مجلس الوزراء يعلن ترحيبه بالبعثة الأممية للسودان    القوات المسلحة تؤكد حل الدفاع الشعبي    كَيْفَ نَحْمي السُّودان من أخطار سد النهضة ؟! .. بقلم: د. فيصل عوض حسن    مسامرات زمن حظر التجوال .. بقلم: عثمان أحمد حسن    المراية .. بقلم: حسن عباس    قون المريخ والعنصرية .. بقلم: إسماعيل عبدالله    تكامل الأدوار في محاربة مافيا الفساد .. بقلم: نورالدين مدني    "أحمد شاويش." ذلك العبقري المتواضع ... بقلم: مهدي يوسف إبراهيم    وزارة العمل والتنمية الاجتماعيّة تسلّم كروت الدعم النقديّ لعدد من الجمعيّات النسائيّة    المباحث تلقي القبض على قاتل ضابط الشرطة بولاية شمال كردفان    نحو صياغة برنامج اقتصادي وطني يراعي خصوصية الواقع السوداني .. بقلم: د. محمد محمود الطيب    أنا والفنان حمد الريح .. شافاه الله !! .. بقلم: حمد مدنى حمد    حول نقد الإمام الصادق للفكرة الجمهورية (2-4) .. بقلم: بدر موسى    أخطاء الترجمة: Bible تعني الكتاب المقدس لا الإنجيل .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    ترامب يتشبه بالرؤساء العرب .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    ذكريات وأسرار الحركة البيئية العالمية ومصائر الدول النامية .. بقلم: بروفيسور عبدالرحمن إبراهيم محمد    باتافيزيقيا السّاحة الخضراء (1) .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن /ولاية أريزونا أمريكا    الدولة في الاسلام مدنيه السلطة دينيه اصول التشريع متجاوزه للعلمانية والثيوقراطية والكهنوت .. بقلم: د. صبري محمد خليل    قانون لحماية الأطباء فمن يحمى المرضى ؟ .. بقلم: د. زاهد زيد    الفقر الضكر .. فقر ناس أكرت .. بقلم: د سيد حلالي موسي    التعليم بالمصاحبة ( education by association ) .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    إحباط تهريب مصابين بكورونا من البحر الأحمر    الشرطة تنفذ حملة لمواجهة مخالفات الحظر الصحي ومعتادي الاجرام    كل ما هو مُتاح: مناعة القطيع .. مناعة المُراح .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





يُوسِف كُوَة مكِّى : المُعلم .. القَائِد المُحارِب.. المُفكِّر السياسِى (2-2)
نشر في الراكوبة يوم 02 - 04 - 2013


فى الذكرى الثانية عشر لرحيله :
يُوسِف كُوَة مكِّى : المُعلم .. القَائِد المُحارِب.. المُفكِّر السياسِى (2-2)
عادل إبراهيم شالوكا
يوسف كُوَة وقضايا الوحدة والإنفصال :-
نواصل ما سبق من حديث فى المقال السابق عن الراحل القائد/ يوسف كوة مكى, ونتطرق إلى رؤاه بخصوص قضايا الوحدة والإنفصال, حيث كان يرى فى هذا الشأن :
((أنا فى إعتقادى إن السودانيين غير راغبين فى الوحدة, ولذلك فإن تفكيك السودان إلى دويلات واقع لا مَفر منه, حتى لو أصبحت ألف دولة, لقد أصبح من الصعب جداً على النوبة والجنوبيين وغيرهم البقاء تحت حذاء النظام، وأما إذا كانت الوحدة رغبة السودانيين فهذا هو ما نصبوا إليه, إن الحل الجذرى للقضية السودانية يجب أن يتم تحت مظلة سودانية بمشاركة كل السودانيين. فإذا لم يتم هذا, سيذهب الجنوب, وسيهذب النوبة, وستذهب دارفور, ولكن فى إعتقاد النظام إنه إذا ما إنفصل الجنوب ستُحل القضية, وهذا غير صحيح, لأن الجنوب إذا إنفصل فسيكون هنالك عدة "سودانات". ولا زالت الحركة الشعبية لتحرير السودان تؤمن بوحدة السودان كخيار أول, ولكن وحدة السودان لن تأتى من جانب واحد, إنما من كل الأطراف الشمال والجنوب, فإذا تمت, فهذا هو المطلوب, فأما إذا لم يحدث فلدينا مرحلة تُسمى بالمرحلة الإنتقالية سيتم وقف الحرب من جانب واحد - أى جانب الحركة الشعبية والجيش الشعبى لتحرير السودان - لكى يعطى الجنوبيين الخيار فى تحديد مصيرهم, فإذا إختاروا الوحدة, سيكون الوضع كما كان عليه فى السابق, ونعود إلى جبال النوبة منطقتنا, وإذا إختار الجنوبيين الإنفصال, فعلى النوبة تقرير مصيرهم أيضاً, النوبة لهم الحق فى الإختيار إذا ما وقفت الحرب, فإذا قررت الغالبية من النوبة الإنضمام إلى الجنوب, ينضموا, وإذا قررت الغالبية البقاء فى الشمال, فلنبقى فى الشمال, وإذا قررت الغالبية قيام دولة خاصة بنا, أو الإنضمام إلى دارفور لتكوين دولة مع بعض, فليكن ذلك, شعب النوبة فى الجبال هو صاحب الخيار والقرار وليس أحد سواهم, ولا حتى يوسف كوة مكى)).
هكذا تحدث يوسف كوة, وكانت تلك هى مواقفه من قضايا الوحدة والإنفصال.
خيارات الحركة الشعبية كما كان يراها :-
وقد حدَّد يوسف كوة الخيارات المستقبلية للحركة الشعبية لتحرير السودان حيث ذكر إنه ما بين الفترة ( 2003 - 2005) سيتم وقف الحرب نهائياً ورسمياً من جانب الحركة الشعبية والجيش الشعبى لتحرير السودان, و هذا الخيار من ضمن الخيارات الثلاثة :
الأول : هو الإنتصار الكامل والشامل للحركة الشعبية والجيش الشعبى لتحرير السودان وقيام السودان الجديد.
الخيار الثانى : فأما الخيار الثانى, فهو دور الأحزاب فى الإطاحة بالنظام من الداخل عبر إنتفاضة عارمة تطيح بالنظام.
الخيار الثالث : وقف الحرب (المرحلة الإنتقالية) لأنه سيسمح للجنوبيين والنوبة بتقرير مصيرهما بالطريقة التى يشاءونها.
وكان يوسف كوة يرى إن "المزاوجة بين النضال السياسى والعسكرى" لتغيير الطريقة التى تُحكم بها البلاد هى الخيار الأمثل والوحيد.
داء السرطان .. وترَجَّل القائد المحارب :-
فى عام 1993، بعد عودة وفد الحركة الشعبية لتحرير السودان من محادثات أبوجا الثانية (للسَّلام) بين الحكومة السُّودانية من جهة، والحركة الشعبية من جهة أخرى، حيث كانت هذه المحادثات هى نهاية جولة المفاوضات في نيجيريا كمقر لها, وفي طريق عودة الوفد إلى السُّودان الجديد قضوا أمسية في لندن، وإنتهز يوسف كوة الفرصة وذهب إلى مدينة (نوريتش) للفحص الطبي. حيث قابل أحد الأطباء وهو متخصص في أمراض الكلي وضغط الدم, ومن خلال الفحص وجد الطبيب أن ضغط دمه مضبوط، والفحوصات المرتبطة بشكواه عن بعض الأعراض جاءت عادية, ولسوء الطالع لم تكن هناك أيَّ دواعي ذاتية أو موضوعية لإجراء فحوص أخرى, وإذا كان ..فبالإمكان إكتشاف ما أصبح سرطاناً في نهاية الأمر في تلك المرحلة المبكرة، لكان هناك ثمة فرق ملحوظ. لقد أضحى مرض يوسف كوة بائناً فى العام 1998، وحينها كان المرض قد إنتشر إلى بقية أعضاء الجسد من موضعه الإبتدائي، وبات يُعاني من الآلام المُبرحة التي تُصيب صاحبها دوماً بالعجز. وقد تلقَّى كل العلاج المناسب بواسطة أطباء مختصين في علم الأورام في مستشفى (نورفوك) و (نوريتش) الجامعي لكي يستخدمه, وكان يوسف كوَّه يذهب بإنتظام إلى المملكة المتحدة لمعاودة الفحص لحالته الصِحيَّة، وفي كل الأحوال كان يتم صرف أدوية إضافية له. وللأسف الشديد، كانت زيارته إلى المملكة المتحدة في يناير 2001م, آخر زيارة له. حيث فارق الحياة بهدوء وبوجه مُشرق في يوم السبت 31 مارس 2001م. وقد ظل يوسف كوة يُحارب، بطمأنينه بائنة رغم معرفته بموته الوشيك. وفى هذا الصدد يحكى الصحفى أتيم ياك :
((ذهبت لزيارته في مكتبه بنيروبي في إحدى المرات, وبدأ فى صورة جيدة وكعادته مبتهجاً، وعندما إستفسرته عن صحته أجاب "ما بطَّال", ودُهشت، وهو في ذلك الوضع الصحي، بعدها سألني إن كان لديَّ الوقت الكافي للجلوس معه للمناقشة والمساعدة في إنجاز إحدى الخدمات لمنطقة جبال النوبة, وبدأ حديثه قائلاً - إن مكتبه تلقى مبلغاً معتبراً من المال من بعض المتعاطفين وإنه قرر تخصيص جزء من المبلغ لتدريب مجموعة من الصحفيين من أبناء جبال النوبة, وإنه يُريد مني الإشراف على البرنامج التدريبي وإن أقوم بعملية التدريب أيضاً, بالطبع وافقت على الفور وأنجزنا الدورة التدريبية لصحفييّ جبال النوبة، والتي إستمرت لثلاثة أشهر وكانت الأولى من نوعها. ما يُدهشني حتى اليوم إن ذلك الرجل الشجاع، وهو يقارب الموت، ظل مشغولاً يعمل من أجل الحركة الشعبية وقضية شعبه بجبال النوبة، في الوقت الذي كانت أسرته المُباشرة تعيش حياة الشظف، حيث لم تكن عائلته تمتلك من المال ما يعينها على تسهيل الحياة. أُضطرت زوجتاه الإثنتان الى الهجرة الى الولايات المتحدة وأستراليا من أجل تعليم أطفالهم. قليل من القادة، أمثال يوسف كوة مكي، من يقدر على مقاومة إغراء المال وتحويل المال العام، مثل تمويل المنظمة، لمصلحته الخاصة ولرعاية أسرته التي كانت أقرب إلى حالة الفقر. إلا أن شخصية مثل يوسف كوة، لا تعرف الأنانية وحب الذات، وتضع دوماً الصدق والمبادئ ومستقبل الملايين من أبناء شعبه في موضع أولوية على رفاهية أسرته ..)).
و بعد وفاة يوسف كوة في مُستشفى (نورفوك ونوريتش) بلندن, نُقل جثمانه إلى الكنيسة وإلى المسجد على السواء لأداء الصلوات عليه، وغُطيَّ جثمانه بالهلال والصليب، رمزيّ الإسلام والمسيحية, فى إشارة منهم لقيَّم التسامح التى كان يوسف كوة مُلتزمٌ بها.
مثل تجربة حياة يوسف كوة مكي كان في مقدورها الحفاظ على أرواح الملايين من أبناء هذا الوطن ومنع الحروب الأهلية المُزمنة التي كلفت وتُكلِّف البلاد الكثير، وعطَّلت التنمية والرَخاء لجميع السودانيين.
مُحارب يحترم حقوق الإنسان :-
كتبت الصحافية البريطانية جولي فيلينت عن يوسف كوة قائلة :
((إنَّ موت يوسف قد سلب أفريقيا واحداً من قادته أصحاب الرؤية، وقد سلب الموت النُّوبة رجلاً وهبهم فخراً جديداً, وثقة في إفريقيَّتهم، وسلب الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السُّودان قائداً برهن أنَّ النِّضال المسلح موازِ لإحترام حقوق الإنسان والمجتمع المدني..)).
إزاء هذا المفهوم وذلك المنطق كان يوسف كوة أول قائد في الجيش الشعبي لتحرير السُّودان يسمح لمنظمات مُراقبة حقوق الإنسان أن تعمل في إقليم جبال النُّوبة الواقع تحت إدارته. وقد وصفته جيميرا رون – الموظَّفة بمنظمة هيومان رايتس ووتش بواشنطن بأنَّه :
((رجلٌ حالم، مُطَّلِع ومفكِّر؛ وقد أخذ التحرير بجد، مدركاً أنَّه يتضمَّن إحترام حقوق كافة الناس؛ إنَّ رجلاً بهذه الصفات لا يستطيع أن يعيش طويلاً)) .
فقد كان يوسف كوَة رجلاً نادراً، عنيداً في الدعوة إلى الحق, وملتزماً به.
نزاهة سياسية :-
وصف الدكتور/ محمد سليمان محمد، رئيس مجلس معهد البديل الإفريقي بلندن، يوسف كوة بقوله :
((لقد لعب يوسف كوة دوراً كبيراً في تعزيز وحدة الكثيرين من النُّوبة حول حقَّهم الشرعي لتكون لهم هُويَّة أثنية مستقلة كنُّوبة. وكان المُدافع الفخور والحامل لتقاليد وثقافة النُّوبة. إذ قاده الطريق إلى نوبويَّته دون توقف, إلى الحركة الشعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان، وإلى الإحترام المتبادل والتعاون مع كافة السُّودانيين، الذين يقدِّسون التعدد الإثني والديني والثقافي في الشعب السُّوداني, فلم يهجُره وضوح الغرض والفعل الصَّارم خلال حياته السياسيَّة والعسكريَّة. فمنذ أيَّامه الطالبيَّة بجامعة الخرطوم حتى أيَّامه الأخيرة وسطنا، كان يوسف يمتاز بالشفافيَّة في أغراضه، واضحاً في إستنطاق أهدافه، مُعترفاً بالصعوبات، لكنه لم يستهجن الأمل، ولم يهجر تفاؤله المعدي, فمن خلال جميع خطاباته أو الحوارات التى أُجريت معه, يمكنكم أن تروا وتقدِّروا النزاهة، والوضوح السياسي والأخلاقي لإجاباته, لم يتردَّد يوسف كوة أبداً في قول الحق، مهما كان هذا الحق مؤلماً كما يمكن أن يكون أحياناً, وهذه النزاهة تتطلَّب النقد الذاتي، وهذا سلوك يحاول السياسيُّون العاديُّون تجنُّبه بكل التكاليف" . ففي ذات مرة سُئل يوسف كوَّة عن الوضع العسكري، وجاءت إجابته بأنَّه (عسير)؛ وعن تجنيد الأطفال في الجيش الشعبي، قال : "نحن نحاول في أشد ما تكون المحاولة أن نبعدهم عن الجيش الشعبي، ولكن بعضاً منهم إستطاع أن يُهرِّب نفسه إلى قواتنا". و حين إلتقى يوسف كوة لأول مرة مع وزير الدفاع السّابق (اللواء م) فضل الله برمة ناصر – فإذا بيوسف يقول له دون تردد : "رفضتَ أن أقابلك في الماضي، ولكن حين سمعت أنَّك الآن نادم على قرارك بتسليح البقارة فإنَّى على إستعداد – في سبيل شعبنا – على الجلوس معك ومُناقشة مُستقبل التعاون السلمي بين النُّوبة والبقارة". وقد جلسَ معه لعدة ساعات, وكان هذا الإجتماع قبل أسبوعين فقط من وفاته، وكان في أشدَّ الألم، وكانت لِثتُه تنزف دماً خلال تلك الأُمسية..)).
ويواصل الدكتور/ محمد سليمان سرده عن يوسف كوة:
((حين يُكتب تأريخ السُّودان الحديث بواسطة الذين يؤمنون بالمساواة والنزاهة، ويدافعون عن الحقوق الأثنية والدينيَّة والثقافيَّة لكافة شعوبهم، فسوف يكون هناك فصل للدور البارز الذي لعبه يوسف كوَّة مكِّي في نشر الأفكار وتبني الأفعال التي ساهمت في هذا التحول الأساس, فحين تتم إساءة معاملة شعبك، ويُحطون من قدرهم، ويُقتلون بالآلاف، فإنَّ الاستجابة الإنسانيَّة العادية لهي مقابلة الكراهيَّة بالكراهيَّة، والجريمة بالإنتقام. ولحسن تعليمنا الإنساني والسياسي جميعاً، لم يشاء يوسف كوة أن ينغمس في الكراهيَّة أو الإنتقام, ولكن كان بإستطاعته أن يرى ما هو أبعد من الذي يحدث الآن)) .
ويحكى القائد/ عبد العزيز آدم الحلو عن أهم المواقف التى مرت به مع يوسف كوة بقوله :
((عندما دخلت كتيبة البركان "Volcano" بقيادة الشهيد / يوسف كوة إلى جنوب كردفان سنة 1987 لأغراض التجنيد, إتضح إن النظام قام بتحريض وتسليح وتجنيد مجموعات عرب البقارة لمقاتلة الحركة الشعبية بإعتبار إنها تستهدف العرب والمسلمين. وقد وجدنا بمنطقة "سرف الجاموس" أحد التُجار ويُدعى (عبد الله) وهو من أبناء عرب الحوازمة (الرواوقة) وكان قد فرَّ مع المواطنين الآخرين للإحتماء بالجبل, وقد ناداه يوسف كوة مكي وسأله عن العُمدة (جلال) عمدة الحَمرة وهو من البقارة الحوازمة, وأخبره عبد الله أن العُمدة جلال يقوم بتحريض البقارة وتسليحهم لمقاتلة الحركة الشعبية والنوبة، وعليه كلفني القائد/ يوسف كوة بكتابة رسائل للعمدة جلال وبقية النُظار والعُمد من العرب تُوضِّح إن الحركة الشعبية لم تأتِ لإستهداف العرب أو المسلمين, وإنما تُحارب الحكومة المركزية في الخرطوم من أجل إنتزاع حقوق سكان الولاية غض النظر عن الدين أو العرق أو اللون. وقد أخذ التاجر عبد الله الخطابات وذهب بها، ولكن لسوء الحظ وقع في أيدي أفراد الإستخبارات العسكرية, وأخذوا منه الرسائل وأحرقوها وأودعوه السجن لمدة عامين حتى لا تصل رسالة الحركة الشعبية، ولكن يوسف كوة وكل الرفاق الآخرين بالحركة لم يصابوا بالكلل ولم يتوقفوا من بذل الجهد لتوضيح رؤية الحركة وأهدافها لكل المجموعات سواء كانت عربية أو أفريقية)) .
ماذا قال عنه الد كتور/ جون قرنق دى مبيور :-
بمناسبة مرور (إثنين وأربعين يوماً) على وفاة يوسف كوه مكى ألقى زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان الدكتور/ جون قرنق دي مبيور خطاباً كما يلي :
((اليوم هو اليوم الثاني والأربعين منذ أن رحل عنَّا القائد/ يوسف كوَّة مكِّي، ولقد خصصنا هذا اليوم لذكراه. لقد ندبت الحركة الشعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان وشعوب السُّودان الجديد حقاً لموت يوسف كوَّة. فالذين تابعوا مراسم الحداد، بدءاً من نيروبي إلى حيث إستلمت الجثمان، ومنها إلى (ياي) ثمَّ أخيراً إلى جبال النُّوبة، يتفق معي أنَّه ما من أحد من السُّودان الجديد قد تمَّ البكاء عليه مثلما حدث ليوسف كوة. إذ خرج جميع سكان مدينة (ياي) لوداعه, بكى الناس بغزارة وهم يودعونه. هذا يدل على كيف كان يوسف محبوباً بواسطة الجميع في الحركة الشعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان وفي السُّودان الجديد ! هذه المراسم تُظهر عظمة يوسف كوة وفخر النُّوبة. إنَّ فقدان القائد/ يوسف كان حزيناً جداً، يفوق الكلمات والعبارات. بعد أسرته المُباشرة، من المحتمل أن أكون أنا أكثر الناس ألماً. كان يوسف أكثر من مجرَّد رفيق مُناضل في سبيل الحريَّة. كان صديقاً شخصيَّاً؛ كان صديقي الحقيقي. لقد ساعدني وساعد الحركة في أشياء كثيرة. لقد فتح جبال النُّوبة للحركة الشعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان، وأخذ النُّوبة لمرتفعات جديدة في الوعي السياسي. لقد جعل النُّوبة يدركون أن حريَّتهم لا يمكن أن تُمنح لهم، ولا يمكن أن يحارب الآخرين من أجلهم. الحرية المسلوبة ينبغي أن تُعاد, وتُعاد بواسطة الشخص المظلوم, كانت هذه هى عقيدة يوسف كوة..)).
آخر ما قاله يوسف كوة قبل وفاته :-
قبل وفاته بأيام قليلة وجَّه القائد/ يوسف كوة مكى رسالة لشعب جبال النوبة طالبهم بالتوَّحُد وعدم التشتت والتمزُّق, وأن يستمروا فى النضال من أجل حقوقهم السياسية و المدنية والدستورية وغيرها من الحقوق. وأكدَّ إن النوبة هم المسئولين عن تقرير مصيرهم لا يوسف كوة الذى سيقرر مصير النوبة ولا الجنوبيين, وطرح ستة أهداف لشعب جبال النوبة للعمل من أجلها :
1/ تحرير جماهير النوبة من التخلف وإطلاق قدراتها السياسية والإقتصادية والإجتماعية وحشدها وإعدادها بالأدوات الملائمة فى حركة واسعة متعددة الجوانب, مُوزَّعة فى تركيبته الإجتماعية وأجهزته.
2/ إستنهاض الحركة الجماهيرية النوبية وتأهيلها إلى طريق السلطة أو المشاركة الحقيقية فى السُلطة وقرراتها.
3/ توعية جماهير النوبة من أجل تنظيمها وتوحيدها حتى تتمكن فى النظر فى القضايا ذات التعقيد التاريخى والإجتماعى.
4/ تنظيم جماهير النوبة وحشدها خلف تنظيمات المجتمع لإنجاز المهام التاريخية .
5/ تحرير جبال النوبة من التخلف و الجهل والفقر.
6/ تمكين جماهير النوبة من العمل فى الساحة الإقتصادية كقوة يمكنها أن تقف بقوة فى وجه الفقر, التخلف والجهل.
محطات سياسية :-
كان الناطق الرسمى بإسم الجبهة الوطنية الأفريقية (A.N.F) بجامعة الخرطوم وساهم فى تأسيس جمعية الثقافة الأفريقية. قام بتأسيس رابطة طلاب جنوب كردفان بجامعة الخرطوم, وأسس تنظم شباب جبال النوبة (كمولو) عام 1977 مع عدد من قيادات الحركة الشعبية (عبد العزيز آدم الحلو / دانيال كودى / عوض الكريم كوكو/ تلفون كوكو أبو جلحة / يوسف كره هارون / ... وآخرون) وضم هذا التنظيم أعضاء من كادوقلى و الدلنج, بالإضافة الى ذلك أسس عدة تنظيمات سرية بمسميات مختلفة (الصخرة السوداء / الكتلة السوداء / نحن كادقلى / روابط أبناء جبال النوبة / حركة جبال النوبة التحريرية / تنظيم الزنوج الأحرار.
- تم إنتخابه فى مجلس الشعب الإقليمى بجنوب كردفان فى مايو 1981م والذي كان مقرَّه في مدينة الأبيض, وكان نائباً لرئيس المجلس حتى تاريخ إلتحاقه بالحركة الشعبية لتحرير السودان فى نوفمبر 1984م.
- عُيِّن عضواً مناوباً بالقيادة السياسية والعسكرية العليا للحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان في أغسطس 1986م.
- تم إنتخابه رئيساً لمجلس التحرير القومى بالحركة الشعبية لتحرير السودان خلال المؤتمر العام الأول فى شقدوم 1994م , وكان رئيساً للجنة المنظمة للمؤتمر.
- عضو الوفد المفاوض فى مفاوضات أبوجا .
- عضو مُفاوض لوفد الحركة الشعبية فى مفاوضات الإيقاد بأديس أبابا 1998.
- شارك كنائب رئيس وفد الحركة الشعبية فى الجولة الثانية لمفاوضات السلام السودانية.
- في العام 2000م عُيِّن يوسف كوة عضواً في مجلس القيادة بالحركة الشعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان، وفي الوقت نفسه بات مشرفاً عاماً على مفوضيَّة الشئون الإنسانيَّة بالمجلس الوطني التنفيذي للحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان، وهو المنصب الذي تقلَّده حتى وفاته.
- توَلىَّ منصب قائد وحاكم إقليم جبال النوبة بالمناطق المحررة حتى وفاته فى 31 مارس 2001 حيث خلفه القائد / عبد العزيز آدم الحلو.
يوسف كوة مكى يختار خليفته :-
عندما ذهب يوسف كوة إلى مستشفى (نوريتش) الجامعي ببريطانيا, لمعاودة الفحص الراهن لصحته فى يناير 2001, أخبره الطبيب للأسف الشديد إنه قد تبقت له أيام معدودات فى الحياة, لم يصاب القائد المهموم بقضايا أهله بالإحباط أو الخوف من مصيره المحتوم, بل بذل قصارى جهده لإستثمار ما تبقت له من أيام بالصورة المثلى, وبأقصى ما يملك من قوة وقدرة على العمل, فأجرى عدة إتصالات ومقابلات مع المسئولين فى الإدارة البريطانية لإيصال المساعدات الإنسانية لشعب جبال النوبة, ولكن ما كان يشغله بصورة جدية هى مسألة الشخص الذى سيخلفه فى جبال النوبة, إتصل يوسف كوة بزعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان الدكتور/ جون قرنق دي مبيور وطلب منه إرسال القائد/ عبد العزيز آدم الحلو ليكون حاكماً لإقليم جبال النوبة خلفاً له, حينها كان عبد العزيز قائداً لقوات الجيش الشعبى بشرق السودان, تردد دكتور جون فى بادى الأمر لأن جبهة مهمة مثل شرق السودان وبكل خصائصها وتضاريسها وتعقيداتها كانت تحتاج إلى قائد قوى فى قامة "الحلو", ولكن يوسف كوة أصر على تكليف عبد العزيز بهذه المهمة وقال ل"قرنق" :
(( إن كنت تريد خيراً لشعب جبال النوبة, وحتى لا تفقد الجبهة الرابعة, أرجو تكليف القائد "عبد العزيز" بهذه المهمة, إن روحى لن ترتاح حتى أسمع إنك قد أرسلته إلى الإقليم)).
فكان له ما أراد, وهكذا ذهب يوسف كوة مكى تاركاً خلفه قضايا كبرى وتحديات جسام, مثلما ترك خلفه قيادة عظيمة وقادة كبار, وجيوش قوية وصامدة, وشعب جسور يفتخر بعظمة تاريخه, متمسكاً بأرضه وترابه, ويؤمن بعدالة قضيته, فنضال النوبة لم ينتهى بعد, مثل نضالات الشعوب الأخرى المهمشة فى السودان, وسيستمر النضال .. والنصر أكيد.
المصادر العربية :-
1/ المناضل يوسف كوة مكي : غياب الأبطال و رحيل الأوطان - حوار : سليم عبد الرحمن دكين – لندن 13 يوليو عام 2000 .
3/ د. عمر مصطفى شركيان : شخصيَّة يوسف كوَّة مكِّي بعد حقبة من وفاته (مجموعة مقالات).
المصادر الإنجليزية :
1/ Interview with Yousif Kuwa Mekki – by: Nanne op't Ende – London- February : 12 and 13, 2001.
2/ Jungle Chronicle : Yousif Kuwa Mekki – back to his roots – Atem Yak Atem – 15 December 2010.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.