مأساة تقسيم السودان.فكما تدين القيام بالعمل المذموم،كذلك أنت تدين ترك العمل المحمود.فما ظنّك بمن يقف متفرجاً على جريح يحتضر؟؟ ولكن ما السلطة،وما الثروة ؟؟ في حقيقة الأمر،مالسلطة والثروة إلا تمظهران للعقل السائد عموماً والعقل الحاكم خصوصاً.أو قل- إن شئت- هما الطرف الغليظ للعقل الحاكم،بينما العقل الحاكم هو الطرف الرفيع للسلطة والثروة..ولكن من أين يستمد العقل الحاكم أسباب القوة التي تجعله دائم السيطرة على السلطة والثروة؟؟ إنه ببساطة،مفهومه للدين الإسلامي بغض النظر عن صحة هذا المفهوم أو مدى التزامه به.إذن لا يبدأ تفكيك هذا النظام إلا بتفكك الثروة والسلطة،ولا يبدأ تفكيك السلطة والثروة إلا بتفكيك العقل الحاكم،ولا يبدأ تفكيك العقل الحاكم إلا بمنازعته على المرجعية الدينية التي يستمد منها قوته الفعلية.. وهنا يفتح التاريخ الباب على مصراعيه للصادق المهدي ،للمرة الثالثة !! وهنا تأتى الأهمية القصوى لمشاركة الصادق المهدي في الحكومة بأى شكل كان وبأى نسبة كانت،وهو ما أطلقنا عليه التطعيم السلبي في عنوان هذا المقال.وذلك لقدرة الصادق المهدي على منازعة الحزب الحاكم في مرجعيته الدينية باجتهاداته المضادة،ومن ثم ترتخى قبضة الحزب الحاكم عن رقبة المتصل السياسي والاجتماعي.وحينها يفسح المجال للوعي الفردي والوعر والخشن الذي اكتسبه الشعب السوداني في تجاربه المريرة،في سنوات الانقاذ،ليستحيل وعياً جمعياً ولدناً ولطيفاً، ليعرف قدر نفسه وليعبر عنها في أى انتخاب قادم أو أى فعل جماهيري قادم.. وأول ما سيواجه الصادق المهدي،هو وضع الدستور الدائم.فليقترح الصادق المهدي أن يكون مصدر التشريع هو القرآن بدلاً من الشريعة الإسلامية.وذلك لأن القرآن حمال أوجه الأمر الذي يتيح مجالات عدة للمنازعة المحمودة ،من شأنها المساعدة في بلورة الوعي الجماهيري بالمزيد من الجمعية والمزيد من اللدانة والمزيد من اللطافة ومن ثم المزيد من معرفة قدر نفسه والمزيد من التعبير عنها. تلك هي بداية التغيير بما هو متاح من مقام وما هو متاح من مقال. الايام