أن يتعقل ويترجل ؟ بقلم / محمد عبد الله برقاوي.. [email protected] مع تضاءل أفق حركة المعارضة السورية وقد قلصه عنصرا تفوق الألة العسكرية والأمنية للنظام الباطش في ظل القيود المكبلة والمانعة لأية اياد ترغب في تسليح جيش المعارضة الحر لتقريب التكافؤ الميداني ولو على مراحل متباعدة، ومحاصرة القوى الخارجية الداعمة لنظام ا لحكم عسكريا ودبلوماسيا . انتشى بالتهليل لنصر مزعوم ولو مؤقت كل أبواق دمشق من المتحدثين الرسميين والمعلقين المنتفعين والمرتبط مصيرهم وحياتهم ببقاء رئيسهم ونظامه الذي كم ترنح للسقوط ولكن! الا أن تجاوز نظام بشار لزنقة مرحلة ما من سجال المعارك ، لا يعني أنه قد كسب الحرب في مطلقها ، مثلما أن تخاذل المجتمع الدولي والاقليمي عن دعم المعارضة بكل اطيافها لا يعني بالضرورة أن تلك الثورة قد فشلت أو حتي ستتراجع عن هدفها وان بات يتطلب توسيعا وتسريعا للخطى في مشوار قد يطول ، وهو اسقاط ذلك النظام ! فلا يتصور النظام أنه قد انتصر بالقدر الذي سيعيد الى حظيرته سوريا بلدا وشعبا واستقرارا أو قل خنوعا في استقرار متوهم تفرضه عصا الترهيب ، فينفرد البعثيون أو عائلة الأسد بحكمها كما كانا في فترة ما قبل تفجر الثورة ، التي لا يعترف بلهيبها النظام رغم دخانها الذي أربكه ايما ربكة وأعماه عن اتباع نهج الحكمة في التعاطي معها ، في حين أن ثلاثة عشر شهرا من الفر والكر ودمار المدن وما يشبه توقف الحياة ودولابها و الضوائق الاقتصادية التي تخنق النظام ، والمقاطعة شبه الدولية وعزله عربيا ، وحالة الاستقطاب الأممية بين الاقطاب الكبيرة ، كلها ورغم انكار الحاكمين في دمشق لحقيقة ما يجري في محاولة لتحقيره عند مربع الادعاء الممجوج بانه مجرد عصابات مسلحة ، أو حينما يتنازل عن المكابرة أمام تصاعد عمليات الثوار فانه يوصمها بانها مستقوية بقوى خارجية تهّرب لها السلاح ويتسلل اليها الارهابيون عبر فجوات عدة ، وذلك فيه رد كاف بان النظام لم يعد ذلك الذي كان يحسب على الناس انفاسهم وهم نيام ، ويتتبع خطواتهم في سحابة نهارهم القلق! لن تعود ثانية للنظام سوريا التي كان يغشاها السواح للراحة على حساب صمت مواطنها على الذل والمهانة ، ولن يتسنى لرئيسها أن يعيد مشاهد تمثيلية تجواله بحرية وأمان في شوارع الشام أدعاء لحب الناس له ، والكل يعلم أن الحقيقة هي أن الشوارع قد أخليت له هو وحرمه ، فيما عيون أمنه ترقب حركته من نوافذ البيوت التي سلبت من سكانها لتصوير المشهد! مهما توهم النظام والة أمنه فلن يعود له جيش سوريا خالصا بعد أن امتلأت صدور ضباطه وجنوده بهواء العزة وأكسجين الحرية فباتوا ينسلخون عن كئائب عبادة العائلة الاسدية وخدمة وهم القومية الأفلة التي غربت شمسها منذ عقود ، والجولان تقبع تحت المغتصب يعتصر أثداءها البكر وتستصرخ النخوة لنجدتها وهي على مرمي نبلة من نظام البعث الذي استمرأ العيش طويلا على كذبة الصمود وقد باتت القوي الحريصة على أمن اسرائيل تراهن على ضرورة بقائه ضمانا لذلك الأمن ، وبدأت تسرب كما يفعل النظام ذاته ، أقاويل التخويف من أن سقوطه يعني وثوب اسلاميين آخرين الى لبدة الأسدالسوري ، بعد أن ركبوا وأعملوا مهمازات أرجلهم في خاصرة الحصان المصري ومن قبله طار الرخ التونسي وأمسك الاسلاميون برسن الجمل الليبي من يد الثوار الحقيقين أو كادوا ينوخوه في حظيرة سيطرتهم ! فسوريا التي كسر المواطن فيها حاجز الخوف الذي كان يمنعه حتى من التفكير في دواخله عما يجري حوله ، لن تكون بالطبع سوريا ما بعد الانتفاضة التي تعلم فيها ذلك المواطن الطيب المغلوب ، كيف يرفع قبضته لصد صفعة باطشيه ، سواء نجحت الثورة الى أبعد مداها وأزاحت النظام ولو بعد حين أو أحرزت تقدما بموجب نقاط كوفي عنان الست و عبر التفاوض ولو مؤطيء قدم ضيق مؤقت في سدة الحكم لابد أن يتسع ، طالما أن صدر النظام سيظل يضيق بالمشاركة ايا كان قدرها ! لن يكون في سوريا ما بعد خط الثورة الأخضر الذي كسح كل الخطوط الحمراء المرسومة على أرضها منذ عقود سيطرة لأزلام الحظوة ،و لن ترجع سوقا مغلقة وسبية لرامي مخلوف ، ولن يكون ناطقوها الرسميون بالقول الزور في الفضائيات دفاعا عن الباطل من أمثال شريف شحاتة ولا أحمد الحاج على ولا أحمد صوان ، ولن تنطلي فيها على الناس أو خارجها مسرحية دبابيس التنفيس على شاكلة فيلم الحدود ولا رواية كاسك يا وطن ! فالنظام وان بدأ مزهوا بانتصار زائف لم تصنعه يداه الملطختان بالدماء وحدهما ، فعليه أن يعلم بانه سيدخل في مرحلة طويلة من العزلة الاقليمية والدولية والمقاطعة التي ستجعل موته بطيئا كما أرادت له لعبة الامم و تقاطع المصالح . مثلما فعلت مع صدام من قبله وأرخت الحبل من بعده للقذافي حتي أكلا الطعم وخرجا من بحيرة احلامهما بالخلود الى حفرة الفناء عن الوجود ! وباعت تلك اللعبة في نهايات مزاد الأدوار المرسومة كل من حليفيها حسني مبارك وبن علي وتستبقي على أداتها البشير ليكمل دوره في تشظية خارطة السودان الى حيث تريد هي وتستفيد ! فقد آن لهذا الشبل السوري الذي ورث حكما باطلا من الأسد الأب الذي استولي عليه هو الآخر وفقا لشرعة الغاب ، أن يتعقل ويترجل من علياء وهمه أوقل يصعد من حفرة خياله الى سطح الواقع ليمتطي صهوة الفرصة الأخيرة وهي مبادرة عنان ، ويعيد الأمانة الى اصحابها في أول جولة من التفاوض حول مستقبل سوريا ، التي ذهب ما ضيها الأسود بعقوده الأربعة مع منعة حكمه الظالم التي تصاعدت على جماجم البشر وركام كرامة الانسانية وقد انهدت مع سوريا الأمس ، فعادت فيها اليوم روح جديدة في سوريا الثورة . فلو عاد الرئيس السوري الى الشارع غدا ليستقريء امارات ما يتصوره انتصارا على شعبه الباسل في الدمار و بقع الدماء على ما تبقى من الحوائط و سيماء الصمود في النفوس المكلومة قبل الوجوه والجباه العالية الموسومة بشرف المجابهة رغم عدم تعادل الكفتين ! وهي التي افتقدت الأعزاء وفلذات الأكباد، فانه لا شك لن يجد سوريا كما عرفها مستسلمة لديكتاتوريته ، لانها ببساطة لم تعد راغبة من بعد ذا في التعرف اليه . مثلما أنكرت شعوب ودول أخرى طغاة ، لطالما قالوا أنا ومن بعدي الطوفان! ولا يدوم الا وجه الله العلي القدير . انه المستعان . وهو من وراء القصد.