انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات ووكيل الوزارة يشهد ختام دورة شهداء السريحة بولاية الجزيرة    رشيد الغفلاوي يلتقي قيادات الاتحاد السوداني لكرة القدم    المريخ يواصل تدريباته بقوة بكيجالي والدامر    ماساة قحت جنا النديهة    أحمد طه يواجه الأستاذ خالد عمر بأسئلة صعبة    الرياضة و السلام    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    مجلس شؤون الأحزاب السياسية بالسودان يعلن بدء تجديد البيانات    ولاية الخرطوم: توجيهات بإعداد وتنفيذ برنامج خاص لشهر رمضان وتكثيف المجهودات لاستقرار الخدمات الرئيسية    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    شاهد.. الفنانة مروة الدولية تغني لشيخ الأمين في حفل خاص: (الشيخ حلو لي والنظرة منك لي شفاء وبفهم مشاعرك بعرفها)    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    شاهد بالفيديو.. الفنان "الشبح" يرد على زميله "ريحان": (رددت الأغنية في حضورك وأنصحك بعدم البحث عن "الترند" بهذه الطريقة)    شاهد بالصورة والفيديو.. سيدة الأعمال ونجمة السوشيال ميديا الحسناء "ثريا عبد القادر" تستعرض جمالها بثوب "التوتل" الأنيق    مناوي .. استمرار الدعم السريع في ارتكاب جرائم ممنهجة بدعم خارجي يهدد وحدة السودان واستقراره    "واتساب" تُتيح إجراء المكالمات من المتصفح    إلزام أبل وجوجل بتعديلات تعزز عدالة متاجر التطبيقات    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    دراسة تؤكد أن للضوضاء تأثيراً كبيراً على الطيور وتكاثرها    هدى الإتربي تكشف كواليس مسلسل "مناعة": تجربة مختلفة بتفاصيل إنسانية    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    مدينة على القمر خلال 10 سنوات.. هل يتراجع حلم المريخ؟    علاجك من أحلامك.. دراسة تتوصل لإمكانية استخدام أحلام الشخص فى العلاج النفسى    7 أطعمة للإفطار لا ترفع مستوى السكر في الدم    وزير التعليم العالي السوداني: العودة إلى الدراسة خطوة استراتيجية    ضياء الدين بلال يكتب: قوش وآخرون... جرد حساب!    عاطف حسن يكتب: بنك الخرطوم.. اعتذارك ماااااا بفيدك .. !!    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الإله في الفكر الإنساني بين الإرشاد والترميز
نشر في الراكوبة يوم 26 - 02 - 2013


اعتذر لمتابع السلسلة نسبة لمرض مفاجئ
ونواصل
من اجل تدوين سوداني:
ان من واجب النخب السودانية إذا أرادت ان تتحول الأمة السودانية إلى امة كتابية، أي إلى امة تستوعب ذاتها وتحولاتها الاجتماعية والاختلاف بينها وبين الاخر واستيعاب مفهوم الإله المتعالي، فعلى النخب السودانية ان تحرر ذاتها من التدوين العربي والغربي، ذلك التدوين الذي كان قاصر عن استيعاب مغزى الإنسانية وجعل من الإله أو الطبيعة مركز الكون وصار الإنسان نتيجة لذلك الفكر مفعول به. والأمة الكتابية هي الامة التي تستوعب تحولاتها وتدونها عن طريق النخب.
وقد واجهت النخب السودانية معضلة في صياغة فكر سوداني يستلهم الواقع ويستوعب مغزي الإنسانية الذي يتجسد كوعي وسلوك داخل ثلاثية الإله والإنسان والبيئة، وكانت تلك المعضلة نتاج لهروب النخب السودانية نحو التدوين المتاح بدلا عن محاولة انتاج تدوين سوداني يعبر عن الواقع والإنسان السوداني، وبالتالي سارت النخب السودانية خلف النخب العربية والغربية في تدوينها واستيعابها للإنسانية.
وحتى تلك النخب "الغربية والعربية" لم تبذل الجهد الكافي من اجل إنتاج رؤية تستوعب التحولات الاجتماعية أو تقارب منها ولم تستوعب مفهوم الإله المتعالي، ونتج ذلك القصور من قبل النخب نتيجة لهروبها من حالة اللا-توازن التي تخلفها التحولات نتيجة لهدم القيم والترميز من اجل قيم ورموز تلبي مرحلة التحولات اللاحقة، وبدل ان تحاول النخب تفكيك الترميز والقيم السابقة من اجل انتاج قيم ورموز تلبي المرحلة اللاحقة للتحولات، تهرب تلك النخب من حالة اللا-توازن وتلجا إلى استلهام القيم المجتمعية السائدة وهي القيم التي كان يفترض على النخب تفكيكها فتقوم بتدوينها باعتبارها قيم التحولات. فالنخب باعتبارها متقدمة على مجتمعاتها في التحولات كان يجب عليها تجاوز الترميز الذي يقعد بالتحولات لتقديم قيم سلوكية واستيعاب يلبي مرحلة التحولات المعينة التي يمر بها المجتمع. فالقصور الحقيقي في الاستيعاب والممارسة الإنسانية ينتج عندما لا يعبر تعريف الذات الكلية عن مرحلة التحولات المحددة.
وقد استبدل التدوين العربي والغربي "الإنسان" الذي كان يفترض ان يكون محور الاستيعاب للإنسانية والإله واستيعاب البيئة كرؤية كلية أو كقيم سلوكية من خلال مرحلة التحولات التي يمر بها المجتمع المحدد، تم استبداله "الإنسان" في التدوين العربي والغربي من مركز التحولات والاستيعاب واعتمدت على مفهوم الإله من جانب النخب العربية والطبيعة من جانب النخب الغربية كما هي في وعي مجتمعاتها، فأصبحت الإنسانية غير مرئية بالنسبة لذلك الفكر، فهي مفعول بها في كل الحالات إذا كان من قبل الإله أو من قبل الطبيعة، وتموضع ذلك الفكر كما هو داخل البيئة السودانية فأصبح الإنسان السوداني غير مرئي تماما، فهو عند محاولة استيعاب الإله يلجا للتدوين العربي وعند محاولة استيعاب الطبيعة يلجا إلى التدوين الغربي، وبوجود فاعلين داخل البيئة السودانية الإله والطبيعة نتج مأزق الفكر السوداني وكذلك استيعابه للإنسان السوداني أو البيئة السودانية.
مفهوم الإله في الفكر اليهودي:
سنتناول مفهوم الإله في الفكر اليهودي رغم عدم تاثيره على الفكر السوداني ولكن حتى تتضح الرؤية عند مناقشتنا للرؤية العربية لمفهوم الإله. وكما ذكرنا سابقا فان التدوين النخبوي يقوم على الاستيعاب المجتمعي وقد راي المجتمع اليهودي بان مجيء الرسالات الإرشادية عن طريقه نتيجة لمفهوم التميز الجيني (الذي عرفناه في مقال سابق)، فالاستيعاب المجتمعي يقوم على ان الاختلاف بين الافراد والمجتمعات ناتج عن وجود خاصية التميز الجينية "وهو ما تقول فلسفة التحولات الاجتماعية عكسه بان الاختلاف ناتج عن التحولات الاجتماعية الإنسانية وليست خواص جينية، وان الأساس ليس في الاختلاف ولكن في استيعاب الاختلاف ضمن كلية"، ذلك الوعي هو ما جعل المجتمع اليهودي يعتبر ان القيم الإرشادية اليهودية هي جزء من قيم إلهية وبالتالي فان المجتمع اليهودي هو جزء من مجتمع الهي. وعملت النخب اليهودية على تدوين الوعي المجتمعي الذي يري الإله مكمل للوعي المجتمعي وليس مرشد، وبالتالي تتحول الرسالة الإرشادية التي تأتي لتساعد الإنسانية في استيعاب التحولات تتحول إلى جزء من الإنسانية ويستفاد منها في وقف التحولات أو مرحلة اللا-توازن التي تتخوف منها المجتمعات والنخب. وقد وقف الاستيعاب من جانب النخب اليهودية عند تلك المرحلة ومع استمرار التحولات ولكن دون اعادة استيعاب من جانب النخب اليهودية.
مفهوم الإله في الفكر العربي والغربي:
تركز استيعاب الإله داخل الوعي الإنساني عامة منذ مرحلة التحولات الأولي كاله مكمل للوعي الإنساني القاصر عن استيعاب مغزى الإنسانية الكلي الا من داخل مرحلة تحولاته، ولم تستطيع النخب على مدار التاريخ ان تجد رؤية كلية تستطع بها تجاوز رؤية مجتمعاتها المرحلية، فقد كان ومازال يستوعب العقل الرمزي الإنساني للإله كشيء فاعل بقدرات اعلي من الإنسان العادي عند لحظة التحولات المحددة. بغض النظر عن تمثل ذلك الشيء أو الوسيط المعبر عنه فهو يجب ان يكون فاعل داخل الواقع الإنساني ومتجاوز لمرحلة التحولات في قدرته الفعلية تلك. ونتيجة لسير النخب خلف المجتمعات في تدوينها للإنسانية أو الإله أو الطبيعة، فلم تستوعب الإنسانية مفهوم الإله المتعالي.
وقد اعتمدت النخب العربية والغربية في تدوينها على استيعاب مجتمعاتها والذي هو محكوم بمرحلة تحولات معينة، ولذلك لم تستطيع تلك النخب ان توجد رؤية كلية خارج إطار مراحل التحولات المجتمعية التاريخية لتتمكن من تمثلها عند مراحل التحولات المختلفة. بالإضافة إلى خروج الإنسان من مركز التحولات والاستيعاب والفعل واستبدال الإنسان بالإله مرة وبالطبيعة مرة أخرى بناء على التدوين العربي والغربي، مما أدي إلى عدم إمكانية إضافة إلى تلك الرؤى المقدمة والتي أصبحت تراوح مكانها.
مفهوم الإله في الفكر الغربي:
ان التدوين النخبوي للمفاهيم اعتمد على رؤية المجتمعات لتلك المفاهيم كقيم مجسدة داخل الواقع، ولذلك كانت النخب تأخذ رؤية المجتمعات للإرشاد الإلهي وتدونه باعتباره تعريف للإله والإرشاد، وعند محاولة استيعاب الرؤية الغربية لمفهوم الإله يجب الانتباه إلى ان الرسالة المسيحية في الأساس هي رسالة يهودية أي لم تنبع من داخل الثقافة الغربية ولم تتضمن قيمها ولا تحمل في داخلها تاريخ يمت للثقافة الغربية، ولذلك جاء مفهوم الإله كما هو في التاريخ الإنساني كاله فاعل داخل الوعي الإنساني عن طريق المسيح الذي مثل للمجتمعات الغربية الإله في أوضح صوره كاله فاعل ومتجاوز للوعي الإنساني، ولم يتأثر المجتمع الغربي كثيرا بالقيم التي داخل الرسالة المسيحية والتي كانت عبارة عن مراجعة للرسالة الموسوية.
اختلاف الرسالة المسيحية وتاريخيها عن الثقافة الغربية قاد إلى ان يستوعب المجتمع الغربي الإرشاد المسيحي بما يتفق مع قيمه الثقافية وتحولاته التاريخية، وقد كان التحول في المجتمع الغربي يتجه نحو المرحلة الثقافية دون وجود لكلية قيمية معينة إذا كان انتماء جيني أو قيم سلوكية مقدسة أي لم يكن هنالك تميز جيني يشكل كلية محددة غير التميز الفردي. ولذلك جاري الفكر الغربي التحولات التي لم تكن تري كلية محددة خلاف الفرد فقام الفكر الغربي على نفي الذات الاجتماعية للفرد، فكان التدوين على أساس الفردية الكاملة وبحثت النخب داخل تلك الفردية عن الكلية التي تركتها خلفها، ورغم سعيها المتواصل لبناء نظرية الواحد الفرد التي اعتمدت عليها في استيعاب الطبيعة كفاعل، ولكن الطبيعة كانت تخذل النخب الغربية من مرحلة لأخرى لانها ليست فاعل حقيقي فالفاعل الحقيقي هو الإنسان بالإضافة إلى ان الطبيعة لوحدها لا يمكن ان تجسد كلية ولكن تتجسد الكلية من خلال التكامل العضوي بين الإنسان والطبيعة بالإضافة إلى الزمن "وهو المرحلة التاريخية المحددة"، وكانت تفشل الرؤية الغربية بين كل مرحلة وأخرى واخرها اعتمادها على الفيزياء فجاءت نظرية الكم والنسبية لتفشل الاستيعاب الأحادي، وكذلك في الأحياء ورؤيتها التطورية التي عادت لتسال عن اثر الجينات في الاستيعاب والسلوك والأمراض بعد ان تم نفيها باعتبار تماهي الإنسان مع البيئة وتاثره بها كرد فعل فقط.
ومن كل ذلك نستوعب ان عدم وجود الإله كجزء من التاريخ الغربي هو ما جعل الفكر الغربي يعمل على نحت الإله على جانب الوعي كاله مكمل فقط لقصور الوعي والفعل الإنساني أي دون وجود حقيقي للإله في الحياة اليومية بالنسبة لذلك الفكر. ولان التجربة الإلهية المسيحية لا علاقة لها بالتاريخ الغربي ولذلك يتم استحضار الإله في ذلك الفكر عند لحظة قصور الوعي كما في التاريخ الإنساني.
مفهوم الإله في الفكر العربي:
ان المجتمعات في استيعابها السلوكي لمفهوم الإله تمازج بين اثنين، بين مفهوم التميز الجيني للمجتمعات وبين الإله المكمل للوعي المجتمعي، وعلى طريقة التميز الجيني سارت المجتمعات ومن بعدها النخب في رؤية الرسالة العربية كرسالة قيمية تعبر عن تميز جيني للرسول ولمجتمعه "مجتمع التحولات" وتم اعتبار ان القيم العربية التي في الرسالة الإرشادية هي قيم إلهية وبالتالي فمجتمع تلك القيم هو المجتمع الإلهي المعني. ونتيجة لوجود المجتمع العربي في لحظة تحولات من القبلي والعشائري إلى الثقافي فقد سيطر مفهوم التميز الجيني المجتمعي على الاستيعاب والتدوين مما أدي إلى اعدام الذات الفردية.
ونتيجة لارتداد النخب إلى المرحلة القبلية والعشائرية واعتمادها قيم تلك المرحلة في التدوين وهروبها من حالة اللا-توازن في مرحلة التدوين الثقافي الذي يختلف في الترميز والتقييم، كل ذلك جعل الإله جزء من مرحلة القيم المجتمعية القبلية والعشائرية.
الإله في فلسفة التحولات الاجتماعية:
لقد عرف الإله بنفسه من خلال الرسالات الإرشادية نسبة لقصور العقل الصوري الإنساني والوعي الرمزي عن استيعاب الإله المتعالي، فالعقل الإنساني يتعامل مع ذوات ذات كيان محدد أو احالة إلى ذات ولكن الإله يتجاوز مفهوم الذات حسب التصور الإنساني (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11)). ولكن لم تستفد الإنسانية كل الاستفادة من الرسالات الإرشادية نسبة لمجاراة النخب لاستيعاب المجتمعات دون التركيز على الإرشاد الوارد في الرسالات.
ان الإله لا يمكن استيعابه حسب رؤية التحولات الاجتماعية الا بوضع الإنسان في مركز التحولات والاستيعاب، أي كانسان فاعل داخل الحياة وليس مفعول به من قبل الإله أو الطبيعة، وارجاع الرسالات الإرشادية إلى معناها الحقيقي وهي مساعدة الإنسانية على الوعي بذاتها وتحولاتها وتكاملها العضوي مع البيئة. فالعلاقة التبادلية بين السلوك كقيمة وبين الإنسانية هي التي ادت إلى استيعاب الرسالات الإرشادية في داخلها لبعض تلك القيم في سبيل الإرشاد، فالإنسان العادي يستوعب ذاته من خلال الممارسة السلوكية التي تعني بالنسبة له الإنسانية وكان على النخب ان توجه ذلك الفرد إلى مغزي الإنسانية التي تكمن داخله وفي ذاته الفردية والاجتماعية وفي استيعابه للتكامل بينه وبين البيئة في لحظة التحولات المعينة، ولكن الثقافات ذات الرسالات الإرشادية وهي العربية واليهودية قد استوعبت ان القيم السلوكية هي التي تدل على الإرشاد فلا يوجد ارشاد خارج اطار تلك القيم السلوكية في نظر تلك المجتمعات ونخبها التي دونت ذلك.
والإرشاد الإلهي عبارة عن عهد أو كتاب بين الإله والبشر في ان استيعاب مغزي الحياة يرجع إلى البشر وليس إلى الإله (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148)). فلو شاء في هذه الاية ليست مشيئة إلهية ولكنها مشيئة إنسانية أي من يشاء من البشر في ادراك الاستيعاب.
فقد أوضح الإله الاختلاف بين الفعل الإلهي والفعل الإنساني فالفعل الإلهي يكون في الكليات مثل خلق الحياة كما هي عليه (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (40))، اما الفعل الإنساني فيتمثل في الفعل الجزئي الذي يتكامل مع الكل الإنساني والطبيعي داخل تلك الكلية أي داخل الحياة. ولكن تدوين الرسالة الإرشادية كوعي الهي مكمل للوعي الإنساني من قبل النخب العربية ادت إلى وجود الإله كفاعل داخل الجزئيات، فأصبحت هنالك قيم إلهية في شكل العبادة المحدد يؤديه الفرد وبذلك يسترضي الإله السيد أو الإله الفاعل، والإله المتعالي ليس في حاجة إلى استرضاء من احد أو استجداء احد لعبادته (وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (6)). ولكن الرسالات الإرشادية جاءت ليستوعب الإنسان ذاته وعلاقته بالبيئة واستيعاب مفهوم الإله المتعالي، اما دلاله ذلك الاستيعاب السلوكية ليست ذات اهمية بالنسبة للإله ولكن أهميتها فقط في توافقها مع الاستيعاب، ولذلك كانت كل الرسالات هي رسالات إسلامية وكل السلوكيات التي تنتمي إلى تلك المجتمعات تنتمي إلى الرسالة متي ما وافقت الاستيعاب والتحولات، فالأساس في الاستيعاب ليس في الشكل السلوكي ولكن في معناه داخل الكلية، ولذلك لم ترفض صلاة المسيحيين أو اليهود أو غيرهم مثلا متي ما ارتبطت باستيعاب الإرشاد (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40)).
فالإله المتعالي اذن هو اله لكل البشر وليس لثقافة محددة ولا يمتلك الإله قيم حتى يهبها للإنسان، فالإنسانية في حالة تحولات مستمرة ولكن يوجد ارشاد في كيفية استيعاب لذاته وقيمه التحولات، ولذلك ليس على الفرد ان يغير من سلوكياته المجتمعية أو شكله أو اسمه كما نري في استيعاب المجتمعات القيمي للرسالة ارشادية، فالرسالة تأتي ليستوعب الإنسان ذاته كما هي ويستوعب معني الاخر المختلف. فالرسالات اليهودية والمسيحية والعربية هي كلها رسالات اسلامية بمعني الكلمة أي هي رسالات ارشادية ولكن كان القصور من جانب النخب التي تركت الإرشاد واخذت تدون في استيعاب المجتمع القيمي المرحلي للإله والتحولات.
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.