قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    شاهد بالفيديو.. الفنانة هدى عربي تخلع حذائها أثناء الحفل وتدخل في وصلة رقص مثيرة    اختبار نسخة مدفوعة جديدة من "إنستغرام"    "آبل" تستعد لإطلاق أول آيفون قابل للطي    النفط ينخفض 1% بعد تقرير ترامب إنهاء حرب إيران    "يغفر الله للجميع إلا باجيو!".. مأساة اللاعب الذي مات واقفا – فيديو    عيد ميلاد إيمى سمير غانم.. خطوات ثابتة واختيارات مدروسة فى مسيرتها الفنية    قرار لحكومة السودان بشأن معبر أدري    قيادي بحزب المؤتمر الوطني يحسم جدل مثير    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: *هذا ما قاله لي وزير التعليم العالي والبحث العلمي ظهر اليوم*    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    جهاز المخابرات العامة يدشن مبادرة العودة الطوعية للاجئين السودانيين من مصر    إكتمال فتح الطرق والشوارع الداخلية بمنطقة وسط الخرطوم    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. رمى عليهم عبوة ناسفة وهرب.. جنود بالدعم السريع يضبطون مرتزق من جنوب السودان في وضع مخل مع سيدة داخل "راكوبة" بمدينة الفولة    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    الهلال يواجه أُماجوجو لتوسيع فارق الصدارة    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    الأهلي يخسر من ساردية بدوري شندي    (أماجوجو والنقطة 54)    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الإسلام والدولة في سودان نميري (2) ..

Islam and State in Numayr's Sudan 2))
جبريل ر. واربورغ Gabriel R. Warburg
ترجمة وتلخيص: بدر الدين حامد الهاشمي
مقدمة: هذه ترجمة وتلخيص للجزء الثاني والأخير من بعض ما ورد في مقال للبروفيسور جبريل ر. واربورغ، تم نشره في الدورية المحكمة "أفريقيا Africa" في عددها رقم 55 والصادر في 1985م.
ولد المؤلف – بحسب سيرته الذاتية المبذولة في الشبكة العنكبوتية - في برلين بألمانيا عام 1927م وهاجر مع عائلته وعمره سبعة سنوات إلى فلسطين وبقي بها حتى عام 1946م حين أكمل دراسته بكلية للزراعة، ثم درس تاريخ الدول الإسلامية في الجامعة العبرية بالقدس (1961 – 1964م) واللغة العربية وآدابها في جامعة لندن، والتي تحصل منها أيضا في عام 1968م على درجة الدكتوراه بأطروحة عن "إدارة الحكم الثنائي بين عامي 1899 – 1916م". عمل بعد ذلك أستاذا في جامعة حيفا حتى تقاعده في عام 1996م. ونشر الرجل الكثير من المقالات المحكمة و الكتب عن السودان ومصر ودول عربية وإسلامية أخرى منها كتاب بعنوان " الإسلام والقومية والشيوعية في مجتمع تقليدي: حالة السودان"
Islam, Nationalism and Communism in a Traditional Society: The Case of Sudan" "
وكتاب آخر عن الطوائف الدينية في السودان والسياسة منذ عهد المهدية، وعدة مقالات عن الإخوان المسلمين وأنصار المهدي والحزب الشيوعي السوداني وموضوعات متفرقة أخرى.
المترجم
**** *********
النهج الإسلامي لماذا؟
الرابط: للمقالة الأولى: http://www.alrakoba.net/articles-act...w-id-54978.htm
كُتب مؤلف نميري "النهج الإسلامي لماذا؟" في عام 1978م، أي بعد عام من لقاء نميري التاريخي مع الصادق المهدي في مدينة بورتسودان، وهو اللقاء الذي مهد لعملية "المصالحة الوطنية"، وبعد أكثر بسنوات قليلة من نهاية القرن الرابع عشر الهجري. وكان نميري يدرك تمام الإدراك أهمية تلك المناسبة فذكرها في أول جملة في كتابه المذكور. ولم تكن مركزية وأهمية تلك الذكرى في العقيدة المهدية لتفوت عليه. ففي وصفه لتمرد الأنصار عليه في يوليو 1976م، ثم مقابلته السرية مع الصادق المهدي لم يحاول نميري أن يداهن أو يتستر أو يخفي رأيه في مسئولية الصادق المهدي عن الأحداث الدامية التي وقعت في يوليو 1976م، والتي كاد الأنصار فيها يستولون على مقاليد السلطة في البلاد، وأدى فشلهم في تحقيق مأربهم إلى حمامات دم. نعم، لقد وصف نميري في كتابه المذكور الصادق بأنه زعيم معارض للطائفية رغم أن ذلك جعله يقف في مواجهة عائلته، ووصفه أيضا بأنه رجل معارض للسياسة الحزبية، ومؤمن بنظام الحزب الواحد. ولكن الأهم من ذلك كله هو وصف نميري للصادق المهدي بأنه بأفعاله وأفكاره وأصله الممتد لقائد "أعظم ثورة سودانية وطنية" لم يكن بوسعه إلا أن يؤيد وحدة البلاد الوطنية. ولم يكن ذلك الربط بين "الصحوة الإسلامية" والمصالحة الوطنية مع من وصفهم سابقا بأنهم "من الأعداء الطائفيين لثورة مايو" من قبيل الصدفة. لقد حدث هذا في أعوام مضت فيها حركات الإسلام الأصولي قدما في إيران وغيرها من الدول الإسلامية. وكان الإخوان المسلمون والمنظمات الإسلامية للطلاب (وغيرهم) في تلك الأيام من عهد السادات يكثفون من نشاطهم على مختلف الجبهات. وكان السودان في تلك السنوات يمر بأزمات اقتصادية طاحنة، وازدادت معدلات الفقر بالبلاد مما استلزم طلب العون العاجل من الدولة النفطية الغنية، خاصة المملكة العربية السعودية. لكل ما تقدم بدا أن "النهج الإسلامي" والمصالحة مع الأنصار وجماعة الإخوان المسلمين كانت خطوة هامة في الطريق الصحيح.
وبالإضافة لذلك فقد تخلى النظام المايوي عن موقفه المؤيد الذي اتخذه في سنوات حكمه الأولى للقومية العربية والناصرية والأيديولوجيات اليسارية الأخرى بسبب انقلاب هاشم العطا الشيوعي في يوليو من عام 1971م، و أيضا بسبب الفشل في بناء منبر عريض علماني الأيديولوجية، اشتراكي الفلسفة، ووطني التوجه في تنظيم "الاتحاد الاشتراكي "في السنوات التي تلت ذلك الانقلاب. وبالفعل يشير نميري في كتابه هذا إلى تفاصيل شخصية كثيرة في مسيرته المهنية السياسية، ويذكر انقلاب يوليو 1971 على أنه كان نقطة البداية في عودته للنهج الإسلامي. وأتهم نميري في الكتاب الشيوعيين بعرقلة جهوده الرامية لحل مشكلة الجنوب، والتي كان حلها كما ذكرنا من قبل هو أحد أهداف ثورته، بالإضافة لهدفه الآخر وهو القضاء على الطائفية الدينية في البلاد، ومنعها من التأثير السياسي.
من المصالحة للمصادمة
ليس من أغراض هذه الورقة بحث مدى إخلاص حماسة نميري الدينية وصدق نواياه في نهجه الإسلامي إلا بالقدر الذي يسلط الضوء على النتائج المترتبة على تحوله (الفكري) الجديد. وبما أن الإسلام هو العامل المركزي والأهم في نظام معتقد (belief system) غالب السودانيين ، فلماذا لا يستخدم / يستغل في خدمة الدولة السودانية الموحدة ؟ وكزيادة في الخير (بالنسبة لنميري) أو ك "علاوة استثنائية" أتت مصادفة أو بتخطيط مسبق فقد أحدثت المصالحة الوطنية شقاقا وانقساما في العناصر الثلاثة الرئيسة المكونة ل "الجبهة الوطنية" وهم الأنصار والإخوان المسلمون والاتحاديون الديمقراطيون، إذ ليس بين تلك العناصر ما كان يوحدها أصلا غير اتفاقهم جميعا على معارضة نميري. ولذا اكتشف نميري أن التعاون الانتقائي (selective collaboration) مع أي من تلك العناصر المكونة ل "الجبهة الوطنية" كفيل بإحداث شروخ واحتكاكات بينها قد يؤدي في نهاة المطاف لانهيارها.
وكانت المصالحة قد شملت على أرض الواقع الأنصار والإخوان فقط، إذ رفض قسم كبير من الاتحاديين بزعامة الشريف يوسف الهندي الدخول في تلك المصالحة وآثروا البقاء خارج البلاد في منافيهم الاختيارية. وآب الصادق المهدي ودكتور حسن الترابي وقادة الأنصار والإخوان الآخرين للسودان في سبتمبر من عام 1977م، وشاركوا – بفعالية - في فبراير من عام 1978م في الانتخابات العامة لاختيار نواب مجلس الشعب. وتم كذلك تعيين الصادق والترابي أعضاءً في المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي في أغسطس من عام 1978م. ولكن ومنذ ذلك التاريخ أخذ كل من الزعيمين مسارا مختلفا عن الآخر. فأخذ الصادق يتذبذب بين المواقف المتصالحة حينا، والمعارضة علنا في أحيان أخرى، ولكنه لم يمارس أي دور سياسي في السودان في ذلك الوقت. بل أعلن استقالته من المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي احتجاجا على موافقة الحكومة السودانية على اتفاقيات كامب ديفيد (بين مصر وإسرائيل). وقاطع الصادق أيضا المؤتمر العام للاتحاد الاشتراكي والذي انعقد في يناير من عام 1980م. وفي ذلك المؤتمر هاجمه بعض أعضاء ذلك المؤتمر ووصفوه ومن تابعه في الخروج من الاتحاد الاشتراكي ب "المرتدين" واتهموهم بتقويض وحدة البلاد والعمل ضد مبادئ الثورة. وكانت كل جريرة الصادق هو أنه طالب بإصلاحات شاملة للنظام القضائي والسياسي، تبدأ بحل الاتحاد الاشتراكي نفسه، وإيقاف العمل بقانون الطوارئ، والمحافظة على الحريات العامة الأساسية. غير أنه كان حريصا كل الحرص على عدم المطالبة بتغيير قادة النظام نفسه، رغم أنه كان دائم الانتقاد لاعتماد نميري على السادات، واستنكر اتفاق الأخير مع إسرائيل وشجب سياسة النظام الاجتماعية والاقتصادية. بل وهدد الصادق في يناير من عام 1982 من أنه لن يتردد في القيام بعمل عسكري (بقواته المسلحة التي كانت ما زالت خارج السودان في تلك الأيام) إن لم يأخذ النظام في العمل لإنفاذ بنود المصالحة الوطنية بالوسائل السلمية.
أما ناحية أيديولوجية، فقد كان الصادق يتخذ موقفا أكثر تصالحا. ففي نظرته لمفهوم الدولة الإسلامية كان رافضا للتقليد، وكان يرى ضرورة تجاوز بعض ما قررته المذاهب الإسلامية المختلفة في عصور مضت، وكان نافعا في زمانه، إلا أن نفعه في هذا الزمان محل شك. وكان الصادق ينادي كذلك بتطبيق "فقه الواقع" (وهو في تعريف لأحد الفقهاء المعاصرين "فقه مبني على دراسة الواقع المعايش، دراسة دقيقة مستوعبة لكل جوانب الموضوع، معتمدة على أصح المعلومات وأدق البيانات والإحصاءات". المترجم). فالصادق مثلا ينادي بالتغيير الاجتماعي في داخل الدولة الاسلامية، حتى وإن تطلب الأمر إصدار قرارات راديكالية ولكنها مقبولة إسلاميا. وقد تشمل تلك الإصلاحات النظام القضائي الإسلامي، والاجتهاد في أمور مثل تطبيقات الأحكام والحدود والمواريث الخ. وعلى وجه الإجمال، كان الصادق يريد تحديث المجتمع والحياة دون فقدان للهوية الإسلامية. فكان يرى مثلا أن إصلاح النظام القضائي لا ينبغي أن يترك لعلماء الشرع وحدهم، بل يجب أيضا أن يشترك فيه خبراء القوانين المدنية الحديثة وعلماء الاجتماع والسياسة والاقتصاد بحكم معرفتهم الأوثق باحتياجات المجتمع العصري في مختلف المجالات.
وتركت مفاهيم الصادق المهدي عن "الدولة الإسلامية" الباب مشرعا تماما لإدخال اجتهادات (معاصرة). وبدا أن الأنصار – تحت قيادة الصادق - كانوا يمضون في طريق التصالح وانتهاج منهج التجديد والتحديث، باعتبار أن التشدد والجمود في الفكر الإسلامي المعاصر هو من أكبر مهددات مستقبل الإسلام. ولم يكن ذلك النمط من التفكير مقبولا عند زعماء الطرق الصوفية، والذين تجمعوا – ومنذ عام 1978م – في تنظيم واحد عرف باسم "لجنة الصحوة الإسلامية". ولم يكن من المستغرب أن يكون رئيس تلك اللجنة هو شيخ الطائفة الختمية محمد عثمان الميرغني. وطالبت تلك اللجنة بتطبيق الدستور الإسلامي دون أي اشتراطات، ووصفت (زعماء) الأنصار والإخوان المسلمين بأنهم "مسلمون مفتونون بالغرب".
وطال التخوف من عودة الحكم المهدوي الجنوبيين أيضا، فكتب بونا ملوال وزير الثقافة والإعلام ورئيس تحرير مجلة "سودانايل" الشهرية مهاجما المصالحة مع الأنصار، ومعتبرا الصادق المهدي من أكبر مهددي وحدة السودان، ومتهما إياه بالمسئولية عن سفك الدماء في الجنوب، خاصة بعد عام 1956 عندما تسنم حزب الأمة مقاليد السلطة في البلاد. وكتب أيضا مذكرا بأن أسلمة الجنوب كانت من الأهداف المقدسة عند الأنصار من قديم، ولا يبدو أنهم قد تخلوا عن ذلك الهدف أبدا. ولم يكن بونا ملول هو الزعيم الجنوبي الوحيد الذي كان يعبر عن رفضه لأي دولة إسلامية في السودان، خاصة وأن الجنوب يمثل ثلث البلاد، وسيغدو مواطنيه دون ريب مواطنين من الدرجة الثانية إن تم تطبيق الشريعة فيه. ولهذا كان من الطبيعي أن يعد الجنوبيون وكثير من مثقفي الشمال الصادق واحدا من أهم خصومهم السياسيين والفكريين بسبب تاريخه ومواقفه عندما كان رئيسا للوزارة، وقدرته على استغلال أنصاره في الأرياف في عمليات عنف وترهيب خدمة لأغراضه. وبهذا فقد كان الصادق يحاسب بما قام به عندما كان في السلطة أكثر مما كان يصرح به وهو في صف المعارضة.
ومن ناحية أخرى فإن الإخوان فلم يكونوا قد تذوقوا طعم السلطة من قبل أبدا، وكان دورهم البارز في ثورة أكتوبر 1964م مما يحسب لصالحهم، وكان أغلب مؤيدهم من المتعلمين في المناطق الحضرية، ولهم ذات الخلفية التي تتمتع بها صفوة التكنوقراط. وبذا فقد كانوا – في نظر الحكومة - أقل خطرا من الأنصار، وأكثر قبولا في أوساط النظام الموجود. ولهذا تم في عام 1978م تعيين دكتور حسن الترابي في وظيفة النائب العام، وترأس اللجنة التي كلفها نميري في عام 1977م بمراجعة القوانين السودانية لتوائم وتتسق مع قوانين الشريعة الإسلامية. ولم يمر قبول الترابي للتعاون الكامل مع نميري دون أي تحفظات من دون ثمن. فقد انشق في 1978م بسبب ذلك التعاون قسم كبير من جماعته بقيادة صادق عبد الله عبد الماجد. ولم يمانع الترابي من حل جماعته كما طلب منه النظام المايوي شريطة أن يسمح له وجماعته بنشر أفكارهم تحت راية الاتحاد الاشتراكي وفي مجلس الشعب واتحادات الطلاب وبقية المنظمات الطوعية والحكومية. وكانت فكرة الإخوان عن الديمقراطية تستند إلى قاعدة مجلس للشورى يتخذ قراراته بتوصية من علماء في الشريعة والعلوم الأخرى. ورغم أن تلك الجماعة ظلت متمسكة بمبدأ التطبيق الكامل للشريعة الإسلامية (بحسب مقرراتها الصادرة في منتصف الستينيات)، إلا أن قيادتها كانت على استعداد للمداراة والصبر والتريث حتى تتمكن ويقوى عودها وتحصل على مزيد من المناصرين، خاصة في أواسط المثقفين والمهنين وصناع القرار. و ساعدهم في ذلك تعيين أحد المقربين من دكتور الترابي، وهو يس عمر الإمام، رئيسا لمجلس إدارة الصحيفة اليومية الذائعة الصيت "الأيام"، حيث وفرت لهم تلك الصحفية منبرا مهما لنشر أفكارهم.
وانسجم ونصهر الإخوان المسلمون تماما في أجهزة الدولة المختلفة مثل الاتحاد الاشتراكي ومجلس الشعب، وأهم من ذلك الحكومة. وصرح دكتور الترابي في مقابلة له في "سودانايل" في مارس 1982م بأنه فيما يخص الإخوان، فإن المصالحة قد أنجزت بالفعل، ولم يبق سوى العمل من داخل النظام القائم للتعامل مع قضايا ملحة مثل الدستور وتقوية النظام القضائي. وقال في رده على سؤال حول علاقة حركته مع الصوفيين وأنصار المهدي: "لحسن الحظ لا توجد أي مشكلة بين الحركة الإسلامية المعاصرة والحركات التقليدية، مثل الصوفية والمهدية. ولهذا فإن كل هذه الحركات، العصرية منها والتقليدية، ستشكل قاعدة واحدة لأسلمة البلاد ... إن أيديولوجيتنا شاملة لا تستثني أحدا سوى المؤمنين بأيديولوجيات غير دينية مثل الماركسيين والعقائد العلمانية الأخرى، وكذلك الجماعات الأصولية المتعصبة والمتشددة والمغالية، والتي تزعم أنها تتلقي أوامرها من الله مباشرة ...".
وعقدت جماعة الفكر والتوحيد الإسلامية مؤتمرا عن الإسلام بالخرطوم في نوفمبر من عام 1982م أكد فيه دكتور الترابي على أن الأسلمة هي القضية المركزية في سياسة الإخوان المسلمين، وأن إصلاح القوانين السودانية حتى تتوافق مع الشريعة الإسلامية هو واجبها الأشد إلحاحا. وفي ذلك المؤتمر تناول قليل من المشاركين حركة الإخوان بالنقد لرفضها التام للآخرين من الشيوعيين والعلمانيين. وأيدت فيما يبدو جماعة الفكر والتوحيد الإسلامية خطة الصادق المهدي الفكرية القاضية بالتدرج في عملية الأسلمة، غير أنها كانت تشك في أنها ستلقى القبول عند عامة جماهير الأنصار في الأرياف.
وعند محاولة مقارنة ما حدث لقادة "الجبهة الوطنية" بين عامي 1977م (عند بدء حركة المصالحة مع النظام) وسبتمبر 1983م (حين بدأ نميري في التطبيق الكامل لقوانين الشريعة) فإننا سنجد أن دكتور حسن الترابي كان هو الرابح الأكبر من بين كل زعماء المعارضة. فقد نالت جماعته أعلى المناصب في السلك القضائي، واتيح لأفراد من جماعته فرصة القيام بالإصلاحات القضائية التي كانوا يتوقون منذ سنوات عديدة للقيام بها. وصرح دكتور الترابي في سبتمبر من عام 1983م بأن جماعته توافق على كل القوانين الإسلامية التي أصدرها نميري (بما فيها إقامة الحدود). وعندما سئل عن ما إذا كانت تلك القوانين قد أصدرت فجأة، فأجاب بأن تلك القوانين لم تفاجئ إلا رافضيها. ورغم ما حدث من انشقاق في صفوف حركة الإخوان المسلمين إلا أن دكتور الترابي ظل في موقف أقوى من كل من انشق عنه من زعماء الحركة الآخرين.
غير أن نمير يفاجأ في العاشر من مارس 1985م الناس باعتقال دكتور الترابي وبعض قادة الإخوان المسلمين، وكان أمر ذلك الاعتقال مفاجئا ومستغربا عند الكثيرين لأن نميري كان قد أقصى كل من عارضه (من بقي على معارضته ومن صالح)، ولم يبق غير الإخوان، والذين كانوا يناصرونه ويؤيدون علنا كل ما سنه من قوانين إسلامية. وبعد اعتقال قادة حركة الإخوان قامت اتحادات الطلاب والمهنيين (والذين كان بعضهم من الإخوان أو يميل إليهم) بالعمل على إسقاط النظام عندما حان أجله.
وكان الصادق المهدي صريحا في نقده لقوانين سبتمبر 1983، خاصة في تطبيق الحدود. وعبر عن ذلك بوضوح في خطبة ألقاها في مسجد الأنصار يوم 17 سبتمبر 1983م وأنتقد فيها التطبيق الانتقائي / العشوائي للشريعة، ووصف ذلك بأنه مخالف لروح الدين، إذ أنه يتجاهل ويجافي مبدأ العدالة الإسلامية المفترض شيوعه في الدولة الإسلامية، ولا يلقي بالا للشروط والضوابط التي وضعها الإسلام عند تطبيق الحدود. وخلص إلى أن ما سنه نميري ونظامه من قوانين إن هي إلا عمل يائس لا قيمة له ولا صلة بالواقع. ولا عجب إذن أن أعتقل الصادق وثلة من قادة حزبه عقب تلك الخطبة.
وبذا يتضح أن حظوظ الصادق السياسية كانت أبخس من حظوظ دكتور الترابي (في سنوات النظام المايوي). غير أن هذا لم يمنع الصادق من نيل بعض البروز والأهمية والشهرة التي كان يتمتع بها وهو في سدة الحكم. فقد كان – خلافا لدكتور الترابي- يحظى بجماهيرية شعبية في الأرياف يفتقدها الأخير، والذي كان غالب من معه من صفوة المتعلمين في المناطق الحضرية. ورغم كل من قام به نميري ضد الأنصار (ومنذ مذبحة الجزيرة أبا في مارس 1970م) فقد ظلت طائفة الأنصار وحزب الأمة يحتفظان بمناصرين كثر، خاصة في مناطق الجزيرة وغرب السودان. ونجح الصادق في الإمساك بزعامة الحزب والطائفة رغم محاولات بعض أفراد عائلته إزاحته عن منصبيه.
ورغم تطبيق نميري في 1983م للشريعة (وهذا مما كان ينادي به الأنصار والإخوان، ومنذ سنين) إلا أنهما عارضا نميري ونظامه بعد نحو عامين من ذلك. وتعرض نظام نميري كذلك (ربما بسبب تطبيقه للشريعة) لزيادة اشتعال أوار الحرب الأهلية في الجنوب، ولهزات اقتصادية عنيفة أودت به في نهاية المطاف في أبريل 1985م بعد تنظيم النقابات والاتحادات المهنية إضرابات ومظاهرات واعتصامات أجبرت الجيش (بقيادة عبد الرحمن سوار الذهب) على تولي مقاليد الحكم في البلاد، بينما كان نميري في القاهرة قادما من واشنطن. وكونت بعد ذلك حكومة انتقالية بدأت بإعلان وقف لإطلاق لنار في الجنوب لمدة أسبوع، وعودة للحكم المدني فيه، وسعت لعقد مفاوضات مع جون قرنق زعيم الحركة المناوئة للحكومة (والتي يبلغ عدد جنودها 15000 مقاتل). وعطل العمل بدستور عام 1973م، وبدأ العمل بالدستور الذي كان قائما في البلاد قبل انقلاب مايو 1969م. وأطلق سراح المعتقلين السياسيين من سجون نميري وشمل ذلك معتقلي حزب البعث والحزب الشيوعي والإخوان المسلمين (والذين كانوا قد اعتقلوا قبل شهر واحد من اندلاع الانتفاضة).
وبدا أن ما حدث بعد إبريل 1985م كان مشابها في كثير من الأوجه لما حدث بعد أكتوبر 1964م. وكان النميري من بين كل من ذكرنا هو أكبر من خسر نتيجة لسياساته. فقد سعى في بدايات حكمه في 1969م للقضاء على الطائفية وحل مشكلة الجنوب وعلاج أدواء الاقتصاد. ونجح في بداية عهد في تثبيط نفوذ الأنصار والشيوعيين، وأفلح في حل مشكلة الجنوب. غير أنه، ومنذ منتصف السبعينيات سلك طريقا وأستن سياسات (تناولها هذا المقال باختصار) أحدثت فوضى عامة في البلاد انتهت بسقوطه في 1985م.
+++
[email protected]
رابط المقالة الأولى: http://www.alrakoba.net/articles-act...w-id-54978.htm


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.