قرارات لجنة المسابقات باتحاد الكرة الدامر    من الرياض إلى موسكو.. "الثلاثية المرتقبة" بين بيفول وبيتربييف تلوح في الأفق    سباق انتخابي محتدم في اتحاد الألعاب المائية بالسودان... الكشف المبدئي يُشعل المنافسة والحسم في 11 أبريل    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    البرهان يلتقي سفير دولة الكويت لدى السودان    فرض غرامة على شركة تابعة لأبل لانتهاكها قواعد العقوبات المفروضة على روسيا    أول إصابة بشرية بإنفلونزا الطيور H9N2 في أوروبا.. هل نبدأ القلق؟    ترامب يمثل أمام المحكمة العليا اليوم بسبب «الولادة».. بولتيكو تكشف التفاصيل    استهداف منزل يضم قيادات تحالف تأسيس بينهم التعايشي في غارة مسيّرة بنيالا    بالصور.. القيادي السابق بالدعم السريع "بقال" يسخر: (زول عرد من الخرطوم وامدرمان وجغمته مسيرة في نيالا يقول ليك استشهد في الصفوف الأمامية)    مزمل أبو القاسم يكتب مقال ساخن: (لم نرصد لهذه الحكومة إنجازاً واحداً حتى اللحظة بخلاف جرأتها على المواطنين وتفننها في فرض الجبايات والرسوم عليهم)    مواعيد مباريات الجولة الثانية بمجموعة الهبوط بالدوري    منتخب غانا محطة رينارد القادمة بعد الرحيل عن تدريب السعودية    الحكومة الإسبانية تدين الهتافات العنصرية ضد منتخب مصر    معلومات خطيرة حول هلاك قيادي بحكومة "تأسيس".. تم اغتياله بواسطة مسيرة تتبع للمليشيا بتعليمات من يوسف ضبة والسبب منصب الشباب والرياضة!!    عيد ميلاد جومانا مراد.. مسيرة نجاح من دمشق إلى القاهرة    ريهام عبد الغفور : جمهور الأقصر دافئ وصادق وخريطة رأس السنة يحمل روحا مختلفة    ألم العين.. أسباب شائعة وأعراض تستدعى استشارة الطبيب    سيلينا جوميز تكشف رحلتها الصعبة لتشخيص اضطراب ثنائي القطب    إزاى تحمى نفسك من نزلات البرد فى الجو الممطر؟    "جهلة وعنصريون".. يامال ينفجر غضبًا بعد الهتافات الإسبانية ضد المسلمين    أمجد فريد: اعترافات داعمي مليشيا الدعم السريع فضحتهم وشراكتهم في الجرائم    السودان.. زيادة مخيفة للإصابة بالضنك في 7 ولايات    كيكل يعلّق على تحرّكات الميليشيا    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    شاهد.. المطربة إيمان الشريف تنشر صورة حزينة لها بعد إتهامها بالإساءة للهرم كمال ترباس والفنانة الكبيرة حنان بلوبلو    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    شاهد بالصورة والفيديو.. حسناء سودانية تقتحم المسرح وتدخل في وصلة رقص مثيرة مع المطرب عثمان بشة خلال حفل بالقاهرة    شاهد بالصورة والفيديو.. شبيهة هدى عربي تستعرض جمالها على أنغام ندى القلعة وساخرون: (شن جاب الكيكة للويكة وما استخرتي نهائي)    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عندما كفرت العرب وكفر معها المسلمون ( 5-5)
نشر في الراكوبة يوم 24 - 06 - 2014


مدخل:
من اصعب الاشياء هي تفكيك الانتماء المجتمعي الذاتي بالنسبة للفرد من اجل اعادة استيعابه، ولان الانتماء الديني (الاسلام) اصبح بديل عن المجتمع الحقيقي بالنسبة للفرد، فانا استوعب صعوبة مناقشة ما اطرحه ولكن على النخب الصاعدة ان تدرك ان لا بديل عن تفكيك ايدولوجيات الثقافات الاخرى اذا كان الدين في الثقافة العربية او العلم في الثقافة الغربية لنعيد تشكيل واستيعاب السودانوية، واول ذلك الادراك يتحقق بالوعي والانتماء للذات الكلية الحقيقية وهي الثقافة السودانية وليست المتخيلة (المجتمع المسلم) حتى تستطيع النخب تفكيك مفهوم الاسلام العربي باعتباره فكر وليس باعتباره تشريح للذات، فعند الوصول الى هذه النقطة يتحلل الفرد من الازمة الداخلية التي يولدها مفهوم الاسلام كذات اي مفهوم المجتمع المسلم. فما يسمي بالمجتمع المسلم هو مجتمع متخيل انشاءه الفكر العربي لقصوره عن استيعاب الارشاد الالهي، فالانسانية مرت بتحولات محددة ليس من بينها ما يسمي بالمجتمع المسلم، اذا كانت تلك التحولات تتمثل في المجتمات الاولى ثم المجتمعات الاسرية الصغيرة والكبيرة ثم العشائرية والقبلية ثم الثقافية والان نعيش حقيقتا في مرحلة المجتمع الانساني ولكن بفكر قاصر. وحتى يكون الحديث واضحا فانا لا اتفق مع الفكر العربي (الاسلامي) في تدوينه للارشاد الالهي واري فيه قصورا للاستيعاب (الكفر)، اذا تحدث ذلك الفكر عن الاله او عن الشريعة او عن المجتمع المسلم، فقد عملت النخب العربية على تدوين الوعي المجتمعي العربي من خلال استخدام ادوات الرسالة ولم يحاول استيعاب الرسالة الارشادية، ولذلك فهو لا يمثل الارشاد الالهي نهائيا اذا كان المدونين للمصحف العثماني او السنة او المفسرين او المفتيين. وذلك للذين يتحدثون عن الثورة على الاسلام السياسي، فالازمة ليست مع الاسلام السياسي او مع الحركة الاسلامية فؤلئك ناقلين لذلك الفكر اما الازمة الحقيقية فهي مع الاسلام المدون، مع من يقول ان المصحف العثماني هو كتاب الله مع الطبرى وابن كثير الذين يقولون تفسيرهم وينسبونه الى الله، مع البخارى ومسلم، مع مالك وابن حنبل وغيره من الذين ينسبون احكامهم الى الله، مع الشافعي وابن تيمية وغيرهم كثير، فالازمة الحقيقية مع هؤلاء الذين دونوا الفكر العربي على اساس انه رسالة الهية. اما الاسلام السياسي والحركة الاسلامية وغيره من المسميات فهي عبارة عن افرازات لذلك التدوين، ولذلك ذكرت سابقا ان الثورة القادمة ليست على الحركة الاسلامية فهي عبارة عن اعراض فقط، ولكن الثورة يجب ان تكون على الفكر العربي المتدثر بثوب الرسالة الالهية حتى نستوعب الارشاد الالهي ومن ثم نبني وطن يسع الجميع.
والاسلام في الارشاد ليس هو الرسالة العربية فقط كما يقول الفكر العربي، فكل رسالة الهية هي رسالة اسلامية، اما الاسلام او الرسالات التي تواكب المرحلة الثقافية وما بعدها فهي الرسالتين اليهوديتين والرسالة العربية، واذا تم مناقشة قصور الاستيعاب في الرسالتين اليهوديتين داخل الرسالة المحمدية، فقد ترك الاله مهمة استيعاب الرسالة الاخيرة للانسانية من خلال المقارنات مع الارشاد الالهي الكلي او من خلال سنن الحياة الواضحة، فاذا كان الفكر العربي يقول بان هنالك مجتمع مسلم ومجتمع كافر فقط فان سنن الحياة الواضحة تخالف ذلك بوجود مجتمعات وثقافات متباينة ومختلفة حتي وان انتمت الى دين واحد. ولم يترك الاله الارشاد الا بعد ان توفرت للانسانية كل اسباب الاستيعاب للارشاد الكلي. ولذلك فانا هنا لا اتحدث لمن يحمل قناعات داخله اذا كان بمفهوم الاسلام العربي ويري ان المجتمع السوداني مجتمع كافر او ان قيم المجتمع السوداني لا تتوافق مع الاسلام، او حتى من خرج عن ذلك الاسلام وانتمي فكريا الى الثقافة الغربية واصبح يري المجتمع السوداني مجتمع متخلف، فالحوار اذا مع الذي يري ازمة الواقع مع الرؤية الكلية، من يحمل هم الثقافة السودانية والمجتمع السوداني داخله وينتمي الى كل القيم السودانية ويراها قيم حقيقية تلبي انسانيته، وبالتالي يريد ان يؤطر لكل ذلك من خلال اساس فكرى حقيقي يستوعب الاله كما يستوعب الواقع.
بين الاله السيد والاله المتعالي:
اخر مفهوم لكلية الارشاد هو مفهوم الاله، وقد بدا مفهوم الاله مع الانسانية منذ بداية الانسان على الارض، ولكن الانسانية ادركت الاله كاله فاعل فقط، فعندما راي الانسان الاول التغيرات التي تحدث في الطبيعة دون ان يدرك كنهها فسر ذلك بان هنالك قوى خفية تحرك الطبيعة، ولذلك عبد الانسان الطبيعة ليتقرب من تلك القوى التي تتحكم بما حوله، بعد تحولات كثيرة وعندما استطاع الانسان استيعاب متغيرات الطبيعة ولكنه لم يصل الى ادراك معنى الانسانية قال بان تلك القوى تتحكم بفعله المباشر، واصبح يتقرب من تلك القوى عن طريق ادوات الرسالة مثل الرسل واللغة والقيم المجتمعية التي تاتي في الرسالات من اجل الارشاد وكل ذلك خوفا من شرورها. ولم تختلف النخب العربية عن المجتمعات الانسانية في تدوين الاله باعتباره الاله الفاعل واصبحت تتوسل لذلك الاله بالرسول الذي رفع الى مرتبة الالوهية واصبحت كل اقواله وافعاله مقدسات الهية تعبد في ذاتها او من خلال القيم العربية التي تم اعادة استيعابها داخل الرسالة. فتم تدوين الاله على اساس الاله السيد والانسان على اساس الانسان العبد الذي يخضع لسيده تماما ولا يستطيع ان ياتي بفعل من ذاته دون ارادة السيد. ومن هنا جاء قصور الاستيعاب (الكفر) من النخب العربية التي قالت بكل ذلك وارجعته الى الاله، اي بانه قول الهي وليس قولها نتيجة لمحاولة استيعاب الارشاد الالهي (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79)).
فالاله يتعالي عن الفعل والترميز داخل الحياة الانسانية، فقد أمن الاله في الرسالة الارشادية المحمدية على ان الانسانية تدرك مفهوم الاله ولكنها تدركه كاله فاعل فقط (قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (85) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (87) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (89)).
ولم ينفي الاله مقدرته على الفعل (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20))، ولكنه لم يستخدم مشيئته تلك بعد ان امد الانسانية بكل اسباب الاستيعاب (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48))، فالفعل الانساني يرجع الانسان وليس الى المشيئة الالهية (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (107)). فابعاد الفعل الانساني تتراوح بين الرؤية الكلية والوعي الجيني ويعتمد على مرحلة التحولات الاجتماعية ويتكامل ذلك الفعل مع الطبيعة، ولا يوجد تداخل بين الفعل الانساني والفعل الالهي، اذا الفعل الانساني نابع من الذات الانسانية وليس من الاله (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105)).
ولا يخضع الاله المتعالي للترميز اي اشراك شيء في الكمال الالهي للاختلاف الكامل بين المجال الانساني المجال الالهي (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ). ولذلك كان قصور الاستيعاب (الكفر) من جانب النخب العربية عندما اشركت قيم انسانية في الكمال الالهي، فقالت عن المصحف العثماني بانه كتاب الله، فكتاب الله تعني ضمنيا ان ذلك الكتاب يمتلك الكمال الالهي ولذلك قامت حرب التكفير لكل من قال بان ذلك الكتاب يمكن ان يكون ناقص في تداخل ظاهر بين الارشاد الالهي والتجميع الانساني، وثانيا قالت النخب العربية انك تصل الى الله وقيمه من خلال كتابه وذلك غير صحيح، فاقصى ما يمكن ان تصل اليه هو استيعاب الارشاد واستيعاب مفهوم الاله المتعالي ويرجع ذلك لاجتهادك الذاتي في الاستيعاب. فالمصحف العثماني عبارة محاولة تجميع انساني للارشاد الالهي الذي استمر اكثر من عشرين عاما، والارشاد الالهي في جوهره عبارة عن محاولة من الاله لشرح الحالة الانسانية، فالارشاد هو سرد لكليات الحياة النسانية منذ بدايتها وتحديدا في الرسالة المحمدية والتحولات التي حدثت، ولذلك يمكن ان تصل الى ذلك المغزي من خلال الرسالات الارشادية او من خلال الحياة نفسها، فهناك تطابق للرسالات مع الحياة الانسانية.
اما التدوين العربي فقد قام على اساس ان الرسالات قد اتت للتعريف بالاله وطريقة عبادته نتيجة لتدوين تلك النخب لمفهوم الاله في ذهنية المجتمع، الذي يري الاله السيد او الاله الفاعل دون ادراك للاله المتعالي. وهذا يقودنا الى العبادات والشريعة والتي قالت انها منزلة من السماء وهي عبارة عن قيم الهية يمكن للانسان ان يصل بها الى الله او يرضى بها الله، فيجب على النخب الصاعدة ان تدرك عدم وجود طريقة محددة للحياة او ما يسمي بالشريعة وليست هنالك طريقة محددة لعبادة الله، فالحياة تختلف باختلاف الانسانية وتحولاتها (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا).
اما في العبادت فقد غير الاله شكل العبادة في الرسالة الثانية اليهودية وهي الرسالة المسيحية حتى لا تقف المجتمعات عند الشكل فقط او الرمز بل يجب ربط ذلك الرمز بالمعني الكلي للحياة، وهو ما لم تفهمه النخب اليهودية التي رفضت تغيير رموزها وكذلك لم تفهمه النخب العربية عندما لجات الى الترميز هي ايضا وقالت (بني الاسلام على خمس شهادة ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله واقام الصلاة وايتاء الذكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع اليه سبيلا)، فهذه هي الرسالة المحمدية في ذهنية النخب العربية التي رات انها جاءت من اجل التعريف بالاله وشكل عبادته، اما الارشاد الالهي فهو لا يمد الانسانية بقيم سلوكية اذا كانت حياتية او عبادات، ولكنه يستوعب القيم السلوكية المجتمعية من اجل ارشاد الانسانية الى كيفية استيعاب المغزى الانساني وذلك من خلال استيعاب الجزئي السلوكي الانساني مع الكلي الارشادي الالهي، من خلال استيعاب الذات الكلية والاخر المختلف والاله المتعالي وعلاقة الانسان بالطبيعة، فلا يوجد سلوك افضل من سلوك حسب الارشاد الالهي ولكن السلوك المفضل هو الذي يتوافق مع كل ذلك، ولذلك ليست الصلاة العربية او الصيام العربي بافضل من الصلاة والصيام عند المسيحيين او عند اليهود، ولكن الصلاة او الصيام او اي من العبادات هي التي ترتبط بالمعني الكلي، وعندما خرج اليهود والمسيحيين من المعني الكلي حبطت كل اعمالهم وتم وصفهم بقصور الاستيعاب (الكفر)، وكذلك عندما خرج التدوين العربي ايضا من المعني الكلي وصفناه بقصور الاستيعاب (الكفر). فقصور الاستيعاب (الكفر) حسب الارشاد الالهي لا يرتبط بقيمة واحدة او عدة قيم دون اخرى كما جاء في حديث بني الاسلام على خمس، بل يرتبط بكل المعاني التي جاء بها الارشاد.
خاتمة:
خارج النص:
جاء في معرض الاسئلة العرضية عن فلسفة التحولات الاجتماعية واستيعابها للارشاد الالهي، سؤال من احد الافراد بان له صديق في مجال العمل لم يكن يدرك انه يهودي وقد كان يتعامل معه ولكن بعد ادراكه بانه يهودي توقف عن التعامل معه، وكان سؤاله هل نحن مامورين بمقاطعة اليهود؟ ثم سؤال ثاني من شخص دعى الى حفل في كنيسة، فكان يسال عن علاقة دخوله بايمانه كمسلم؟.
فكان ردي، اولا يجب ان نقف عند لفظ (مامورين) فذلك اللفظ جاء نتيجة لاستيعاب الاله كاله سيد او فاعل وبالتالي تاتي الرسالات حاملة معها التعاليم الالهية، ولم ياتي نتيجة لاستيعاب الرسالات كارشاد الهي، فالله لا يامر الانسانية ولكن يرشدها الى الادراك والوعي، وثانيا ما اقوله ليس هو كلام الله حتى ندرك الفرق بين استيعاب الارشاد والافتاء، فما اقوله هو استيعاب للارشاد الالهي يمكن ان تدرك صحته وخطاءه من داخل الحياة الانسانية، اما من يقول انه يفتي بالانابة عن الله فقد اشرك نفسه مع الالوهية. ثم ناتي الى السؤال، فالاصل في الارشاد الالهي التواصل مع اليهود او مع غيرهم (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13))، ولم يرد ذلك في الارشاد لان الله يريد ان يتواصل الجميع مع بعضهم البعض اي لم ياتي كتعاليم، ولكن لان الانسانية مدفوعة من داخلها في اتجاه التحولات، فهو ليس امر الهي ولكنه اثبات لقيمة انسانية كامنة داخل البشرية، فاذا قال الله ذلك او لم يقله سيتواصل الناس من اجل الاستيعاب الذي يدفعهم له الوعي الجيني، فالرسالة الارشادية شرح حالة الانسانية للانسانية. فالموانع اذا تاتي من الفعل الجزئي كحالة وليس لامر الهي، اي يمكن ان تتواصل معه وتاكل عنده وياكل عندك دون محاذير (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (5)) الا اذا بدر منه ما لا تقبله شخصيا في حقك الشخصي او حق المجتمع وليس في حق الاله، فما بينه والاله يرجع الى الاله فقط (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64)).
وكذلك اجابة السؤال الثاني، فالدخول الى الدير او الكنيسة لا يعني تسليمك بما يقولون، فقط عليك ان تحترم ما يفعلون حتى يحزو حزوك فيحترمون طريقتك (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (108)).
ويجب ان ندرك ان المؤمن بالارشاد الالهي لا يبدا بالعدواة اطلاقا، فهو متجاوز لكل الناس في وعيه وساعي بالتالي الى ارشادهم من اجل انفسهم اولا قبل نفسه او الاله (وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190))، وحتى اذا اردت ان تعادي شخصا يجب ان يعلم بذلك (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (58)). فالارشاد ليس نقل الانسان الى حالة خارج الانسانية كما تقول الصوفية ولكنه تبصير بالحالة الانسانية واداك مغزاها من اجل حياة يتكامل فيها الكلي مع الجزئي.
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.