البرهان يتفقد مستشفى الرباط ويوجّه بتطوير الخدمات الطبية الشرطية    (أماجوجو والنقطة 54)    الأهلي يخسر من ساردية بدوري شندي    مجلس الهلال يترقب قرار الانضباط ويعلن الاستعداد للتصعيد.. والكاف في مأزق كبير    حاكم إقليم دارفور يجتمع مع المديرة العامة بالإنابة لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية بجنيف (OCHA)    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    من إيطاليا إلى بولندا.. سرقة 413 ألف قطعة شوكولاتة.. ما القصة؟    ترامب: إيران منحتنا 20 ناقلة نفط والشحن يبدأ غدًا    بوتين: روسيا مستعدة لاستضافة الألعاب الأولمبية في المستقبل    شاهد بالفيديو.. طبيب بمستشفى نيالا يشكو من انتهاكات أفراد الدعم السريع ويحكي قصة نجاته من القتل بعدما رفع أحدهم السلاح في وجهه    شاهد بالصورة والفيديو.. الراقصة الحسناء "هاجر" تشعل حفل طمبور بفاصل من الرقص الاستعراضي والجمهور يتفاعل معها بطريقة هستيرية    الهلال السوداني يفجر أزمة منشطات ضد نهضة بركان في دوري أبطال إفريقيا    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    مجهولين ينبشون قبر رجل دين بولاية الجزيرة وينقلون جثمانه إلى جهة غير معلومة    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    شاهد بالصورة والفيديو.. بعد إيمي سمير غانم.. "كورال" مصري يغني أغنية الفنانة السودانية توتة عذاب "الترند" وشاعر الأغنية يعبر عن إعجابه    شاهد بالفيديو.. حمزة عوض الله يهاجم الشاعرة داليا الياس بسبب تبادل السلام بالأحضان مع المطرب شريف الفحيل ويصف المدافعين عنها بأصحاب الفكر الديوثي    قوى سياسية في السودان تعلن عن مقاطعة مؤتمر في برلين    عثمان ميرغني يكتب: حلفا .. والشمالية..    شاهد بالفيديو.. في ظهور مثير.. رجل يمسك بيد الفنانة هدى عربي كأنه عريسها ويدخل بها لقاعة الفرح والشائعات تلاحق السلطانة هل هو زوجها؟    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



رحيل آخر العمالقة والرواد
نشر في الراكوبة يوم 18 - 09 - 2012


: الأستاذ/ حسين عثمان وني المحامي
رغم انشغالي بالعمل العام في نقابة المحامين منذ نهاية الستينيات من القرن الماضي، الا ان الظروف لم تتح لي علاقة مباشرة باستاذ الاجيال حسين عثمان وني الا في بداية التسعينيات من القرن الماضي، وذلك بعد انتقال مكتبي من عمارة اولاد مراد «عمارة كمال حمزة حالياً».. بالمحطة الوسطى بالخرطوم الى عمارة التأمينات بشارع الجمهورية بالخرطوم غرب، وكان من حسن الصدف أن مكتبي يقع جوار مكتب الاستاذ الراحل في الطابق الاول من العمارة الذي هو من مؤسسيها.
واذكر انه في احدى المرات وكنت في محكمة ام درمان ان قابلت صدفة الاستاذ/ حسين، وكان سائقه قد تأخر عليه بعض الشيء، وعرضت عليه ان اوصله للمكتب بعربتي فوافق مشكورا على ذلك، وهو ما كان نادرا ما يفعل ذلك، ولكن شعرت قد فعل ذلك باعتباره تقديراً خاصاً، وتبادلنا في الطريق اطراف الحديث، وشعرت منذ تلك اللحظة ان تفاهما وتقديرا خاصا قد نشأ بيننا، وفتح لي بعده الاستاذ صدره وقلبه، وبالتالي مكتبه ومنزله رغم فارق السن والخبرة والاجيال، ورغم ان الاستاذ خارج نطاق العمل كان يختار بدقة وانتقاء من يستضيفه ويجالسه، فإنني صرت زبونا دائماً في مكتبه.. والأستاذ يحرص دائماً عند حضوره الى مكتبه وهو يحضر في ايام محددة في الاسبوع، يحرص على السؤال عني ويرسل من يستفسر ويدعوني الى مكتبه لقضاء ساعة من الأنس، والحوار كما يحرص كل من في مكتبه على الا يزعجه أحد اثناءها حتى بدواعي العمل، وتلك كانت ساعات نادرة من الأنس والتفاكر في مختلف المواضيع السياسية والمهنية والشخصية والعصف الذهني المركز استمرت طوال سنوات عدة، بل الى حين وقبل وفاته بقليل.
والأستاذ/ حسين عثمان وني من جيل الرواد الأوائل في مهنة القانون، وهو بالتحديد في طليعة الدفعة الثالثة من خريجي كلية القانون بكلية غردون التذكارية قبل أن تتحول إلى جامعة الخرطوم، وهي الدفعة التي تخرجت في اواخر سنة 1947م، وكان من ضمن زملائه مولانا جلال علي لطفي ومولانا محمد يوسف مضوي وغيرهم من كبار القانونيين. والمعروف أن الدفع في ذلك الوقت كانت كل أربع سنوات، وكانت الدفعة الاولى في سنة 1940م، وكان ابرز خريجيها مولانا احمد متولي العتباني، ومولانا/ أبو رنات، والأستاذ/ محمد أحمد محجوب وغيرهم، ثم الدفعة الثانية مولانا/ بابكر عوض، وزروق وغيرهم. ولم يكن مولانا وني طالباً عادياً بل كان قائداً طلابياً ورئيس الاتحاد الذي قاد إضراب الجامعة الشهير في ذلك الوقت، والذي كانت نتيجته فصله من الجامعة، ولكن سمح له بالامتحان الخارجي، فكان ان اجتاز الامتحان وتخرج مع زملائه.
ولم تقف معاكسة الإدارة الاستعمارية عند ذلك الحد، بل منعته من الالتحاق بالسلك القضائي عند تخرجه، في الوقت الذي كان يقبل فيه زملاؤه تلقائيا، بل امتدت المضايقة الى حرمانه حتى من رخصة المحاماة لمدة من الزمن، مما دعاه الى العمل لمدة من الزمن في مدارس الاحفاد.
وعندما كشفت الاستخبارات البريطانية ملفاتها السرية عقب انقضاء خمسين عاماً، جاء فيها عن الاستاذ/ حسين وني:
»حسين عثمان وني: من مواليد ام درمان عام 1927م، تلقى تعليمه بكلية غردون التذكارية. كان رئيس اتحاد الطلاب .. كان نشطاً جداً سياسياً حينما كان بكلية غردون، ظل يحاضر مجانا ضد بريطانيا ولصالح وحدة وادي النيل .. كان قائد اضراب الطلاب في فبراير 1948م، اعتقل للمشاركة في اجتماع غير قانوني وحوكم بالسجن لسبعة ايام والغرامة خمسة وعشرين جنيها او السجن لشهر في حالة الفشل في دفع الغرامة.. تم فصله من كلية غردون التذكارية بسبب ذلك، ولكن سمح له بالجلوس لامتحانه النهائي.
عضو بالحركة السودانية للتحرر الوطني ومؤتمر الشباب.. تقدم وعين مساعداً قانونياً بالمحاكم الشرعية بإدارة القانون السودانية إلا أن الامن اعترض على التعيين، تم نقله لمديرية دارفور ويقيم في العادة بالفاشر.. يقال انه اقلع ولكن يجب أخذ هذا القول بتحفظ. استقال لاحقا الآن من محاكم القضاء وسيعمل مع المحامي أحمد خير في ود مدني« »انتهى«.
ولم يكن الأساذ/ وني قائداً نقابياً وطلابياً فقط، بل كان ينتمي كأغلب ابناء جيله لمدرسة اليسار الوطنية، وكانوا من رواد الحركة اليسارية الوطنية بقيادة الاستاذ/ عوض عبد الرازق والدكتور عبد الوهاب زين العابدين التي انقسمت فيما بعد الى منشفيق وهم التيار الذي كان الاستاذ من ضمنه، اما التيار الآخر فهو التيار «بلشفيق» الذي تحول الى الحزب الشيوعي السوداني بقيادة المرحوم الاخ عبد الخالق محجوب.
وواصل الاستاذ وني نضاله بعد تخرجه في الجامعة وساهم في كل الأنشطة الوطنية آنذاك، وبالرجوع الى سجل تكوين الاتحاد النسائي السوداني نجد ان الاستاذ/ وني كان هو الذي تولى صياغة دستوره.. كما كان له دور نشط في العمل السياسي دون انتماء حزبي، وكان من أركان نادي الخريجين بام درمان ومشاركاً في نشاطه ، وهو مؤتمر الخريجين وقيادة الحركة الوطنية آنذاك.. ولقد حكى لي طرائف عن الخريجين والخريجين عموماً وما كان يدور بينهم من مداعبات، فهو رجل موسوعة ذو ذاكرة قوية ظل محتفظا بها الى حين وفاته.
وبعد جهد استطاع الأستاذ/ وني أن ينخرط في الهيئة القضائية التي عمل فيها لفترة حتى تمكن من استخراج رخصة المحاماة بعد مضايقات.. ولكنه لم يتوقف عن العمل والدعم الوطني ودعم التيار الوطني الداعم لاستقلال السودان، وكانت له مواقف مشهودة في دعم العمل الوطني والسياسي والحزبي، وبالذات في دعم الحزب الوطني الاتحادي وقوى اليسار عموماً.
والأستاذ حسين وني كان نادراً ما يتحدث عن نفسه وبالذات عن اصوله العرقية والقبلية، فهو شخصية قومية اشتراكي النزعة دون تطرف.. واذكر انني طوال اكثر من عشرين عاماً كنت لصيق الصلة به، ولم يتطرق الى هذه الناحية الا لماما... ولكن الذي اعرفه انه ينتمي الى عائلة أم درمانية عريقة اساسا من منطقة دنقلا العجوز.. فهم دناقلة بمعنى الواسع للكلمة، ووالده كان تاجراً عريقاً من تجار أم درمان الاوائل. كما ينتمي من الناحية الاخرى الى التعايشة وبالذات الى آل الخيفة عبد الله التعايشي، فهو حفيد مباشر للأمير محمود ود احمد ابن عم الخليفة وقائده المشهور، ووالدته هي مريم ابنة الأمير محمود. وانني اذكر جيدا في مكتبه وفي لفتة نادرة انه اشار الى باعتزاز الى صورة تاريخية لجده محمود، على اساس انه جده المباشر.
والأستاذ وني مارس مهنة المحاماة لحوالى الستين عاما، منذ بداية الخمسينيات من القرن الماضي والي ان توفاه الله قبل اقل من شهرين.. وهو الآن يحمل الرقم »14«، وهو الأول في سجل المحاماة على الاطلاق، اذ ان الاثني عشر الذين سبقوه توفاهم الله الى رحمته.. وكان مكتبه ومازال من المكاتب التي اشتهرت بغزارة العلم والمعرفة والخبرة القانونية والانضباط والدقة، وباشر مئات القضايا الشهيرة، وكان المرجع والأساس لكثير من السوابق القانونية.. وهنا أود ان اشير الى سابقته المعروفة في الدفاع عن زميله الاستاذ / كورتي والتي حددت طريقة وسلوك التعامل مع المحاكم بالنسبة للمحامين، وصارت سابقة في ذلك.
فقد كانت محكمة أول درجة قد أدانت الاستاذ العالم مولانا عبد الرحمن كورتي بتهمة ازدراء المحكمة، ودونت بالمحضر ان ذلك كان بسبب علو صوته!! فتصدى الاستاذ حسين وني طاعنا في الحكم والادانة والعقوبة، وقررت المحاكم الاعلى بناءً على ذلك مبدأ ان مجرد علو صوت المحامي وهو يدافع عن موكليه لا يعد في حد ذاته دليلا على ازدراء المحكمة، ما لم تصحبه دلائل اخرى تشير بوضوح الى قصد ازدراء المحكمة.
والاستاذ وني حرص على أن يسير ابنه الوحيد عثمان على دربه، ووفر له العلم والمعرفة والتدريب والمهنية العالية وحسن التعامل، حيث صار الاستاذ/ عثمان الآن من اكابر المحامين العالمين وذا باع طويل في المهنة والعمل، وأصبح شريكاً لوالده في ما عرف بمكتب «وني ووني»، وحمل عنه العبء الأكبر، وبالذات في المحاكم التي كان الاستاذ نادراً ما يرتادها في السنين الاخيرة.. الا ان الاستاذ مثله مثل ابناء جيله من الرواد لم يركن قط الى الانقطاع عن العمل المهني، بل كان يحضر إلى مكتبه بانتظام ويمارس البحث والتدقيق ومراجعة المراجع القانونية والسوابق واعداد قضاياه بنفسه من مكتبته العامرة.. وكنت دائماً ما اجده مراجعاً للسوابق والقوانين ويعمل بجد ونشاط مستعيناً بمنظار مكبر ونور ساطع، رغم انني اعرف انه في الفترة الاخيرة كان يعاني ألماً في عينيه، ولكن رغم ذلك لم يتوقف عن العمل والقراءة والاطلاع واعداد المذكرات الوافية.. فهو من جيل تعود على الابداع واتقان العمل والعمل للوصول الى الكمال. وكان أحياناً يضع القطرة في عينه ثم يواصل العمل دون شكوى او تذمر.. ولم ينقطع الاستاذ وني عن الدوام في مكتبه ومباشرة عمله الا قبل اقل من شهرين من وفاته عليه الرحمة.. انه من جيل يصر على ان يموت كالاشجار واقفاً. وان العمل الجاد والمنظم شيء مقدس، ولقد شاهدت من قبل أستاذنا أحمد متولي العتباني شيخ القانونيين السودانيين الذي كنت أعمل في مكتبه مع الاستاذ/ محمد يوسف محمد وهو يتبادل معي الحديث في السلم الى مكتبه ثم يدخل المكتب ويلقي تحية الصباح على شريكه وزميله الاستاذ/ محمد ثم يدخل مكتبه بنفسه ويجلس على كرسيه ثم يميل على كرسيه، وعندما يفتح المراسلة المكتب لاحضار البريد والقهوة كالعادة يجده قد انتقل الى الرفيق الاعلى.. ذلك جيل من فرسان ذلك العهد القديم آخرهم في الرحيل استاذنا، حسين وني.
والاستاذ الراحل حسين وني كان محل تقدير واحترام كل زملائه في كل العهود ومن جميع نقابات المحامين على اختلاف مشاربها السياسية، وانني مازلت اذكر انه كان دائماً رئيس اللجنة المكلفة بالاشراف على فرز الاصوات في انتخابات النقابة في دار المحامين قبل انقلاب الانقاذ الاخير. وتابعت المجالس التابعة بعد الانقاذ احترامها وتقديرها للاستاذ، ومازلت أذكر أن في الانتخابات الاخيرة لمجلس نقابة المحامين كان هو رئيس لجنة مراقبة الانتخابات، وكانت تتكون من ثلاثة محامين برئاسته وعضوية الاخ الاستاذ الصديق/ احمد الطاهر النور وشخصي.. وكان الاستاذ وني كعهده جاداً في عمله ويصر علئ ادائه سواءً أكان عملاً عاماً او خاصاً بالدقة والكفاءة اللازمة، وعليه فلقد اصر على ان نقوم بالطواف على المراكز المختلفة ليل نهار على امتداد العاصمة المثلثة ومقابلة اللجان القضائية المسؤولة والمقترعين والاستماع اليهم، وكان حريصاً على ذلك رغم المشقة، ولكنه يحترم المسؤولية والتكليف.. كما أن النقابة ومجلسها وخاصة نقيبها الاخ الاستاذ الصديق الدكتور عبد الرحمن ابراهيم الخليفة، كان حريصاً على تكريمه وزيارته في منزله ومكتبه، وادخلني وسيطا في ذلك، ولكن الاستاذ وني رغم تقديره لمبادرات الاستاذ النقيب وشكره على ذلك، كان حريصاً عن البعد عن الاضواء والعمل في صمت.
والأستاذ وني لم تكن اهتماماته بالقانون وحده، لكنه أديب مطبوع ودارس وحافظ للتراث والأدب والشعر العربي قديمه وحديثه، وكم كان يدهشني في جلسات الصفاء التي كنا نقعدها معاً في مكتبه العامر عندما ينشد بصوته العذب من روائع وتراث الشعر العربي القديم والحديث، ليؤكد به واقعة او حديثا.. ولعل هذا كان من اهتماماتنا المشتركة.
والاستاذ وني محلل سياسي بارع غزير المعرفة والاطلاع، وكم كان يحلو لي ان اجلس واستمع الى تعبيراته المفرطة في الدقة والذكاء للوضع السياسي سواءً على المستوى الداخلي او الخارجي، ولكنه كعادته كان حريصاً على ان يسمع مني اولاً، وبعد ذلك يفيض في تحليله وغالباً ما نصل الى نفس النتيجة في النهاية.
وربطتني به ومنذ البداية علاقة خاصة، وكما ذكر لي كان يتابعني عن بعد قبل ان يتم اللقاء الصيق بيننا. وكان يحترم تجربتي القانونية النقابية والسياسية وطريقة التعامل مع الاخوة في المجالات المختلفة، ولعله رأى فيها تكراراً لتجربته ومعاناته السياسية والنقابية ولكن في جيل مختلف، ولذلك كان ينظر لي نظرة الوالد الحريص على ابنه الوحيد.. ولذلك كان حريصاً على معرفة افكاري وخطواتي وبل تفاصيل حياتي اليومية وماذا اعمل وافعل في ساعات اليوم المختلفة، بل ماذا أقرأ وأكتب.. وكان يستمع لي في اناة ويقيم خطواتي بميزان من ذهب، ثم يقدم لي النصح والمشورة بلغة الحوار والاقتناع مقدماً لي تجربته الطويلة والثرة بطريقة لبقة ودودة، وكان حريصاً على مناقشتي في جميع ما اود ان اتخذه او في ما لا اتخذه من خطوات على كل المستويات.. وكان دائما يمنحني الأمل والقوة والصبر، فهو الصخر او الجزيرة او المنارة التي كنت اهتدى بها في بحر متلاطم الأمواج.
وكان حريصاً على معرفة أحوال عائلتي الصغيرة، والغريب انه كان هنالك تشابه بيننا في هذا المجال، فأنا مثله لدي ولد واحد وثلاث بنات في حالتي، واربع بنات في حالته مع ولد واحد.. ولذلك كان حريصاً على تتتبع خطواتي ومعاملتي مع ابني الوحيد الشيخ الذي اختار الطب وتخرج فيه من جامعة الخرطوم، وهو يواصل دراساته العليا.. وكان الاستاذ وني عليه الرحمة مهتماً بمعرفة كل ما يتصل بابنه وابني الشيخ، ويقدم لي النصح في ما يتعلق بخطواته المستقبلية، والحمد لله ان للاستاذ ابناً يفتخر به بارع في نفس مجال والده، وبنات حرص الاستاذ على تعليمهن وتدريبهن ونالن اقصى درجات العلم، واحداهن الدكتورة ندى نالت درجة ال M.phil من جامعة كمبردج العريقة في بريطانيا، والدكتوراة من جامعة الخرطوم، وقضت فترة بقسم اللغة الانجليزية بجامعة الخرطوم، وكانت استاذة مميزة في عملها، وكنا دائما نتذكر في هذا المجال شقيقتي الوحيدة المرحومة الدكتور فاطمة شداد، وهي ايضا أستاذة مميزة، ونالت شهادتها من جامعة اكسفورد العريقة ببريطانيا.. ولقد اسعد الله الاستاذ بأن شهد زواج بناته وميلاد احفاده، ولقد ذكر لي ابنه الاستاذ عثمان انه كان يستمتع كثيرا في ايامه الاخيرة بمداعبة أحفاده.
والاستاذ المرحوم حسين وني كان وهو شيخ قد شارف التسعين يحضر باستمرار واصرار الى مكتبه بعمارة التأمينات، رغم ان ابنه عثمان كان قد افتتح فرعاً لعملهم المشترك بمكتب فاخر بالعمارة الكويتية، وجهز لوالده مكتبا لائقاً فخماً هنالك، الا ان الاستاذ كان يصر على الحضور الى مكتبه القديم.. وكان سكان عمارة التأمينات يشاهدونه كنخلة شامخة وهو يرتقي درجات السلم في هدوء وسكينة، ولكن في خطوات قوية ومتزنة ثلاث مرات في الاسبوع على الاقل، ويغادر المكتب بعد الظهر في صحبة سائقه او ابنته الدكتورة ندى.. رغم انه اضطر في الستة الاشهر الاخيرة فقط لتقليل الحضور الى مكتبه الى مرة او مرتين.. وكان بمجرد ان يصل تحضر احدى الاستاذات المحاميات العاملات بمكتبه لتدعوني اليه لنجلس لمدة ساعة على الاقل في صفاء، ونتحدث ونحلل في السياسة الداخلية والخارجية والاخبار عموماً.. وكان حريصا على معرفة اخباري واحوالي مع استمتاع بضيافة فاخرة من المشروبات الساخنة والباردة والكيك المنزلي الذي كان يخصني به.. ولم اكتشف الا أخيراً وبعد وفاته ان جلساتنا تلك قد امتدت اكثر من عشرين عاماً.. ولقد افقدته في الشهرين الاخيرين وسألت عنه ابنه عثمان، اذ ان الاستاذ كان نادراً ما يستعمل جهاز الموبايل.. واخبرني الأخ عثمان انه بخير، ثم اخبرني مرة انه دخل مستشفى رويال كير لمدة قصيرة لإجراء فحوصات روتينية وانه بخير، وانشغلت بعد ذلك بظروف عائلية طارئة، وكنت اود الذهاب اليه في المنزل رغم طمأنة الاستاذ عثمان.. الا ان فوجئت في مغرب احد الايام وانا خارج من مستشفى رويال كير بعد زيارة ابنتي الكبرى سحر التي وضعت مولودتها الاولى بعد سنين عدة، باتصال هاتفي من اخي وصديقي وزميلي وجاري في العمارة الاستاذ خضر فضل الله ينعي لي فيه الاستاذ الذي توفى عصر ذلك اليوم، وانهم الآن في طريقهم الى مقابر احمد شرفي بأم درمان، حيث مرقد آبائه واجداده، وينصحني الاستاذ خضر بالتوجه الى منزل الاستاذ بالعمارات حيث يستحيل أن ألحق بموكب التشييع، وتحركت فعلاً وفي الحال الى منزل الفقيد وانا في قمة الحزن والاسى... واكتشفت في الطريق أن هنالك رسالة في جهازي لها اكثر من ساعتين من الاخ عثمان ينعي لي والده.. وفي الفراش سألت الاخ عثمان عن صحة والده في الايام الاخيرة، فذكر انه لم تتدهور حالته الا في يوم وفاته.. وانه كان باستمرار يسأل عني ويقول لهم كيف احوال استاذ شداد!!
رحم الله أستاذنا وني، ونسأل الله أن يتغمده برحمته الواسعة، وأن يغفر له ويرحمه، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يبارك في ابنه عثمان وبناته وزوجته وأهله وأصدقائه وعارفي فضله.
»إنا لله وإنا إليه راجعون«..
الصحافة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.