شاهد بالفيديو.. ظهر معه في الصفوف الأمامية.. مواطن سوداني يكذب جنود المليشيا الذين زعموا اعتقالهم العميد محمد منصور قائد "الكرمك"    شاهد بالصورة والفيديو.. شاب سوداني يقتحم عقد قران "حبيبته" يشتبك من الحاضرين ويخطف "القسيمة" من المأذون ويمزقها    جلوس أكثر من 3500 طالب وطالبة لامتحانات الشهادة المتوسطة بمحلية الخرطوم    جوجل توسّع الترجمة الحية إلى آيفون وآيباد    الدولار يرتفع وسط توترات الشرق الأوسط    إندونيسيا تصبح أول دولة في جنوب شرق آسيا تقيد وصول الأطفال لمواقع التواصل    كل ما تريد معرفته عن نزاعات الزمالك فى الفيفا وخطة النادى لحل الأزمة    تأجيل حفل شاكيرا فى الأهرامات من إبريل إلى نوفمبر 2026    ماجد المصرى: الخلاف فى أولاد الراعى تجاوز المال إلى جوهر العلاقات الأسرية    هل يمكن علاج الكبد الدهنى؟.. دراسة جديدة تربط الوقاية بفيتامين ب3    الإعيسر .. حين يفعلها رئيس أكبر دولة يسقط عذر الآخرين.. الإعلام الصادق أمانة ومسؤولية وطنية    شاهد بالصورة والفيديو.. رئيس المريخ السابق يفجر مفاجأة كبيرة بخصوص المحترف الجزائري المنضم للمنتخب السوداني ويعد بضم محترفين أفارقة لصقور الجديان    شاهد بالصورة.. تيكتوكر مغربية حسناء ترد على تعليقات الجمهور بشأن علاقتها العاطفية وارتباطها بصديقها اليوتيوبر السوداني    شاهد بالصورة والفيديو.. شاب سوداني يقتحم عقد قران "حبيبته" يشتبك من الحاضرين ويخطف "القسيمة" من المأذون ويمزقها    شاهد بالصورة والفيديو.. مشجعة الهلال الحسناء "سماحة" تطالب إدارة ناديها بتقديم "رشاوي" للحكام من أجل الفوز بالبطولة الأفريقية وتشكر "أبو عشرين"    شاهد بالفيديو.. ظهر معه في الصفوف الأمامية.. مواطن سوداني يكذب جنود المليشيا الذين زعموا اعتقالهم العميد محمد منصور قائد "الكرمك"    مساعدات غذائية تصل آلاف المستفيدين بوادي حلفا عبر منظمة اضافة للمساعدات والكوارث والتنمية    بالصورة.. في مفاجأة كبيرة.. محترف جزائري ينضم لقائمة المنتخب السوداني استعداداً لمواجهة السعودية    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    هل من أمل في الكرة السودانية؟    إيطاليا تقترب من المونديال    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    بروح قتالية عالية.. الهلال يضع اللمسات الأخيرة لمواجهة «روتسيرو» بحثاً عن الصدارة والثأر    تقارير تكشف عن تحرّكات كبيرة للجيش السوداني    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    توضيح لجنة المنشآت بنادي المريخ : دورنا فني فى ملف المنشآت واللجنة القانونية تتولى اجراءات الاخلاء    عمرو دياب يحيى حفلا غنائيا فى تركيا 2 أغسطس    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    دراسة : النشاط البدني مفتاح الوقاية من السكري رغم زيادة الوزن    ماذا قال العميد طارق كجاب بعد إحالته المفاجئة للمعاش؟؟    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    أحمد العوضي : بشكر جمهوري إنه عمره ما خذلني وصاحب الفضل فى نجاحي    دراسة تكشف ترابطا بين أمراض معدية وخطر الإصابة بالخرف    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الجزء الأخير من مقال عربان السودان وإشكال الهوية
نشر في الراكوبة يوم 14 - 12 - 2012


عربَان السودان، وإشكال الهُوِيَّة(الأخير)
بقلم/ عبد العزيز عثمان سام- ديسمبر 2012م
[email protected]
في الختام، إن أردنا أن نبقي سوياً فلا بُدّ من العمل علي إعادة تاسيس الدولة السودانية المتبقية علي شرعية الخِلاف. ولتبقي المشتركات زاداً للمسير، وأنَّ قضية الهوية في السودان معقدة للغاية، ولا يمكن حلها بآليات الحسم الظرفي والتنظير المثقفاتي، ولا يمكن التحايل علي الواقع بدعاوي الحرص علي وحدة مشتركات واقعية أو مفترضة. فجوهر المشكلة في الوضعية التأريخية المتمثلة في هيمنة المركزية الإسلاموعروبية علي الدولة وأجهزتها، وعلي مصير الشعوب القاطنة في الجغرافيا المعروفة بالسودان. وبالتالي بات ضرورياً مناقشة هذا الواقع بشفافية ووضوح حتي تقوم علاقات المستقبل - إن أريدت- علي الوعي الكامل والحقائق الكاملة، وليس علي الغِش والتدليس والإستهبال السياسي. فمن هو جاهِلٌ بالحقائق اليوم لا بُدَّ عارف بها غداً. ومن لا يحمل سلاحاً اليوم يدافع به عن هويته وحقوقه المستلبة فلا بُدَّ مالكه غداً. فأهدي السُبل إلي الحرية والسلام والتنمية والنهضة الثقافية في السودان هو الإقرار بقوامين أو أكثر للثقافة السودانية ولسياسات الدولة السودانية.
إنْ أردنا أن نبقي سوياً، فليكُف أبناء الشمال العربي المسلم عن خلع حضارتهم علي بقية سكان السودان بدعوي الهَجَنَة، عليهم أن يكفّوا عن إحتكار السلطة والثروة وجهاز الدولة كما هو الحال اليوم. وأن يكفوا عن فرض هويتهم علي الدولة السودانية، وأن يقِروا بحقائق التأريخ. والحقيقة الكبري هي، نعم أن الحضارة العربية الإسلامية كانت في يوم من الأيام حضارة عظيمة وطبَّقت شهرتها الآفاق، ولكنها أكملت دورتها وإنهارت كما إنهار الإتحاد السوفيتي، واللغة العربية اليوم ليست ضمن اللغات الرسمية للأمم المتحدة. كما أن الحضارة العربية الإسلامية فشلت، حتي اليوم، في تقديم إرث معرِفي مفيد ومقنع لتطوير البشرية في مجالات الحريات وحكم القانون والإقتصاد والتجارة والعمارة يضيف علي، ويجاري النهضة الكبيرة التي قدمتها الغرب فأجابت علي حاجات الإنسانية وتطلعاتها نحو الحرية والوفرة الرفاهية والإزدهار والتقدم وصون كرامة الإنسان. ولكن الأدهي والأغرب أنَّ الحضارة العربية الإسلامية قد فشلت ذريعاً في تقديم أنموذج حضاري للحكم في معني الديمقراطية والتبادل السلمي للسلطة عبر إنتخابات حرّة ونزيهة، وإحترام حقوق الإنسان والحريات العامة وإعمال حكم القانون وجعله فوق الجميع.
إختصاراً، الحضارة العربية الإسلامية فشلت ذريعاً في تقديم نموذج مناسب للحكم الرشيد يقوم علي الشفافية والمحاسبة. ونموذج السودان ممثلاً في نظام التطهير العِرقي والإبادة الجماعية الحالي هو نموذج ماثل للإرتكاز علي الحضارة العربية الإسلامية في الحكم في الألفية الثالثة بعقلية العصور الوسطي دون تطوير أو تحديث، وبعيداً جداً عن مواكبة التقدم والرقي الذي أحدثه الغرب في الحرية والديمقراطية وحماية الشعب وصونه من كل سوء، وتطوير وتحديث نمط الحياة وسبل الحكم وبناء الإقتصاد وتطبيق حكم القانون وإحترام حقوق الإنسان.
إن قِمَّة ما نجح فيه النظام الحاكم في السودان، وبزَّ به حتي العرب الأقحَاح، هو تأكيده الثابت والمتجدد لعداوة غير مبررة لدولة إسرائيل (كل الأقطار عدا إسرائيل) عبارة بالخط العريض داخل جواز السفر السوداني، بينما السودانيون الآن بعدد الحصي في تل أبيب وإيلات وبقية المدن الإسرائيلية، يتعايشون مع الشعب الإسرائيلي الكريم، ويتعلمون منه الديمقراطية وحكم القانون وإحترام آدمية الإنسان ولو إختلف معه في التوجه والرأي. أعلم يقيناً أنَّ هنالك جمعيات صداقة سودانية إسرائيلية قد قامت لرأب الصدع التأريخي في علاقات الشعوب والقبائل، ولإعادة بناء علائق إنسانية بين جميع شعوب العالم علي المحبة بدل الكراهية، وعلي السلام بدل الحروب والنزاعات، وعلي تبادل المنافع بدل التشاكس والتوترات.
علي أنَّ منع السودانيين من السفر إلي إسرائيل لم يمنع دولة إسرائيل من زيارة السودان لتنفيذ أجْرَأ العمليات الحربية في داخل العاصمة الخرطوم، في غياب تام وثبات عميق ل(رادارات) السودان وفشلها التام في كشف الهجوم الذي وقع علي مصنع آلة الموت والدمار لشعوب دارفور والنوبة والنيل الأزرق، رُغمَ أن الهجوم كان بعددٍ وآفِرٍ من الطائرات الإسرائيلية!! فالتحية لدولة إسرائيل وهي تساهم بفِعِلِها ذاك في صون بعض الأرواح البريئة في هوامش السودان المشتعلة بحروب الإبادة والتطهير العرقي.
أنا أزعم أنَّ حكومة السودان لا تملك ولا تهتم بال"رادارات"، لأن الرادارات تهتم بها الدول التي تلتزم بصون وحماية أراضيها وتدافع عن سيادتها الوطنية، بينما حكومة السودان الحالية لا تهتم بصون التراب السوداني ولا تحمي السيادة الوطنية، فكل إهتمامها ينصَبُ علي صون وحماية النظام وإستمراريته وديمومته، أمَّا حماية كامل الوطن فليس من ضمن إهتمامات النظام لذا تجد النظام خالي من الرادارات.
لا بُدَّ من التبصير بأنَّ التاريخ ليس بعيراً يمكن قيادته إلي حيث نشاء الرّجعَي، وأن النهر لا يمكن عبوره مرتين.. ولعرب السودان الشمالي مطلق الحرية في تنكب هذا الطريق الذي إختاروه، ولكن دون أن يحاولوا سوقنا معهم فيه. فكما للهُجَنَاء الحق في أن يكونوا عرباً أقحاحاً أو يدَّعُون، فللآخرين أيضاً حرية أن يكونوا نوبا وقمر وداجو ومجانين وزغاوة ومحس وفور ومساليت وفونج وبرتي وبجة وهدندوة ودناقلة وحلفاويين..ألخ. ولهم مطلق الحرية والحق في أن يدَّعوا الإنجلوساكسونية والفرانكفونية والأمريكانية والآرية كما تُدَّعي العروبة، ولهم مطلق الحرية والحق في أن ينضموا إلي الكمونولثية وحلف شمال الأطلنطي أو كامب ديفيد كما عرب شمال السودان منضمون بإسم الدولة السودانية إلي روابط عرقية وإجتماعية وثقافية مثل جامعة الدول العربية. فلا يحق للإسلاموعروبين أنْ يصادروا حقوق الآخرين عبر أجهزة الدولة بإدعاءات الحفاظ علي هوية حضارية للسودان!!
الأوضاع الماثلة في السودان تحتم علينا جميعاً دراسة مشاريعنا الثقافية، لأن الثقافة تمثل منظومة سلوك متكامل تشمل الممارسات الإجتماعية وتنظيم الأسرة ودور الأجيال والعلاقة بالأرض وأساليب الانتاج والنحت والرسم والأعمال اليدوية والأحاجِي والمعتقدات وطبيعة الكون ومعني الحياة، علي نفس المستوي الذي أخضعنا له مشاريعنا السياسية لبناء السودان الجديد. ومن تلك المشاريع الثقافية الجادة ايجاد هوية ثقافية توحِّد ولا تُفرِّق، كان مشروع الأستاذ الراحل أحمد الطيب زين العابدين الذي كرَّس له جلَّ حياته العلمية وبحوثه وإمكانياته الأدبية لكي يثبت أنَّ الهوية السودانية الثقافية التي شكلت وجدان الشعب السوداني هي التي أطلق عليها "السودانوية" التي إفترض فيها أنَّ الثقافة الأفريقية هي الثابت الأساسي في الهوية السودانية علي حسب المعطيات التأريخية والمكون الرئيسي لوجدانها وزائقتها التي علي أثرِها أبدع الإنسان السوداني في المجالات الحياتية السودانية وأثرَاها بأشكال إبداع مختلفة ومتنوعة حسب جغرافيته وتشكيلاتها الإثنية علي الخارطة الثقافية السودانية.
رغم أنَّ التجارب الإنسانية تؤكد علي أنّ التحدث بلغة أو الإنتماء إلي دين لا يعني الإنتماء إلي هوية تلك اللغة أو ذلك الدين، ويمكن أن نري تلك النماذج في الكثير من بقاع العالم، ففي أمريكا اللاتينية يتحدثون الإسبانية ولم يجعل ذلك من هويتهم إسبانية. ونجد أيضاً أن الدين الإسلامي وصل حتي جمهوريات البلقان ولكن لم يغيِّر ذلك من هوياتهم القومية شئ، وظلوا مسلمين.
لذلك فإن إفتراض أنَّ أي مسلم أو متحدث باللغة العربية هو عربي هذا إفتراض خاطئ قادنا إلي مفترق طرق. وأنا شخصياً أستطيع التحدَّثَ والكتابة والتعبير بلغات أخري غير العربية، لكنِّي أكتبُ بالعربية لأنني أكتب إلي شعبي السوداني ووطني السودان، شعب يجد نفسه ويرتاح في القراءة والتعبير بالعربية، كما أنَّ العربية هي اللغة التي أجيدُها أكثر، وقد تشكَّل وجدانِي علي العامية السودانية، فلماذا يريد بعض المغاليِن سلب ومصادرة حتي وُجدَانِي؟؟ إنه الغِل.
يقول الدكتور منصور خالد في السودانوية: "السودانوية ليست نتاج عوامل عرقية وثقافية يصطفيها المرء من بين جميع المكونات لشخصيته وفق منطق ذاتي، بل هي كينونة تولدت عبر تراكم تاريخي ثم عن طريق التمازج والتلاقح، ولو ترك هذا التراكم يسير سيراً طبيعياً لإنتهي إلي تخليق وطن موحد الوجدان متصالح مع النفس".
إنَّ وضع الثقافات الأفريقية في موضع التضاد مع الثقافة العربية الإسلامية فيه تعمِية علي الواقع. فالإسلام السوداني تأثر بعوائد أفريقية موروثة أضفت عليه أبعاداً لا تراها في إسلام أهل المشرق وثقافته العربية (اللغة،الموسيقي،الغناء) ثقافة لاقِحة أحْبَلتها طيوف من المؤثرات النوبية والحاموية والكوشية والنيلوية والبانتوية.
ذلك الطابع السودانَوِي الخالص يبدو جلياً في الغناء السوداني السائد الذي لا يهتزَّ له العرب رغم أنه يُعبِّر عن نفسه بعربية فصيحة، ولا يهتزَّ له أفارقة الوسط والجنوب افريقيين رغم طبوله الأفريقية التي تقرع الآذان. فليس من الحِكمة لعرب شمال السودان أنْ يعتقدوا أنَّ خلاصَهم في قولهم القديم: إنَّما أنا من غزيّة إنْ غوت غويت وإنْ ترشُد غزية أرشُد.
المألات المحتملة وآفاق الحلول، وتنحصر المآلات في الإحتمالات التالية:
1/ انتصار ثورات الهامش القائمة الآن: وذلك بتكوين كتلة تأريخية عبر تحالف الكيانات المهمشة (كاودا) وبقية الرِفاق، مع قوي الوعِي والتقدم في المركز للإطاحة بهذا النظام وبهذه الوضعية التأريخية التي باتت تضر بغالبية الناس في السودان بمن فيهم السواد الأعظم من أبناء المركز أنفسهم. وبالتالي تأسيس الأوضاع بشروط جديدة تستند إلي حقيقة التعددية وتلتزم بمبادئ الإنصاف Equity في الإقتسام العادل للسلطة والثروة وجهاز الدولة والتعايش السلمي، وتوفير السلام والأمن لجميع المواطنين. والإرتفاع بقضية الهوية المشتركة، هوية الدولة، من الظرفِية إلي التأريخ، أي لكلٍ هويته والدولة للجميع.
وفي هذا الإطار يتوجب ذكر أنَّ ثوار التحرير في هوامش السودان يضعون مسالة تصحيح الهوية السودانية في سُلَّم أولوياتهم ويضعونها في مقدمة الأجندة السياسية للتغيير، بل فيما يلي قضية الهوية وأهمية الإتفاق علي إقرار هوية حقيقية تُعبِّر عن جموع الشعوب السودانية، تعتَبِر الحركات المسلحة نفسها، أنها حركات تقاتل لأجل التحرر(Freedom Fighters)، وهي بالطبع تختلف عن الحركات المطلبية العادية لأجل رفع المظالم والتنمية والحقوق المتساوية، بينما الحركات القائمة الآن في هوامش السودان تقاتل لأجل الحرية والكرامة الإنسانية وجعل المواطنة متساوية للجميع، ويتأتَّي ذلك بالإنتصار لقضية الهوية الحقيقية التي تٌعبِّر عن جميع شعوب السودان.
فانظر كيف طرحت هذه الحركات المسلحة قضية الهوية السودانية وضمنتها في دساتيرها وتشريعاتها المختلفة وتعهدت بالكفاح لأجل تحقيقها بأي ثمن.
ورَدَ في النظام الأساسي(دستور)حركة/ جيش تحرير السودان النصوص التالية حول الهوية: في الباب الثاني، الأهداف والمبادئي العامة والحريات الأساسية ووسائل تحقيقها، المادة (4) تقرأ: (تلتزم الحركة بالمبادئ العامة والحريات الأساسية التالية: 7/ التعبير المتوازن عن مكونات الهوية السودانية، والإهتمام بالتربية الوطنية. 9/ تؤمن الحركة بأنَّ الدين هو مصدر إلهام رُوحِي ومعنوي لشعب السودان، ويخدم حاجة الإنسانية جمعاء في سعيها للتفاعل السلمي والإرتقاء الروحِي والمعنوي، وأن جهاز الدولة هو مِلكٌ لكل السودانيين، دون النظر إلي أديانهم وقيمهم الروحية، فيجب حياد الدولة. إنّ حركة/ جيش تحرير السودان تؤمن بمبدأ فصل المؤسسات الدينية عن المؤسسات السياسية حتي لا يُستَغل الدين في الشئون السياسية).
وفي وثيقة الرؤية السياسية المتجددة للحركة الصادرة في يونيو 2011م وردت جُمل وعبارات واضحة الدلالة علي الهوية المبتغاة وما ينبغي أن تكونها، علي النحو التالي: (إقامة دولة مدنية ذات هوية حقيقية تُعبِّر عن هجين الشعوب السودانية، ومكافحة جميع أنواع التمييز بين المواطنين. وإزاء هذه المعطيات قررت الحركة الآتي: 1/ بعد إنفصال الجنوب يبقي الجزء المتبقِي من السودان القديم بلا إسم، أو هوية أو دستور ولا مشروع وطني، ويجب علي سكَّانه الاتفاق علي إعادة بناء دولة حقيقية فيه. 4/ ضرورة إقرار دستور جديد، مصدره عقد إجتماعي جديد لجميع الشعوب السودانية، وأنْ تُضمَّنَ فيه الأسس والمبادئ والأهداف الآتية: أ) هوية حقيقية تُعبِّر عن هجين شعوب السودان، ج/ تكريس مبدأ المواطنة المتساوية، ج/ إقرار مبدأ الوحدة الطوعية للسودان عبر إستفتاء شعبي عام لجميع أقاليمه بعد فترة انتقالية كافية).
أمّا علي مستوي الجبهة الثورية السودانية(كاودا)، فقد جاء في الفصل الثاني من النظام الأساسي للجبهة الثورية السودانية 2012م، بعنوان المبادئ والأهداف والوسائل، ورد في المادة (4) ما يلي: (تعمل الجبهة الثورية السودانية لتحقيق أهدافها وفق المبادي التالية: 4/ إقرار مبدأ المواطنة المتساوية أساساً للحقوق والواجبات، 5/ إقرار هوية سودانية تستوعب التنوع والتعدد الثقافي والعرقي والديني، 9/ إقرار مبدأ الوحدة الطوعية لجميع أقاليم السودان).
2/ التسوية التاريخية: الثورة القائمة الآن لإنجاز هدف الهوية ضمن بقية الأهداف، ولكن قد ينتهي الأمر إلي تسوية سلمية بالإتفاق السياسي بين المركز والهامش بالحوار كأحد وسائل تحقيق الأهداف في حال تأخر أو تعذر الإطاحة بالنظام القائم. وقد سبق للسودانيين أنْ إتفقوا علي حلّ قضاياهم المُختلَف عليها عبر التوافق كما في ميثاق أسمرا للقضايا المصيرية، وبالحوار كما في اتفاق السلام الشامل 2005 في نيفاشا وما لحق به من اتفاقيات أخري في أسمرا وأبوجا والقاهرة، علي أنها كلها أُجهِضت بواسطة النظام القائم، ممثل المركز المهيمن علي السلطة منذ (الإستقلال). إذاً التسوية التأريخية مُستحِيلة ما دام هذا النظام قائم علي سُدَّة الحكم. علي أنَّ التسوية السلمية التأريخية تبقي إحدي الحلول إذا ما وُجِدَ شريك جاد وصادق يمثل المركز.
3/ الإنهيار: وقد بدأ فِعلاً بذهاب الجنوب، والبقية آتية نكاد نراها رأي العين. فإذا إستمرت المساومات السياسية التي لا تُعنَي بجوهر المشكلة، وإذا عجز المركز عن تقدير الواقع حق قدرِه وأصرَّ علي مشروعه الإسلاموعروبي الفاشِل، سيبقي إحتمال الانهيار حتمياً ليتفتت السودان إلي أقاليم متحاربة.
نختم بوافر التقدير والإحترام، بتأكيد ضرورة الإستمرار في التنقيب في موضوع الهوية طالما أنها صارت جزءاً أصيلاً وإستراتيجياً في مشروع التغيير في السودان عبر الكفاح المسلح والحوار السلمي، ووضع نفسه في مقدمة الأجندة السياسية، ويستوجِب ذلك ضرورة الإستفادة من الإطار النظري المرصود في هذا الجهد المتواضع، لتسليط الضوء علي جوهر الأمر وتطوير فهم مشترك حول هذا الموضوع المهم والمؤثر علي مستقبل شعوب السودان ودولتهم المترنِحة. (إنتهي)
المراجع: Bibliography
1- الهوية.. فريدة النقاش.
2- صراع الحضارات.. صامويل هتنجتون.
3- الديمقراطية والهوية العربية.. د/ عزمي بشارة.
4- الهوية السودانية.. د/ صبري محمد خليل.
5- إشكاليات الهوية السودانية(اللون والعنصرية والرِق).. د/ صبري محمد خليل.
6- الهوية السودانية: منظور تأريخي.. د/ عبد اللطيف البوني.
7- المشكلة القومية واتفاقية السلام في السودان.. إسماعيل سليمان
8- أزمة الهوية السودانية.. د/ الباقر العفيف.
9- جدلية المركز والهامش.. د/ ابكر آدم إسماعيل.
10- السودانوية: مأمون خضر عبد الرحيم
11- مشكلة الهوية في شمال السودان.. مبارك عبد الرحمن أحمد.
12- النظام الأساسي لحركة/ جيش تحرير السودان 2005 تعديل 2009م
13- الرؤية السياسية المتجددة لحركة/ جيش تحرير السودان يونيو 2011م
14- النظام الأساسي لتحالف الجبهة الثورية السودانية (كاودا) 2012م.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.