(ده ماهلالك ياهلال؟؟)    الجمعية السودانية لعلوم الفلك والفضاء: 18 فبراير أول أيام شهر رمضان    السعودية تدين بشدة الهجمات الإجرامية لقوات الدعم السريع على مستشفى الكويك العسكري وعلى قافلة إغاثية لبرنامج الغذاء العالمي    مهارات يامال تعجز مبابي ونجم مانشستر سيتي    كباشي .. القوات المسلحة ماضية بعزم لا يلين في ملاحقة ما تبقى من "بقايا المليشيا المتمردة" والقضاء عليها    عارفين ليه ياهلالاب!!    شاهد بالصورة والفيديو.. الفنانة إيمان الشريف تشعل حفل زواج صديقها "حتة" بأغنية (الزعلان كلمو) والعريس يتفاعل معها بالرقص    بالصورة.. دكتورة من مريدات شيخ الأمين تكتب: (الشيخ بجيب القروش دي من وين؟ داير تتأكد تعال مسيده في الثلث الاخير من الليل)    شاهد بالفيديو.. نجم السوشيال ميديا "حتة" يضع يده على عروسه ويحتفل معها بطريقة طريفة على أنغام (الما بحبونا والبكرهونا)    شاهد بالفيديو.. نجم السوشيال ميديا "حتة" يضع يده على عروسه ويحتفل معها بطريقة طريفة على أنغام (الما بحبونا والبكرهونا)    بالصور.. الشيخ محمد هاشم الحكيم يحتفل بزواج إبنته الدكتورة من زميلها بالجامعة (قلت له لا أريد منك شيئا سوى أن تتقي الله فيها وتعينها في دراستها)    الفنان محمد صبحى يعود إلى ماسبيرو بالمسلسل الإذاعى «مرفوع مؤقتا من الخدمة»    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    بنك الخرطوم يتعهد بإرجاع مبالغ «ضمان الودائع» ويتحمل التكلفة كاملة    ترامب ينشر فيديو مسيئًا لأوباما وزوجته ثم يحذفه    الطب الشرعي الرقمي صائد جديد لمجرمي الإنترنت والذكاء الاصطناعي    دواء جديد يعيد ضبط الساعة البيولوجية ويقلل اضطراب السفر    ابتكار بخاخ أنفى يساعد على الوقاية من الإصابة بالأنفلونزا    السفارة في العمارة    ذكرى رحيله.. قصة حب نور الدمرداش وكريمة مختار وزواجهما    الهلال يتلقى أول خسارة بدوري المجموعات أمام مولودية الجزائري    أبل تفتح CarPlay أمام تطبيقات الذكاء الاصطناعي الصوتية    8 علامات تنذر بمشكلات في الأمعاء لا ينبغي تجاهلها    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    جاهزية كاملة لانطلاق بطولة «الطريق إلى القمة» بعد اجتياز مقاتلي PFL للميزان    بمشاركة واسعة بالخرطوم... الاتحاد السوداني للتربية البدنية يناقش معوقات المعلمين والبروف أحمد آدم يؤكد دعم تطوير المنهج والتدريب    السودان يرحّب بالقرار 1591    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    شاهد بالصور.. سيدة الأعمال ونجمة السوشيال ميديا السودانية الحسناء ثريا عبد القادر تخطف الأضواء من معرضها ببورتسودان    الجوهرة السودانية عامر عبد الله ينضم رسمياً لأحد الأندية الخليجية    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    وزير الثروة الحيوانية: البنك الزراعي وبنك النيل يمولان صغار المربيين لزيادة الإنتاجية    أحمد عزمى.. "الجوكر" الذى خلع عباءة الأدوار الثانوية ليبرع فى الشخصيات المركبة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    مع اقتراب الجيش من أبوزبد والدبيبات والفولة، تبدو خيارات المليشيا وعصاباتها صفرية    بيان مهم لوزارة المالية في السودان    المركزي يوجه بنك الخرطوم بإيقاف الاستقطاعات وإرجاع المبالغ المخصومة للعملاء    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    صلاح يتحدى مرموش.. موعد مباراة ليفربول ضد مانشستر سيتي بكلاسيكو إنجلترا    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    تعرف على سعر الأسمنت اليوم الاثنين 2 -2 -2026 فى مصر    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



هل تعيد مصر إحتلال السودان؟
نشر في الراكوبة يوم 10 - 03 - 2014

قد يبدو الأمر للوهلة الأولى محض خيال بالنظر إلى تغير الظروف في دول حوض النيل ما بين عامي 1820م و 2014م .. ثم والأحوال الدولية عقب الحرب العالمية الثانية ، ونشأة هيئة الأمم المتحدة ....
ولكن الذي نلمسه منذ عقود وفي الجانب الواقعي ؛ أن هناك دول كبرى وقوى إقليمية أخرى تضرب المثل الأسوأ في العلاقات بينها وبين الدول الأضعف أو تلك التي مزقتها الحرب الأهلية والخلافات الداخلية.
ولنا في ذلك العديد من الأمثلة بعد الحرب العالمية الثانية ؛ ليس أقلها التدخل اليوغندي الرواندي في الكونغو .... والإحتلال السوري الإسرائيلي المزدوج للبنان ..... وإحتلال الإتحاد السوفيتي لأفغانستان .... وغزو وإحتلال العراق للكويت .... وسوابق الولايات المتحدة المتعددة سواء في فيتنام وكوريا وأفغانستان والعراق .. ثم وما يجري هذه الأيام من إرهاصات بتدخل روسي عسكري مباشر في أوكرانيا.
وكل ما سبق الإشارة إليه أعلاه وبعضه ؛ قد جرى بمزاعم واهية ، وتحت شعارات متعددة ؛ وبشتى الوسائل والذرائع.
ثم وعايشنا من بين أشكال وأساليب وأنماط الغزو أكثر من مثال ؛ سواء في غزو وإحتلال مصر العسكري لمنطقة حلايب وإعلانها مؤخراً (مدينة) مصرية دون أن تضطر إلى إطلاق رصاصة واحدة ... وإحتلال إيران قبل ذلك لجزيرتي طنب الكبرى والصغرى الإماراتية .... وتدخل إيران العسكري في الشأن السوري أيضا.
إذن نستطيع القول أن إحتمالات تدخل مصري عسكري في السودان تظل ممكنة وواردة . سواء مباشرة بزعم حماية أمن مصر المائي الإستراتيجي الذي بات يهدده سد النهضة الأثيوبي .. أو بطريق غير مباشر تحت غطاء الحفاظ على وحدة السودان ومنع تفتيته إلى دويلات متفلتة تضيف شركاء جدد إلى قائمة دول حوض النيل الحالية ؛ وعلى نحو يقلل من حصة مصر في المياه .... أو يزيد من تكلفة إبقائها على حصتها الحالية دون شربة ماء تضيع منها هنا ، وكوز ماء يفوت عليها هناك .
والغالب أن يجيء هذا الغزو والإحتلال المصري على هيئة مختلفة فضفاضة خلاف ما كان عليه حال محمد علي باشا في عام 1820م.
وبالطبع فإنه إذا حدث الغزو والإحتلال . فلا نتوقع مثلاً أن يتم إعلان تنصيب عبد الفتاح السيسي رئيساً لمصر والسودان ...... ولكن يظل طعم لإحتلال ومدخلاته وظروفه ومخرجاته ماثلة للعيان ؛ ليس أقلها إختلاق حكومات سودانية وطنية كرتونية عميلة على نسق حكومة فيشي الفرنسية اتحت الإحتلال الألماني النازي ... وتشكيل صدام حسين لمجلس ثورة هزلي في الكويت . وتنصيب كرزاي في أفغانستان .. إلخ من أمثلة متعددة. لن يغلب الغازي والمحتل حيلة لتكريسها.
إن إحكام الحصار المالي والإقتصادي على السودان في الفترة الأخيرة لا يبشر بخير ابداً ... ولا تبدو مصر السيسي بعيدة عن هذا المخطط ..
وإستيلاء إسرائيل على باخرة محملة بالصوايخ الإيرانية التي كان من المفترض تفريغها في بورتسودان تمهيداً لتهريبها إلى قطاع غزة يؤكد أن العلاقة بين الخرطوم وطهران قد ذهبت إلى أبعد مدى .. وأن المملكة العربية السعودية قد تفقد ثقتها في حكومة البشير نهائياً
ً.
والغريب أنه وفي خضم مجريات الأحوال في المنطقة . فإن الذي يدهش البعض هو عدم ملاحظة الخرطوم للمدى الذي تغيرت فيه الإستراتيجيات العربية .. فإسرائيل لم تعد هي العدو الإستراتيجي الماثل على الأقل في هذه المرحلة ..
وأن أكبر الدلائل على التسامح العربي الإسرائيلي (الفاعل) ؛ أن البحر الأحمر قد بات وكأنه قد أصبح جدولاً إسرائيلياً مالحاً ، وميداناً لحرب مفتوحة بينها وبين طهران .. طهران التي تتباهى بصواريخها وأمواجها البشرية . ولا تخفى طموحها للسيطرة الإستيطانية على الخليج العربي والأراضي المقدسة . وتسعى لتهديد السواحل العربية في البحر الأحمر . ولا تنفك تعلن عن تصديرها للخمينية والمذهب الشيعي للغير . بكل ما يكتنفه هذا التصدير من قلاقل وطائفية عمياء لا تبقي ولا تذر حتى بين أبناء العائلة الواحدة.
ومن جانبنا فلا يجب علينا والحال كما نعيشه ونلمسه ونشاهده اليوم .. لايجب علينا إلا أن نلوم أنفسنا .... فحزب المؤتمر الوطني الحاكم يعلن داخلياً عن حوار بلسان ؛ ثم يرغب بيد في فرض إذعان على غيره من الأحزاب السياسية وألوان الطيف الأخرى في التركيبة السودانية .... لا بل ويطمح حتى إلى فرض هذا الإذعان على حركات مسلحة متمردة ؛ لم يتمكن ولن يستطيع وفق ما يلوح في الأفق من هزيمتها وتصفيتها .... فكيف والحال كذلك في عقلية المؤتمر الوطني ؛ يمكن التوصل إلى حلول تعين على رتق النسيج السوداني المتهتك؟
نحن هنا لا نشير إلى الخلافات السياسية بين حزب المؤتمر الوطني من جهة وبقية أحزاب (العاصمة المثلثة) المستأنسة من جهة أخرى ... فالواقع يؤكد أن المؤتمر الوطني متزوج عرفياً بأكثر من حزب رئيسي .. وأن حقوقه الشرعية تأتيه في طبق من ذهب على يد حزب الأمة القومي والإتحادي الديمقراطي الخديوي الأصل ؛ وتردف السيدين في ذلك أحزاب هامشية أخرى تتسكع على قارعة الطريق ، وتلك التي تقف بعد الغروب تحت أعمدة الإنارة الخافتة .
إن مشاركة هذه الأحزاب بسادتها وفلذات أكبادها في نظام الإنقاذ معروفة ولا تحتاج إلى مِجْهَر .. وحقائب وزكائب الأموال التي ترسل إليهم يعرفها الحوار والداني والقاصي ....
ولكن تبقى المعضلة الحقيقية في حركات التمرد المسلحة الجهوية بمناطق الهامش . وعلى راسها الجبهة الثورية التي لابد من رسم وبرمجة خطة وصيغة واقعية للتفاهم الجاد معها لأيقاف نزيف الدماء وموارد الدولة ، وما تبقى في خزائنها المالية التي باتت على حافة الإفلاس.
إن هدف (الوثبة) الرئيسي المتمثل في إطالة مدة بقاء الحزب الحاكم على كراسي الحكم لم يعد قابل للتحقيق ؛ حتى لو إرتضى السيدان وأبناء السيدان أن يصبحوا مجرد أرجوزات في مسرح عرائس ..... فالمسألة اليوم أخطر من ذلك بكثير بعد أن إتخذت أبعاداً خارجية تصيب الإقتصاد في مقتل ..
إن المعالجات تقتضي من الجميع في الخرطوم وأمدرمان وبحري أن يثبوا فوق نافلة البقاء على كرسي الحكم ؛ والنظر بدلاً من ذلك في موجبات وضرورات الحفاظ على السودان الحالي بأرضه وشعبه الذي تركه لنا الإنجليز عام 1956م بخير ، وتجنيبه تدخلات عسكرية أخالها ستجد تمويلاً سخياً من أثرياء العرب .... ومسوغاً شرعياً من غالبية أعضاء الجامعة العربية.
وإن كانت مصر تطلب اليوم من الجامعة العربية تفعيل إتفاقية الدفاع المشترك (من جانب واحد) بينها وبين السودان .. فإن معنى ذلك التفعبل هو منح مصر هذا المسوّغ الشرعي لدخول السودان رضينا أم أبينا ؛ وعدم التوقف إلا عند حدوده مع الحبشة عامة وفي مقابلة إنشاءات سد النهضة خاصة... وقد سبق أن منحت الجامعة العربية الجنرال حافظ الأسد مسوغاً شرعيا لدخول لبنان وقف إزائه العالم مكتوف الأيدي.
ومن البلاهة والغباء والتخلف العقلي بمكان أن تحمل البعض الهاشمية ؛ فيدعي القدرة على الصد والرد .... أو حتى العض ، والخربشة بأظافر اليد.
لقد أعلن وزير الداخلية المصري أمس فقط رصد ميزانية إضافية لوزارته قدرها 30 مليون دولار لزيادة أعداد قوات الشرطة وتحديثها تسليحا وتدريبا ... فهل يعني هذا القرار النافذ أن الجيش المصري سيتم سحبه إلى ثكناته تمهيدا للتفرغ لأداء مهام أخرى في أماكن أخرى ما بين قطاع غزة وشرق السودان أم ماذا؟ .... لا بل ومن أين أتت الداخلية المصرية بمثل هكذا ميزانية في ظل ضعف أداء الدولة الإقتصادي الحالي؟
إن التساؤل الذي يطرح نفسه هنا هو : متى يقوم حزب المؤتمر الوطني الحاكم بالمفاضلة المنطقية بين دعم مالي وسياسي عربي ، مقابل دعم إيراني يأتي ضعيفا هزيلا يفتقر إلى اللوجستية ، ويشترط تمريرات طائفية دخيلة على المجتمع السوداني . وستؤدي إلى ما لا يُحمد عُقباه بعد عقد أو أكثر من سنوات قادمة ؛ حين تضاف المشاكل والتوترات الطائفية ما بين الشيعة والسنة إلى غيرها من أبواب وفصول وبنود مشاكل السودان الأخرى؟
وحتما لا يختلف عاقلان في أنه لو جرى سيناريو الغزو المصري للسودان على النحو الذي نخشاه . فإن أول من يدفع الثمن عاجله وآجله إنما هم الإخوان المسلمين سواء في المؤتمر الوطني أو الشعبي . ولن يكون حالهما في السودان بأفضل من حال "الإخوانجية" المصريين .. لا بل وسيذهب معهما تحت الأقدام كل متحالف ومنضوي ومتسلق وطفيلي ومنافق ومستفيد .. أو حافٌ لشواربه ومعفي للحيته..
والمصيبة الكبرى أن التدخل المصري بالغزو المسلح والإحتلال (على نسق حلايب) لن يفيد وُحْدَةَ السودان في شيء . بقدر ما ستكون محصلته السماح لإقليم دارفور بالإنفصال عن الجسد السوداني ، والعودة إلى ما كان عليه قبل مقتل السلطان إبراهيم ودخول الزبير باشا الفاشر في 3 نوفمير 1874م ....
وكذا بالنسبة لجبال النوبة تحت قيادة الحركة الشعبية قطاع الشمال . خاصة وأن هذه الحركة ستحصل على صك (الغقلة) الشرعي وفق معادلة جبر بسيطة هي كالآتي : (توقيع مليون على عدم حق ياسر عرمان في تمثيلهم) + (الحركة الشعبية قطاع الشمال – ياسر عرمان) = مليون توقيع لمصلحة الحركة الشعبية قطاع الشمال وشرعيتها.
وربما تكون هناك بعض تعديلات تكتيكية تفرضها أهداف وأغراض هذا الغزو المصري ؛ أهمها هو الإطاحة بأحلام الحركة الشعبية قطاع الشمال في منطقة النيل الأزرق . وذلك لعلاقة هذا الإقليم بخط المواجهة المائية المباشرة بين مصر وأثيوبيا.
إذن فإن أكثر ما نخشاه هو عودة الخريطة السياسية السودانية إلى المربع رقم (1) عشية غزو المصريين للسودان بدخولهم حلفا في يوليو 1820م .... وإنتهاءاً بدخول إسماعيل باشا في أبهى بزته العسكرية العاصمة سنار في 12 يونيو 1821م بعد إستشهاد البطل محمد عدلان غدراً وإغتيالاً على يد بعض الخونة والعملاء .... ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وفيما يتعلق بالمؤثرات النفسية التي تسيطر على العقل والضمير المصري ، وتجعله مؤهلاً لتقبل مثل هكذا إحتمال ؛ نخشى من واقع أن وزارة التربية والتعليم المصرية لا تذكر في مناهجها من الإبتدائية إلى الجامعة شيئا عن (تاريخ السودان) أو الإشارة إلى أن السودان دولة حرة مستقلة ذات سيادة . وذلك على النقيض مما توثقه في مناهجها التعليمية عن بقية الدول العربية الأخرى ... ويلفت نظرنا أن حملة اللورد كتشنر لإعادة إحتلال السودان عام 1898م وإعلان الحكم الثنائي البريطاني المصري .. لم يجد جهابذة اللغة العربية السياسية في مصر آنذاك أفضل من تزيينها بعنوان "إسترداد السودان" .... وبالطبع فإنه لا يسترد الشيء إلاّ صاحبه.
ولابد أن معظمنا قد قرأ منذ أسابيع معدودة عن مقولة الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل الذي زعم أن السودان ليس سوى رقعة جغرافية .... وهو ما يثير التساؤل عن مآل هذه الرقعة الجغرافية .. وتبعية الشعب الذي يقطن بها ؟ .. أو بمعنى أوضح إنه وكأنّه يرغب هنا في التمهيد لكل مصري ؛ بأن الأرض السودانية ليست سوى قطعة سكنية بمثابة حديقة خلفية تعود ملكيتها لمصر . وأن مصر قد سمحت بأن تقطنها عرقيات شتى من السُوُد النيليين والبرابرة ... وأبناء البطّة السوداء العرب ... وشرذمة من شذاذ الآفاق الأفارقة .... ولا ثمة رابط بينهم .. وعلامة ذلك ملفات الإبادة في رفوف المحكمة الجنائية الدولية ، والخلافات والنعرات .... والحروب القائمة بينهم في أكثر من جهة منذ خمسينيات القرن الماضي.
ثم أنك ؛ وعلى لسان كل مصري من سن الثالثة حتى الثالثة عشر بعد المائة ؛ فإنك تسمع هناك جملة واحدة لا ينفك جميعهم يرددها بلسان واحد . وهي أن السودان تابعة لمصر .....
ونلاحظ أيضاً أن هناك منهم داخل قرى الفلاحين في النِجوع والكُفور والصعيد الجواني . من يظن أن السودان لا يزال ضمن الأملاك المصرية .. ولأجل ذلك يتساءلون عن سر ندرة وغلاء اللحمة في مصر رغم أنها متوفرة في السودان ..... ومنهم من إذا أطلعك بأن جده الكبير "الفلاح" قد ذهب للسودان ضمن حملة هكس باشا ؛ بعد معركة التل الكبير . أضاف إلى حديثه القول بأن جده الكبير هذا قد طاب له المقام وقتها في السودان . فتزوج من هناك وأنجب وانقطعت صلته ببقية أهله في مصر.
ولا أنصحك عزيزي القاري إن صادفك واحد من أمثال هؤلاء أن تحاول تصحيح المعلومة له بأن حملة هيكس باشا قد أبيدت بأكملها في شيكان .. فهو حتما لن يصدقك. ويعتبر مقولاتك مجرد مماحكات صادرة من "أبناء البطّة السوداء" كما تنطق به ألسنتهم الغاضبة "الصادقة" المنفعلة في وجه السوداني خلال المشاجرات التي تدور في أحياء عين شمس وحي عابدين بالقاهرة .... أو بعد كل مباراة كرة قدم يقف فيها المنتخب السوداني أو فريق كالهلال والمريخ نداً قويا لمثيله المصري ؛ كأن يخرجه بنتيجة تعادل مخزية في القاهرة ... أو يصيبه بهزيمة نكراء في أمدرمان.
إذن نستطيع القول أن تقريبات تدخل مصري عسكري في السودان تبقى ممهدة لمثل هكذا حدث طوال أربع وعشرين ساعة في ضمير المواطن المصري ... وهو ما يجعل المرء على ثقة بأن الإستراتيجي المصري إنما كان ولا يزال يضع في حسبانه إحتمال عودة مصر لإحتلال السودان في كل لحظة من لحظات إحساس مصر بأن أمنها القائم على إنسياب مياه النيل إلى أراضيها كما تحب وترضى قد وُضِعَ على المَحَك.
وإن أكثر ما يجلّي هذه الحقيقة ؛ أن حكم الإخوان المسلمين على عهد الدكتور مرسي لم يغير من سياسة وتوجهات وأسلوب مصر في تعاملها وتعاطيها (الأمني) مع الملف السوداني شيئا ؛ على الرغم من تشابه النظامين وقتها وإلتزام كلاهما بوصفات ومقادير وتتبيلات مطبخ الأصولية العالمية...... ولكن يبدو أن العلاقة بين السودان ومصر - وعبر العصور - لايمكن طهْوَ إدامِها وعَجْن خبزها إلاّ داخل مطبخ تتدفق صنابيره بماء النيل وحده لاغير.
إن محاولات البعض في مصر تسريب وتسويق خطط عسكرية (فالصو) ؛ تتحدث عن قصف بالطيران لجسم سد النهضة لا تبدو عقلانية .... ذلك أن بناء قواعد عسكرية في اليمن وأرتريا لا تبدو منطقية أو ممكنة ؛ لسبب أن اليمن وأرتريا لن ترضيان بإقحامهما في مثل هكذا صراع وبهذه التلقائية والمجانية . أو بما يجعلها سابقة تجبرهما لاحقاً على تسديد تكلفتها الباهظة إلى جارتهما القوية أثيوبيا.
ثم أنه وبالنظر إلى حالة إكتفاء مصر بقصف سد النهضة من الجو ؛ فإن ذلك يعطي الشرعية للطيران الأثيوبي (القوي) لعبور الأجواء السودانية الخالية من الموانع ؛ و(بأنوارٍ مطفأة أو غير مطفأة) ليقصف السد العالي .
وبالنظر إلى ما تتمتع به أثيوبيا من زخم ديني لدى العالم المسيحي ، بوصفها القلعة المسيحية الأقدم والأهم في أفريقيا منذ فترة ما قبل الإسلام . فإن السفر إلى ضربها مباشرة لن يكون له ما يحمد عقباه .. وبالتالي يبقى التهديد بإثارة المشاكل والقلاقل وعدم الإستقرار عبر حدود (جغرافية) ملاصقة لها مباشرة هو الحل الأمثل لمصر في هذه الحالة.
ولكن برغم كل هذه المحاذير فإن مسألة المياه بالنسبة لمصر قد لا تترك لها كثير من الخيارات .. وموقف السودان الذي أصبح في غاية الحرج في علاقته ما بين جارتيه أثيوبيا ومصر لايحسده عليه أحد.
والذي توصلنا إليه حتى تاريخه يؤكد أن لا منطقة وسطى تجمع بين الرؤية المصرية والقناعة الأثيوبية بشأن سد النهضة ... وهو ما جعل مصر تتعامل مع السودان وأثيوبيا على طريقة المثل القائل :" أضرب المربوط يخاف السائب" ... والمربوط اليوم في ظل حزب المؤتمر الوطني هو السودان .. والسائبة هي أثيوبيا.
لأجل كل هذا ؛ وحيث يمر السودان في الوقت الجاري بأصعب أوقاته لجهة العزلة العربية والدولية . والتوجس الإقليمي لأكثر من دولة أفريقية جارة ... فإنه يلزم حزب المؤتمر الوطني الحاكم أن يتعامل مع هذا الواقع بحذر . وأن يكون غاية هذا الحذر تجنيب البلاد مغبة التفتت والتعرض لتدخلات أجنبية من قوى إقليمية . أو مغبة أن يكون ساحة مفتوحة لحرب مياه بين مصر وبعض دول حوض النيل "المارقة" و "الناشزة" عن بيت الطاعة المصري.
وأما عن الكيفية التي يدير بها حزب المؤتمر الوطني سنواته العجاف الماثلة والقادمة ؛ فلابد له من تقديم تنازلات سياسية للمعارضة ، بدلاً من السعي لفرض إملاءات لا يتيحها له الوضع الراهن ... وخير للمؤتمر الوطني أن يبقى ليصبح جزءاً من لعبة الديمقراطية ؛ بدلاً من إجتثاثه ، ومطاردة عناصره بالبندقية والسونكي على شاكلة ما جرى للبعث العراقي .
والأمل معقود إذن بالمسارعة فوراً إلى إقرار دستور جامع ، تعقبه إنتخابات برلمانية ورئاسية حُرة نزيهة شفافة . تحمل من تحمل إلى كراسي السلطة بسلام .. وتضع من تضع في كراسي المعارضة بسلام أيضا ... وبحيث يتم إحهاض كل تهديد بتدخلات وغزو خارجي .
إن الذي يجري بيننا من حروب أهلية طوال السنوات الماضية ولا يزال ؛ ثم والنهب الفردي لثروات البلاد ومواردها .... يجعلنا نبدو للعالم الخارجي بمن فيهم العربي والأفريقي وكأننا سفهاء غير أهل .... تلزمنا الوصاية والحَجْر.
نرجو خطوات وحلولً ديمقراطية فاعلة ؛ تجنب البلاد ويلات الدماء والإغتصاب ونهب الأموال ، ومصادرة الممتلكات وهوان المواطن . وتمنع تصفيات الحساب الدموية ، وتحول دون المحاكمات الميدانية على يد كتائب الموت المسلحة الثائرة التي جرت على سبيل المثال في أبو كرشولا .
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.