كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    ((نار فلوران ولاجنة ريجيكامب؟؟))    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    تعطيل الدراسة في الخرطوم    المريخ يكثف درجات إعداده ويتدرب بالصالة    النخبة بالخرطوم.. كيف؟    "تمبور" يكشف عن توجيهات صادرة جديدة    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    هل تستطيع أمريكا احتلال جزيرة خارك الإيرانية؟    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ادوارد سعيد متواترات القول النقدي
منتدى القصة السوداني في ذكرى ادوارد سعيد
نشر في الصحافة يوم 18 - 10 - 2011

نظم منتدى القصة السوداني بدار اتحاد الكتاب أمسية ثقافية ضمن نشاطه الراتب خصصها لذكرى الكاتب الفلسطيني ادوارد سعيد شارك خلالها الدكتور أحمد صادق بورقة بعنوان ادوارد سعيد متواترات القول النقدي وكانت ورقة الأستاذ صلاح محمد خير بعنوان ادوارد سعيد ولاءات المثقف وقد أدار الجلسة القاص عاصم الصويم ، تحدث بدءا صلاح محمد خير وورقته منشورة ضمن مواد الملف الثقافي ثم تحدث بعده دكتور أحمد صادق ، وقد وصف الورقة بأنها محاولة لرصد تطورات المفاهيم النقدية التي أنتجها ادوارد سعيد من البداية الى النهاية ثم أضاف وفي هذ? السياق ستتقاطع ورقتي بموقف مختلف مع كثير مما أشار له صلاح بدأت ورقتي بكلام لمحمود المسعدي يقول فيه لولا السؤال للسائل لصار هذا الكون كفراً والوجود عبثاً وسخراً وعليه يمكن أن نختزل مشروع ادوارد سعيد بأنه قائم على السؤال والمساءلة من أوله الى آخره وكل اشتقاقات اللفظة ، وبشكل ما كان متأثر بكلام هولدرلين الشاعر الألماني في أنه حتى بعد أن يسدل الستار يظل السؤال مفتوحاً ، القول النقدي الذي سميته لادوارد سعيد من أوله لآخره يمكن أن نختزله في سؤال المساءلة ، الجانب الثاني ادوارد سعيد المدهش في مشروعه بدأ بداية ا?ناقد الأدبي ، بمساءلة النصوص الابداعية والجمالية وبالتحديد لأنه فترة طويلة هو استاذ للأدب الانجليزي والأدب المقارن ، وبدأ بتناول أعمال البولندي جوزف كونداتي ، اما بالنسبة لتطور مفاهيمه النقدية التي أنتجها في تلك الفترة انتهى الى أن أصبح مثقف نقدي بحديثه ، الأسئلة تتسع بدل ما تتحاور مع نص أدبي تصبح المسألة ظاهرة كونية الفعل وممارسة النقد ، الورقة تسعى الى رصد تتطور القول النقدي لادورد سعيد والامساك بلحظاته المهمة ، وكيفية اشتغال الأدوات التي ينتجها وهي نافذة جداً من داخل بنية الخطاب الذي أسسه في حوالي ما يق?ب من نصف قرن من الزمان ، بعد وفاة ميشيل فوكو عام 1984م كتب ادوارد سعيد رثاء في ميشيل فوكو وقال المعرفة الانسانية تيتمت بعد موت ميشيل وأضاف أن أهم ما عملت لحظة فوكو استطاعت أن تدخل المشتغلين بالنقد الى النص مطلقاً وأضاف أن التيار النقدي والفلسفي الذي أتى بعد ميشيل فوكو واصل المسيرة ، ميشيل فوكو أدخلنا الى النص والبنيويين وجماعة التفكيك أخرجونا من النص ، فكرة دخول وخروج من النص والدلالات الابستمية أيضاً يمكن أن نختزل بها مشروع ادوارد سعيد النقدي ، لحظة فوكو قد آلت بالنقد والمعرفة النقدية وحققت وعياً نستطيع ?ه الدخول الى النص وأكملت ما بعد البنيوية لاحقاً ذلك بأن أخرجتنا من النص وكشف اعجابه بفوكو وحلمه المعرفي الذي حققه ادوارد سعيد ، ميشيل قال (أحلم بالناقد الذي يعمل على تفتيت الثابت والمستقر والناقد الذي يسعى الى كشف العطالة والارتباك ويقودنا الى فتوقات السؤال ، أي الاقتراب من السلطة واشتغالاتها، مثقف يقف تجاه الراهن مدافعاً عن المجتمع والتاريخ في وجه عنف الدولة وصلفها) ، حديث فوكو هذا يقربنا أكثر من مشروع ادورد سعيد او متواترات القول النقدي عند ادوارد سعيد ، أجهزة سعيد المفاهيمية التي أعمل بها نسفاً وهدماً و?فتيتاً طالت حتى النصوص عابرة القارات ، بدأ بالأدب الانجليزي ثم انفتح على الأدب الآخر كله ، مشروع ادورد انتهى الى ما سمي بالنص المرتحل ، ما ذكرته في هذه المقدمة ذكرتني بما كتبه سلمان رشدي في حياته قال ادورد سعيد يقرأ هذا العالم بعناية كما يقرأ الواحد رواية عظيمة ، وهنا سلمان اختزل بشكل ايجابي المشروع النقدي لادوارد ، اللحظة المهمة ( المتواترة ) ادوارد سعيد كشف عن أن الاحساس بالنفي والاقتلاع ظل يلازمه وقاده ذلك الى اختيار موضوعات اطروحته ، وهذا الاختيار شكل الوعي النقدي لادوارد سعيد ...د. صبري حافظ كتب عن ?دوارد سعيد قال تقاسم ادوارد سعيد مع جوزيف كونراد حالة ذات مقتلعة امتلكت القدرة على رؤية ثقافة الآخر من داخل ومن خارج حمل كونراد هم الكاتب الذي يولي عناية لقضاية الهوية والتاريخ المتشوه والذات والعلاقة المتوترة للشعوب وثقافاتها في وجه الحداثة والتحديث ، تلك لحظة جوهرية حددت ملامح مشروع نقدي أسس اختلافه مع النقد السائد آنذاك في تلك الفترة كان يوجد النقد الجديد ، ومن الكتب المهمة التي رصدت هذا التيار النقدي كتاب أوكينور الذي ترجمه صلاح احمد ابراهيم عام1960 ، ادوارد سعيد لم يتماس مطلقاً مع تلك المقولات النقدية?السائدة أنذاك ، تمرد ادوارد سعيد وكان تلك أولى متواتراته النقدية على طرائق النقد الجديد التي فصلت فصلاً تعسفياً فيما بين الكاتب وتاريخه وهويته ورؤيته للعالم وخبرته في الكتابة لذلك سعى في دراسته لكونراد ليس فقط في نصوصه السردية بل رسائله ومذكراته وكتب في كتاب جوزف كونراد ( أدب السيرة الذاتية ) الى ضرورة فك مغالق الدلالات الخفية ، باستدعاء تيار نقدي في ذلك الوقت كان مسكوت عنه الا في شرق أوربا وفي روسيا وهوما يعرف ب( مدرسة جنيف ) التي تبنت في البداية مناهج شكلانية بأفق قراءة سيمالوجية ، وهذا ما فعله ادوارد سع?د في البداية ، بدأ متمرداً من اللحظة الأولى ثم بدأ ينحت في مفاهيم نقديه تخصه لوحده ، بعد ذلك بدأ أفق تطور نظري ومفاهيمي لأول مرة يظهر في مشروع ادوارد سعيد أهم ما فيه قعد ادوارد في أعلى مراتب التفكير النقدي المعاصر في سبعينيات القرن الماضي واكتسب شهرة وهذه لحظة نقدية مهمة جداً لتواتر وتوتر وتواترات التجربة النقدية لادوارد سعيد لأنه في عام 1975 ظهر ادوارد سعيد مفكر نقدي بكامل عدته وأدواته وأجهزته النقدية وهي لحظة صدور كتابه بدايات المنهج والمقصد .. هذه لحظة تطور نظري ومفاهيمي ، لأنه اختط أفقاً نقدياً ملحمياً?، ادوارد سعيد في هذه اللحظة فارق السائد من التيارات النقدية سواء أن كان في المركز أو في محيط العالم وأكثر من ذلك ما نطلق عليه جيللوجية نظرية حسب قول فوكو انه في أواخر القرن ال18 كان يفكر في أن تصير العلوم الانسانية والاجتماعية الى علوم بكل ما تحمله الكلمة من معنى واقترح تاريخانية للمعرفة ، بمعنى أن الناقد ينبغي أن ينفذ الى ما وراء النص ... ادوارد ركز على الرواية كبداية ...تلقي ادوارد سعيد بدأ حقيقة مع مشروعه الاستشراق وهذه اللحظة ارتبطت ذات الناقد بأيقونة الاستشراق وهنا سعيد لم يحتمل ذلك الاختزال الى أن ما? ، في علامات متنوعة ومختلفة في بعض الاحيان تشتغل بحيوية وصدق في مشروعه منذ بداياته وحتى نهاياته .. ذات سعيد ومقدرته النقدية تجلتا بقوة في هذه اللحظة ، لحظة الاستشراق لأن سعيد واصل مشروعه في انتاج المفاهيم والأفق النظري والمفاهيمي ، بدايات الاستشراق هي الأطر النظرية والمفاهيمية لادورد سعيد لكن على مستوى الفعل والممارسة وكيف أدواته النقدية بتعمل الا في الامبريالية والثقافة التي تناول فيها مجموعة من النصوص ، لحظة الاستشراق والمفاهيم النقدية المصاحبة كان قد قاوم مقاومة نظرية ومفاهيمية وبشجاعة وبسالة الثابت وا?مستقر والمكرس للهوية مطلقاً والشرقية بشكل خاص وذلك بنسفه الاعتقاد السائد بتاريخانية الثقافة المهيمنة مما أشار اليه بالذات والهوية الوطنية ونجد أن أجهزة الاستشراق صنعت الشرق وتحولت تلك الأجهزة الى أدوات تدير علاقات كولينيالية ، ادورد سعيد واجه عنف بعد الاستشراق معظمه بآليات عرقية فجة جداً ، النقد تفاوت بين ما هو موضوعي ومنطقي ويسائل الاشياء الجديدة لادورد سعيد وهذا أفق قام به تلامذته منهم اعجاز أحمد ، ادوارد في لحظة الاستشراق قارب فيها التجربة الاستعمارية بعد الاستشراق الاشارات كانت مسطحة عند الكثيرين لفرا?ز فانون ولحظته وفانون هو أول المفكرين الذين تناولوا تجربة الاستعمار وحلل العلاقة بالتحليل النفسي وقال انها ليست موتورة ...ختم دكتور أحمد بما يسميه ادوارد سعيد بموقف الناقد عند الممارسة النقدية لأنه قال موقف الناقد في الممارسة يعني حيز الفعل والممارسة هو موقف المعارضة دائماً وليس المقصود المعارضة في ذاتها بل الاختلاف والمقاومة الهادفة للتصدي لجميع أنواع العنف ولأي تضييق أيدولوجي ، وعلى النقد اخضاع ممارسته على الدوام للمساءلة والفحص والناقد دائماً في حالة شك ومتفتح على ما يخفق فيه بتأمل يعارض معارضة بناءة ان?اج النظم الضخمة المنغلقة على ذاتها ادوارد سعيد الناقد الأدبي تحول الى مثقف نقدي وانتقل بنا من المقولات البديهية في النقد عموما الى أن النقد ظاهرة كونية .
في منتدى نادي القصة السوداني
ادوارد سعيد.. ولاءات المثقف «1 2»
صلاح محمد خير
في مقدمته للترجمة العربية اللافتة لكتاب ادوارد سعيد «الثقافة والامبريالية»، كتب الدكتور كمال أبو ديب بروح الصديق الشفيف الذي خبر ادوارد سعيد معرفياً وشخصياً مثلما لم يخبره أحد يقول:
«وإن ذلك كله لهو ادوارد سعيد، الذي أعرفه، صديقاً حميماً، وباحثاً شاهقاً، ومفكراً سامياً، ومشتعلاً في ذلك كله بشبق وشهوة لا يضاهيان، هو القوى في صداقاته وعداواته، في أوجاعه واغتباطاته، المتفجر في قطعة موسيقية يعزفها لأصدقاء يتسامرون في دفء بيته، وفي مقالة يكتبها ل «النيويورك تايم» دفاعاً عن فلسطين. انه لأكبر من الحياة، هذا الذي تنضب شيئاً فشيئاً في عروقه الحياة، وسرطان الدم يمتص نسغه، وهو يهدر عبر العالم كله بفكره وحيويته ومعرفته التي لا تحصى ولا تنسى ولا تضاهي. أقول له أحياناً بشفقة المحب: «ادوارد لماذا ل? تهدأ قليلاً، وترتاح قليلاً، وأنت على ما أنت عليه، فتقعد عن السفر، وقبول الدعوات، والتناثر في العالم فقد بلغت ما بلغت»، فتزوغ في عينيه ومضة قبل أن تأتي الكلمات مزيجاً من الجرح والعزيمة، وفيها رعشة لا تتلسمها إلا نفس الصديق الصدوق: «لا أريد أن أهدأ، سأمضي إلى نهاية الشوط إلى أن أسقط، أريد أن أفعل كل ما أريد أن أفعله. إذا هدأت فكأنني اعترف للمرض بالقهر وما أنا بقادر على ذلك».
لكن الصديق كمال أبو ديب - الذي يتلمس حتى «الرعشات» في «كلمات» أصدقائه - كان يعرف مسبقاً أن اداوارد سعيد ذلك الصوت الأخلاقي النظيف، والروح الرُحَّل الذي لم يهده جغرافياً النزوح والاقتلاع القسري عن الأوطان لا يمكن أن يهدأ وهو «المندفع في طريقه بشهوة لامتلاك العالم كله، ووصفه وتحديده، ورسمه بحيث يتملكه كله تملكاً لا فكاك له منه». ادوارد سعيد الذي رأيناه قبل أعوام من رحيله المفجع على شاشة «قناة الجزيرة» بالصوت المجلجل كله، وبالصورة البهية كلها - فقد كان ادوارد أمير وسامة تنطوي على أناقات عدة، تبدأ بأناقة الفكر?ولا تنتهي بأناقة الملبس - وهو يجيء إلى الاستديو مباشرة من مستشفى في «نيويورك» حيث كان يتلقى جرعات علاجية ضد سرطان الدم الكريه لا يمكن أن يهد أعتى الأمراض عزيمته، وهو الذي واجه سرطانات عدة سببها له صهاينة ومتصهينون وبعض نفر من بني قومه، لكنهم لم يفلحوا جميعاً في أن يسدوا عليه الآفاق. كيف يرتاح ويقعد عن السفر ذلك الذي قرأ منذ يفاعته سير منفيين وجوابي آفاق عظام مثل الكاتب البولندي الأصل والانجليزي الجنسية واللغة جوزف كونراد، الذي لم يشده طيلة حياته مكان، والمؤرخ الألماني العظيم ايريك أويرباخ، ا?ذي عاش طيلة سنوات الحرب الكونية الأولى منفياً في تركيا، والفيلسوف الألماني العظيم ثيودور أدورنو الذي عاش هو الآخر منفياً في الولايات المتحدة الامريكية.
كل هؤلاء قرأهم إدوارد سعيد، وأعجب بهم، بل وتمثلهم في أعماله الشامخة مثلما لم يتمثلهم أحد، فعبر كونراد استطاع أن يكتشف معاني الامبراطورية المنطوية على كل ما هو قبيح وقذر، يبيح احتلال أراضي الآخرين، بل ويقيم لهذا «الفعل اللا أخلاقي» نصباً، وينحني أمامه ويقدم له القرابين على حد تعبير كونراد نفسه في روايته الاشكالية، «قلب الظلام» Heart of darkness، وعبر أويرباخ وأدورنو، عرف إدوارد سعيد كيف يحتمل مرارات الانخلاع والتمزق الذي عاناه «خارج المكان» وكيف تدرك معاني الأوطان.
وعبر فهم شفيف لمعاني الأوطان تمكن ادوارد سعيد من تجاوز مقيدات الحدود الامبريالية، أو القومية، أو الأقاليمية، وشرع في فهم التجربة الانسانية ومدوناتها المكتوبة بكل تنوعاتها وخصوصياتها، وهذا ما يبرر عودة ادوارد سعيد «مرات ومرات لمقطع شابح الجمال» ل «هوغو أف سان فيكتور»، وهوراهب ساكسوني عاش في القرن الثاني عشر. يقول المقطع:
«... انه لمصدر فضيلة عظيمة للعقل المجرب، أن يتعلم شيئاً فشيئاً، أولاً أن يتغير في الأمور المرئية والزائلة، كي يكون قادراً بعد ذلك على أن يخلفها وراءه. ان المرء الذي يجد وطنه حلواً مازال مبتدئاً غضاً، وأما من يكون له كل ثرى مثل ثرى بلده الأصلاني فقد اشتد عوده، لكن الكامل هو الذي يكون العالم كله بالنسبة له مكاناً أجنبياً. ان الروح اليافع قد ركز حبه على بقعة واحدة من العالم، والشخص القوي قد نشر حبه على الأمكنة كلها، أما الرجل الكامل فقد أطفأ شعلة حبه».
هذا الفهم الطليق للعالم والرحابة الانسانية للمعرفة اللذين نشرهما هذا الراهب الساكسوني - هو ما نحصل عليه بالضبط في كل كتابات ادوارد سعيد خاصة كتبه: الاستشراق (Orientalism) والثقافة والامبريالية Culture and Imperialism وصور المثقف Representation of the intellenctual.
في كتابه «الاستشراق، 1978» هذا «العمل العولمي» بحق كما وصفه مرة البروفيسور صادق جلال العظم - استطاع ادوارد سعيد عبر أدوات ضاربة في الألسنية الحديثة والمارسكية، وأطروحات الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو حول ارتباطات القوة بالمعرفة، أن يقوض منظومة امبريالية كاملة هي الاستشراق الممأسس Institutionalized orientalism، الذي ارتكز على ما سماه ادوارد سعيد ب «الجغرافيا المتخيلة» التي تقوم على تقسيم العالم إلى نصفين «شرق وغرب» وتخول للغرب الحضاري حكم الشرق المتخلف، وادارته واستصدار الأحكام عنه، والكتابة حوله وتدريسه. ويل?ص ادوارد سعيد أهم القضايا التي تناولها في كتابه «الاستشراق» قائلاً:
«وأهمها تمثيل الثقافات، والمجتمعات، والتواريخ الأخرى، والعلاقة بين القوة والمعرفة، ودور المثقف، والمسائل المنهجية المرتبطة بالعلاقة بين أنواع النصوص المختلفة وبين النص والسياق وبين النص والتاريخ».
أما في كتابه «الثقافة والامبريالية 1993م» فقد استطاع ادوارد سعيد أن يوسع الأطروحات التي غطاها كتابه السابق «الاستشراق» كاشفاً عن «التواطؤ الكلي والتشابك الحميمي بين الامبريالية والثقافة التي أنتجتها مجتمعاتها». ولكنه يتجاوز هذا ليكشف أبعاداً مقموعة للثورة ضد السيطرة الامبريالية في جميع بقاع العالم غير الأوربي، ويوجه نقده أيضاً إلى الاستعلائية المضادة المتمثلة في القومية الشوفينية والأصولية ونظريات الصفاء العرقي أو الثقافي.
ومن الواضح أن الدراسة الباكرة التي قام بها ادوارد سعيد عن الكاتب البولندي الأصل - الذي اختار الانجليزية لغة للكتابة - جوزف كونراد (1857-1924)، قد مكنته من اكتشاف البشاعة التي انطوت عليها معاني الامبراطورية. والحق انه لا يوجد كاتب مثل كونراد استطاع أن يكشف في العديد من كتاباته الروائية والقصصية الشامخة، لا عن السجل القذر للامبراطورية فحسب، بل وللموظفين المرتبطين بخدمتها في مستعمرات نائية اجتاحها الاحتلال الأوربي بحجة أنها «مناطق مظلمة يجب أن تضاء».
وصدر أول كتاب لأدوارد سعيد بعنوان جوزف كونراد ورواية أسيرة الذاتية Joseph Conrad and the Dutobiographical novel في عام 1966م، وقوام هذا الكتاب هو أطروحة الدكتوراة التي تقدم بها ادوارد سعيد لجامعة «هارفارد» الامريكية. وفي كتابه خارج المكان (out of place) الذي صدر في عام 1999م، يكشف ادوارد سعيد عن التصاقه الحميم بحالة كونراد وكتاباته، قائلاً: «سحرني في الرجل أنه كتب بالانجليزية أعماله العديدة من روايات وقصص قصيرة ومذكرات، وكلها يغرف من حياته الغنية على نحو مستبعد التصديق بوصفه بحاراً ومكتشفاً ومغامراً، ومع ذ?ك كانت اللغة الانجليزية هي لغته الثالثة بعد البولندية والفرنسية. وفي كتابتي عن هذا الكاتب الذي ظل يثيرني، بل إني بالتأكيد مهووس به لنواح عديدة، أحاجج أنه عاش تجاربه في اللغة البولندية، لكنه وجد نفسه مسوقاً إلى الكتابة عن تلك التجارب في لغة ليست لغته. فإذا النتيجة كاتب متفرد في الأدب العالمي من حيث الأسلوب والمحتوى معاً. فما من أحد له نبرة كونراد، وما من أحد مثله يكتب عن أوضاع غريبة ومتطرفة، وما من أحد حقق تلك الآثار الكابوسية والمقلقة كالتي حققتها كتبه. وأعتقد أن السبب في ذلك يعود إلى شعور كونراد بوجود تفا?ق دائم بين تجاربه وبين اللغة التي استخدمها لوصف تلك التجارب. فكأنه عاش في لغة وكتب في لغة أخرى، وإذاً فإن ادراكه لذلك الاختلال المربك هو الصميم في أعماله».
ويجسد هذا المقطع تجسيداً كاشفاً بأن ضياع الوطن واللغة في مكان جديد هو أمر مقلق وحاد على الدوام، ولا سبيل إلى معالجته، لذلك ظل ادوارد سعيد يكتب على الدوام عن كونراد «مثل لازمة ثابتة ومتكررة أو قرار جهير ثابت» للكثير مما أختبره من تجارب. لكن هنالك ثمة تفارق بين حالة كونراد وحالة ادوارد سعيد، فالعالم الذي نشأ فيه كونراد واللغة التي استخدمها ظلا محصورين ضمن أوربا، أما بالنسبة لادوارد سعيد فالأمر ينطوي على تفارق أحد وأمر عبر عنه قائلاً:
«وأما في حالتي أنا، فالفارق بين الانجليزية والعربية يتخذ شكل توتر حاد غير محسوم بين عالمين مختلفين كلياً بل ومتعاديين: العالم الذي تنتمي إليه عائلتي وتاريخي وبيئتي وذاتي الأولية الحميمة وهي كلها عربية من جهة وعالم تربيتي الكولونيالي وأذواقي وحساسيتي المكتسبة، ومجمل حياتي المهنية معلماً وكاتباً من جهة أخرى. ولم يعفني هذا النزاع منه يوماً واحداً، ولم أحظ بلحظة راحة واحدة من ضغط واحدة من هاتين اللغتين على الأخرى، وهكذا فالكتابة عندي فعل استذكار، وهي إلى ذلك فعل نسيان، أو هي عملية استبدال اللغة القديمة ب?للغة الجديدة».
لكن هذا لم يمنع ادوارد سعيد من استعادة عروبته والتمسك بها، فبعد سنوات التعلم والنضج التي عاشها في الولايات المتحدة الأمريكية، اتخذ قراره فجأة بعيد هزيمة 1967م بأن يعود سياسياً إلى العالم العربي بوصفه عربياً يكتب عن كل القضايا السياسية العربية، وبوصفه فلسطينياً سلبت أرضه، إذ لا يمكن للمرء أن يحصل على مفكر تموضعت فلسطين في صلب رؤاه النقدية الأدبية والمعرفية والسياسية، بل وحتى الموسيقية مثلما هو ادوارد سعيد، الذي يعد أبرز مدافع عن قضية فلسطين داخل الولايات المتحدة الامريكية، ومن أبرز المعارضين المبدئيين والصل?ين لسياسة السلطة الفلسطينية منذ «اتفاق أوسلو» الذي عقد في عام 1993م. ولشخص خلع عن أرضه وأجبر على العيش في منفى لا يروق له، لا بد من السكن في فضاء ثالث لا يتجاوز الفضاءين الغربي والعربي بل يتمثلهما. والفضاء الثالث الذي اختاره ادوارد سعيد للسكنى والكتابة هو «الفضاء الطباقي» كما أسماه الدكتور ثائر ديب الذي ترجم كتابه «تأملات حول المنفى» (Reflections on the Exile) الصادر في عام 2000م، إلى اللغة العربية.
والطباقية (Contrapuntalism) مصطلح مستمد من الموسيقى، وهو يشير كما يشرحه ادوارد سعيد إلى «الاستعمال المتزامن للحنين أو أكثر بغية انتاج المعنى الموسيقى، بما يسمح بالقول عن أحد الألحان، أنه في حالة تضاد مع لحن آخر. في النقطة الطباقية للموسيقى الغربية العريقة تتبارى وتتصادم موضوعات متنوعة احداها مع الأخرى، دون أن يكون لأي منها دور امتيازي، إلا بصورة مشروطة ومؤقتة، ومع ذلك يكون في التعدد النغمي الناتج تلاؤم ونظام، تفاعل منظم يشتق من الموضوعات ذاتها، لا من مبدأ لحني صارم أو شكلي يقع خارج العمل».
والواقع كما يقول الدكتور ثائر ديب «ان هذه هي الطريقة التي يقرأ بها ادوارد سعيد ويؤول الأرشيف الامبريالي، إذ يقرأه لا واحداياً بل «طباقياً» بوعي متآين لتاريخ المتروبول، ولتلك التواريخ الأخرى التي يعمل الخطاب المسيطر ضدها ومعها في الوقت ذاته».
عبر هذا المصطلح الموسيقي، أقبل إدوارد سعيد في كتابه «الثقافة والامبريالية» على قراءة غير مسبوقة في تاريخ النقد الأدبي كله لبعض النصوص الروائية الانكليزية، ونص روائي فرنسي هو «الغريب» ل «البير كامو». فالرواية بوصفها جنساً أدبياً كما يشير ادوارد سعيد «هي ناتج من نواتج الثقافة، متوضع داخل سياق تاريخي، وفضاء اجتماعي أنتجاه، ومقيم لصلة مؤسساتية دائمة مع أفراد المجتمع عبر فعل القص».
والسبقية التي حققها ادوارد سعيد هي الكشف عن التشابك الحميمي بين الرواية بوصفها نشاطاً ثقافياً وبين الامبريالية كفعل تاريخي، فثمة أعمال روائية ضخمة تحركت في «الفضاء» وتجاوزت حدود «الذات الثقافية» إلى فضاءات تقع خارجها. وقرأ إدوارد سعيد نصوصاً روائية تتخذ معظمها أطراً مشهدية (settings) تقع خارج الفضاء الأوربي: مثل كيم (kim) للكاتب الانجليزي رود يارد كيبلنغ «التي تتخذ من الهند إطاراً مشهدياً لها»، و «ممر إلى الهند» (A passage to India) للانجليزي إي. ام. فورستر التي تتخذ هي الأخرى من الهند اطاراً مشهدياً لها.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.