ذاكرتي وذكرياتي بجامعة الخرطوم .. إغتيالات وإعتقالات وصيحات معلقة في السماء.. "حلقة 2" حركة الطلاب المحايدين سأتحدث هذه المرة حول حركة الطلاب المحايدين "المستقلين". سأحاول قول ما أعلم عن فترة إزدهار المد المحايد. نشوءه، أسبابه، سطوته وانحساره (في الفترة من 86 الى 1992)، ومقتل الطالب بشير الطيب "من الحزب الشيوعي" (رابعة آداب) بسكين عضو الإتجاه الإسلامي فيصل حسن عمر في ديسمبر 89، ومظاهرة ديسمبر 89 التي استشهدت يومها الطالبة التاية (كلية التربية) والطالب سليم (كلية الآداب) وأعاق وجرح الرصاص الكثيرين في ذلك اليوم المشهود، وإتحاد المحايدين دورة 91، وأحداث داخلية كرار ومظاهرة يوليو 1991 التي قتل فيها جهاز الأمن الطالب طارق محمد ابراهيم (سنة أولى إعدادي/علوم)، وأحداث العنف الطلابي التي نشبت في سبتمبر 91 ما عرف بدقة الكيزان ، وحل الإتحاد في نفس الوقت بواسطة إدارة الجامعة، ومقاطعة الإمتحانات في فبراير 92 وقد تم فصل اكثر من 600 طالباً وطالبة من مختلف الكليات بسسببها.. أول ما خرجت من السودان مباشرة كتبت عدة مقالات في جريدة الخرطوم سنة 93 و94 عن جميع هذه الأحداث. ولو انني لا أملك كل تلك الأوراق هذه اللحظة. كما كتبت ببعض مواقع الإنترنت في فترات مختلفة بعض المذكرات المتعلقة لكن معظمها كان في إطار "الإنستالجيا". . ظهور حركة الطلاب المحايدين: في عام 1985 بعد سقوط نظام نميري حدثت محاولة لفرز الكيمان داخل الجامعة صاحبتها هوجة آيدولوجية " وبالطبع سياسية" عارمة على وجه العموم. إذ ما عادت هناك دواعي للتحالفات "التكتيكية" القديمة بين الأحزاب والكيانات السياسية الموجودة بالجامعة كونها كانت قائمة في الأساس على مهمة واحدة محددة هي محاربة عدو مشترك، هو نظام مايو، بمثل ما تخلق التجمع الوطني لاحقا بعد إستلاء الجبهة الإسلامية على السلطة 1989 وأرتخى بشكل واضح بعد نيفاشا حتى قبل تحقق الهدف النهائي الذي أنشيء من أجله وما عادت قرارات أسمرا المصيرية همه الاول كتجمع كما يبدو للعيان. بعد سقوط مايو بدأ كل كيان سياسي يتحسس فكره وخطه السياسي والتنظيمي ويحاول أن يعلن عن كينونته المستقلة منفردا كون الإنتخابات "الديمقراطية" على الأبواب والناخب سيصوت لحزب ما وفق برنامج محدد لذاك الحزب المحدد كما هو متوقع. ولم يكن هناك أفق واضح لبرنامج حد أدنى يجتمع حوله الناس أجمعين أو غالبيتهم. كما أن معظم الأحزاب السياسية (عدا الإتجاه الإسلامي) كانت تعاني من ظروف لوجستية غير مؤاتية. كان هناك صراع و إستقطاب سياسي عنيف في الجامعة بين جميع الأحزاب في ما بينها وفي مرات في داخل الحزب الواحد و عدم ثقة وشكوك متبادلة شغلت الجميع عن الاهتمام بالقضايا الطلابية الملحة كالسكن والإعاشة والخدمات الأخرى. النتيجة العاجلة كانت عزوف كثير من الطلاب عن النشاط السياسي "الحزبي" المتعارف عليه. اضافة الى المساحة (x) التي خلفها الجمهوريون بعد إغتيال الأستاذ محمود محمد طه. في اطار تلك اللحظة التاريخية كان أكثر تنظيم جهازا "وحنكة" هو تنظيم الإتجاه الإسلامي لأسباب عديدة من أهمها تحالف الجبهة الإسلامية منفردة مع مايو، والمكاسب التي جنتها من خلال فترة وجودها في سلطة مايو معروفة للجميع، ثم إيحاءها لكثير من الناس بانها هي التي أسقطت مايو بعد ما اختلفت مع مايو. النتيجة كانت أن سيطر الإتجاه الإسلامي "يد الجبهة الطلابية" على منبر اتحاد طلاب الجامعة أربع مرات متتالية من 86 الي 90. تنظيمات سياسية عاجزة وكسيحة في مقابل جبهة إسلامية "صائلة وجائلة ومنتصرة بكل الوسائل وعلى طول الوقت" تفعل ما تشاء بأقدار الطلبة وفق ما ترى كتنظيم سياسي اصولي. إذن ماذا؟. ماذا يستطيع الناس العاديين "غير المنتمين تنظيميا"؟. المحصلة النهائية لتلك "الجوطة": في العام 86 بدأت مجموعة صغيرة من طلاب كلية الإقتصاد والعلوم الإجتماعية تتحدث عن شي صغير جدا، عن رابطة الكلية "الجهاز النقابي الطلابي للكلية، ويتم إنتخابه سنويا" . فلسفة هذه المجوعة التي قادها جاليلو وطارق أبو شوك وأبو قرجة وآخرين في البداية كانت تقول بالتالي: إبعاد روابط الكليات عن الإستقطاب السياسي المباشر كون مهمة هذه الروابط في المقام الأول خدمية وليست سياسية (بالتالي فهي مختلفة جزريا عن مهمة إتحاد الجامعة): علينا الاهتمام بقضايا الطلاب اليومية بعيدا جدا عن المشاكل السياسية: نحن محايدون، ولو أننا لسنا ضد السياسة أو العمل السياسي من حيث المبدأ لكنا ضد الممارسات السياسية السيئة لدى الاحزاب السياسية، نحن منحازون لقضايا الطلاب "الخدمية" من جهة ومحايدون من جهة أخرى: لسنا طرفا في الممارسة السياسية السيئة و الصراعات السياسية الحزبية "العقيمة" الجارية في الجامعة. هذه الدعوة الصغيرة أو قل الإدعاء الصغير حول مسيرة الحركة الطلابية السياسية في أتجاه مختلف جدا لمدة السبع سنوات التالية على الأقل. سيطرت حركة الطلاب المحايدين على معظم عقول الطلاب في غضون سنتين فقط. خصوصا بعد ما تحقق لهذه المجموعة في العام نفسه تقريبا الفوز بمنبر رابطة الكلية. فكان لهم ما حلموا به. وقد حدث أن هيأت لهم الظروف فعل ما وعدو طلبة الكلية به على اكمل وجه، فاصبحو محل ثقة شبة مطلقة بحكم مقدرتهم على الفعل والمبادرة والمثابرة. فأسسو كافتيريا الإقتصاد الشهيرة أو بعثوها من جديد بعثا بهيا كمكان للراحة والإستجمام من لظى المحاضرات وعملو نجيلة على طول الفسحة القائمة أمام الكفتيريا حوالي مائة متر مربع، وجاءوا بكولر لماء الشرب وضعوه خلف مكتب العميد "الحاردلو" ونظمو ليالي ثقافية وإجتماعية "ما فيهاش ولا حبة سياسة" ولا حبة صراع سياسي وفعلو بالجد الكثير "العملي جدا". اصبحنا في كلية الإقتصاد مكان حسد من الآخرين .. كانت تلك حقيقة عندها أدلتها. وبالتالي شي طبيعي "في سياق ما حدث" أن يفوز "المحايدين" دائما بما يشبه التذكية في انتخابات رابطة الكلية. تحت مسمى "في شكله الخارجي" لا يمت للصراع السياسي بصلة "اسم لذيذ" هو حركة الطلاب المحايدين. في إرتداد البصر سيطرت حركة الطلاب المحايدين في لحظة محددة على جميع روابط الكليات دون إستثناء. بعدما تطورت وأكتسبت تجربة وكوادر طلابية عديدة. بذات الدعوة. تحت شعار الخدمات واللا سياسة. "اللا سياسة" تعني التنزه عن الصراعات الحزبية "السياسية" الفارغة والمدمرة والمنحطة وفق فهم الحركة وذلك يشمل جميع الأحزاب من أقصى اليمين الى أقصى اليسار "دون إستثناء". وكان قيادات الحركة في البداية يرددون على الدوام شعارات تقول بأن روابط الكليات لنا (للطلاب لا الأحزاب، للخدمات الطلابية الضرورية) وكانو يعتقدون أو يقولون او يبررون "حياد روابط الكليات" بجواز إنشغال إتحاد طلاب الجامعة "الجهاز النقابي الجامع" بالقضايا الوطنية الكبرى "السياسية والإقتصادية الخ" وبالتالي لا يرون غضاضة في الصراع السياسي حول منبر إتحاد الجامعة، كون الاتحاد للسياسة وللثورات العظيمة!). وحركة المحايدين خلقت لهدف واحد محدد هو ترقية الخدمات الطلابية في إطار الكليات الجامعية المختلفة. في العام 1989 بعد إنقلاب الجبهة الإسلامية مباشرة، كون المحايدون جسما موحدا لجميع روابط الكليات بالجامعة. كان جسما موازيا للإتحاد الذي يسيطر عليه الإتجاه الإسلامي، هو هيئة روابط الكليات أو شي من هذ القبيل لا أذكر الإسم بالزبط هذه اللحظة، هذا الجسم هو الذي سير مسيرة الإحتجاج بعيد إغتيال الطالب بشير الطيب في ديسمبر89 ساندته في ذلك جميع الأحزاب الفاعلة في الساحة الطلابية (ما عدا الإتجاه الإسلامي). كانت أول مظاهرة إحتجاج جماهيرية "طلابية" تحدث منذ إستلاء الجبهة على السلطة قبل أقل من نصف العام. واجه النظام تلك المظاهرة بعنف قد يكون الأول من صنفه في تاريخ الصدامات مع السلطات السياسية على مر تاريخ الجامعة، إذ أغتيل في الحال برصاص البوليس وداخل اسوار الجامعة لا خارجها طالبين ( التاية وسليم) وبترت ساقا طالبين آخرين هما صابر وصلاح وجرح عدد آخر من الطلبة والطالبات، وبعدها تم إعتقال 500 طالب وطالبة تم تعذبيهم جميعا بطرق مختلفة ثم أطلق سراحهم. المفارقة المدهشة جدا، قليلا وأن فاجأت الحركة الناس بأن رضيت لنفسها الدخول في صراع الإتحاد "صراع السياسة المنحط بحسب أدبيات الحركة" عام 90 ، والمفارقة الأكبر والأكثر دهشة (جدا جدا) هي فوز الحركة فوزا كاسحا في أنتخابات إتحاد الجامعة بدورة 90-91 بفارق بينها والآخرين وصفه البعض بأنه لم يحدث منذ إنشاء كلية غردون التذكارية.. إذن ما هي الأسباب؟!. . المحايدون "المحايدين" الحياد وجهت الأحزاب السياسية المختلفة (بيسارها ويمينها) نقدا لاذعا وبشكل مثابر "لحركة المحايدين" إبتداءا من الإسم مرورا بالشعارات نهاية بالمعني. لكن مع تركيز اكبر على الإسم. في الحقيقة الإسم كان شين شوية ولو كان المعنى جميل (من وجهة نظري الخاصة)، غير أن "المحايدين" إختارو هذا الإسم "عمدا ، بل وبدقة متناهية" لاسباب محددة، قد نأتي على ذكرها لاحقا، وكان بالفعل إسم موفق وفق الدلالات التي رموا إليها، بمثل ما يقول فارس مغوار عن نفسه "تور عفينة الشين أني". واجه المحايدون سيلا من الشتائم وكان في كل مرة من المرات عندهم عدوا مختلفا متصدرا الحلبة وعندهم بالطبع حلفاء وأنصار في كل مرحلة من المراحل. يعنى شنو حياد (!) (كيف يعني محايد) أنت خشبة!. انتو حزب ولا حركة ولا شنو؟. انتو ظاهرة، فقاعة، حاجة عجيبة، تمييع للصراع. المحايدون واجهة أخرى للكيزان. هم صنيعة شيوعية. لحم راس، ديل ناس "مخترقين" ساكت. ما عندهم ميثاق مكتوب. خربو تاريخ الجامعة، الخ. في البداية اعتبرتهم الجبهة الديمقراطية "مجرد واجهة جديدة للكيزان" أو هكذا قالت (ثم عدلت عن ذلك وساندتهم في الإنتخابات)، وقليلا وأعتبرهم الإتجاه الإسلامي مجرد شيوعيين مختبئين تحت مسمى جديد (وعادوهم الى أقصى الحدود). وللأحزاب الأخرى جميعها آراء سلبية من حركة الطلاب المحايدين. لكن كل ذاك لم يمنع المحايدون من مواصلة إنتصاراتهم وإنجازاتهم على جميع الأصعدة. إستولو على جميع روابط الكليات وفي الختام اتحاد الجامعة "ذاتو" كوسو " كوسو المنار". إقتلعو منبر اتحاد الطلاب من براثن "سيطرة شبه مطلقة" للكيزان دامت أكثر من أربع سنوات الشي الذي لم يستطع أحد فعله قبلهم (1986-1991). وفعلو في معظم الأوقات ما وعدو الناس به، برغم صعوبة الأقدار وقلة التجربة. حاولوا كل ما بوسعهم خدمة قضايا الطلاب ، وأكثر، سيرو قوافل صحية وإرشادية الخ الى مناطق مختلفة من السودان " ابان دورتهم في الإتحاد" ، وقفو ضد قرارات ما عرف بثورة التعليم العالى "الجائرة" وقدمو تضحيات مشهودة، سيرو مسيرتي إحتجاج ضد حكومة العسكر عام 89 و91، منعو نائب رئيس الجمهورية "الزبير محمد صالح من دخول الجامعة بغرض مقابلة مديرها "ولو جيء بكل قوات الإحتياطي المركزي"، قاتلو من أجل حقوق الطلاب المكتسبة في السكن والإعاشة والعلاج الخ. و إختصارا لهذا كله ،قل: تمكنت حركة الطلاب المحايدين في لحظة تاريخية بعينها من تعبئة طلاب الجامعة وجعلهم يتحدون في طريق قضاياهم الداخلية وفي نفس الوقت أداء واجباتهم الوطنية. وأستطاعو أن يقيمو أحلاف عملية مع جميع الوان الطيف السياسي لصالح برنامجهم مع احتفاظهم بخط "وطني" واضح. فنالو ثقة معظم الطلاب. ملاحظات هامة:: -تلك هي رويتي أنا وحدي "الخاصة" لحركة الحياد بجامعة الخرطوم وربما كان للأخرين من زملائي وجهات نظر وطريقة تفكير وزوايا للرؤية مختلفة مع أننا بالقطع نتفق في المباديء الأساسية. - ليس المقصود من هذا السرد تمجيد حركة الطلاب المحايدين في كل الأحوال في مقابل القول بعجز كلي ودائم للمنظومات السياسية الأخرى في كل الأوقات ولكن الهدف هو محاولة إضاءة فترة تاريخية بعينها نحن بصددها في هذه السلسلة من المقالات. يتواصل.. ذاكرتي وذكرياتي بجامعة الخرطوم .. إغتيالات وإعتقالات وصيحات معلقة في السماء.. محمد جمال الدين.. عضو الجلس "الاستشاري" الأعلى لحركة الطلاب المحايدين ورئيس تحرير مجلة الجامعة [email protected]