الرابطة والتوفيقية يتعادلان في مباراة الأحداث المثيرة    الموسياب يبدع ويقسو على الأمل بثلاثية نظيفة    وزير التعليم العالي السوداني: العودة إلى الدراسة خطوة استراتيجية    الهلال ينفرد بصدارة الدوري الرواندي    ضياء الدين بلال يكتب: قوش وآخرون... جرد حساب!    رويترز تنشر تقريراً استقصائياً حول إنشاء معسكرات لمليشيا الدعم السريع باثيوبيا    عاطف حسن يكتب: بنك الخرطوم.. اعتذارك ماااااا بفيدك .. !!    سودانير تعلن استئناف رحلاتها من مطار الخرطوم    شاهد بالفيديو.. بعد أداء العمرة.. شيخ الأمين يعفو عن كل من أساء إليه ويدافع عن الفنانين: (أحد الصحابة كان عنده "عود" يعزف ويغني عليه)    شاهد بالصور.. زواج شاب سوداني من فتاة "صينية" مسلمة ومطربة الحفل تكتب: (جمعتهما لغة الحب والدين الاسلامي الحنيف لمدة 14 عام)    مناوي: حرق معسكرات النزوح مخطط قاسي لإرغام النازحين على العودة قسراً إلى مدينة الفاشر التي فروا منها طلبا للأمان    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    شاهد.. مقطع فيديو نادر للحرس الشخصي لقائد الدعم السريع وزوج الحسناء أمول المنير يظهر فيه وهو يتجول بحذر قبل ساعات من اغتياله    شاهد بالفيديو.. جمهور ولاعبو أم مغد الكاملين يحملون مدرب الفريق على الأعناق احتفالاً بالتأهل لدوري النخبة: (جندي معانا ما همانا)    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    دراسة: السمنة وراء واحد من كل عشر وفيات بالعدوى على مستوى العالم    آبل تستعد لأكبر تغيير فى تصميم آيفون منذ سنوات مع iPhone 18 Pro    دعوى ضد ميتا ويوتيوب بشأن إدمان الأطفال للتطبيقات    أسباب ارتعاش العين وطرق العلاج    رئيس شركة نتفليكس يكشف عن تدخل ترامب فى الصفقة الجديدة.. اعرف التفاصيل    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مني أبو زيد يكتب: القبيلة والقبائلية في السودان بعد حرب الخامس عشر من أبريل    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



رحلة العودة...بيع للعقارات وانخفاض طفيف في أسعار الاراضي والإيجارات بالخرطوم.. ورحيل للجامعات جنوبا..بعض الجنوبيين ساروا عكس أبناء جلدتهم فاشتروا منازل في قلب الخرطوم مع موجات النزوح العكسي..
نشر في الراكوبة يوم 26 - 11 - 2010

الأفضل أن نذهب قبل أن تحرض علينا الحكومة العنصريين ويقوموا بمضايقتنا..
«أنا عائدة إلى الجنوب للمشاركة في عملية التسجيل، والمشاركة في استفتاء تقرير مصير جنوب السودان، ولا أدري هل سوف أستقر أم أعود مرة أخرى إلى الشمال بعد الانفصال»، هكذا لخصت ماريا، طالبة بجامعة جوبا، رواية عشرات الآلاف من الجنوبيين الشباب ممن تربوا في شمال السودان. فالبعض يغادر ولا يدري إن كان يحمل تذكرة ذهاب لاتجاه واحد بلا عودة، أم سيعود مرة أخرى.
لكن آخرين آثروا الوقوف على «حافة الانتظار»، ومن بينهم أبراهام الذي يعمل صرافا بأحد البنوك بالخرطوم. فقد أكد أنه سينتظر إلى حين انجلاء الموقف لأنه لا يريد أن يفقد وظيفته في الشمال بمغامرة غير محسوبة النتائج، في وقت حزم فيه آخرون حقائبهم وجمعوا مقتنياتهم في رحلة «العودة الطوعية وموسم الهجرة إلى الجنوب».
فالشابة تريزا حسمت أمرها، وهي من ضمن الفريق المشرف على عودة الجنوبيين السودانيين إلى مناطقهم. فقد شددت على ذلك قائلة «سنعود.. لأن السلام عم ديارنا، ولنتمكن من تعمير أوطاننا ونبني عمارات مثل هذه»، مشيرة إلى المباني الشاهقة التي بدأت تشكل ملامح العاصمة الخرطوم. في وقت ظلت فيه هذه العمارات قبل اكتمال تشييدها مقار غير دائمة لهم في أزمنة النزوح، فهم لا يعرفون في الخرطوم من البنايات الشاهقة سوى الاحتماء بهياكلها قبل أن تكتمل لتركلهم بعيدا في رحلة بحث أخرى.
ورحلة العودة المحفوفة بالمخاطر بدت تداعياتها ماثلة للعيان مع اقتراب ساعة الصفر، وإجراء الاستفتاء في يناير (كانون الثاني) المقبل. فما بين الأسواق والعقارات تبدو المسألة واضحة، لأن الجنوبيين يشكلون نسبة كبيرة بين سكان العاصمة التي تحتضن نحو 6 ملايين سوداني، ولكن لا أحد يعرف بالضبط عدد الجنوبيين. وقد قدرتهم الحكومة خلال التعداد السكاني الذي أجري في عام 2008 بنحو 500 ألف في كل شمال السودان؛ إلا أن الحكومة ذاتها عادت وأكدت وجود أكثر من مليوني جنوبي بالشمال، في وقت أعلنت فيه حكومة جنوب السودان عن برنامج عودة طوعية استهدف نصف مليون قاموا بالتسجيل الطوعي.
وبالفعل بدأت عملية العودة، حيث تحرك أول فوج صوب ولاية الوحدة المجاورة للشمال على متن 100 سيارة، و52 جرارا. ويؤكد منسق مكتب ولاية الوحدة جون كريكوف، ل«الشرق الأوسط»، أن ولايته، وهي واحدة من ضمن عشر ولايات جنوبية، تمكنت من تسجيل 30892 من الراغبين في العودة. وأشار إلى أن الولاية خصصت لهم نحو 300 جرارا، في وقت سجلت فيه ولاية واراب 53 ألفا من العائدين. ويشير منسق برنامج العودة بالنسبة للولايات الاستوائية إلى أن الولايات سجلت ما يقارب 23889 نازح. وتتقارب الأرقام لبقية الولايات.
وبين تأهب الباصات، والأمتعة المتناثرة هنا وهناك غرب المدينة الرياضية بالخرطوم، يستعد المئات للرحيل، بعد أن تحولت المنطقة إلى إحدى نقاط التجمعات للنازحين الذين يرغبون في العودة إلى الجنوب. فهم قد نزحوا إلى الشمال منذ سنوات طويلة فرارا من نيران الحروب التي شهدتها مناطقهم، فمنهم من ذهب جنوبا إلى دول الجوار، ومنهم من انضم إلى «مواسم الهجرة إلى الشمال».
وبينما كان الوصول إلى الخرطوم قد حصل على مراحل، وعبر بوابات برية في النيل الأبيض، والنيل الأزرق، وكردفان، فإن للعودة نوافذ متعددة، ومن بينها الموانئ الجوية. وتقول ماريا ل«الشرق الأوسط إن «المقتدرين من أبناء الجنوب يفضلون العودة عبر الطائرات، حيث وجدت شركات الطيران السودانية أسواقا رائجة خلال الأشهر الماضية». وتؤكد أن الحصول على تذكرة للسفر إلى مدن الجنوب بات صعبا، وقد يحتاج إلى الانتظار أياما طويلة، على عكس السابق حين كانت بعض الطائرات تضطر إلى التوجه جنوبا بأي عدد من الركاب في المواسم العادية.
ومع ارتفاع موجات العودة تبعث التقارير الصحافية اليومية القادمة من هناك ببعض الرسائل التي لا تبعث في النفوس الطمأنينة؛ فقد أقر حاكم ولاية الوحدة تعبان دينق بصعوبات تواجه توطين الجنوبيين العائدين إلى مناطقهم من شمال السودان. وقال إن عودة هؤلاء «المواطنين» ليست مسألة سهلة، وصرح لوكالة الصحافة الفرنسية «سيواجهون مشكلات، ونأمل أن نتخطى هذه الصعوبات مع شركائنا». ووصل الآلاف بعد رحلة مرهقة بدأت في الخرطوم قبل يومين، في الأسابيع الماضية إلى روبكونا في ضاحية بانتيو عاصمة ولاية الوحدة. وأشارت ولاية الوحدة والمنظمة الدولية للهجرة إلى أن عددهم بلغ 12 ألفا، وهذا التدفق المفاجئ أربك السلطات المحلية التي أرغمت على مصادرة خمس مدارس في بانتيو لإيواء الوافدين الجدد مؤقتا، لأن الأمطار أعاقت الوصول إلى بعض القرى، خصوصا في ميوم.
وقال مسؤول في منظمة إنسانية في بانتيو طلب عدم كشف اسمه «إنها فوضى عارمة»، وأضاف «لم تكن هناك استعدادات على الإطلاق، وصدمنا عندما رأينا أن 50 حافلة وصلت مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) خلال يومين. كنا نظن أن الحكومة ستقود العمليات، وأننا سنقدم الدعم لها، لكن الأمر عكس ذلك تماما!». وأعربت مصادر إنسانية عدة لوكالة الصحافة الفرنسية عن ترددها في تنظيم أو تمويل مساعدة الوافدين الجدد إلى جنوب السودان. وأطلقت سلطات جنوب السودان برنامج «عودوا إلى دياركم للاختيار»، الحملة التي بلغت كلفتها 25 مليون دولار لإعادة نحو 1.5 مليون جنوبي يعيشون في الشمال إلى ديارهم قبل موعد الاستفتاء حول تقرير مصير جنوب السودان.
وقد اكتسبت العودة وفق قراءات المراقبين حيويتها من جانبين مرتبطين بصراعات وخلافات «المؤتمر الوطني» والحركة الشعبية، شريكي الحكم في السودان. فالحركة لا تخفي شكوكها في نوايا «المؤتمر الوطني»، وتخوفها من عملية تزوير في أصوات جنوبيي الشمال، وكذلك في أصوات الجنوبيين المنتشرين في أنحاء البلاد، لذا تكثف من حملتها لتشجيع كل الجنوبيين للعودة، وتسجيل أسمائهم في كشوفات الناخبين لتضمن نأي هذه الأصوات عن متناول أيدي الحزب الحاكم. فيما شكلت تصريحات بعض مسؤولي الخرطوم دافعا آخر لتنفيذ برنامج العودة الطوعية، فقد هدد مسؤولون بارزون «الجنوبيين بفقدان حقوقهم في المواطنة، بما ذلك حقنة الدواء».
ويقول جون ماكيير ل«الشرق الأوسط» «نفضل العودة هناك لأننا ليس لدينا شيء نخسره هنا في الشمال، فالدواء أصلا متعثر، فيما يقيم معظمنا ما بين العراء، وهياكل البنايات الشاهقة، والأفضل أن نذهب قبل أن تحرض علينا الحكومة العنصريين ويقوموا بمضايقتنا».
وفي هذا السياق، كشفت مصادر مطلعة أن عدد الجنوبيين الذين يمتلكون عقارات في الخرطوم لا يتجاوزون (26) ألفا من الملاك. إلا أن هناك أعدادا مقدرة تقطن أحياء في وسط العاصمة عن طريق الإيجار خاصة في مناطق الحاج يوسف في شرق النيل، وبحري، وجبرة والكلاكلات في جنوب الخرطوم، والفتيحاب وأم بدات بأم درمان، وهو ما انعكس على أسعار الإيجارات والأراضي في تلك المناطق، وسجلت الأسعار انخفاضا نسبيا حيث تراجع سعر منزل كان «330 - 340» ألف جنيه سوداني (أكثر من مائة ألف دولار أميركي)، فأصبح في حدود «310 - 330» ألف جنيه سوداني، ونحو 255 ألف جنيه من 275 ألف جنيه، فيما يصل سعر قطعة الأرض وحدها والتي تبلغ مساحتها 400 متر إلى 240 ألف جنيه بعد أن كان 255 ألف جنيه، وسط أحياء «راقية»، وتراجع السعر في الأحياء المتوسطة إلى «125 - 135» ألف جنيه، بينما انخفض سعر قطعة الأرض الخالية والتي تبلغ مساحتها 400 متر إلى 150 ألف جنيه.
وشهدت أسواق العقارات في الخرطوم حركة عرض واسعة للعقارات من قبل السودانيين الجنوبيين، في وقت يمر فيه الشراء بحالة أشبه «بالكساد». ويقول صاحب إحدى الوكالات العقارية بالخرطوم بحري «الآن المعروض لدينا عشرة عقارات، لكن الإقبال ضعيف». وهو أمر على وفق رواية عباس محمد صاحب الوكالة، يعود إلى كثرة العرض في مقابل ضعف الطلب، بعكس السنوات الفائتة التي شهدت ارتفاعا في العقارات في مجالي البيع والشراء، والإيجارات.
ويواصل محمد حديثه قائلا «الإخوة الجنوبيون يأتون إلينا يوميا وهم يعرضون منازلهم عن طريق الوكالات لأنهم لا يثقون في السماسرة (الوسطاء)»، متوقعا انخفاض أسعار العقارات بصورة أكبر في الأيام المقبلة. أما سوق الإيجارات للمواقع التجارية وللمساكن فالطلب عليها يتراجع يوما بعد يوم، حتى إنه قد يمر يوم كامل من دون أن يأتي للوكالة من يرغب في إيجار عقار على الرغم من انخفاض الأسعار نسبيا. ويبرر كثير من الجنوبيين تحدثوا ل«الشرق الأوسط» حركة بيع العقارات التجارية والسكنية، بالتخوف من مصادرة محتملة من قبل السلطات السودانية حال الانفصال الذي قد لا يتم سلميا، رغم أن القانونيين يستبعدون ذلك. وقال المحامي ساطع الحاج «إذا سلمنا بأن الانفصال آت فإن الوضع القانوني لأبناء الجنوب تجده في ثنايا المادة (4) مقروءة مع المادة (10) من قانون الجنسية السودانية لعام 1994، لأن هؤلاء الأبناء في الأصل سودانيون وقانون الجنسية ينطبق عليهم ولا تسقط عنهم الجنسية بسبب وجود دولة جديدة في الجنوب إلا إذا تنازلوا عنها وقدموا إقرارا بذلك». وأضاف «لكن ما داموا سودانيين بالميلاد فإنهم يتمتعون بكل الحقوق سواء على المستوى السياسي والحزبي أو على مستوى ارتباطهم بالعمل وفق قانون العمل المدني أو على مستوى قوانين الاستثمار والتعليم وعلى كل المستويات في وجودهم وممارسة نشاطاتهم الاستثمارية والطوعية».
وبالطبع فإن هناك جنوبيين ساروا عكس اتجاه أبناء جلدتهم؛ وتؤكد مصادر ل«الشرق الأوسط» أن بعضا من رجال الأعمال اشتروا منازل في قلب الخرطوم، قبل أشهر قليلة تزامنت مع موجات النزوح العكسي والقلق الكبير. ويبلغ أسعار بعض هذه العقارات مئات آلاف من الدولارات للعقار الواحد في أحد الأحياء، مثل حي الأزهري بجنوب الخرطوم. أما رجال المال الجنوبيون فلا توجد إحصائية رسمية تكشف عددهم، من بين أعضاء الغرفة التجارية المسجلين باتحاد أصحاب العمل السوداني، ويبلغون 75 ألف عضو.
ويبرر مصدر بالاتحاد عدم وجود قائمة بأسماء الجنوبيين بقومية الاتحاد، وهو أمر لا يدفع لتصنيف الأعضاء إلى شمالي وجنوبي. لكنه يكشف في سياق آخر عن أن أكثر من 80% من التجارة في جنوب السودان يقوم بها تجار وافدون من الشمال، وهي أنشطة تشمل المواد الغذائية، والملبوسات، ومواد البناء، والأدوية، وكان في السابق يطلق عليهم صفة «جلابة». وقد تحولت الصفة في السنوات الأخيرة إلى مفهوم «سياسي» يشمل كثيرا من الساسة الشماليين الذين يتهمهم الجنوب بممارسة «الهيمنة» و«الإقصاء» و«التمييز»، والاستثمار في التباينات العرقية والاختلافات الثقافية والدينية في السودان، وتحقيق مكاسب سياسية في الشمال على حساب الجنوب. لكن مصادر إعلامية تشير إلى أن 75% من أبناء الجنوب الذين يمارسون نشاطات تجارية في الشمال، يعملون في مجال بيع وشراء مختلف السلع؛ أبرزها الملابس والأحذية، والسجائر، وينتشرون في أسواق شهيرة مثل سوق «نيفاشا» بشارع الجمهورية بالخرطوم، وقد أطلق هذا الاسم على السوق مع إرهاصات اتفاقية السلام بين الجنوب والشمال؛ والتي وقعت في عام 2005، بعد أن جرت بمنتجع نيفاشا الكيني لنحو ثلاث سنوات. كما يعملون في أسواق ستة بالحاج يوسف، بالإضافة إلى أنشطة في مجال البناء، ويقول خبير الشركات المحامي إبراهيم دهل «إن الاتجاه السياسي العام نحو الانفصال في ما يتعلق بالاستثمارات والشركات المملوكة للإخوة الجنوبيين إذا رغبوا في نقلها للجنوب فهنالك طريق واحد، وهو تصفية هذه الشركات وسداد التزاماتها، وتأسيس شركات جديدة في الجنوب بعد إجازة قانون جديد للشركات».
ويبدو أن العودة لن تشمل البشر وحدهم، أو عقاراتهم وشركاتهم التجارية؛ بل امتدت حتى للجامعات، فلا تزال كليات جامعية تتبع لجامعات جوبا وبحر الغزال وأعالي النيل تنتشر بالخرطوم، رغم محاولات نقلها إلى الجنوب منذ زمن بعيد. وقد أكد وزير التعليم العالي، الدكتور بيتر أدوك نيابا، أن العمل جار لترحيل جميع كليات جامعات جوبا وبحر الغزال وأعالي النيل إلى الجنوب قبل نهاية هذا العام. وأوضح الوزير ل«راديو مرايا»، أن هنالك صعوبات تواجه نقل كليات جامعة أعالي النيل إلى ملكال لضعف البنى التحتية في الولاية. وأضاف أن وزارة التعليم العالي ستعمل على إعلان وظائف لاستقطاب أساتذة من الخارج لسد النقص في هيئة التدريس بالجامعات المعنية.
لكن حتى في حال ترحيل هذه الجامعات، فإن هناك آلافا من الطلاب والتلاميذ السودانيين الجنوبيين يدرسون بالشمال، وفي جامعات لا تحمل صفة «جنوبية»، وهذه من القضايا التي يبحثها شريكا الحكم مفاوضات بشأنها تتعلق بترتيبات ما بعد الاستفتاء، وهي واحدة ضمن ملف «المواطنة والجنسية». لكن المسؤول السياسي ب«المؤتمر الوطني» إبراهيم غندور قال ل«الشرق الأوسط» إنه «على الرغم من أنه لا يوجد قرار حكومي في هذا الشأن، فإنني أؤكد أن جميع الطلاب الجنوبيين سيستمرون في مدارسهم وجامعاتهم، ولن يتأثروا بشيء». وأضاف «لا أعتقد أن تكون هناك حكومة راشدة، ظلت تدعو إلى الوحدة الأفريقية الجامعة وتمد يدها لكل الطلاب الأفارقة.. بل وأنشأت جامعة لهم (جامعة أفريقيا في الخرطوم) 90% من طلابها من الأفارقة، ويتمتعون بمزايا كاملة لا يتمتع بها الطالب السوداني، يمكن أن تقوم بفصل طلاب من أبناء أهلنا، في الجنوب، من الجامعات لأي سبب».
ومع موجات النزوح اليومي، ودمعات الحنين المكبوتة؛ تختلط المشاعر ما بين دموع الفرح، أو ربما البحث عن الحرية، أو العودة إلى الجذور، في وقت يرفض فيه غندور تضخيم القضية، قائلا «النزوح الذي يتحدث عنه الناس ليس كما يتصورونه». ويشير إلى محاولات لإغراء الجنوبيين «لكنها لم تنجح» حسب اعتقاده. ويضيف «ومن غادر الشمال لا يتعدى واحدا في المائة، الأمر الذي يؤكد أن الشمال آمن، وإن رحل البعض وقام ببيع ممتلكاته، فهذا شيء طبيعي ومتوقع. أي إنسان يرحل لا بد له أن يتخلص من بعض ممتلكاتها أو يحملها معه، لكن ما حدث ليس بالشيء الذي يمكن أن يتحدث عنه وكأنه ظاهرة، بل هم أعداد محدودة». وتحدث عن الوظائف، قائلا «هناك 20% من الوظائف العليا تخص الجنوبيين، حسب اتفاقية السلام، وهي ليست بالأمر الكارثي إذا علمنا أن مجمل المتمتعين بالوظائف في الخدمة المدنية لا يتعدى 600 ألف في كل أنحاء السودان». ويضيف غندور «لكني أقول إن الأزمة لن تكون في الشمال، بل في الجنوب، لأن العدد الذي انتقل إلى هناك سيعاني من البطالة لأن الجنوب ليس لديه استثمارات». إلا أن تينق جوزيف، وهو من بين من حزموا حقائب الرحيل، يقول وهو يجمع بعضا من حقائب متناثرة تخص الراحلين قرب المدينة الرياضية، إن العودة «أفضل من البقاء في وضع ضبابي وسط حالة من الترقب والذهول وانتظار مجهول». ويضيف «هي فرصة لبناء الوطن، والعودة للجذور»، لكنه يرفض الغوص في تفاصيل «المغامرة والصعوبات».. ويرفع يده مودعا وفي العينين دمعة حارة ربما لذكريات، أو حنين، أو فرح.
الخرطوم: فايز الشيخ


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.