مجلس الوزراء يعلن ترحيبه بالبعثة الأممية للسودان    القوات المسلحة تؤكد حل الدفاع الشعبي    كَيْفَ نَحْمي السُّودان من أخطار سد النهضة ؟! .. بقلم: د. فيصل عوض حسن    مسامرات زمن حظر التجوال .. بقلم: عثمان أحمد حسن    المراية .. بقلم: حسن عباس    قون المريخ والعنصرية .. بقلم: إسماعيل عبدالله    تكامل الأدوار في محاربة مافيا الفساد .. بقلم: نورالدين مدني    "أحمد شاويش." ذلك العبقري المتواضع ... بقلم: مهدي يوسف إبراهيم    وزارة العمل والتنمية الاجتماعيّة تسلّم كروت الدعم النقديّ لعدد من الجمعيّات النسائيّة    المباحث تلقي القبض على قاتل ضابط الشرطة بولاية شمال كردفان    نحو صياغة برنامج اقتصادي وطني يراعي خصوصية الواقع السوداني .. بقلم: د. محمد محمود الطيب    أنا والفنان حمد الريح .. شافاه الله !! .. بقلم: حمد مدنى حمد    حول نقد الإمام الصادق للفكرة الجمهورية (2-4) .. بقلم: بدر موسى    أخطاء الترجمة: Bible تعني الكتاب المقدس لا الإنجيل .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    ترامب يتشبه بالرؤساء العرب .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    ذكريات وأسرار الحركة البيئية العالمية ومصائر الدول النامية .. بقلم: بروفيسور عبدالرحمن إبراهيم محمد    باتافيزيقيا السّاحة الخضراء (1) .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن /ولاية أريزونا أمريكا    الدولة في الاسلام مدنيه السلطة دينيه اصول التشريع متجاوزه للعلمانية والثيوقراطية والكهنوت .. بقلم: د. صبري محمد خليل    قانون لحماية الأطباء فمن يحمى المرضى ؟ .. بقلم: د. زاهد زيد    الفقر الضكر .. فقر ناس أكرت .. بقلم: د سيد حلالي موسي    التعليم بالمصاحبة ( education by association ) .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    إحباط تهريب مصابين بكورونا من البحر الأحمر    الشرطة تنفذ حملة لمواجهة مخالفات الحظر الصحي ومعتادي الاجرام    كل ما هو مُتاح: مناعة القطيع .. مناعة المُراح .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





البطل علي عبد اللطيف و1924م ..دلالات الرمز والثورة!!
نشر في الراكوبة يوم 24 - 11 - 2012


رأي
البطل علي عبد اللطيف و1924م ..دلالات الرمز والثورة!!
د. صابر عابدين أحمد
تمر علينا هذه الأيام الذكرى الرابعة والستون لوفاة البطل الثوري السوداني علي عبد اللطيف، رمز الثورة السودانية ضد الظلم والاستبداد والاستعمار وعملائه، والذي توفى في أكتوبر 1948م، سجيناً منفياً عن بلاده وعن وطنه، وبدون وداع، وبدون حضور شعبي يذكر تم دفنه، وكان حرياً بأن يشيع تشييعاً يليق به بوصفه بطل تحرير ويوشح بوشاح الفرسان ويعامل باعتباره قائداً ورمزاً للأمة السودانية.
كما تطل الذكرى الثمانية والثمانون لتمرد أعضاء جمعية اللواء الأبيض الميامين بسجون المستعمر الدخيل، في نوفمبر 1924م، بعد فشل ثورة 1924م المجيدة، وما تعرضت له قيادة الثورة من تنكيل واعتقالات طالت العشرات منهم، لوأد الحركة في مهدها، وقبل أن تتحول لحركة وعي شاملة تعم أرجاء البلاد وتحرك الجماهير، كما كان لاغتيال السير لي استاك نوفمبر 1924م أثر كبير في تفجير تلك الأحداث.
لقد كان الحكام الإنجليز على درجة عالية من الدهاء والمكر واستخدموا سياسة «فرق تسد» ووظفوها خير توظيف، وذلك بعد أن ألموا إلماماً دقيقاً بمكنونات الذات السودانية وما تعرضت له خلال قرون منذ فقدانهم لسيادتهم وإرثهم الحضاري، وعلموا بأسرار تكويناتها وتركيباتها الاجتماعية والثقافية والاثنية والفئوية، ولذا فإنهم تحالفوا مع الزعماء القبليين والقادة الدينيين، والذين تركوا برامجهم ليتبنوا مشروع الدولة الوطنية ذات السيادة والتي من حقها تقرير مصيرها وإعلان استقلالها، والقادة والزعماء حينما يفعلون ذلك، ليس حباً في مبادئ المشروع الوطني ولا حباً في عيون الإنجليز أو غيرهم، إنما يفعلون ذلك ببراجماتية مشهودة، لأن هذا هو الطريق المعبد الوحيد للوصول للسلطة، وإبعاد كل قوى حديثة ناشئة بعيداً عن عباءتهم، وإبعاد وإقصاء كل المجموعات والعناصر الدنيا في السلم الاجتماعي وبل ما يسمونها الفئات المنبتة قبلياً. وكان على رأس هذه المجموعات حركة علي عبد اللطيف وثوار 1924م، وبهذا نجح السادة الحكام في قطع الطريق أمام هذه القوى الاجتماعية الحديثة حتى لا تقود حركة الجماهير الشعبية، وتشعل الثورة ضد نظام الحكم الدخيل، وتهنأ بمقاعد السلطة، وبذا يضمنون استمرار الانقسام والشرخ في بنية المجتمع السوداني مستقبلاً وفق هذه التاكتيكات والتحالفات مع القوى التقليدية والطائفية، ولذا استطاع المستعمر ضرب ثورة 1924م ووأد تحركها في مهده، تلك الحركة الوليدة التي كانت تتلمس طريقها لقيام وتأسيس دولة سودانية حرة مستقلة مدنية ديمقراطية، الأمر الذي لو تم لكان قد اختصر الطريق للأجيال القادمة، ووفر كثيراً من الجهد والوقت، ونحن هنا ليس في مقام النحيب والعزاء أو سكب مزيد من الدموع، صحيح أننا نتعاطف مع هذه الثورة التي فجرها هؤلاء الأبطال، ولكن علينا أن نتفحص وننظر بعمق في ما نادت به هذه الطليعة المتقدمة من أفكار ورؤى وطنية، كما ندعو لإعادة الاعتبار لرموزها وتكريم قادتها التكريم الذي يستحقون عسى أن نزيل بعضاً من الغبن والقهر الذي ألم بهم. وفعلاً لو كانت هذه الحركة قد بلغت مراميها وحققت أهدافها السامية، لكنا قد أسسنا لخلق أمة سودانية حرة عزيزة مكرمة مستقلة عن النفوذ الاستعماري بكل أشكاله، وعن الهيمنة الطائفية والعشائرية.
لقد بدأ الفعل القومي وجذور الوعي السياسي ضد الإنجليز وأعوانه في المركز خاصة، منذ دخول التعليم الغربي وتأسيس كلية غردون 1902م ومن بعد مدرسة الخرطوم العسكرية 1905م، ولقد كان لقيام هذه المؤسسات التعليمية الدور الفعال في تأجيج المشاعر القومية والإحساس بالانتماء، وذلك لأن التعليم والتحصيل المدرسي وما فيه من معلومات يرفع مدارك الطلاب، ويعمل على توسيع أفقهم، كما أدى إلى التعارف والاختلاط، والتفاعل بين مختلف مكونات المجتمع السوداني والاثنيات الثقافية والاجتماعية، مما ساهم في وحدة الأهداف ونمو الوعي بالذات والقضية المشتركة وتقرير المصير، كما أدى لإقامة الصلات والاحتكاك بالمعلمين المصريين والبريطانيين، وبصفة أخص البريطانيين، مما ولد لديهم إحساساً بالمرارة والإهانة جراء تعامل الإنجليز معهم، وحفزهم للعمل لتقرير مصير أنفسهم ونيل حريتهم واستقلالهم.
ولذا وعندما تخرج الطلاب اتجهوا لتأسيس منابرهم وجمعياتهم وتأطير نشاطاتهم المناوئة للهيمنة والغلو الاستعماري، ففي عام 1918م تم تأسيس نادي الخريجين بأم درمان الذي كان يعنى بالنشاط الثقافي والاجتماعي للأعضاء، كما تأسست جمعية الاتحاد السوداني 1919م، ومعظم أعضائها من مثقفي وخريجي كلية غردون التذكارية، بينما لم تدم جمعية الاتحاد السوداني طويلاً بسبب الخلافات التي نشبت بين تيارين داخلها، حيث كان لكل تيار وجهة نظر يدعم بها إحدى دولتي الحكم، وحتى في المجموعة التي تدعم الاتحاد مع مصر، كان هناك انقسام، بعد سقوط الحزب الوطني الحاكم في مصر وفوز حزب الوفد بقيادة سعد زغلول 1919م، ولذا فلقد ادلهمت على قادة جمعية الاتحاد السوداني المسارات، مما عجل بتشتت جمعيتهم، ثم ظهرت للوجود حركة أكثر صلابة ومتانة ألا وهي جمعية اللواء الأبيض التي يعتبر من مؤسسيها أحد قادة الاتحاد السوداني، ألا وهو البطل عبيد حاج الأمين الذي كون مع زميله البطل علي عبد اللطيف جمعية اللواء الأبيض التي قادت فيما بعد ثورة 1924م التي سميت باسمها «حركة اللواء الأبيض»، بينما نجد أن هناك أعضاءً من الاتحاد السوداني لم ينضموا لجمعية اللواء الأبيض، لعدة اعتبارات وتبريرات سوف تأتي في سياق الحديث، مثل التاجر الثري سليمان كشة، ومثقف آخر أصبح رئيساً للوزراء فيما بعد وهو عبد الله خليل بك.
إذن فلقد تكونت جمعية اللواء الأبيض عام 1923م، وقبل ذلك ووفق ما يذكر د. فرانسيس دينق في كتابه «صراع الرؤى» أنه في عام 1922م كتب علي عبد اللطيف مقالة بعنوان «مطالب الأمة السودانية»، بعث بها إلى محرر جريدة «حضارة السودان»، عبر فيها عن عدد من المظالم ضد الحكم البريطاني الاستعماري ونادى فيها بتقرير المصير، وبالرغم من أن المقالة لم تنشر أبداً إلا أنه تمت محاكمة علي عبد اللطيف وأدين وحكم عليه بالسجن لمدة عام، وعندما أطلق سراحه كان قد أصبح شخصية وطنية مرموقة. ولقد شكل ذلك الحدث منعطفاً في تطور القومية السودانية، إذ بدأ الاعتراف الواسع بعلي عبد اللطيف، مثالاً للقائد الوطني العلماني الحديث، ومتزامناً مع هذه النشاطات في السودان، اشتد أوار المقاومة الوطنية في مصر تحت قيادة الزعيم سعد زغلول، وفي السودان زادت مشاعر البغض ضد الإنجليز، وتأثرت الأوضاع بما يحدث في مصر، وبالأخص من وضع الأحزاب والتيارات الفكرية هناك، ولذا نجد أن التيارات الوطنية في السودان قد انقسمت إلى تيارين، فهناك تيار يساند الحركة الوطنية في مصر ضد بريطانيا، ويسعى لقيام اتحاد بين شطري وادي النيل لإكمال الاستقلال عن بريطانيا، وهذا تقوده مجموعة من المثقفين والخريجين، وهناك تيار آخر يدعو لاستقلال الدولة السودانية بعيداً عن أية وحدة مع أية دولة، وهذا التيار تقوده مجموعة الزعماء القبليون والقادة الدينيون.
هذا مع وجود تداخلات من هنا وهناك، وتغيير للمواقف ومن ثم تدخل البيتان آل الميرغني وآل المهدي، وادي ذلك لانقسام حركة الخريجين كما حدث لاحقاً. ولكن في داخل القوى الاجتماعية المؤيدة للاتحاد مع مصر، حدث انقسام كان هو السبب في انهيار جمعية الاتحاد السوداني، وقد كان تيار الاتحاد مع مصر يؤيد رؤى الحزب الوطني في مصر، وهو الحزب الذي كان يريد أن تكون الدولة في السودان كما هي في مصر، «دولة عربية إسلامية»، ولكن ظهر سعد زغلول ومن ثم سقط الحزب الوطني ليحكم حزب الوفد الذي كان يؤيد التفاوض مع بريطانيا لحل المسألة السودانية، وفي ذات الوقت يؤيد القوى الاجتماعية الحديثة ممثلة في علي عبد اللطيف، وهذا هو السبب الذي جعل سليمان كشة يحس بالمرارة تجاه مصر.
لقد كان لشخصية علي عبد اللطيف القدح المعلى في قيادة وتحريك القوى الاجتماعية بالسودان، وما حدث من ردة فعل من القوى التقليدية وبحكم تركيبته الاثنية «أم دينكاوية وأب نوباوي» أو العكس، وبإحساسه الفطري بانتمائه لهذا الوطن، وما يراه من عسف لأبناء جلدته، كانت سبباً قوياً لهذا التأييد الشعبي الذي وجده من المجموعات الحضرية في أم درمان والخرطوم بحري والخرطوم، وبما أنه كان من القوى المتعلمة وينتمي بحكم تخرجه إلى تجمعات الصفوة وطبقة الأفندية بالعاصمة، وبالتالي صار جسراً بين هذه المجموعات «دينكا ونوبة» ومجتمعات الصفوة المخملية والقوى الاجتماعية الحديثة، متفوقاً على رفيق دربه عبيد حاج الأمين في هذه الصفة، وكان علي عبد اللطيف رائداً لحركة الاتحاد، ليس مع مصر أو وحدة وادي النيل الشعار المعروف فقط، وإنما يدعو أولاً لاتحاد بين السودانيين أنفسهم، وكما تقول د. يوشيكو كورينا في كتابها «علي عبد اللطيف وثورة 1924م ترجمة مجدي النعيم»، فإن دور علي عبد اللطيف كان حاسماً في إبراز الطبيعة التقدمية للحركة، فقد كان ضابطاً في الجيش وانتمي في الوقت نفسه إلى مجموعة اجتماعية درج البريطانيون على تسميتها بالزنوج المنبتين قبلياً (de-tribalized people)
لذا فقد كان طبيعياً أن يصر على أن الأمة السودانية يجب أن تمثلها قوى اجتماعية حديثة مثل «الأفندية» طالما كان الزعماء القبليون «العرب» والقادة الدينيون «المسلمون» لا يستطيعون تمثيل مناطق مثل جبال النوبة والجنوب، ولا الناس الذين ينحدرون من هذه المناطق ويعيشون في الشمال، باعتبار أن هؤلاء المنبتين كانوا رقيقاً سابقاً، ووصلوا الشمال كأرقاء، ولكن كيف جاز للبريطانيين هذه التسمية؟ وهم الذين ينادون بدولة أساسها حقوق المواطنة، وألا يكون التعامل حسب الألوان والأعراق، ونقلوا هذا المفهوم لأتباعهم من مجموعة القادة والزعماء!!
كما نجد أن علي عبد اللطيف يصر على ألا يكون هناك تمييز بين السودانيين على أساس الانتماء القبلي أو الديني، ولهذا فلقد وبخ علي عبد اللطيف سليمان كشة عندما قال في احتفال المولد «أيها الشعب العربي الكريم» فقال له أنه ينبغي أن يقول «شعب سوداني كريم»، ومن هنا تتجلى أفكاره القائمة على السودانوية والهوية الوطنية.
إذن ما هي أسباب الاختلاف بين الاتحاد السوداني وجمعية اللواء الأبيض؟ وأسباب الاختلاف بين الأفندية أنفسهم مثل علي عبد اللطيف وسليمان كشة؟ ترجع د. يوشيكو الخلاف إلى عاملي الطبقة والعنصر في ثورة 1924م، وتقول إن الراحل محمد عمر بشير عبر عن اعتقاده بأن المسألة الاثنية لم تكن ذات أهمية في تلك المرحلة، وتقول إن الراحل خالد الكد كان على خلاف ذلك باعتبار أن المسألة الاثنية كانت قضية مركزية من 1924م، وعندما ربطت بين العنصر والطبقة، ذكرت أن الكد انتقدها لوضع العامل الاقتصادي فقط، كما أوردت في ذات السياق رأياً للراحل فيليب عباس غبوش بأن ثورة 1924م «كانت في الأساس ثورة قادتها العناصر السوداء في المجتمع السوداني». وتعزو بوشيكو أسباب فشل الثورة إلى أن قادتها هم من البرجوازية الصغيرة، ولكنها تعترف بأنها كانت ثورة شعبية شارك فيها الخياطون والنجارون وأولاد الشوارع. وبالرغم من أن علي عبد اللطيف كان يركز على أنه سوداني وحدوي، ولم يرجع البتة إلى مرجعيته الاثنية، ولكنه كان مشهوداً له الوقوف ضد مجموعة الزعماء القبليين والقادة الدينيين، باعتبار أنهم سبب أزمة الأمة السودانية، ولكن ما هي أسباب الاختلاف بين القوي الحديثة وطبقة الأفندية؟ تقول في ذلك د. عفاف أبو حسبو 1918 1948م. Facational movement in the Sudanese nationalist 1918-1948
«التكالب الطائفي وما مثله من ضغط على حركة الطلاب ومؤتمر الخريجين ومن بعد كان له الدور الكبير في انقسام حركة المثقفين بين البيتين الكبيرين: آل المهدي وآل الميرغني». وكذلك الدور البريطاني والدور المصري، وبانقسام حركة الخريجين كل لمعسكر في إحد البيتين، ومعروف أن ولاء علي الميرغني كان لمصر، وولاء المهدي والاستقلاليين كان لبريطانيا، وإذا علمنا أن حركة الأشقاء كانت محصلة لجمعية أبو روف الثقافية والحركة الاستقلالية كانت محصلة لمدرسة الهاشماب الثقافية، ومعروف رؤية هاتين الجهتين من أمر المجموعات المهمشة أو الأصيلة الانتماء كالدينكا والنوبة، وبالتالي فإن هذا الرأي كان هو رأي مجموعة الزعماء القبليين والدينيين وصحيفتهم «الحضارة» ضد جمعية اللواء الأبيض، ومجاميع المثقفين والخريجين الذين كانوا يعارضون دوراً تلعبه هذه القيادات وإذا أخذنا «سليمان كشة التاجر الغني» المؤيد للاتحاد مع مصر وضد هذه القيادات الزعماء القبليون والقادة المدنيون، فلماذا اختلف مع علي عبد اللطيف ولم ينضم لحركة اللواء الأبيض؟
لقد كانت مواقف سليمان كشة ومعه آخرون مثل إسماعيل الأزهري وآخرون يؤيدون مواقف الحزب الوطني بمصر الذي كان يؤيد قيام دولة «عربية إسلامية في السودان»، ولكن بعد قيام ثورة 1919م بقيادة سعد زغلول، وفقد الحزب الوطني للحكم في مصر، نجد أن حزب الوفد معروف بالمواقف العلمانية والوطنية، وكما تقول يوشيكو: فإن سليمان كشة قد عبر عن شيء من المشاعر المريرة تجاه مصر ومواقفها من السودان، وذلك لأن حزب الوفد قد أيد التفاوض مع بريطانيا فيما كان يرفضه الحزب الوطني، وبينما الوفد أيد أن يمثل السودان القوى الاجتماعية الحديثة.
لقد كان لرأي الزعماء القبليين والقادة الدينيين السلبي نحو علي عبد اللطيف، أثر سلبي في نفسه، وكذلك المجموعة التي يمثلها، وما حدث بعد ذلك لأبناء عشري الصديق، وتداعيات تكوين الكتلة السوداء، وهذه كلها إفرازات ما أوردته د. يوشيكو كورينا في كتابها «علي عبد اللطيف وثورة 1924م»، إذ تقول إن علي عبد اللطيف كان يمثل «الأفندية» والطبقات الدنيا في مجتمع المركز، ولذا فإنه من أول يوم لاجتماعات جمعية اللواء الأبيض قال علي عبد اللطيف «نحن ناس برضو عندنا رأي في الحكاية دي»، وكان يقصد الزعماء الدينيين والتقليديين عندما قال «الذين لا يعبرون إلا عن أشخاصهم»، ولذا فقد ظهر مقال في صحيفة «حضارة السودان» مباشرة بعد مظاهرة 23 يونيو 1924م، وفي هذا المقال هاجم الكاتب «أولاد الشوارع» بعنف قائلاً: «أهينت البلاد لما تظاهر أصغر وأوضع رجالها دون أن يكون لهم مركز في المجتمع بأنهم المعبرون عن رأي الأمة». «إن الشعب ينقسم إلى قبائل وبطون وعشائر، ولكل منها رئيس أو زعيم أو شيخ، وهؤلاء هم أصحاب الحق في الحديث عن البلاد». «ومن هو علي عبد اللطيف الذي أصبح مشهوراً وإلى أية قبيلة ينتمي»؟!
وبهذا الفهم والإحساس وقفوا ضد علي عبد اللطيف وحركته وساندوا المستعمر، ووقف معهم بعض المثقفين، وكما يقول د. محمد سعيد القدال في تصديره للكتاب، إن سليمان كشة قد اشاع بين أعضاء جمعية الاتحاد السوداني أنه قد أفشى أخبار الجمعية إلى المخابرات، مما جعل توفيق صالح جبريل يهجوه قائلاً:
سليمان كان بديع الزمان
هوى لا يعي ببساط الريح
فباع الضمير بفلس «لوكس»
٭٭٭
معانيه ساحرة ساخرة
وحطم مرآته الساحرة
إلا أين ذمتك الطاهرة
وما وجده علي عبد اللطيف ورفاقه عندما سألهم الضابط الإنجليزي عن جنسهم؟ فقالوا انهم سودانيون!! فانهالوا عليهم ضرباً وتعذيباً، اذ كيف يقولون أنهم سودانيون وهم «الزنوج المنبتون قبلياً» وفق زعماء الأمة.
وثم الدور الذي لعبه هؤلاء القادة القبليون والدينيون في إفشال ثورة 1924م، وبعد سجن قادته، هذا الصمت المريب تجاه مطالب الأمة السودانية، وبسحب علي عبد اللطيف انتهت ثورة 1924م، وهذا التحالف الخفي والتآمر ضد القوى الحديثة وتكالب الطائفية عليها بعد ذلك، ومن ثم نجد أن أحدهم قد اعتدى على الرمز علي عبد اللطيف وقد أثرت عليه هذه الحادثة، ليقول عنه الإنجليز بأنه «أصبح مختلاً عقلياً» وبعد إحساسه بالخيبة والمرارة والغبن طالب أن يبعد إلى جبال النوبة مسقط رأسه حيث «قبيلة الميري»، ولكن حاكم كردفان أرسل لهم محذراً لأن قبيلة الميري معروفة بميولها السياسية، ويمكن بوصول علي عبد اللطيف أن يفجر الثورة كما كانت ثورة السلطان عجبنا وابنته مندي. ولذا وعند الغسق دارت عجلات القطار ميمماً شمالاً وفي داخله رمز الثورة السودانية، ومفجر الإحساس بالقومية والانتماء، ولم تكن أيامه في مصر بأحسن حالاً عن حاله بسجون السودان، وبعد هذه السنوات العجاف في السجن ممكن حدوث أي شيء، وعادى أن يصاب الإنسان بالفصام أو غيره، ولذا وبعيداً عن اية مؤثرات، فإن ثورة 1924م بقيادة علي عبد اللطيف، هي حركة وطنية تقدمية، دعت إلى قيم ومبادئ سودانية رفيعة، وحرياً أن يكرَّم قادتها ويضعوا في المكانة التي تناسبهم، وأن يتم تأبينهم كما ينبغي، وأن تقام الاحتفالات الرسمية والشعبية على شرفهم وفي ذكرى ثورتهم المجيدة.
الصحافة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.