إبراهيم شقلاوي يكتب: الدعم السريع.. من المظلّة إلى المقصلة    ليفربول يخسر أمام السيتي وهالاند يعود لهز الشباك ويكسر عقدة أنفيلد    تعادل لوبوبو وصن داونز يؤجل حسم بطاقتي مجموعة الهلال    شاهد بالفيديو.. مواطنة سودانية تنهار بالبكاء فرحاً بعد رؤيتها "المصباح أبو زيد" وتدعوه لمقابلة والدها والجمهور: (جوه ليك يا سلك)    بعد العودة إلى التدريبات.. هل ينتهي تمرد رونالدو أمام أركاداغ؟    شاهد بالفيديو.. الجوهرة السودانية يشعل المدرجات ويفتتح مشواره الإحترافي بالخليج بصناعة هدف بطريقة عالمية    شاهد بالفيديو.. افتتاح مستشفى بمواصفات عالمية بمنطقة شرق النيل بالخرطوم والجمهور يشببها بأكبر المستشفيات بالخليج    شاهد بالصور.. مواطن سوداني محتجز بأحد إقسام الشرطة بمصر يرسل رسالة لأقاربه على قطعة "كرتون" (أحضروا لي ملابس)    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    شاهد بالفيديو.. قائد ميداني بالدعم السريع يعلن انشقاقه عن المليشيا ويعترف: (نحن من أطلقنا الرصاصة الأولى بالمدينة الرياضية)    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    السودان يدين الصمت الدولي تجاه جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ترتكبها المليشيا في إقليمي دارفور وكردفان    بعد غياب 8 سنوات.. عبلة كامل تعود وتثير ضجة ب"إعلان"    "سامسونغ" تُحبط الآمال بشأن الشحن اللاسلكي في سلسلة "Galaxy S26"    هانى شاكر فى لبنان وأنغام فى الكويت.. خريطة حفلات النجوم فى يوم الفلاتنين    حساسية الجلد أثناء الحمل.. متى تستدعى القلق واستشارة الطبيب؟    نائب البرهان يفجّرها بشأن حل مجلس السيادة واتّهام قادة كبار في جوبا    تشابه دماغ البشر والذكاء الاصطناعي يدهش العلماء    القانون يلزم الشركات السياحية بسداد تأمين مؤقت عن رحلات العمرة    كاكا قال لدوائر فرنسية إنه يتوقع إنهياراً وشيكاً لقوات التمرد السريع    لو ليك فى الرومانسى.. لا تفوت هذه المسلسلات فى دراما رمضان 2026    تحديث ذكي جديد ل"واتساب" في آيفون    اكتشاف وجود علاقة بين الاكتئاب وهشاشة العظام    دراسات: إوميجا 3 تحسن الإدراك وتعزز المزاج    عقوبة مالية على الإتحاد وإيقاف عضو الجهاز الفني لنادي المريخ    قرارًا جديدًا لوزير التعليم العالي في السودان    والي النيل الأبيض يشيد بالليلة الثقافية الأولى لهلال كوستي    الجيش يفشل هجومًا عنيفًا لميليشيا الدعم السريع    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    بنك الخرطوم يتعهد بإرجاع مبالغ «ضمان الودائع» ويتحمل التكلفة كاملة    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    السودان يرحّب بالقرار 1591    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    وزير الثروة الحيوانية: البنك الزراعي وبنك النيل يمولان صغار المربيين لزيادة الإنتاجية    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    بيان مهم لوزارة المالية في السودان    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



إعلان براءة مريم دون تدخلٍ

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد الهادي الأمين
وفاءً بموعدتي لكم في مقالي السابق بعنوان براءة مريم بين رداءة التطبيق ورداءة التنفيذ , سأتناول في هذه الفذلكة القانونية نص المادة 126 (1),من القانون الجنائي لسنة1991م نقداً وتحليلاً قانونياً صرفاً وفق معايير الصياغة التشريعية السليمة المطلوبة لتحقيق العدالة وعدم معاقبة الأبرياء بموجب نصوص قانونية يأتيها الريب والعيب من فوق ومن تحت ومن الجنب , و ذلك من أجل بيان رداءة التشريع , ومن أجل تأكيد أن الحق سيُحصْحِصْ وتُعلن براءة مريم إن محصت الجهات القضائية المختصة ما يبرزه مقالي هذا من عجب عجاب وخطل معاب اكتنف نص المادة 126 (1) من القانون الجنائي لسنة 1991م ,إذ يتضح دون أدنى ريب أن نص المادة 126(1) قاصر على مخاطبة المسلم الرجل لا المرأة , فلا اجتهاد مع صريح النص كما هو مقنن في المادة(4/ب ) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م. الناصة على :-(لا تجريم ولا جزاء إلا بنص تشريعي سابق).كما سأبين خطأ محكمة الموضوع في تطبيقها لنوصوص مادتي الإتهام المادة126-(1) والمادة 146 من القانون الجنائي لسنة 1991م وفي جمعها بين عقوبة الإعدام حداً والجلد حداً.
فنص المادة: 126-(1) ينص على:( يعد مرتكباً جريمة الردة كل مسلم يروج للخروج من ملة الإسلام أو يجاهر بالخروج عنها بقول صريح أو بفعل قاطع الدلالة).
فلنقف عند الركن المادي لهذه الجريمة وهو( يعد مرتكباً جريمة الردة كل مسلم يروج للخروج من ملة الإسلام أو يجاهر بالخروج عنها بقول صريح أو بفعل قاطع الدلالة) , ولنمحص عناصره خاصةً الفاعل القانوني المخاطب بالحكم وهو حسب نص هذه المادة (كل مسلم ) , والركن كما تعلمون هو ما يقوم عليه الشيء فإن انهدم إنهدم معه ذلك الشيء , وسترون في السطور القادمة كيف أن الركن المادي لهذه الجريمة لا محالة منهدمٌ لزوال عناصره المكونة له لمخالفتها قواعد الصياغة التشريعية السليمة, ولمخالفتها قواعد أصول الفقه الإسلامي ,ولتضاربها مع نهج القانون الجنائي لسنة 1991م نفسه فإلى تفنيد ذلك:-
أولا :- فيما يتعلق بمخالفة قواعد الصياغة التشريعية وأصول الفقه الإسلامي , وفيما يتعلق بمخالفة منهج القانون الجنائي لسنة 1991م في تحديد الفاعل القانوني , نجد أن المشرع قد استخدم صفةً نكرةً لرجل / مذكر كفاعلٍ قانوني في نص المادة 126(1), فهل ينطبق النص أيضاً على الفاعل القانوني المرأة, مثل (مريم) ؟؟
لا شك أن أول الأخطاء التي عجت بها هذه المادة هو مخالفة نصها لقواعد الصياغة التشريعية (Legislative Drafting Principles ) في استعماله لمفردة (مسلم) فهذه المفردة وهي كما تعلمون صفةٌ نكرةٌ لمذكر !! والأمر الذي لا جدال فيه أن قواعد الصياغة التشريعية تقول إن العناصر الجوهرية للجملة القانونية هي فاعل قانوني(Legal Subject ) وفعل قانوني , (Legal Action) . والفاعل القانوني هو الشخص المخاطب بالحكم ولا يتصور أن يكون صفة نكرة ك (مسلم, مسيحي, أسود, أبيض).
والفاعل القانوني مناط حديثنا حسبما ورد في نص المادة 126(1) هو (كل مسلم ) , وكما أسلفنا الذكر فإن (مسلم) الواردة بالنص ماهي إلا صفة أو نعت لرجلٍ مفرد , ولا نجد تشريعاً وضعياً أو سماوياً يجعل الفاعل القانوني صفةً لمفرد , فالفاعل في اللغة العربية والإنجليزية وفي كل لغات العالم , وفي قواعد الصياغة التشريعية لا يكون إلا اسماً (Noun ), لأن الصفة النكرة لا يتصور مخاطبتها كشخص فاعل قانوني ,ولأن الصفة النكرة ليست لفظ عموم كما سنبين , و تحتمل الصفة النكرة تأويلات عدة والتشريعات الجزائية/ الجناية والحدود على وجه الخصوص لا تحتمل التأويل ولا الشك , وإلا كانت شبهة .
(في حديثنا عن الصياغة التشريعية , فضلاً أنظر: Barabra Clid ,Drafting Legal Documents :Principles and Practices& Vcrac Crabble ,Legislative Drafting,والصياغة التشريعة, عبد الحافظ عبد العزيز,دار الجيل ,بيروت1991م).
هذا والحق يقال إن المشرع في القانون الجنائي لسنة 1991م ,لم يستعمل الصفة النكرة كفاعل قانوني مخاطب بالحكم في كل مواده البالغة (185 ) مادةً , إلا في المادة (126-1) , فالمشرع فيما عداها من مواد-(184) مادة)- استعمل للفاعل القانوني المخاطب بالحكم لفظ عموم هو اسم الموصول (من) أو (كل شخص , كل رجل , كل إمرأة) وتأكيداً لذلك عرف في المادة (3) منه الكلمات (شخص, إمرأة , رجل ), بل و حتى في جرائم الحدود الخاصة بالمسلمين نجده قد انتهج نفس النهج ففي جريمة السرقة الحدية المادة 171(1) نُص على (يعد مرتكباً جريمة السرقة الحدية من يأخذ ..) وفي الحرابة نُص علي(يعتد مرتكباً جريمة الحرابة من يرهب العامة أو يقطع الطريق)..فلم يورد المشرع صفة (مسلم ) كفاعلٍ قانوني حتى في جرائم الحدود, بل لم يوردها مطلقاً, و عندما أراد أن يميز الفاعل القانوني المسلم من الفاعل القانوني غير المسلم وضعها في شكل شرط كما هوالحال في جريمة شرب الخمر والإزعاج - المادة 78 التي تنص على :- (1- من يشرب خمراً أو يحوزها أو يصنعها، يعاقب بالجلد أربعين جلدة إذا كان مسلماً.
(2) دون مساسٍ بأحكام البند (1) من يشرب خمراً ويقوم باستفزاز مشاعر الغير أو مضايقتهم أو إزعاجهم أو يشربها في مكان عام أو يأتي مكاناً عاماً وهو في حالة سكر، يعاقب بالسجن مدة لا تجاوز شهراً أو بالجلد بما لا يجاوز أربعين جلدة كما تجوز معاقبته بالغرامة أيضاً.)...فإيراد كلمة (مسلماً) جاءت هنا لضرورةٍ تشريعية للتمييز بين عقوبة المسلم وعقوبة غير المسلم ,وليس تمييزاً للرجل عن المرأة كفاعلٍ قانوني .ولنركز في استعمال المشرع للفظ العموم (من)..فهي بصورتها هذي تشمل كل شخص ذكراً كان أم امرأة.
وفي هذا المقام أجدني على خلاف مع أستاذي الدكتور عوض الحسن النور في مقاله بتأريخ 24/5/2014م, في صحيفة الراكوبة الغراء بعنوان (عناصر حد الردة في القانون السوداني وما مصادره في الشريعة الإسلامية), إذ قال في مقاله:-(العنصر الأول : أن يكون الجاني مسلماً ثم يرجع عنه أي أن يخرج عن الإسلام ، فلا يعد غير المسلم إذا أسلم مرتداً ، أو إذا خرج غير المسلم عن دينه إلى دين آخر ويشمل العموم كل مسلم رجلاً أم امرأة .). فالحق والحق أقول إن (كل مسلم).لا تفيد العموم رغم أن لفظة كل من ألفاظ العموم , فهي مكونة من (كل ) وهي لفظ عموم قيد ب(مسلم) وهي صفة لذكر مفرد فيكون المقصود بالخطاب والحكم الرجل المسلم , والفيصل في ذلك تعريف علماء أصول الفقه الإسلامي للفظ العام فهم يعرفونه بأنه اللفظ الذي يدل بحسب وضعه اللغوي على شموله واستغراقه لجميع الأفراد، التي يصدق عليها معناه من غير حصر في كمية معينة منها).
ويحدد علماء أصول الفقه صوراً محددة لألفاظ العموم ,ونختار من هذه الصور ما هو أقرب لموضوع نقاشنا وهي صورة المفرد المعرف بأل تعريف الجنس: كما في قوله تعالى :- {الزانية والزاني} [النور: 2]، {السارق والسارقة} [المائدة: 38]، {واحل الله البيع وحرم الربا} .
(أنظر في ذلك ,شرح روضة الناظر وجنة المناظر لإبن قدامة-تحقيق دكتور عبد الكريم النملة ,الفروق للقرافي المالكي , الأحكام للإمدي , أحكام الأحكام لإبن حزم الظاهري ).
فهذه الصورة لا تكون الصفة فيها إلا معرفة بأل تعريف الجنس,بينما مفردة (مسلم )التي جاءت في نص المادة 126-1لا تدخل في هذه الصورة , بسبب أن مفردة (مسلم) ليست معرفة بأل تعريف الجنس , بل هي صفة نكرة لمذكر , فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون لفظ عموم لتشمل المرأة كالمحكوم عليها مريم .وهذا ما قصده المشرع فلامجال للاجتهاد معه لأن النص هنا يصبح واضح الدلالة على أن المراد من الفاعل القانوني رجل صفته مسلم.
وسندنا فيما ذهبنا إليه من تفسير جعلنا نقول بأن المرأة ليست مخاطبة بنص المادة 126-1-هوالمادة 2/ج (من ) قانون أصول الأحكام القضائية لسنة1983 التي تنص على في تفسير النصوص التشريعية , مالم يكن النص مفسراً أو قطعي الدلالة :-
(أ)........................... (ب).........................
(ج) يفسر القاضي المصطلحات والألفاظ الفقهية على ضوء القواعد الاصولية واللغوية في الفقه الإسلامي .
فالمادة (2) أعلاه هي المادة الوحيدة من قانون أصول الأحكام القضائية التي يجوز للقاضي الإستناد عليها في تناول المسألة التي بحثناها,ولا سبيل لقاضي الجنايات إلى الإستناد لنص المادة (3) من ذات القانون ليشترع منه ما يفيد بشمول النص للمرأة المسلمة عن طريق تطبيق أي حكم شرعي لم ينص عليه القانون الجنائي لسنة 1991م , ذلك لأن المشرع قد إستثنى الدعاوي الجنائية صراحة من حكم نص المادة (3) فهي تنص على ...........وفيما عدا الدعاوي الجنائية إذا لم يوجد نص تشريعي يحكم الواقعة :
() يطبق القاضي ما يجد من حكم شرعي ثابت بنصوص الكتاب والسنة.
وتأكيدا لذلك فقد سبق وأن أرست المحكمة العليا-الدستورية في حكمها في م ع / ق د/ 2/ 1406ه ( أسماء محمود محمد طه ، عبد اللطيف عمر حسب الله – ضد - حكومة جمهورية السودان).. أرست المبدأ التالي :-
المادة (3) من قانون أصول الأحكام المعدلة لم يكن من شأنها اضفاء سلطة ترقى في طبيعتها إلى سلطة في التشريع لا تختص بها المحاكم أصلاً.
كما جاء في حيثيات الحكم (أن المادة 3 على أي معنى أخذت لم تعد تسرى على المسائل الجنائية (أنظر التعديل الصادر فيها بتاريخ 24/4/1986، إلا أن الحاجة إلى تحديد إطارها مازالت قائمة لا بشأن آثارها محل النظر أمامنا فحسب، وإنما لأغراض في الفقه والسياسات التشريعية في المستقبل).
و لن يكون ما ذهبنا إليه من عدم شمول نص المادة 126-1 , تعطيلا لحد أو إباحة لمحرم أو نشاذا عن الفقه الإسلامي مصدر هذه المادة, فجريمة الردة كما تعلمون مختلف في كونها حد أم تعزير أو كونها جريمة- ( أنظر في ذلك مقال دكتور عوض الحسن النور سابق الذكر ) .
ولقد أختلف فقهاء الشريعة الإسلامية حول توقيع عقوبة الردة على المرأة المرتدة عن الإسلام , وهي عقوبة القتل ولم يختلفوا حول توقيعها على الرجل المرتد عن الإسلام ,مما يعني أنه يجوز إخراجها عن موجب العقوبة , ولقد برر القائلين بذلك بأن المرأة لايتصور خروجها من الإسلام محاربة كالرجال ذلك لطبيعة تكوينها الجسدي ,كما يبررون لذلك بنهي النبيّ صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء مطلقاً فقال صلى الله عليه وسلم: ((ولا تقتلوا شيخاً فانياً ولا طفلاً ولا صغيراً ولا امرأةً)) -سنن أبي داود1-.
ولقد إستند القائلون بعدم قتل المرأة المرتدة بما جاء من أحاديث في مصنف أبي شيبة نورد منها:-
1-حدثنا أبوبكر قال حدثنا عبد الرحيم بن سليمان ووكيع عن أبي حنيفة عن عاصم عن أبي رزين عن ابن عباس قال: لا يقتلن النساء إذا هن ارتددن عن الإسلام ولكن يحبسن ويدعين إلى الإسلام فيجبرن عليه.
2-حدثنا أبو بكر قال حدثنا حفص بن غياث عن ليث عن عطاء في المرتدة قال لا تقتل.
(فضلا أنظر في ذلك المصنف لعبد الله بن محمد بن أبي شيبة ,دار الفكر.1994م, كتاب الحدود).
ومن الفقهاء من قال إن ابن عباس رضي الله عنه وهو راوي حديث: ((من بدل دينه فاقتلوه))، قال: ((لا يقتلن النساء إذا هن ارتددن عن الإسلام، ولكن يحبسن ويدعين إلى الإسلام فيجبرن عليه)).
وياترى ما جدوى مخاطبة المرأة بحد الردة,وهي لا تعاقب بعقوبته المقررة للرجل المرتد ؟؟أيكون أرتدادها عن الإسلام جريمة حدية؟ أم يكون جريمة تعذيرية؟ أم أنه لا جريمة فيه؟؟؟.
وعلى كل فإنه من جماع نقاشنا وتحليلنا أعلاه نخلص إلى أن المخاطب بنص المادة 126/1من القانون الجنائي لسنة 1991م , هو كل رجل مسلم.
صحيح أن عدم شمول النص للمرأة المسلمة يكفي وحده لهدم الركن المادي ولكن لا بد من الصيرورة لبيان رداءة النص فيما تبقي من عناصر الركن المادي , وذلك يتمثل في:-
مخالفة النص لمبدأ دقة ووضوح (Accuracy and Clarity ) التشريع في اختياره لكلمات الفعل القانوني المتمثلة في (يروج ), وفي إختياره ل (ملة الإسلام):-
1- فكلمة يروج ليس هي الكلمة التي تدل على الردة كما جاء في الحديث الذي يستدل به القائلون بأن الردة حد وهو ((من بدل دينه فاقتلوه))...بل أن كلمة روج لها معانٍ متغايرة فهي تجيء في اللغة العربية على نحو :- روَّج الشَّيءَ : جعله منتشرًا يكثر الطَّلب عليه , رَوَّجَ الشَّيْءَ أَوْ بِهِ : عَجَّلَهُ, رَوَّجَ أَخْباراً : أَشاعَها , رَوَّجَ كَلامَهُ : زَيَّنَهُ, رَوَّجَ خِطابَهُ : جَعَلَهُ غامِضاً لا تُعْرَفُ حَقيقَتُهُ , رَوَّج الغُبارُ : دام.
(أنظر في ذلك معجم المعاني الجامع, ولسان العرب لمحمد بن منظور).
فكيف للمشرع إذاً أن يختار كلمة لها معانٍ متضادة في جريمة عقوبتها الإعدام ؟؟؟, فمع هذا العيب في الإختيار التشريعي نجد أن هذه الكلمة مطاطية تجعل النص معيباً إذ يعرض أرواح الأبرياء لمخاطر التأويل والتفسير.
ووفق ما هو متناقل من أخبار في وسائل الإعلام وحتى إن إفترضنا أنه ثبت لمحكمة الموضوع أن المحكوم عليها (مريم) كانت مسلمة ثم بدلت دينها بالمسيحية , فلن يكون من الثابت دون شك معقول أنها روجت للخروج من ملة الإسلام أو جاهرت بالخروج عنها بقول صريح أو بفعل قاطع الدلالة , وحتى الأفعال والأقوال في الحديث عن الردة نجد الفقهاء على خلاف فيها فسب الديانة الذي أعتبره القانون الجنائي في المادة(125 ) جريمة تعزيرية لا حدية نجده عند أغلب الفقهاء ردة يعاقب عليها الرجل بالقتل, فما الحكمة من استثناء إهانة الأديان أو سب الديانة من الأقوال المعتبرة ردة وخروجاً عن الإسلام؟؟ أثرنا هذه المسألة للتدليل على أن الفاعل القانوني في نص المادة 126-1 مطاطي وغير منضبط .ولبيان أن المشرع نفسه يخالف بعض أقوال فقهاء ملة الإسلام ويستثنى سب الديانة وإهانتها من الحكم بأنها رده!!!!
وكذا الأمر بالنسبة لمصطلح (ملة الإسلام ):-
فاختيار المشرع لهذا المصطلح وعدم استخدامه كلمة (دينه) كما جاءت في الحديث المذكور سابقاً, يفتح باباً واسعاً للاجتهاد لتعريف ملة الإسلام والتي هي أصلاً مختلف عليها عند فقهاء الشريعة الإسلامية في أقوالهم في علم الملل والنحل, فكم من فرقة أو جماعة تطلق على نفسها صفة الإسلام والإسلام براء منها, ففي سودان اليوم نجد كثير من الجماعات تلصق على نفسها صفة الإسلام وتعتقد أنها الفرقة /الملة الناجية وتكفر غيرها من الفرق/الملل. والقضاة جزء من المجتمع السوداني فلربما وجد منهم من ينتمي لهذه الفرق فيأخذ تفسير معنى ملة الإسلام بما هو عليه جماعته/ملته فيوقع حكمه وفق ذلك, فهذا المصطلح (ملة الإسلام) ,غير منضبط في ظروف عصرنا هذا فكان على المشرع تعريفة في المادة (3) من القانون الجنائي لسنة 1991م.
هذا ما كان بخصوص رداءة التشريع , أما فيما يتعلق بخطأ محكمة الموضوع , فإننا وفقاً لما حصلنا عليه من معلومات من وسائل الإعلام , سنفند هذه الأخطاء على النحو التالي:-
فبالإضافة لخطأ محكمة الموضوع في شمول المحكوم عليها بحكم نص المادة 126(1) الخاص بالرجل المسلم دون المرأة, نجد محكمة الموضوع قد أخطأت في حكمها وإدانتها للمحكوم عليها بتهمة الزنا, ولا شك في أن محكمة الموضوع قد قررت في مسألة زواج المحكوم عليها لتصل لبطلان الزواج باعتباره زواجاً مجمعاً على بطلانه :
وللإيضاح نورد نص جريمة الزنا كما هو في المادة 145-(1) من القانون الجنائي لسنة 1991م (يعد مرتكباً جريمة الزنا:
أ‌ ) كل رجل وطئ امرأة دون رباط شرعي،
ب‌)كل امرأة مكنت رجلا من وطئها دون رابط شرعي
2-يتم الوطء بدخول الحشفة كلها أو ما يعادلها في القبل.
(3) لا يعتبر النكاح المجمع على بطلانه رباطاً شرعياً.
, ولا شك أن قاضي المحكمة الجنائية ليس مختصاً بنظر قضايا الأحوال الشخصية سواء كان المتداعيان/ الطرفان مسلمين أو غير مسلمين فالمادة( (7)-1)من القانون الجنائي لسنة 1991م تحدد اختصاص قاضي محكمة الجنايات وتنص على:(تكون للمحاكم الجنائية سلطة الفصل القضائي في الدعاوى الجنائية).
فالقاضي المختص بالتقرير في صحة الزواج أو بطلانه هو قاضي محكمة الأحوال الشخصية للمسلمين وفق قانون الأحوال الشخصية للمسلمين لسنة1991م , ويتبع في إجراءات نظرها قانون الإجراءات المدنية لسنة1983م. ولما كان قاضي محكمة الموضوع غير مختص فإن ذلك مدعاة للقول ببطلان حكمه فيما يتعلق بجريمة الزنا.
أما ثالثة الأثافي من أخطاء محكمة الموضوع فهو حكمها وتقريرها معاقبة المحكوم عليها بالجلد حداً وبالإعدام حداً , فحتى إن افترضنا جدلا صحة الإدانة والحكم بجريمة الزنا وجريمة الردة ,فإن جمع عقوبة الإعدام مع أي عقوبة أخرى إجراء باطل لمخالفة المادة (40/2) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م القائل :(إذا تعددت الجرائم فإن الحكم بالإعدام عن إحداها يجب ما عداه من عقوبات سوى المصادرة).
وقصارى القول أنه ينبغي أن تفاد المحكوم عليها (مريم) من انعدام الركن المادي لجريمة الردة وفق ما فصلنا في المقال أعلاه , كما لها أن تفاد من القاعدة (5) ب من قانون الإثبات لسنة 1993(الأصل براءة المتهم حتى تثبت إدانته دون شك معقول) , ولها أيضا أن تفاد من المادة (65-1) من قانون الإثبات نفسه والقائلة (تدرأ الحدود بالشبهات ).
ولعله من الأهمية بمكان أن نؤكد على ضرورة عدم المساس باستقلال القضاء وعدم التدخل من أي جهة أو سلطة غير السلطة القضائية في موضوع قضية ردة مريم , لأنه لو قلنا بجواز تدخل السلطة التنفيذية لإعادة النظر في القضية وإلغاء الحكم بحد الردة ,كان ذلك التدخل من السلطة التنفيذية تدخلاً مخالفا لصريح نص المادة (38-1,من القانون الجنائي التي تنص على (لا يجوز إسقاط تنفيذ الحدود بالعفو ),كما أن مثل هذا التدخل يكون مخالفاً لقول سيدنا محمد عليه أفضل الصلوات والتسليم في رواية :(حدثنا سليمان بن داود المهري أخبرنا ابن وهب قال سمعت ابن جريج يحدث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب), فلطالما أن القضية قيد النظر أمام المحاكم الأعلى فقد بلغت السلطان فلا مجال للقول بعفوه فيها.
كما أنه لا ينبغي لأي جهة كانت أن تصرح بأي تصريح من شأنه أن يؤثر على سير العدالة في نظر القضية خاصة وأن القضية ما زال أمامها مراحل قضائية لمراجعتها وإعادة النظر فيها, فالقول قول القضاء.
مولانا محمد الفاتح احمد خليل
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.