ماكرون يُهاتف حمدوك وآبي أحمد ويدعو لمُحادثات لإنهاء الأعمال العدائية في إقليم تيغراي الإثيوبي    الدفاع المدني : خروج المياه من النيل و الروافد للسهول الفيضية يبدأ غداً    ضبط شبكة إجرامية تنتحل صفة القوات النظامية    مصرع ثلاثة أشخاص غرقا بولاية الحزيرة    فتى المسرح الأول.. سعيد صالح مفجر ثورة "الخروج عن النص"    قائمة انتظار تصل ل10 أسابيع لكي تتذوق "أغلى بطاطس مقلية بالعالم"!    ضبط شبكة تعمل في توزيع العملات المزيفة بالنيل الأبيض    اجتماع وزاري يناقش حق المرأة في تملُّك الأرض بدول "إيقاد"    المشعل الحصاحيصا يتفوق علي سيبدو الضعين    حنين سامي وإسراء خوجلي تنهيان مشوارهما في أولمبياد طوكيو    30 طن انتاج السودان من الذهب خلال النصف الأول من العام الجاري    الغنوشي: الإمارات وراء انتزاع السلطة في البلاد    سهير عبد الرحيم تكتب: رحلة الولايات (عطبرة – بورتسودان)    الجزائر تقترح لقاء قادة ثلاثي لحسم لحل أزمة سد النهضة والسودان يقبل    أحمد يوسف التاي يكتب: هذه مشكلة الشرق ببساطة    ما هي البيانات التي يرسلها تطبيق واتساب إلى فيسبوك    وزير الطاقة يعلن انتهاء برمجة قطوعات التيار الكهربائي    مطالبات بإشراك المجموعات الثقافية في تأبين القدال    سودانية (24) والتسعة الطويلة    وزير الاستثمار يدشن الاجتماعات التحضيرية لملتقى رجال الأعمال السوداني السعودي    مصر تعزّي تركيا في ضحايا حرائق الغابات    تحديث .. سعر بيع وشراء الدولار و اسعار العملات مقابل الجنيه السوداني اليوم السبت 31 يوليو 2021 في السوق السوداء    ونالد ترامب: وزارة العدل الأمريكية تأمر بتسليم السجلات الضريبية للرئيس السابق إلى الكونغرس    "حاميها حراميها".. الشرطة تكتشف المذنب في مقرها الرئيسي    نتيجة صادمة.. خبراء ألمان يختبرون الساعات الذكية وأساور اللياقة البدنية    تظاهرت بالموت والدم يملأ فمها لتنجو.. زوجة رئيس هايتي تكشف تفاصيل ليلة اغتياله    وزير التجارة : استقرارٌ وشيكٌ لأسعار السلع    حصل على عقد كبير غارزيتو في الخرطوم اليوم    الكوادر الصحية بمستشفى كوستي تضرب عن العمل لأغرب سبب    «راديو البنات»… إذاعة نسوية متخصصة وصوت متفرد للسودانيات    الأسماء الحقيقية لبعض الفنانين.. بعيداً عن الألقاب    لجنة أمن شمال دارفور تكشف ملابسات الاعتداء المسلح على قسم شرطة الفاشر    جمعية عمومية ولقاء تفاكري بنادي المريخ اليوم    احباط تهريب ذهب زنة 7.544 كيلو بمحلية ابو حمد بولاية نهر النيل    شاكيرا مهددة بالسجن… بسبب 16مليون دولار    مذكرة أميركية تؤكد تغير الحرب على كوفيد وتحذر من دلتا    باب التقديم مفتوح.. "تويتر" يطلق مسابقة جائزتها 3500 دولار    الإفراط في تناول المسكنات يؤدي إلى الإصابة بالسرطان    شرطة ولاية نهر النيل تضبط (17) سبيكة ذهب تزن (935، 83) كيلو جرام بحوزة متهمان    السعودية.. السماح بدخول حاملي التأشيرات السياحية من الدول المسموح القدوم منها بشرط التحصين الكامل    النائب العام: اكتشاف مقابر يُرجّح أنّها لضحايا المخلوع    محاولات لعناصر موالية للنظام السابق لاجهاض العدالة وطمس الحقائق    الكورونا … تحديات العصر    دبابيس ود الشريف    زهير السراج يكتب سِيد البلد !    الاقتصاد السودانى: كيفية الخروج من المأزق الماثل…    السعودية تفتح ابوابها لحاملى التأشيرات السياحية    في أول إطلالة له على الزرقاء عادل حسن يتحول من عازف إلى مغنٍّ    الهلال يواصل إعداده لهلال الساحل    الهند تبحث فرص الاستثمار بشمال كردفان    أثبت حضوراً فاعلاً في الآونة الأخيرة محمود الجيلي.. شاعر جيل!!    وزير الزراعة يترأس وفد السودان بالقمة التمهيدية للغذاء العالمي    مبارك عبد الوهاب.. الشاعر المنسي في ذاكرة (قصب السكر)!!    طبيب يكشف المواد الغذائية المسببة لتكون حصى الكلى    نكات ونوادر    أنت بالروح.. لا بالجسد إنسان!    الفاتح جبرا يكتب: خطبة الجمعة    هل يجوز الدعاء لمن انتحر وهل يغفر الله له ؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



قصة حياة اليوزباشي عبد الله عدلان (3) كما رويت للمفتش البريطاني جورج ريتشارد بريدن


قصة حياة اليوزباشي عبد الله عدلان (3)
كما رويت للمفتش البريطاني جورج ريتشارد بريدن
The Life-story of Yuzbashi ‘ Abdullah Adlan
As told to G. R. F. Bredin
ترجمة وتلخيص: بدر الدين حامد الهاشمي
مقدمة: هذا هو الجزء الثالث والأخير لترجمة وتلخيص معظم ما ورد في مقال للإداري البريطاني جورج ريتشارد بريدن (1899 – 1983م) عن قصة حياة اليوزباشي عبد الله عدلان. وعمل السيد بريدن في السلك الإداري في مختلف مناطق السودان مثل كوستي (مديرية النيل الأبيض) والنهود وأبو زبد والأبيض (مديرية كردفان) والفاشر (مديرية دارفور) والجزيرة (مديرية النيل الأزرق) والخرطوم منذ عام 1921 وحتى تقاعده في عام 1948م. وتحتفظ مكتبة السودان بالجامعة البريطانية درام بمذكرات هذا الإداري عن سنوات عمله بالسودان ومكاتباته.
ونشرت القصة في مجلة "السودان في مذكرات ومدونات" Sudan Notes and Records في عددها الثاني والأربعين والصادر في عام 1961م.
المترجم
**** *********
نجح عثمان أزرق في الفرار مع مجموعة صغيرة من فرسانه، إلا أن بقية جيشه كانت قد قتلت أو أسرت. وتم تسليم الجرحى من الأسرى للمستشفى المرافق للجيش، بينما أرسل الباقون إلى سجن حلفا. وعند التاسعة من صبيحة اليوم التالي أرسلنا، وتحت قيادة هنتر باشا، لتعقب الفارين من تلك المعركة. وقضينا النهار كله وجزءً من الليل في تمشيط المنطقة إلى أن وصلنا عند منتصف الليل إلى صواردة فعلمنا أن حسن ود النجومي (شقيق الأمير عبد الرحمن النجومي) كان مختبئا بها، ولكنه عندما سمع بأننا في طريقنا إليه وضع سلاحه في مركب على النيل وعبر إلى الضفة الغربية من النيل. ودخلنا على معسكره المهجور في تلك القرية ووجدنا فيه الكثير من المؤن، غير أننا منعنا من أخذ أي شيء معنا سوى القليل مما نستطيع أكله. وعند منتصف النهار أتت بقية قواتنا فأقمنا لنا معسكرا يبعد قليلا عن معسكر الدراويش وصنعنا لأنفسنا عشش صغيرة من جريد النخل وبقينا بذلك المعسكر لمدة ثلاثة أشهر كاملة. وفي تلك الأثناء كان المهندسون في حلفا يبنون بواخر لتحمل المدافع، وسميت اثنان من تلك البواخر "الفاتح" و"ناصر". وظلت الكتيبة العاشرة مسئولة عن حراسة الأسرى، بينما كلف جنود الكتائب المصرية ببناء المعسكرات وخط السكة حديد.
وأرتفع منسوب النيل في سبتمبر فأقبلت علينا الباخرة "الفاتح" وعليها عدد من الجنود البريطانيين. وتقدم جنود كتيبتنا برا، وعلى جانبهم في عرض النيل كان الجنود البريطانيون على ظهر الباخرة إلى أن وصلنا "الفريق" (فريق آخر هذه المرة). واستكشف جنود "الفاتح" المنطقة ولكنهم لم يلحظوا أي أثر لجنود العدو، فتقدمنا إلى "أبو فاطمة". وتقدمت الباخرة "الفاتح" نحو "كرمة" فرأى من عليها من الجنود تجمعا للدراويش على الضفة الغربية للنيل تحت قيادة الأمير ود بشارة. لذا صدرت إلينا الأوامر بالتقدم لكرمة. وأطلق جنود الدراويش الرصاص من بعيد على الباخرة، فقام جنودها برد النيران، وقمنا نحن في ذات الوقت بالهجوم عليهم من البر، وأطلقنا عليهم القذائف من الجهة الأخرى. وعلى إثر ذلك تراجع جنود العدو، ثم هجروا معسكرهم. وكان ذلك عند الساعة الثالثة عصرا بالتقريب. وقام جنودنا بعد ذلك بالعبور إلى الضفة الغربية للنيل، وهنالك أقاموا لهم زريبة. وجابت البواخر في اليوم التالي مزيدا من قوات الفرسان والهجانة لدعم قواتنا، ثم عادت لتجلب جنود الكتيبة العاشرة. وتقدمت كل تلك القوات نحو دنقلا، والتي وصلتها في ستة أو سبعة أيام. وفي طريقنا إلى هنالك عثرنا على حصان الأمير ود بشارة ميتا. وعند وصولنا إلى دنقلا تبين لنا أن أميرها يونس ود الدكيم كان قد انسحب من المدينة مع جيشه. ونزل أفراد الفرقة البريطانية من بواخرهم وتقدموا برا حتى دنقلا العجوز. ومن هنالك عادوا بذات البواخر إلى حلفا. وكانوا قد حضروا أصلا لدنقلا تحسبا لاحتمال حدوث معارك أو مقاومة في دنقلا. وعاد لحلفا كذلك كتشنر باشا وهنتر باشا، بينما بقي ماكدونالد باشا في قيادتنا. وواصلنا تقدمنا حتى "الخندق". وتقدمنا نحو "الدبة" حيث كان يعسكر قائد جيش المهدية الأمير عثمان أزرق. غير أن الأمير سارع بالانسحاب قبل الوصول إليه ولم نقبض إلا على عدد يسير من أفراد عائلته.
وكان منسوب النيل في تلك المنطقة منخفضا لا يسمح بمسير البواخر الكبيرة، لذا تم استخدام باخرتين أصغر حجما لنقل المعدات والمؤون لكتائبنا وللعاملين في بناء خط السكة حديد، والذي كان في تلك الأيام قد وصل لكرمة. وكنا حينها مع الكتيبة 13 في الدبة، وكانت الكتيبة 11 في كورتي و الكتيبة التاسعة في مروي، والكتيبة العاشرة في دنقلا. وبقينا كلنا في انتظار فيضان النيل في 1897م.
وكان السردار قد سمع من عبد الله ود سعد بالمتمة بأنه يعتزم الانضمام للحملة، وأنه يطلب العون. فأرسل له السردار طابورا محمولا ولكن قبل وصول ذلك الطابور للمتمة جاءت الأخبار بأن الأمير محمود ود أحمد قد هاجم المتمة وقضى على سكانها.
وأمرت كتيبتي بالسير إلى كرمة، ومنها بالقطار إلى حلفا، ومنها سرنا على الخط الحديدي الذي أقيم عبر الصحراء إلى ما يعرف الآن بمحطة رقم 3. وكانت تلك المحطة هي آخر نقطة للسكة حديد في ذلك الوقت. ومن تلك المحطة سرنا على الأقدام حتى "أبو حمد"، وكانت قوافل من الإبل تواصل مدنا بالمياه ونحن في تلك المسيرة الطويلة القاسية. وفي "أبو حمد" وجدنا أن الكتيبة العاشرة كانت قد اشتبكت مع الدراويش واستولت على حاميتهم. ثم مضينا في مسيرتنا البطيئة المضنية على الأقدام إلى بربر والتي وصلناها بعد ثلاثة عشر يوما. وفي بربر وجدنا أن الزاكي كرار أمير المهدية فيها كان قد أنسحب منها بعد أن علم من شخص اسمه عبد العظيم بيه بقرب وصولنا لبربر بقوات كبيرة. كان ذلك في ديسمبر 1897م.
وكنا ونحن في مسيرتنا من حلفا إلى بربر نلقى كل مظاهر الترحاب عند الدناقلة والشايقية. وكان هؤلاء في حالة بائسة من الفقر، ولا يكاد المرء منهم يجد ما يلبسه، ولكنهم كانوا يقفون في الطريق وهم يحيون جنودنا بحماس شديد. وبعد شهور من ذلك وصل خط السكة حديد إلى بربر بعد مجهود كبير من المهندسين، ثم أمتد بعد ذلك إلى الدكة بالقرب من أتبرا. وفي فبراير ومارس من عام 1898م كانت كل قواتنا قد وصلت إلى بربر، ومنها تقدمت إلى سلمة وأم عدار وأخيرا أم جبيهة (أم دبيهة؟) والتي أقمنا فيها زريبة كبيرة. وكانت قواتنا تتكون من ثلاث أو أربع كتائب بريطانية تحت قيادة أميرإلاي (عميد)، والكتائب السودانية رقم 9 و10 و11 والتي كانت تحت إمرة ماكدونالد، والكتيبة 12 و13 و14 والتي كانت تحت إمرة ماكسويل، والكتائب المصرية الأولى والثانية والثالثة، وكانت تحت قيادة لويس، والكتائب المصرية الرابعة والخامسة والسادسة بقيادة ويلكينسون (والذي قتله أسد فيما بعد في كسلا). وكانت مهمة النقل والمهمات موكولة لبريطاني اسمه هيكمان.
وفي 8/ 4/ 1898م غادرنا المعسكر في أم جبيهة (أم دبيهة؟) في الخامسة مساءً وطلب منا الاصطفاف في مربع واسع، فوقف الجنود السودانيون والمصريون في جهة، والجنود البريطانيون في الجهة المقابلة، والجنود الآخرين والمهمات والمستلزمات في جهة ثالثة، ونصبت منصة عالية في الجهة الرابعة وقف عليها السردار وألقى علينا خطبة قصيرة لتشجيعنا وزيادة حماستنا، وسأل الله التوفيق في معركتنا المقبلة ضد الأمير محمود ود أحمد. أشعلت الخطبة حماستنا وامتلأت قلوبنا بالرغبة في لقاء العدو. وبصوت واحد صحنا جميعا صيحات الحرب، ورفعنا ببنادقنا إلى السماء. شعرنا حينها بأننا لا ولن نهزم. وبعد ساعة (أي في الساعة السادسة) أمرنا أن نبدأ التحرك في صمت ودون إشعال أي ضوء. وتحركنا في تشكيلة مربعات وكنا نسير متلاصقين كتفا بكتف، وكان الجو حارا جدا. وبعد خمس ساعات متواصلة من السير توقفنا لتناول بعض الطعام، ثم واصلنا السير بعد ذلك لأربعة ساعات متواصلة. ومع بزوغ فجر اليوم التالي لاحت لنا من بعيد زريبة محمود ود أحمد. ولم نلاحظ أي حركة في معسكرهم، إذ بدا لنا أنهم يغطون في النوم. وتم تقسيمنا لسرايا، فذهبت السرية التي كنت فيها إلى جهة اليمين، ومضت سرايا ماكدونالد وبقية سرايا البريطانيين للجهة المقابلة. وترك المصريون في الخلف جنودا احتياطيين، ومعهم من كانوا يتولون أمر المهمات والمستلزمات. وفي تمام الساعة صباحا أمرنا السردار ببدء الهجوم فدوت المدافع (وكان بجانب كل كتيبة ثلاثة مدافع) وأنهمر الرصاص، وكان بعضه من النوع الحارق. وبعد ساعة من الضرب المتواصل اشتعلت زريبة الأمير محمود ود أحمد وجنوده بالنيران. وظل جنود الأمير محمود رابضين في خنادقهم، والتي امتدت لنحو اثني عشر خطا خلف الزريبة. وعندما سكتت مدافعنا ظهر الدراويش من خنادقهم وفتحوا نيران بنادقهم علينا. غير أن خسائرنا من كل ذلك كان قليلا. وقمنا بعد ذلك بتثبيت الحراب على طول خطوطنا. وبدأت الفرق العسكرية الموسيقية في عزف مارشاتها (الحانها العسكرية) وتقدم الضباط أمام جنودهم وبدأنا في إطلاق الرصاص ونحن نقتحم الزريبة مستخدمين سلالم حديدية مغطاة بقماش كتان سميك. ونجحنا في الدخول إلى تلك الزريبة رغم أشواك أغصانها اليابسة الكثيفة، وزخات رصاص جنود الدراويش المتساقطة علينا. وسقط بعض رجالنا فتولى أمرهم الأطباء الذين كانوا في الخلف. وأتى الجنود الاحتياطيون ليحتلوا الأماكن التي شغرت بتقدم جنود المقدمة إلى داخل زريبة العدو. وفر كثير من الدراويش نحو النيل وحاول بعضهم عبوره. وانهمرت عليهم رصاصات جنودنا وهم يفرون فسقط بعضهم. وقتل في تلك المعركة الكثير من الأمراء، غير أن عثمان أزرق (والذي كان مواجها للسرية البريطانية) أفلح في الفرار فتعقبه بعض رجال الهجانة والفرسان. ثم أمرنا بتفتيش الزريبة جدا وكل تحصينات وخنادق العدو. وبينما كنا نفعل ذلك وجدت سريتنا الأمير محمود، إذ ظهرت امرأة من أحد التحصينات وقالت لنا أن محمود لا يزال حيا وأشارت لنا على مكانه. فتقدنا نحو ذلك المكان غير أن حراسه أطلقوا النار علينا فسقط عدد من رجالنا. ورددنا على إطلاق النار، وصاح قائدنا في محمود يأمره بالاستسلام أو مواجهة إطلاق النار. فصاح من داخل خندقه "أمان" ورددها ثلاثا، ثم خرج في صحبة امرأة وعبد. كان شابا صغير فاتح اللون يخلو وجهه من الشعر، وكان يرتدي جبة الدراويش القصيرة وسروال وينتعل حذاءً، ولم يكن يحمل سلاحا في يده. وأرسل نبأ القبض على الأمير محمود للسردار والذي كان قد نصب له خيمة تحت شجرة بعيدة. وأحطنا بأسيرنا وقدناه للسردار، والذي كان جالسا خارج خيمته مرتديا قميصا وبنطالا خيشيا قصيرا ، ويضع في حزامه مسدسا وسكينا. وكان منظره بشاربه الأسود الكث مخيفا جدا. ووقفنا على بعد نحو خمسين ياردة من خيمته إلى أن أقبل علينا. وأسرينا إلى الأمير بأن يصمد، وقد فعل. ثم أقبل السردار كتشنر وهز يد الأمير مصافحا ، وأخذه من ذراعه وأخذ يتحدث إليه لبعض الوقت.
وصدر الأمر للجنود الذين ألقوا القبض على الأمير محمود لنقله إلى بربر، وأن يظل بقية الجنود حيث هم للقيام بعمليات دفن الموتى وعلاج الجرحى. وعند الساعة الثانية والنصف ظهرا كان القتال قد توقف تماما. وبعد ساعة استراحة بدأنا في مسيرة على الأقدام نحو بربر مرة أخرى ومعنا أسيرنا الأمير محمود. وجاءت ورائنا أرتال من الجرحى. وسرنا حتى العشرة مساء فتقرر أن نتوقف ونقضي الليل حيث نحن. ولم يكن لدينا بطاطين فالتحفنا بالسماء. وفي الثانية صباحا بدأنا التحرك من جديد، ودخلنا بربر عند العاشرة صباحا. وفي المدينة وجدنا أن خبر هزيمة وأسر الأمير محمود (والذي كان يتفاخر من قبل بأنه سيغزو مصر) كان قد سبقنا في الوصول. وصدرت الأوامر بإقامة استعراض لجنود جيشنا المنتصر في شوارع بربر يشهده كافة سكان المدينة. وبالفعل أقمنا الاستعراض وسار رجال الكتيبة العاشرة في مقدمة الاستعراض وسار الأمير الأسير على قدميه مع الكتيبة 11 وهو محاط بعدد من الحراب المثبتة حماية له من غضب ذلك الحشد من سكان بربر. وسرنا في شوارع المدينة وكان الأمير يضع يده على فمه والدموع تسيل على خديه. وفي اليوم التالي وضع في قطار متجه إلى حلفا ومنها إلى القاهرة.
وبعد يومين عادت بقية القوات من أرض المعركة. وبقينا في بربر وما حولها من القرى لمدة ثلاثة أشهر. وكان خط السكة حديد حينها قد وصل إلى الداخلة بالقرب من أتبرا، حيث يقف الآن جسر نهر أتبرا.
وفي يوليو بدأنا التحرك من جديد. ونقلت كل القوات إلى الضفة الغربية من النيل إلى ود حبيش. وهنالك حاولت فرقة صغيرة من فرسان الدراويش مهاجمة معسكرنا ، وأوكلت لي مهمة إبعادهم ومطاردتهم. فمضيت مع مفرزة صغيرة وأمرت بعض رجالي بالاختباء بين الأشجار لمراقبة الموقف. وسرعان ما لاحظ أحدهم أن الدراويش قد استعدوا لمعاودة الهجوم على المعسكر فأمرت مفرزتي بالتقدم نحوهم. ويبدو أن أحدا من رجال الدراويش شاهد قواتي وهي تتقدم فأسرع بإبلاغ زملائه فاستعدوا لنا. وقمت أنا ومن معي من الرجال بالإحاطة بهم. وتقدموا علينا وهم على ظهور جمالهم. وانتظرت حتى صاروا على مقربة منا. حينها أمرت جنودي بإطلاق النار عليهم ، فسقطوا جميعا عدا تسعة منهم نجوا، ونجحنا في القبض على أربعة منهم. ولم يجرح في تلك المواجهة غير واحد فقط من رجالي. وبقينا مع أسرانا في انتظار ماكسويل بيه، والذي قدم للتحقيق مع الأسرى. وأمرت بجمع كل ما خلفه القتلى من بهائم وممتلكات، وسمح لنا فقط بأخذ أسلحة القتلى ومسابِحهم، على أن لا نغنم شيئا من ملابسهم. وعند وصولي لمعسكرنا سلمت لهم كل شيء. وقام ماكسويل بيه بكتابة تقرير مفصل عن ما قمنا به، وحاز ذلك على إعجاب السردار فأمر لنا بمكافأة قدرها 120 جنيها. وقمت بالاحتفاظ بثلثها وقمست الباقي على جنود مفرزتي. وتمت كذلك ترقية شاويش المفرزة إلى رتبة الأمباشي.
وبعد التحقيق مع الأسرى تبين لقادتنا أن قوة كبيرة من الدراويش تعسكر بالقرب من شلال السبلوقة، فأصدروا الأوامر بالتحرك إلى "ود حامد" بالقرب من ذلك الشلال. وكان منسوب النيل قد أرتفع مما جعل من الممكن لإحدى البواخر أن تحمل مدفعا وتبحر عبر النيل لمهاجمة مواقع الدراويش، غير أنهم لاحظوها وسارعوا بالانسحاب. وقمنا بقطع ما يكفي من الأخشاب لاستخدامه وقودا لبواخرنا، وقمنا بجولات في المناطق حول شلال السبلوقة، بينما كانت البواخر الحاملة للمدافع تجوب المنطقة، وأطلقت بعض القذائف على أمدرمان، ثم عادت.
وبعد ذلك تقدم جيشنا على الشاطئ الغربي للنيل، وفي الأول من سبتمبر 1898م وصلنا لمكان اسمه "أرض الشفا؟ Ard Ash Shifa" بالقرب من كرري وأقمنا لنا معسكرا هنالك كان مكونا من زريبة (على شكل دائرة غير مكتملة) وكانت ظهورنا في اتجاه النيل، وعلى يميننا فرقة ماكدونالد، وفرقة ماكسويل في الوسط، والفرقة البريطانية على اليسار. وعلى يسار الزريبة كان هنالك فيلق الهجانة بالقرب من تلال كرري. وكانت فرقة لويس هي الاحتياطي. وظللنا نقيم الزريبة حتى منتصف اليوم وحفرنا داخلها بعض الخنادق الضحلة. وفي الليل تحرك الدراويش من أمدرمان وعسكروا عند "جبل سرقام". ووجهت بواخرنا كشافتنا عليهم وراقبتهم وهم يتجمعون إلى نحو الساعة الرابعة صباحا. ومنذ الثانية صباحا كنا قد أكملنا تحميل مهماتنا ومستلزماتنا كلها على ظهور الإبل والخيل، وعند الرابعة والنصف صباحا أمرنا ببدء التحرك من الزريبة، غير أنه وقبل تنفيذ الأوامر رأينا جنود العدو يتقدمون إلينا، وسمعنا صوت الأمباية. وعند الساعة السادسة بدأت المعركة. وقمنا بإطلاق القذائف ردا على هجومهم علينا. وفتحت المدافع والبنادق الآلية نيرانها على جموعهم المتقدمة بالمئات. وسقط الأمير يعقوب بالقرب من زريبتنا، فخرجنا لجلب رايته السوداء. وعند الحادية عشر توقف هجوم العدو فخرجنا من الزريبة وتقدمنا نحوهم، ولم نجد أي مقاومة حقيقية. ووصلنا شمبات في نحو الثانية ظهرا. ثم تقدمنا لأمدرمان مع الفرقة البريطانية المحاذية لشاطئ النيل، والكتيبة المصرية خلفنا. وعند الرابعة عصرا ولج جيشنا أبواب المدينة، حيث يوجد الآن المستشفى المدني. ودخلت الفرقة البريطانية بمحاذاة شاطئ النيل وقرب تحصينات الدراويش. ودخلت فرقتنا عبر بوابة المسجد وأحطنا بمنزل الخليفة. وخرج إلينا رجلان طويلان من رجال الدراويش، وهما من الفونج من منطقة قرب سنجة، وأخبرونا بأن الخليفة كان قد غادر أمدرمان هو وعائلته. ودخل كتشنر ورفاقه إلى بيت الخليفة ولم يجدوا أحدا.
وطلب قادتنا من جنودهم القيام باحتلال أحياء أمدرمان المختلفة، وسمحوا لهم باستباحتها لمدة ثلاثة أيام. وبعدها عاد الهدوء إلى المدينة، وأرسل رتل من الجنود لتعقب الخليفة. وبقينا نحن في أمدرمان بينما عادت الفرقة البريطانية (والتي كانت تعسكر في خرائب الخرطوم) لموطنها.
وفي أكتوبر من ذلك العام أتتنا الأنباء بأن الأمير أحمد الفضل، والذي كان في القضارف، يحاول أن ينضم للخليفة عبد الله. وسمع كتشنر بأن الأمير قد وصل إلى منطقة "أبو حراز" على النيل الأزرق قرب مدني، فأمر ماكسويل باشا بإرسال قوة للتعامل معه، وكانت تلك القوة هي الكتيبة 12، والتي كنت لا أزال أعمل بها. وتحركنا بالباخرة "الفاتح" من شمبات صوب "أبو حراز"، وكان يرافقنا على البر بمحاذاة الشاطئ فيلق هجانة. وبمجرد وصولنا لمقصدنا بدأنا في البحث عن الأمير أحمد الفضل، ولكننا علمنا أنه كان قد غادر البلدة في اتجاه القضارف. فتعقبناه إلى هنالك في مسيرة استغرقت اثني عشر يوما. وفي القضارف وجدنا أن الكتيبة المصرية 16 كانت قد وصلت قبلنا قادمة من كسلا. وتركنا الكتيبة المصرية في القضارف وتحركنا مجددا للبحث عن الأمير أحمد الفضل، ونجحنا في الوصول لمكانه بعد يومين من البحث والتحري. وحاول من معه أن يطلقوا النار علينا غير أننا صددناهم. وأنسحب الأمير وجنوده إلى منطقة أصار Assar ثم إلى منطقة دوكا Doka وأخيرا لجبل بيلا Jebel Beila. وهنالك تشتت قواته وهرب جنوده وعبروا نهر الدندر. ولحقنا بهم وأسرنا منهم نحو ألفين، كان من ضمنهم أمير اسمه أبو بكر وسلطان يدعى ود بانقا. وتولت الكتيبة العاشرة عملية ملاحقة من أفلت من الأسر. غير أن الأمير أحمد الفضل أفلح في الهرب مرة أخرى والالتحاق بالخليفة في قدير بعد أن عبر نهري الرهد والنيل الأزرق، ولم يكن في رفقته حينها غير ستين من الجنود من أصل نحو 1200 رجلا. وعدنا من الدندر إلى القضارف حيث قضينا بها بعض الوقت، إذ أن الكتيبة المصرية كانت قد غادرت تلك المدينة.
شيدنا لنا في صوفي Sufi قلعة، وبعثنا بأسرانا إلى أمدرمان ليتم تجنيدهم في الجيش. وأرسل هيكمان بيه كحاكم لدنقلا، ونقلت أنا مع أوكونيل بيه (والذي عمل فيما بعد حاكما لكردفان) إلى القلابات وأخذنا معنا ابن الشيخ صالح شارقة Sharga والذي قتله جيش المهدي، وعيناه مسئولا عن المنطقة، ورفعنا علمين على الجبهة الحبشية. وبقينا هنالك لشهر كامل حتى بعثت الحكومة بمأمور ليتولى إدارة شئون المنطقة. وعند عودتنا للقضارف زارنا كتشنر باشا ومنحنا ميداليات مكافأة على عملنا في القلابات. وعدنا بعد ذلك لأم درمان.
وعند نهايات عام 1899م غادرنا أمدرمان بالباخرة إلى كاكا. وعند وصولنا إليها وجدنا في انتظارنا رسالة كان قد بعث بها وينجت باشا وحملها باشاويش من فيلق الهجانة تفيد بأن الخليفة ومن معه قد غادروا قدير واتجهوا غربا، ولا يستبعد أن يعودوا لأمدرمان. فرجعنا مرة أخرى لأمدرمان وأقمنا في ثكنة للجيش ببيت الخليفة. وأرسل وينجت باشا لنا كتيبتين إضافيتين. وفي نهاية المطاف قتل الخليفة في قديد ؟ Gedid .
وبعد ذلك بسنوات نقلت مع الكتيبة 12 إلى دنقلا، وبعدها بعام أو عامين نقلنا إلى الأبيض والتي نقل إليها في تلك الأيام ديكنسون بيه حاكما على مدني. وبعد قضاء خمس أعوام في الأبيض نقلت إلى بحر الغزال.
******** **********
وهنا تنتهي مذكرات اليوزباشي عبد الله عدلان، والتي أخذتنا إلى نهاية عام 1905م. وبعد أن قضى الرجل فترات مختلفة في كل من واو ويامبيو والتوفيقية وأمدرمان ومنقلا تقاعد عن العمل الرسمي في الجيش في الأول من يناير 1915م. وفي سبتمبر من عام 1920م عين مسئولا عن "الرديف" في الأبيض، وتقاعد نهائيا في العشرين من سبتمبر عام 1931م، بعد أن خدم في الجيش منذ عام 1863م (أي أنه قضى في الجيش ما لا يقل عن 68 عاما). وظل الرجل بعد تقاعده يشارك بنشاط في الشأن العام، وفي كثير من الأعمال التطوعية بالأبيض حتى رحل عن هذه الدنيا وهو محل تقدير واحترام كل من كانوا حوله.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.