قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    شاهد بالفيديو.. الفنانة هدى عربي تخلع حذائها أثناء الحفل وتدخل في وصلة رقص مثيرة    اختبار نسخة مدفوعة جديدة من "إنستغرام"    "آبل" تستعد لإطلاق أول آيفون قابل للطي    النفط ينخفض 1% بعد تقرير ترامب إنهاء حرب إيران    "يغفر الله للجميع إلا باجيو!".. مأساة اللاعب الذي مات واقفا – فيديو    عيد ميلاد إيمى سمير غانم.. خطوات ثابتة واختيارات مدروسة فى مسيرتها الفنية    قرار لحكومة السودان بشأن معبر أدري    قيادي بحزب المؤتمر الوطني يحسم جدل مثير    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: *هذا ما قاله لي وزير التعليم العالي والبحث العلمي ظهر اليوم*    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    جهاز المخابرات العامة يدشن مبادرة العودة الطوعية للاجئين السودانيين من مصر    إكتمال فتح الطرق والشوارع الداخلية بمنطقة وسط الخرطوم    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. رمى عليهم عبوة ناسفة وهرب.. جنود بالدعم السريع يضبطون مرتزق من جنوب السودان في وضع مخل مع سيدة داخل "راكوبة" بمدينة الفولة    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    الهلال يواجه أُماجوجو لتوسيع فارق الصدارة    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    الأهلي يخسر من ساردية بدوري شندي    (أماجوجو والنقطة 54)    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الغابة والصحراء بين النقد الأدبي والنقد الثقافي
نشر في الراكوبة يوم 17 - 10 - 2014


مدخل
■ حركة الغابة والصحراء السودانية التي برزت خلال مطالع ومنتصف ستينات القرن الماضي, تعد من أبرز تيارات الحداثة الثقافية والأدبية في السودان في القرن العشرين. وكان ولا يزال للحركة تأثيراً عريضاً على حركة الفكر والثقافة, بسبب دورها الباكر في طرح سؤالات "الهوية" في تجلياتها المختلفة في السودان, مثمرةً عن نتاج أدبي مقدر خاصة على مستوى الشعر والمقال الأدبي والثقافي والسياسي. لكن هذا النتاج, رغم محوريته في تاريخ البلد الأدبي والثقافي والفكري, لم يخضع حتى الآن, لتقويم دقيق يستفيد من منهجيات وآليات الدراسات الإنسانية الحديثة,(كعلوم دراسات الخطاب) إلا بقدر محدود للغاية, إن وجد. ومثلما لخصت الحركة, هوية السودان في المعادلة الثنائية (غابة وصحراء), فإن نقدها أو نقد نتاجها الأدبي تنازعه تياران أو رؤيتان: رؤية النقد الأدبي ورؤية الثقافي. تأتي المحاولة أدناه, في إطار مسعى لردم هذه الهوة, في تحليل ومقاربات نصوص هذه المدرسة/الحركة الأدبية-الثقافية المهمة والمؤسسة في السودان. وهي في هذا, تقع في باب "نقد النقد" أو "الميتا-نقد", وهو حقل بدأ الوعي بأهميته يتزايد, فقط في السنوات الأخيرة.
من اشتراك اشترى فوح القرنفل
من أنفاس أمسية
أو السواحل من خصر الجزيرة
أو خصر الجزيرة
من موج المحيط
وأحضان الصباحية
من اشتراك اشترى
للجرح غمدا
وللأحزان مرثية
من اشتراك اشترى
مني ومنك
تواريخ البكاء
وأجيال العبودية
من اشتراك اشتراني يا خلاسية
فهل أنا بائع وجهي
وأقوالي أمام الله
(محمد المكي إبراهيم)
● مدخل نظري : كيف يشتغل النسق الثقافي ؟
طرحنا سابقاً , أن نقد "الغابة والصحراء" مال ميلاً عظيماً جهة النقد الثقافي . والنقد الثقافي(Cultural Criticism) يترادف مع مصطلحات أخري تشاركه كثيراً من خصائصه : التاريخانية الجديدة(NewHistoricism) والمادية الثقافية (Cultural Materialism) والدراسات الثقافية (Cultural Studies) كمصطلح- مظلة(Umbrella Term). ولكن المصطلح المستوعب لتلك المفاهيم جميعاً ,والساعي باستمرار لتجاوزها هو مصطلح "تحليل الخطاب النقدي" (Critical Discourse Analysis) أو ودراسات الخطاب النقدية. ثمة اختلافات في ترتيب الأوليات وفي بعض الإجراءات المنهجية بين هذه المصطلحات , ولكنها جميعا تشترك في السمات التالية :
1.لا يمكن فهم و معالجة النصوص- أياً تكن – إلا في إطار سياقها الثقافي-الاجتماعي- السياسي العام. ولكن هذه المعالجة – خاصة عند التاريخانيين الجدد- تتجاوز اعتبار النصوص مجرد بنية فوقية- شأن الموقف الماركسى التقليدي( الناقد (Althusser كان أول من ذهب إلى استقلالية الأدب النسبية من منظومة البني الفوقية, مساهماً بذلك في وضع لبنات النقد الثقافي ) . وهذا يتسق تماما مع الحقائق العلمية التي قررتها اللسانيات السوسيولوجية : جدلية اللغة والمجتمع – فحن نشكل لغتنا(نصوصنا) تماماً مثلما أن لغتنا تحوطنا وتشكلنا .
2.النص ساحة تشتغل فيها علاقات وصراعات عديدة : علاقات وصراعات السلطة(Power struggle) بين كيانات مهيمِنة وكيانات أو أفراد تابعة أو مُهَيمن عليها. وليس بالضرورة , أن تكون هذه الصراعات واعية لدي الذات الكاتبة—بل غالباً ما تشتغل في لا وعي منتج النص (كلمة منتج هنا تتسع للقارئ أيضا).
3.تولي هذه الاتجاهات- جميعاً- دوراً مهما "للمؤسسة" في تحليل وتأويل النصوص.
4.للنسق المعرفي (Episteme) أو البنية الثقافية المضمرة دور نشط وفعّال في تكوين النص , وتالياً, لمعرفة أعمق بحركة النص. والنسق الثقافي مخاتل وماكر- في إعتقاد التاريخانيين الجدد والماديين الثقافيين ونَقَدَة الخطاب بعامة- ويأتي من طرق عديدة وبأساليب مخادعة – كأن يتذرع "بالجمالية" ويتسلل إلى النصوص الأكثر جمالا وندرة وعذوبة . وعادة ما تشكل النصوص ذات الجماهيرية الواسعة مرتعاً خصباً لهذا النسق- "الفيروس" . يحدد الناقد السعودي عبد الله الغذامي ( 2000 : 77-78) أربع خصائص للوظيفة النسقية :
أ‌-نسقان يحدثان معاً وفي آن , وفي نصٍ واحد أو في ما هو بحكم النص الواحد .
ب‌-يكون المضمر منها نقيضاً ومضاداً للعلني. فان لم يكن هناك نسق مضمر من تحت العلني فحينئذ لا يدخل النص في مجال النقد الثقافي – كما حددناه هنا- (يعني كتابه : النقد الثقافي : قراءة في الأنساق الثقافية العربية , 2000) .
ت‌- لا بد أن يكون النص جميلاً ويستهلك بوصفه جميلاً , بوصف الجمالية هي أخطر حيل الثقافة لتمرير أنساقها وإدامتها .
ث‌- ولا بد أن يكون النص جماهيرياً ويحظى بمقروئية عريضة , وذلك لكي نرى ما للأنساق من فعل عمومي ضاربٍ في الذهن الاجتماعي والثقافي .
وعلى أساس هذه السمات النسقية , شكّل الغذامي نقده لمشروع الحداثة العربية- خاصة في تجليها الشعري. فعن طريق – ديوان العرب- حسب الغذامي- مررت الثقافة العربية واحداً من أخطر أنساقها: النسق القبلي الفحولي الأبوي الرافض للآخر والممجد الدائم للأنا المتضخمة . ويعتبر هذا النسق – في تحليل الغذامي- مسئولاً عن صناعة الطاغية السياسي والاجتماعي الذي طبع الحياة العربية من آماد متطاولة. وعلى هذا الأساس النسقي لا يرى الكاتب فرقاً جوهرياً بين المتنبي وأدونيس فكلاهما, في نظره, رجعيٌ "فحولي" بطريريكي ساهم في صناعة الطاغية. وصارت الحداثة العربية – على الإجمال – في تصور الغذامي- حداثة رجعية بسبب طغيان هذا النسق وتمكنه من التسرب إليها عبر أكثر ممراتها أمنا. لنا, بالطبع, عدة ملاحظات نقدية على كلام الغذامي – خاصة في جانبه التطبيقي سنوردها لاحقاً . ولكن الإشارة إليه هنا , لزمت لإعطاء صورة عن الأنساق ووظائفها والطريقة التي تعمل بها .
وحتى قبل بروز تنظير النقد الثقافي, فان النقد الأدبي لم يكن دائماً بعيداً كل البعد عن عموم موجهات النقد الثقافي . ولئن كانت هنالك دائماً مدرستان – مظلتان في التحليل الأدبي : مدرسة التحليل المايكرو(Micro-levelAnalysis) أو المدرسة الداخلية(Intrinsic Approach) ومدرسة التحليل الماكرو(Macro-level Analysis) أو المدرسة الخارجية (Extrinsic Approach), فان الأخيرة هي التي جسّرت المسافة بين النقد الأدبي والنقد الثقافي الحديث.
●نقد الغابة والصحراء : نموذج عبد الله علي إبراهيم
نقد الدكتور عبد الله علي إبراهيم "للغابة والصحراء" - يستنهج النقد الثقافي (بقربه من المفاهيم والمصطلحات التي ذكرنا) . وبالإضافة لمتن نص الورقة المنشورة ضمن كتاب "الثقافة والديمقراطية في السودان " , نورد, هنا, عدداً من الملاحظات الأخرى لدعم ما نذهب إليه :
1.يبدو أثر تناصات كتاب الإستشراق (Orientalism) لإدوارد سعيد واضحاً في تفكير الدكتور عبد الله علي إبراهيم في كثير من رؤاه في نقد الممارسة السودانية كما تتبدى سياسياً وثقافياً واجتماعياً . والكتاب الذي صدر أول الأمر في 1978, ثم توالت طبعاته مذاك بلا انقطاع, كان له صدى واسعاً في طريقة تفكير كثير من المثقفين على مستوى العالم . وقد كان نصيب عبد الله علي إبراهيم من ذلك كبيراً – وهو القادم من قلب اليسار السوداني ومن تجربة عريضة , والآتي كذلك للنقد الأدبي من غياهب التاريخ والدرس الفولكلوري الاجتماعي . فقد ذكر مرة كيف أنه عرف " كيف إستشرق الشرق بالاستشراق " -عن طريق كتاب الاستشراق لادوارد سعيد. ومعلوم أن كتاب سعيد كشف عن عيوب مركزية في خطاب تلك الأكاديمية التي عرفت بالاستشراق (الكتابة التي تناولت "الشرق"(Orient) العربي- الإسلامي بوصفه مادة للدراسة)- من خلال إفادته من منهجيات الدراسات الثقافية ونقد الخطاب في مستواه الفوكويوي-- نسبة لميشل فوكو وكلامه عن مركزية "السلطة" (Power) في تحليل الخطاب. وبطبيعة الحال, فإن الاستشراق جسم عريض ومتعدد وديناميكي, وله أيضا إسهامات كبيرة في تأسيس دراسات علمية حول الثقافات العربية , والشرقية , على التعميم.
2.بعد تركه الحزب الشيوعي , انفتح الدكتور بلا حدود على تيارات الفكر والثقافة – سودانياً وعالمياً , من دون أن يعني ذلك أنه كان قبلا منغلقا. ويبدو أن الدكتور أتخذ رؤية ناقدة تجاه التجربة اليسارية و السودانية برمتها -- ربما صارت بشكل عام أقرب إلى رؤية اليسار الجديد في أوربا وأمريكا. يتجلى ذلك بصورة أوضح – في إصداراته العديدة- وهي إصدارت ظلت تثير جدلاً وثمة حاجة لنقدها و"نقد نقدها" معاً- منذ منتصف التسعينات ( على سبيل المثل – كتابه : الشريعة والحداثة) . وفي الكتاب ينتقد الدكتور ثنائية "المعهديين والغردونيين" التي ظللت المشهد التعليمي والفكري السوداني زمناً عريضاً. قصدنا نقول, أن هنالك ما يبدو انسجاماً بين نقده" للغابة والصحراء" , وجملة موقفه الناقد للتجربة السودانية جميعاً, أياً كانت رؤية الناس حول هذا الموقف .
3.في حواره مع الأستاذ عيسى الحلو(الرأي العام ,) , قال الدكتور عبد الله أن رموز "الغابة والصحراء" كانوا جيلا "مفعما باليسارية السمحة" (تكثر في كتاباته أيضاً مصطلح "اليسار الجزافي" في إطار دفوعه عن مواقفه التي تجد نقداً شديدا من كثيرين باعتبارها "ردة" تقدمية, وفي عبارة أخرى يصفهم بأنهم " اختلطت عندهم الممارسة بالتنظير وكانوا محض شوق (للوجود المغاير) ... هذا جيل كامل الدسم ". يعني بكلام آخر , أنهم كانوا يساريين رومانسيين لا واقعيين. هذا أيضاً يأتي منسجما مع رؤيته في نقد اليسار التقليدي من وجهة نظر تنزع منزع اليسار الجديد(New Left) بمنحاه الواقعي "اللا أيديولوجي" (ولكن ليس واضحاً أيضاً إن من الممكن تصنيفه في إطار اليسار الجديد) !!.
4. كثيرا ما اشتكى الدكتور عبد الله , من هيمنة السياسي وتدخلات الكادر السياسي في التأثير على جدول أعمال الأدباء . وهو بحكم أنه أيضا ينتمي إلى معسكر الأدب (مسرحي وقاص ومقالي وربما شاعر مقل أيضاً) , فانه كان دائماً يحس بتوتر العلاقة بين المعسكرين (الأدب والسياسة) وكون الأديب , بجبلته , أنزع دوماً نحو فضاءات مختلفة, قد لا يستحبها السياسيون . إذاً, فقد كان عبد الله علي إبراهيم منذ البداية ميّالا جهة موقف ألثسر- أحد مؤسسي النقد الثقافي ونقد الخطاب تعميماً , و المشار إليه في صدر هذا المقال- وليس غريباً إذاً- أن يتبنى الدكتور لاحقا موقف النقد الثقافي في تحليله "للغابة والصحراء" .
5.لم ينكر الدكتور عبد الله على إبراهيم القيمة الجمالية العالية والنادرة لشعر" الغابة والصحراء" , سواء في ورقته الرئيسة "الآفروعربية أو تحالف الهاربين" أو في الحوارات والمحاضرات والمقالات العديدة التي كتبها من بعد ذلك . ففي حواره المشار إليه مع الأستاذ عيسى الحلو-- والذي حفّز حواراً طويلا وعميقا في موقع (sudaneseonline.com) , خاصة بين الأستاذين الناقدين أسامة الخواض وعبد المنعم عجب الفيا- قال عبد الله علي إبراهيم في ذات الحوار مع الأستاذ عيسى, أنه وصل إلى رفض الغابة والصحراء لأن موضوع الهوية, في نظره, أكثر من مجرد "معادلة ثقافية رائعة وجميلة " , كالذي تطرحه الغابة والصحراء وأنه اكتشف تبسيطية هذه المعادلة حينما بدأ ينظر في "الينابيع الثقافية والنظرية والمعرفية لمدرسة الغابة والصحراء " . ويمضي الدكتور معترفاً بقيمتها الأدبية العالية "ولم أنكر في يوم من الأيام أن شعرها من أجمل ما تقرأ من الشعر. بل وأكاد أستشهد به من غير انقطاع . ولكن الشعر شيء0 وأعذب الشعر أكذبه , والمعارف حول هوية السودان التي أصبحت حرباً وفداءً ودماً, شيء آخر" ( من الحوار, بتصرف) . وقد قلنا أن النقد الثقافي لا يكترث كثيراً للقيمة الجمالية للخطاب الأدبي مفضلاً النظر في المستوى التحليلي الكبير (Macro-level Analysis) – مستوى المنطلقات المعرفية والنظرية والفكرية والسياسية للخطاب. والأستاذ الناقد أسامة الخواض الذي يشارك عبد الله على إبراهيم في بعض آرائه حول نقد" الغابة والصحراء " يؤمن هو الآخر بجمالية شعر الغابة والصحراء ,حيث يقول " فان الإنجاز الشعري للغابة والصحراء , هو إنجاز لا يمكن نكرانه , بل هو من الانجازات الضخمة في الخطاب الشعري السوداني الحداثي المعاصر" (sudaneseonline.com). وباستثناء الشاعر محجوب كبلو الذي مال جهة النقد الأدبي التقويمي , لم يشكك أحد من نقاد "الغابة والصحراء", في عذوبة وجمالية شعرها ومركزيته في الخطاب الشعري السوداني الحديث .
6.ويبدو أن ورقة الدكتور عبد الله لم تقرأ جيدا كما توحي بذلك ردود البعض الغاضبة عليها(محمد المكي إبراهيم وعبد المنعم عجب الفيا). فهو لم ينكر "الغابة "و"الصحراء" كوجود ثقافي سوداني, ولكنه عاب نظرية الثنائية الثقافية الانصهارية التي تطرحها صيغة "الغابة والصحراء" , مثلما رفض الأحادية الثقافية – عروبوية كانت أم أفريقانية- كمرجعية ثقافية للنظر لمشكلات السودان السياسية. ويطرح بدلاً عنهما التعددية الثقافية (اللا اندماجية), التي لا تختزل مسألة الهوية المعقدة في صيغة استباقية وثابتة ومحددة( في حال صحة هذا التحليل, فإنه ينسجم مع الرؤى الحديثة حول نظريات الهوية, التي تعتمد الديناميكية والتعدد الهوياتي, حتى على مستوى الفرد الواحد دعك من المجتمعات والدول) . وفوق ذلك , فهو يقول أن هذه الصيغة فشلت عملياً , إذ لم يقبلها الجنوبيون ولم يعاينوها إلا كصيغة "شمالية- مركزية"معدلة لإدامة الهيمنة الثقافية والفكرية , وبالتالي السياسية. إن هذا مهم , خاصة حين نقرأ ما قاله أحد أهم مؤسسي "الغابة والصحراء" – الشاعر محمد المكي إبراهيم – لصحيفة السودان الدولية في حواره مع الأستاذ مامون التلب من أن اشتعال الحرب الأهلية في الجنوب أوائل الستينات كان "السبب والمحفز الثاني " لقيام حركة الغابة والصحراء . ويستطرد الشاعر العذب قائلا "وجود الحرب يثير التساؤل حول جدوى ومعنى الحرب بين عرب وأفارقة , ولماذا؟ وأين هم هؤلاء العرب؟... كيف تنتفض الحرب بين عرب وأفارقة ؟ حتى أنني أتحفظ على أفريقية الجنوب, وأعتقد في أن الجنوب لا يحب شيئاً كما يحب الشمال , والجنوبيون في أفريقيا غرباء , هم ينتمون لهذه البلاد فقط, هم أهلنا وأحبابنا كما نحن أهلهم وأحبابهم(السودان الدولية, 20ديسمبر 2006, التخطيط هنا مقصود من أجل الابراز, وليس من المصدر). إن كلام الشاعر" الغابو-صحراوي" الكبير مازال مؤيدا لمخاوف الدكتور وهواجسه من اختزالية ورومانسية و"استشراقية"-إن شئت- الصورة التي تطرحها "الغابة والصحراء". ومهما يكن من حال, وكيفما أوّلناها , ومهما كان تعظيمنا لرموز" الغابة والصحراء" وتذوقنا واعتزازنا بشعرها الجميل النادر , فان رؤية الدكتور عبد الله علي إبراهيم النقدية "للغابة والصحراء" ,تظل ذات اطار تحليلي وفكري وجيه وتبدو متسقة منهجياً, وتجد لنفسها دعماً علمياً من النقد الثقافي وتحليل الخطاب النقدي والأنساق الثقافية والتاريخانية الجديدة.
7.نخلص إلى أن التصنيف النقدي السليم, لرؤية عبدالهذ على إبراهيم الناقدة للغابة والصحراء, هو أنها تقع في باب النقد الثقافي, وليس النقد الأدبي. وأنها تندرج فيما يشاكل إطار النهج النسقي, الذي ذكرناه في صدر هذه المقاربة, التى لا تروم أكثر من أن تكون مسعى في إطار التأسيس "لنقد- نقد" الغابة والصحراء, متخذةً من نقد الدكتور عبدالها على ابراهيم لها نموذجاً.
● وربما كان مفيداً هنا أن نختم باقتباس من كتاب ت. س. اليوت (أوراق في تعريف الثقافة 1962):
ينبغي لشعب ما ألا يكون مفرطاً في الوحدة أو مفرطاً في الانقسام والتنوع , إذا كان يراد لثقافته أن تزدهر.إن الإفراط في الوحدة قد يكون نتيجة بربرية وقد يفضي إلي الطغيان , كما أن الإفراط في التنوع و الانقسام قد يتولد من الانحدار والتفسخ , وقد يفضي أيضا إلى الطغيان : الإفراط في الحالين سيعوق أي تطور ثقافي . إن المستوى الصحيح للوحدة والتنوع لا يمكن تحديده لكل الناس كل الوقت " ( Notes Towards the Definition of Culture , p 50).
عبدالماجد الحبوب [email protected]
* المقالة نشرت سابقاً في ملف الرأي العام الثقافي , وستأتي قريباً ضمن كتاب نقدي عن دار مدارات (النص والخطاب: جدل القراء والمعنى)
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.