دائماً علاقتنا مع الشقيقة مصر تتأرجح مابين دفء الصلات بين الأنظمة الحاكمة وإحتقان المواقف المتباينة بينهما ! ووسط ذلك التأرجح الذي يغذيه أيضا ًتناقض أو إتفاق الكيانات السياسية الداخلية في كلا البلدين والشحن الإعلامي لا سيما من الجانب المصري سلباً أو إيجاباً حسب المناخ الذي يسود في الأوساط الرسمية هناك .. تسقط المصالح الإستراتيجية التي كان يفترض أن تصب في مصلحة الشعبين ..في هوة الزمن الضائع منذ عقود طويلة ! في مذكرات الوالد الراحل الشيخ عبد الله محمد الأمين برقاوي التي سردها في كتابه.. ( مشاوير خضراء ) الصادرفي سنة 1989 و الذي أرخ فيه لنشأة وتطور حركة المزارعين في مشروع الجزيرة ولاحقاً المناقل بعد إنضمام إمتدادها للمشروع المؤود! قال إنهم وفي طريق عودتهم من جولة في بلاد العراق وسوريا ولبنان بدعوة من إتحادات المزارعين في تلك البلاد عام 1955 وقبيل إعلان إستقلال السودان بقليل وكان ذلك مع عودة الرئيس عبد الناصر الى بلاده بعد إنعقاد مؤتمر دول عدم الإنحياز الأول ببنادونغ في اندونيسيا.. أن مر وفدهم وهو في طريق عودته الى الخرطوم من تلك الجولة بالقاهرة وفقاً لترتيبات رحلة الطيران .. فسمع الرئيس جمال عبد الناصر بوصول الوفد .. و طلب أن يتقابل معه بالقصر الرئاسي ! وكان محدداً للمقابلة مابين الواحدة الى الثانية ظهراً فقط حسب البرتكول الصارم المنظم للمقابلات الرئاسية..! ولكن الرئيس عبد الناصر حينما إسترسل مع الوفد في سرد ذكرياته القديمة في السودان وقال إنه عاش أحلى أيام حياته هناك..! خرج بنفسه عليه الرحمة للصحفين الذين كانوا ينتظرون إعلان نتائج اللقاء وصرفهم ..قائلاً لهم .. ليس هنالك مباحثات رسمية ..أنا اتناقش مع أخوة لي ودياً..ونريد أن نجلس في هدوء ..ثم عاد الى سكرتاريته وأمر بالغاء كافة ارتباطاته ، ووجه بعمل غداء للوفد معه حيث إمتدت الجلسة حتى الرابعة من عصر ذلك اليوم التاريخي ! تحدث عبد الناصر وقال للوفد ..نحن نتطلع أن تقف طبقة المزارعين والعمال في السودان قبل إعلان إستقلاله المتوقع قريباً الى جانب وحدة وادي النيل ..بين مصر والسودان ! فرد عليه الشيخ الأمين محمد الأمين بشجاعة المزارع السوداني الوطني وكان رئيس الوفد .. بأن ذلك لا يفترض معناه أن يكون السودان تابعاً لمصر وإنما نداً قوياً لها يسند ظهرها وتشد من ازره ! فانفرجت أسارير عبد الناصر وقال له وهكذا نريدكم يا شيخ الأمين ! وحينما خرج الوفد ..قال الراحل بابكر كرار وكان ممثل إدارة مشروع الجزيرة ضمن الوفد .. والله ياشيخ الأمين لم أكن اتصور أن بين رجالات مزارعينا من يتحدث مع جمال عبد الناصر بهذه الجرأة والجسارة ! لم تمض عشرُ سنوات على ذلك اللقاء وفي عام 1964 وعقب نجاح ثورة اكتوبر .. حتى أصبح شيخ الأمين وزيراً للصحة كأول مزارع سوداني يتبوأ هذا المنصب .. فلا غرو في ذلك لمن يقف موقفاً يعبر عن حرص الإنسان السوداني على كينونته وكرامة وطنه ولو كان أمام جمال عبد الناصر ذاته ولم يكن يتجاوز عمرعمنا الأمين وقئتذ منتصف الثلاثينيات ! ولعله درس للذين ينبطحون الان و ينثرون التراب الوطني تحت أقدام حكام مصر تبركاً بكيزانهم أ وخوفاً من عسكرهم فهل تستفيد أجيال الحاضر والمستقبل من عبر ذلك الماضي التليد ..ربما ! ونتمنى ذلك ! [email protected]