أمجد فريد الطيب يكتب: حياة تجلت في وضوح المبادئ: وداعا فينك هايسوم    عثمان ميرغني يكتب: حرب السودان ومخطط شد الأطراف    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    بعثة المنتخب تصل بورتسودان وسط إهتمام كبير    منتخبنا يتدرب صباح الخميس بإستاد بورتسودان    قائمة صقور الجديان لوديتي السعودية    كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بين الحقيقة والخيال : مقاربة بين جنرالات قابريال قارسيا ماركيز وجنرالاتنا في السودان
نشر في الراكوبة يوم 24 - 12 - 2013

" لم يكن للجنرال أقارب يعرفهم ، أو ربما لم يكن له أقارب حقا ،
سوي أمه العزيزة بندسون الفارادو التي زعمت الكتب المقررة في
المدارس انها حبلت به ولم يمسسها بشر وفي منامها هبطت عليها
البشري : " إنها حامل بمخلص البشرية .
أمه التي أعلنت أم الوطن بمرسوم ، كانت إمرأة غريبة الاطوار ..
ولا يعرف لها أصل .."
قابريال قارسيا ماركيز
خريف البطريرك .
" قابو " أو غابريال قارسيا ماركيز أحد إشراقات عصرنا ، وهو قمر يضيء الجزء الآخر من كوكبنا ، ومن يدمن قراءة أعماله سيصعب عليه قراءة الروايات الكلاسيكية . ماركيز هو الأكثر حربا علي جنرالات أمريكا اللاتينية الذين عبثوا طويلا في الكثير من دولها و أقعدوها عن التطور والتقدم ردحا من الزمان .. ، هذا الكولومبي المولود في العام 1928 وهو في الاصل صحفي قام برحلات عمل خطيرة الي العديد من المناطق الخطرة . منها رحلة عمل الي كوبا إبان الثورة .
ومن أعماله الهامة : رواية " الجنرال في متاهة " والتي أنصف فيها واحدا من أهم الشخصيات التاريخية في عالمنا المعاصر وهي شخصية الجنرال سيمون بوليفوار محرر امريكا الللاتينية من الاستعمار الاسباني والغربي ، وكان حلمه الاكبرتحقيق وحدة امريكا اللاتينية ،ولقد تتبع في هذه الرواية رحلته الاخيرة والتي لم يتسني له فيها ان يخرج من امريكا اللاتينية .. ، بعد ان تكالبت عليه المؤامرات والصراع علي السلطة .. ، انه وفاء نادر من ماركيز ..، الذي ظل ينقب في الوثائق والارشيف واوراق التاريخ والاتصال بالشخصيات الوطنية والمؤرخين ورؤساء الدول بحثا عن سيرة هذه الشخصية النادرة .
* ... وفي رواية أخري: " خريف البطريرك ".. يعبث قابو بالجنرال .. الرمز الانقلابي العسكري .. كيفما شاء .. ويضفي بقلمه الساحر الساخر قدرا من الكوميديا السوداء .. , ومسرح الانقلابات العسكرية العبثي فتح له الباب واسعا لينفذ بخياله ويسبح في تيارات متلاطمة الامواج ، ليأتي لنا بجديد في عالم فن الرواية .. وبقدر متسع من الفانتازيا والمفاجآت المدهشه ..، فالجنرال هو مكمن للأساليب والوسائل التي يبتدعها الدكتاتوريين في عالمنا الثالث الموبؤ بهم ، وكيف انه بعد ان يفرغ من العبث في حظيرة الحيوانات والطيور .. والمحظيات والعاهرا .. ، وحلب الابقار .. ، وممارسة هواياته العبثية .. ، فسرعان ما يتفرغ لمؤامراته .. ، والقضاء علي من يتوهم انه صاروا خصوما له ..
* ... إذن .. دعنا عزيزي القاريء نمضي الي المقاربة بين جنرالاتنا وجنرالات ماركيز .. ، وطوال قراءتي خريف البطريرك .. كثيرا ما اجد أحداثا متشابهة عشناها في زمن الدكتاتوريات في السودان .. ، وهي أحداث قريبة للغاية وهي تميل الي الطرافة والكوميديا رغم مأساويتها ورغم ما فعلته ببلادنا كل الدكتاتوريات البغيضة.. ، ومن عجب ان العالم تخلص من 64 إنقلابا عسكريا في الخمسين عاما الماضية .. ، ولكن أهلنا في الجبهة الاسلامية مازلوا يستعصمون بالتراث السيء للإنقلابات و الذي لفظته البشرية ويسعون لتغيير جلودهم الحربائية .
* ... هل يصدق الكاتب الكبير قابريال قارسيا ماركيز ان بلادنا كان يحكمها جنرال .. حينما يدخل الي قصره الجمهوري .. ، يقوم بالسلام علي المقاعد الخالية من أي بشر .. ، لأن احد الدراويش من مرافقيه يقنعه بإن الملائكة جاءت لتسلم عليه .. فيدور المسكين عليها .. " أي المقاعد الخالية " مادا يده ليسلم عليها .. مقعدا .. مقعدا .. ، ربما لوقرأ قارسيا هذه السطور لأصيب بدهشة تفوق ما يجود به خياله الخصب الذي أوصله الي القمة الادبية في العالم ..
* هل يصدق ماركيز ان القرود والاشجار كانت تخوض معنا حربنا الاهلية ضد أبناء جلدتنا وتنتصر لنظامنا الاسلاموي لأنه وريث أرض الله في السودان ؟
* لا أظن انه سيصدق .
ماركيز في إضاءته لما يفعله جنرالات امريكا الللاتينية ببلدانهم يقوم بإستخدام العبث .. والقذارة .. والغرائبيات .. وبعض الممارسات الصبيانية للجنرالات ونزواتهم ونرجسيتهم .. وتسلطهم ، وغيرها من أدوات الكوميديا السوداء .. يتخذها كرموز ودلالات للتعبير عن مدي الفوضي التي تعشش في عقول هؤلاء الجنرالات ..
* ... أحد هؤلاء الجنرالات والذي أسلمه السلطة احد القناصل الغربيين لمجرد انه كان يلعب معه الطاولة في الامسيات .. ، فقد كان يهوي الاشراف علي حلب الابقار .. ، وقصته مع الابقار غريبة .. فهي تسرح في قاعات القصر .. وتتخذ من قاعة المحافظين مكانا مفضلا لها ، وللجنرال عدد من المحظيات والعشيقات الكثير .. , والقصر يعج بمرضي البرص .. والمشلولين .. وأمه التي تهوي تلوين الطيور .. وهو يهوي تصيد تلميذات المدارس .. مما استدعي أولياء الامور لإغلاق المدرسه التي بجوار قصره و بناء مدرسه بعيدا عن القصر .. ، ولكن معاونوه .. أبتكروا حيلة أخري ليبعدوه عن التلميذات حينما استخدموا بنات الهوي .. والبسوهن ملابس تلميذات المدارس .. اللواتي رحن يتصيدن الجنرال ويتصيدهن بدوره .. ، وحينما أخبرته إحداهن بالحقيقة راح يندب حظه ويشكو للراحلة الفاردو .. أمه .. ما يفعلونه به !!.
هذا الشذوذ والخراب الروحي .. هو ما يستبطنه ماركيز دلالة رمزية علي الشذوذ الاكبر والذي يقوم به العسكر و يقود الي تدمير بلدان أمريكا اللاتينية والعبث بمقدرات شعوبها ومستقبل أجيالها ..
* .... في نهاية خريف البطريرك .. أي بعد وفاته ونهاية حكمه أقتحمت الجماهير القصر وراحوا ينبشون فيه .. ويعبثون بأوراقه وأشياءه ويتعجبون لهذا العالم الغرائبي الذي تسرح فيه الابقار والبط والطيور والمحظيات والمرضي والخيول ...
* ... توقفت عن القراءه ودار بذاكرتي كيف ان عدد من زملاءنا الصحفيين في الخرطوم كانو يتابعون أحداث ثورة السادس من أبريل 1985 .. وكيف انهم في صباح ذلك اليوم ذهبوا الي القصرالجمهوري بعد إستيلاء القوات المسلحة علي السلطة ، وتجريد جهاز أمن الدولة من السلاح الذي حصد به أرواح 12من الشهداء .. ، وفي القصر في مكتب جنرالانا - رحمه الله - وهم يدعبسون في الاوراق وجدوا كشوفات بأسماء عدد من الصحفيين الذين يتقاضون مخصصات شهرية نظير أتعابهم في تلميع صورة الجنرال .. ، ومن بينهم صحفي عربي كان يعمل مديرا لتحرير مجله عربية تصدر في باريس .. وهو الوحيد الذي كان شجاعا وأعترف بذلك وقال لزملاءه الذين سألوه عن الامر .. إن الصحافة بالنسبة لي مثل ورقة الكلنكس .. ، وهي جزء من عمل البزنس الخاص بي .. ، ومنذ ذلك التاريخ لم يكتب مطلقا .
أما الفطاحلة من سودانيين ومصريين وغيرهم لزموا الصمت .. صمت القبور ..وأتمني علي احد الاصدقاء الذين أطلعوا علي تلك الكشوفات ان يكشفوا عن تلك الاسماء فهي مسئولية وطنية وتاريخية وأخلاقية ومهنية في المقام الاول .
وللحقيقة فإن الكثيرين من أصحاب الاصوات العالية بعد الانتفاضة كانت أسماءهم مضمنة في هذه الكشوفات ، لكن الصحف نفسها في قمتها لم يتم تصفيتها بالكامل بعد الانتفاضة( 1985) من عملاء النظام الدكتاتوري ، مما جعل الكثير من الوثائق تختفي .
* ... جنرال ماركيز كان يهرب من غرفته لينام في إحدي الغرف الفارغة .. ويتمدد علي أرضيتها .. ويغلق علي نفسه بمزاليق .. ومفاتيح عديدة ..
* ... مرة أخري قفزت بي الذاكرة لما حكاه لي أحد المسئولين .. نقلا عن أحد وزراء مايو ، بإن الجنرال طلب منه نسخة من مفتاح منزلة لأنه قد يحتاج اليه , وبالفعل قام بتسليمه نسخة من المفتاح .. ، وكان متعجبا لهذا الطلب الغريب ، ومر زمن طويل .. ، ونسي الامر .. ، ولكن في أحد الايام أستيقظ في الصباح الباكر كعادته .. وهو يتحرك في ردهات المنزل لإيقاظ أبناءه ليتجهزوا للذهاب الي المدارس .. ، يقول لمحت شخصا ممددا علي الارض .. في سجادة الصالون .. ، فصعقت .. وأقتربت من المكان لأجد ان هذا الشخص ينام ببزته العسكرية وقد تدلت من صدرة نياشين وعلامات القوات االبرية والبحرية والجوية .. والكاب مرمي بعيدا .. وحذاءه مقلوب .. ورباط البنطال مفتوح .. انه الرئيس الجنرال .. يا للهول .. ، يقول في ذلك اليوم أعلنت الطواريء في المنزل ومنعت الاولاد من الاقتراب من الصالون .. ، حتي لا يشاهدون رئيس الجمهورية.. ممدا علي الارض .. وهو يشخر ..
وعلم فيما بعد ان الجنرال لا ينام في مكان واحد .. ، إنما يتنقل في العديد من المنازل التي يحصل علي نسخة من مفاتيحها .. ، خاصة أوان الازمات السياسية .. والاحساس بتحركات في الجيش ..
أما عن حكتاية النفق الذي يستخدمه من القيادة العامة وحتي سوبا .. ، فقد أتضح انها حقيقة .. لكنه يؤدي الي إذاعة سرية تملكها دولة الكبري .. ، ولكنه علي كل حال نفق إستخدمه الجنرال أكثر من مرة في الاحداث العاصفة التي مر باها السودان في سنوات حكمه .
* ... عودة لخيال ماركيز الخصب والذي يستمده من عجائب جنرالات أمريكا اللاتينية .. ، فقد تمردت إحدي الوحدات العسكرية ضد نظامه .. ، ينزعج مساعدوه وهو مسترخي في أرجوحته .. لايعبأ بتقاريرهم .. يقولون له انهم بدأوا يطلقون القذائف .. وهو لا يعبأ بهم في أرجوحته .. ، يقولون له القذائف بدأت تنهال علي القصر .. وهو غير عابيء يتمرجح في أرجوحته .. ، لكنه تحرك الي مكان هوايته المفضلة .. حلب الابقار .. ، وقام بإرسال عربه محمله بالالبان للوحدة العسكرية المتمرده مع رسالة يقول لهم فيها : " أنا أعرف أنكم تعضون اليد التي تمتد لكم بالخير .. لكن سأظل أنا الأب الحاني .. الخ
ويقبل قائد التمرد الالبان شريطة أن يتذوقها سائق عربة الخيول التي حملتها .. ، وما أن يفتح السائق أحد الآنية .. حتي يصعد المعسكر بكلياته الي الفضاء وينزل رمادا متناثرا علي الارض .. فيقضي علي الجميع .. ومن ثم تخرج عربات النفايات .. لتزيل آثار الدمار ... وكأن شيئا لم يكن ...
* ... أما جنرالنا يذكر القراء الكرام العام 1982 حينما أعلن قادة القوات المسلحة بقيادة الفريق عبد الماجد خامد خليل والفريق عز الدين علي مالك رئيس الاركان ان هناك تذمرا في القوات المسلحة بعد إستشراء الفساد وتدهور الاوضاع الاقتصادية , فقرروا مخاطبة القائد الاعلي .. والتئم شمل الاجتماع في قاعة الصداقة .. وبدأ القادة يتحثون بصراحة .. وجنرالنا يستمع .. ، وفجأة أعلن الجنرال الرئيس القائد انه علي موعد مع بعض السفراء , وطلب منهم مواصلة إجتماعهم .. , ولكنه لم يخرج من قاعة الصداقة إنما أنتقل الي قاعة علوية بها دائرة تلفزيونية مغلقة .. ، ظل يتابع من خلالها مجريات أحداث الاجتماع العاصف حيث أخرج القادة ما بدواخلهم .. ، والجنرال يستمع إليهم .. ، ومن قاعة الصداقة تحرك سرا الي الحرس الجمهوري وقام بتغييرات في القيادة .. ، ومنها توجه الي الشجرة حيث قيادة المدرعات .. ، وأيضا قام بإجراء تغييرات في القيادة ..
وينقل العديد ممن أرخوا للواقعه ، ان رئيس الاركان عز الدين علي مالك رحمه الله كان يتناول الغداء مع شقيقه العميد بالجيش ايضا .. وحكي له ما حدث في الاجتماع ، فسأله شقيقه : هل جهزتم قواتكم للإستيلاء علي السلطة ؟ رد عليه : لا ، رد عليه شقيقه : " حقكم راح " ... !!
وكانت نشرة أخبار الساعة الثالثة تعلن بيانا هاما من القائد الاعلي أعفي بموجبه كل قيادات القوات المسلحة ، أو ما عرفت بمذبحة الجنرالات ..
وبالفعل كله ذبح .. ، ولكن مذبحة ماركيز من نسج الخيال .. ، أما مذبحة جنرالنا كانت البداية لتدهور أوضاع القوات المسلحة حيث أعفي أكثر القيادات كفاءة ..
* .. حينما أعلن جنرال ماركيز ان أمه الفارديو قديسه .. وأدخل ذلك ضمن المناهج الدراسية لكل المراحل التعليمية .. ، لكن الفاتيكان والقاصد الرسولي نفوا ان تكون أمه قديسه .. وتركهم الجنرال يعلنون ذلك من خلال أجهزة اعلام الدولة .. ، فقامت تظاهرات من الرعاع وبسطاء الناس والمستأجرين .. ، وحطموا الكنائس .. ومقر القاصد الرسولي ...
وهنا تحرك الجنرال وخرج بقرارات يتم بموجبها طرد القاصد الرسولي ورجال الدين .. وأشترط خروج الراهبات عاريات .. ، وأمر بوضعهم في مراكب في عرض البحر .. الخ
* يذكر الناس في بلادنا ان الدكتور الترابي قال : " في كل قرن يظهر مجدد للإسلام ، وان النميري هو مجدد القرن العشرين .." .. ، بعد ان فتح لهم الاسواق والبنوك والمصارف والوزارات .. وأسسوا البنية التي قام عليها إنقلابهم في الثلاثين من يونيو 1989.. ولكن بعد ان شعر جنرالنا بخطرهم علي نظامه .. وقد كانوا قاب قوسين أو أدني من الانقضاض عليه .. وكشفت الاستخبارات العسكرية محاولاتهم العديدة للإنقلاب .. ، وتمت مواجهه بين النميري والترابي .. بشريط كاسيت كان يتحدث فيه لطلاب جامعة الخرطوم ويقول انهم يستخدمون النميري للوصول للسلطه .. ، بينما هم في العلن يقولون بإنه أمام المسلمين .. وأوهموه وضخموه .. ولكنه أنتبه الي أن البساط ينسحب من تحت أقدامه فقام بالإطاحة بهم بضربة واحدة .. ، ورمي بهم في السجون .. التي أخرجتهم منها الانتفاضه في السادس من أبريل 1985 التي أنقلبوا عليها *.. وهنا يتجلي إستخدام القداسة بصورة جلية في الحالتين .. ، وإستخدام الدين ستارا من أجل الاستمرار في السلطة .. ، ويظل خداع الناس البسطاء قائما في كل مكان وزمان ولولبعض الوقت ...
وشذاذ الافاق هناك أيضا :
من خريف البطريرك أنقل هذه الفقره :
" ذكره معاونوه بموضوع الاطفال ..؟ قال ليهم أي أطفال ؟ .. الاطفال سيدي الجنرال ..؟ لكن .. ، أي أطفال ؟ اللعنه .. قال ذلك لأنه لم يكن حتي تلك اللحظة يعرف ان الجنود يحتجزون الاطفال الذين تكلفهم إدارة اليانصيب بسحب الارقام الرابحة ( فقد كانت ألارقام الخاصة بالجنرال توضع في ثلاجة لتصبح باردة .. شديدة البرودة .. ، ويكلف الاطفال ان لا يسحبوا إلا الأرقام الباردة ) , كي لا يكتشفوا لماذا كان سيدي الجنرال يربح دائما ، إذ كلما أحتج أهلهم قالوا لهم : كلا ليسوا محتجزين عندنا هذه أكاذيب يطلقها شذاذ الآفاق وتروجها المعارضة .. " ..وحينما شكي أهالي الاطفال للمنظمات الدولية .. ، قام مساعدوا الجنرال بإخفاءهم في مستنقعات زراعة الارز .. ، لتضربهم الملاريا .. ويتساقط أعداد منهم .. ، بينما الطائرات ترمي إليهم الحلوي هدية من الوالد الجنرال .. الخ
* ... ونعود لحقائقنا المغمورة في طي النسيان ، فقد أستولي الاخوان علي وزارة الشئون الاجتماعية بعد تحالفهم مع الجنرال في مطلع الثمانينات .. ، وكانت التظاهرات العارمة تخرج كل فترة يقودها طلاب الجامعات والمدارس ضد النظام .. ، وكان الاطفال والصبيان المشردين الذين يطلق عليهم " الشماشة " .. يلتحقون بهذه التظاهرات .. وكانت أعدادهم أوانها تقدر بعشرين الف .. ، فهم يسهمون بقدر فاعل في التظاهرات ويقومون بعمليات حرق اللساتك وغيرها ..، فلجأ الاخوان الي حيلة للتخلص منهم أيضا .. ، فقاموا بتجميع أعداد منهم وأرسالها للخلاوي في شرق السودان ومناطق مختلفة .. ، وبعد إنقلابهم في العام 1989 كانوا قد وصلوا مرحلة الشباب فقاموا بتعيين الكثيرين منهم في أجهزة الامن ..
كثيرة هي الحكايا المتشابهة بين خيال ماركيز - الذي لا يكذب ..، وحقائق جنرالاتنا ..الكذبه ..الذين أضاعوا البلاد حقيقة .. ، مثلما هو حال أمريكا اللاتينية العاجزة عن الوصول الي مرتبة العالم الاول .
Ibrahim Ali Ibrahim - [email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.