الفنانة شيماء سيف: من ساعة ما حجيت ونفسي اتنقب واختفي    علاجك من أحلامك.. دراسة تتوصل لإمكانية استخدام أحلام الشخص فى العلاج النفسى    7 أطعمة للإفطار لا ترفع مستوى السكر في الدم    الرابطة والتوفيقية يتعادلان في مباراة الأحداث المثيرة    الموسياب يبدع ويقسو على الأمل بثلاثية نظيفة    وزير التعليم العالي السوداني: العودة إلى الدراسة خطوة استراتيجية    الهلال ينفرد بصدارة الدوري الرواندي    ضياء الدين بلال يكتب: قوش وآخرون... جرد حساب!    رويترز تنشر تقريراً استقصائياً حول إنشاء معسكرات لمليشيا الدعم السريع باثيوبيا    عاطف حسن يكتب: بنك الخرطوم.. اعتذارك ماااااا بفيدك .. !!    سودانير تعلن استئناف رحلاتها من مطار الخرطوم    شاهد بالصور.. زواج شاب سوداني من فتاة "صينية" مسلمة ومطربة الحفل تكتب: (جمعتهما لغة الحب والدين الاسلامي الحنيف لمدة 14 عام)    مناوي: حرق معسكرات النزوح مخطط قاسي لإرغام النازحين على العودة قسراً إلى مدينة الفاشر التي فروا منها طلبا للأمان    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    شاهد.. مقطع فيديو نادر للحرس الشخصي لقائد الدعم السريع وزوج الحسناء أمول المنير يظهر فيه وهو يتجول بحذر قبل ساعات من اغتياله    شاهد بالفيديو.. جمهور ولاعبو أم مغد الكاملين يحملون مدرب الفريق على الأعناق احتفالاً بالتأهل لدوري النخبة: (جندي معانا ما همانا)    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    اللواء الركن (م) أسامة محمد أحمد عبد السلام يكتب: البغلة في إبريق (شيخ اللمين)    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    دعوى ضد ميتا ويوتيوب بشأن إدمان الأطفال للتطبيقات    آبل تستعد لأكبر تغيير فى تصميم آيفون منذ سنوات مع iPhone 18 Pro    أسباب ارتعاش العين وطرق العلاج    رئيس شركة نتفليكس يكشف عن تدخل ترامب فى الصفقة الجديدة.. اعرف التفاصيل    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الذاكرة و السياسة علاقة مليئة بالجدل

كتب إريك أرثر بلير المعروف في عالم الكتابة ب " جورج أورويل" في حدي كتبه عبارة بليغة يقول فيها ( هناك حالة من حالات الانهيار النفسي، إن نؤمن بالحرية، و نناضل من أجلها، و بين أن تعمل وفق الواقع المفروض بكل زيفه و عصبيته، و عدم المبدئية فيه فتسقط الشعارات، كما تسقط أوراق الأشجار الذابلة) و أوراق السياسة تحتاج لعملية تصحيح متواصلة، و تنقيحها من عمليات الزيف، و الشعارات التي فقدت مضامينها الأخلاقية، و الذاكرة في استرجاعها لتاريخ السياسة المعاصر، لا تخلو من هذا الزيف، وتناقضات الخطابات السياسة، حيث إن النخبة السياسية السودانية ألغت ذاكرتها، حتى لا تعرض ذاتها لحسابات هي لا تلجأ إليها و لا تحترمها، و تتعامل مع السياسة بجدل اليوم، دون أية قواعد أو مبادئ تحكمها، اليوم يساري متعصب، و غدا متطرف يميني، اليوم يشارك و يدافع عن النظام الديكتاتوري، و غدا عندما يفقد سطوته يصبح من رافعي شعارات الديمقراطية، يدور مع الشعارات وفقا لمصالحه، فمن الذي يعاتب أو يحاسب، مادام الذاكرة خربة، و الكل يحمل ممحاته، يستخدمها لمقتضيات المصلحة، فلتسقط المبادئ و يزول حتى حب الوطن. هذا ما قاله المتصوف محي الدين بن عربي من قبل ( كل حب تعلق بسبب يزول بزوال السبب) فالسياسيين السودانيين، يعرفون كيف يستطيعون التسلق علي القمم، و لديهم مهارات و قدرات كبيرة تساعدهم لتحقيق ذلك، و لكن يفتقدون لمهارات تساعدهم علي صناعة وطن، لأنه لا يوجد في ذاكرتهم، فبمقاييسهم يعتقدون قد نجحوا في تحقيق إرضاء الذات، و لكن بمقاييس الوطن و بناء الدول يعدوا من الفاشلين، و من هنا يبدأ الصراع حول القيم و الأهداف. و هذا يذكرنا بقول صمويل هانتنتون في كتابه النظام السياسي لمجتمعات متغيرة ( يفتقد المجتمع ذو المؤسسات السياسية الضعيفة، القدرة علي كبح الإفراط في الرغبات الشخصية، و الأنانية الضيقة) و يضيف في فقرة أخري قائلا ( فالسياسي الذي يحاول مضاعفة السلطة، أو غيرها من القيم علي المدى القريب، غالبا ما يضعف مؤسسته علي المدى الطويل) فالمؤسسة في القاموس الديمقراطي تعني تطبيق اللوائح و القانون، و المؤسسة تعني أيضا توزيع السلطات، إلي جانب أخر ذو أهمية إن الكل يجب أن خاضع للمحاسبة، و الذين لا يرغبون في المحاسبة، و توزيع السلطات هم الذين يعملون من أجل مصالحهم الخاصة، و يعيقون أي عمل مؤسسي، أو العمل من أجل تركيز السلطات.
ستة شهور قضيتها في الخرطوم، متجولا بين جلسات بعض نخب السياسيين، سامعا لحواراتهم و تطلعاتهم و تحليلاتهم، إلي جانب عالم أخر، من المثقفين الذين يستخدمون أدوات تختلف عن أدوات السياسي، و مجموعات و تنظيمات جديدة و قديمة، و صحفيين و إعلاميين، و غيرهم من أهل الرأي، كل هذا الحراك فيه الثمين المفيد الذي يمكث في الأرض، و فيه الغث و الزبد الذي يذهب جفاء، كنت في كل تلك اللقاءات أبحث عن إجابة لسؤال هل هناك مشروعا سياسيا وطنيا يفرض نفسه علي النخب السياسية و يجد مساحة في تفكير الأجيال الجديدة؟ و الإجابة تبدأ بجدل سياسي أقرب للجدل البيزنطي، لا يقدم إجابة بقدر ما يطرح أسئلة لا يرجون لها إجابة، تبين إن الذين يطرحونها يفتقدون المعرفة لأبسط مقومات المنهج، و هناك الذين يميلون أن ينتقدوا تصرفات الآخرين، و في ذات الوقت، لا يقبلون أية نقد يوجه إليهم، فقد نصبوا أنفسهم قضاء، يحاكمون أفعال الغير، و ينصبون للبعض المشانق، إذا لم تكن حقيقة في الواقع، و لكنها تدور في مخيلتهم، هؤلاء كرسوا أنفسهم لمراقبة الغير، و إصدار الأحكام التي لا تقبل المراجعة أو الاستئناف، هؤلاء تقابلهم في كل المجالس يتصدرونها، و يضيق صدرهم في سماع الرأي الأخر، رغم شعارات الحرية و الديمقراطية التي يرفعونها، هؤلاء يملكون ذاكرة تدون أخطأ الناس، و لا تقبل الفعل الإيجابي، و في الجانب الأخر من المشهد، تجد هناك طلائع جديدة، تملك رؤى جديدة، و عقول خلاقة لا تقف في الجانب النظري، إنما استطاعوا أن يذهبوا مساحات طويلة في خلق الوعي عند الآخرين، استطاعوا أن يؤسسوا مجموعات و تنظيمات، جديدة في تصوراتها و في أفعالها، مثلا جماعة القراءة و تبادل الكتب، هؤلاء الشباب و الذين يقفون معهم، استطاعوا أن يحركوا عقول الشباب من خلال نشاط للقراءة و تبادل الكتب و الحوار حولها، و طرح أسئلة جديدة علي الواقع، و البحث عن إجابات من خلال تفكير جماعي، هؤلاء يحاولون أن ينشطوا الذاكرة، و يضعون فيها ما هو مفيد، هذا النوع من التفكير، هو الذي يساعد علي وضع البنات الأولي للمشروع الوطني، و يعد ضربا من ضروب الإبداع في الفكر السوداني، و التفحص في خلفياتهم السياسية أغلبيتهم جاءوا من خلفيات يسارية و أيضا يمينية، لكنهم هجروا تنظيماتهم، عندما ضاقت بأفكارهم و مقترحاتهم، فخرجوا للمجتمع يؤسسون جمعياتهم و تنظيماتهم، و قد وجدت قبولا لا بأس به، و سوف تتوسع و يتوسع دائرة الوعي معها، و التنظيمات متعددة و متنوعة النشاطات، مثل جماعة التعليم التي تبحث عن مناهج التعليم و سلبياته و إيجابياته، إلي جانب مراكز و جمعيات ثقافية جميعها تعمل بهدف التوعية و التثقيف، رغم ما يجدونه من مضايقات من قبل مؤسسات السلطة، و لكنهم قادرين علي الفعل الإيجابي في المجتمع فهؤلاء يجب علين أن نرفع قبعاتنا اليهم.
و هناك أيضا مجموعات خرجت من عباءة النظام، عندما ضاقت مساحات الحرية داخل مؤسسات الحزب الحاكم، يحملون مشروعات نقدية، و يديرون حوارات مفتوحة في عدد من الأماكن، استطعت أن أجلس مع بعضهم، و قد طرحت بعض الأسئلة حول رؤاهم لقضايا التحول الديمقراطية، و قضية الحرية، و التبادل السلمي للسلطة، و الدولة الدينية، و قضية الهوية، و غيرها من الأسئلة المطروحة في الساحة السياسية، فكانت جلسات مع الأستاذ فتح العليم عبد الحي رئيس مجموعة سائحون، و الدكتور محمد المجذوب محمد صالح، و المحبوب عبد السلام و غسان عثمان، و الدكتور غازي صلاح الدين رئيس حزب الإصلاح الآن، و هؤلاء جميعهم ينتمون لمرجعية واحدة، و لديهم اجتهاد مقدر في ضروب الفكر، سوف أتعرض لها في مقالات أخري، لأنها جديرة بالدراسة.
و في ساحة سياسية أخري، هناك مؤسسة تضم عددا من الإسلاميين و القوميين و الديمقراطيين، هي الحركة الوطنية للتغيير، هؤلاء قد توسعت قاعدتهم و جذبت نحوها العديد من النخب المثقفة، باعتبار إنهم من صفوة المجتمع، يبحثون عن المشتركات بين التيارات السياسية المختلفة، و يقدمون مشروعا سياسيا يهدف لعملية تحول ديمقراطي السلمي في المجتمع، و يؤسس لحوار نخبوي يمثل ضمير الأمة، بمثابة برلمان شعبي ينشر الوعي بين الفئة القادرة علي التنوير و التغيير، لديهم اجتماع أسبوعي، يتناولون فيه القضايا المطروحة في الساحة بالتحليل، و يعقدون حوارات مفتوحة، كان من أهمها حوار مفتوح مع الأجيال الجديدة في منبر " طيبة للإعلام" و من إيجابيات الجبهة إنها تضم مدارس فكرية مختلفة، فسألت الأستاذ عبد العزيز الصاوي بعد أحد الاجتماعات، عن سبب انتمائه لهذه المجموعة، قال إن واحدة من أهم عتبات البناء الوطني، أن يكون هناك حوارا مفتوحا بين نخبه ذات الانتماءات السياسية المختلفة، و هؤلاء مجموعة تجعل من العقل وسيلة للتغيير. و الحوار الدائر في هذه المجموعة لا يخرج عن دائرة المشكل المطروح في بيان التأسيس، و الذي يقول في أحد فقراته ( إن التحول نحو نظام ديمقراطي مستقر، لا يتم دفعة واحدة و لمجرد حسن النوايا، إنما يمر عبر ثلاثة مراحل أساسية من الفعل السياسي الدؤوب تتمثل في عملية انفتاح و اختراق و إعادة تركيز للقوي) و يشرح الانفتاح، إنه أن تخرج المجموعات السياسية الفاعلة في المجتمع، من حالة الانغلاق الأيديولوجي، و الولاء الحزبي و الإثني الضيق، لتنفتح علي الفكر الجديد. و الاختراق يقصد به، أن تحاول المجموعات النقدية المعارضة في هذا المعسكر، و المجموعات النقدية المعارضة في المعسكر الأخر، أن تستكشف طرقا للتقارب و التلاقي، لكي تبلور رؤية مشتركة للإصلاح السياسي و البناء الوطني، خارج المسلمات القديمة، و الأطر القائمة. و إعادة التركيز، تعني العمل علي عزل و تحييد القوي المتصلبة فكرا و المتطرفة سلوكا، و تجميع و تكتيل قوي الانفتاح و الاعتدال، ثم التوافق علي نظم و مؤسسات، يمكن أن ترتكز عليها تجربة التحول نحو الديمقراطية الجديدة.هذه القضايا الثلاثة تمثل المحور الجوهري للجماعة، و هي التي أدت لجذب بعض النخب في المعسكر الأخر، لكي تكون جزءا من الحوار، و هو حوار ليس قاصرا علي الصفوة إنما يفتح نفاجات مع الأجيال الجديدة، و إشراكها في الحوار حول مستقبل السودان، و هي عملية لا تغلق الذاكرة، أنما تنعشها من خلال استدعاء جميع التجارب السياسية التي مرت بعد الاستقلال، و دراستها و تمحيصها و تحليلها لمعرفة أسباب العجز و الفشل، التي حالت دون تقدم السودان و تطوره، إلي جانب الأسباب التي بعثت الجهوية و الإثنية بصورة أوسع مما كانت عليه، هذه التراجعات التي حدثت في المجتمع السوداني، تحتاج لحوار بعقل مفتوح بين النخب علي مختلف مدارسها الفكرية، و تعد الحركة الوطنية للتغيير واحدة من المنابر المستقلة المفتوحة، استمعت فيها للدكتور الطيب زين العابدين و الدكتور خالد التجاني و الدكتور محمد محجوب هارون و عبد العزيز الصاوي و عبد العزيز دفع اللهو محجوب عروة و غيرهم من الاتحاديين و المستقلين، حول الحوار الفكري، الذي يعد الأداة الأساسية في عملية التغيير.
و سعيت أن التقي ببعض رموز الحركة الإسلامية الذين كان لهم إسهامات فكرية في الساحة الثقافية، فالتقيت بالسيد ربيع حسن أحمد في مركز دراسات المستقبل، و تركز الحوار حول تجربة الإنقاذ في الحكم و لماذا فشلت العقلية الإسلامية في السودان أن تقدما نقدا موضوعيا للتجربة؟ و لماذا كانت النخبة الإسلامية في تجربتها السياسية في حالة عداء مع الحرية و الديمقراطية؟ هل هذا راجع لقصور في الفكر الإسلامي، أم هو نتاج التربية السياسية التي لم تفرد لعضويتها مساحة من الحرية و الممارسة الديمقراطية، لكي تنج ثقافة ديمقراطية؟ كان الأستاذ ربيع حسن أحمد واضحا في نقده للتجربة، و إن كان حديثه لا يخلو من المسوغات التي لا تجد لها دعائم منطقية، و لكن في النتيجة النهائية يقر إن هناك أخطاء جسام أثر علي العمل السياسي و حالت دون التحول الديمقراطي، و وضعت الحركة الإسلامية أمام تساؤلات ستظل تطاردها طوال حياتها، و أيضا التقيت بالأستاذ بهاء الدين حنفي في النادي الدبلوماسي، و يعتبر أحد منظري التجربة بعد المفاصلة، و لم يخرج حديثي معه عن المحاور السابقة، و قد فاجأني بنقد حاد للتجربة، و قال إن مشكلة السياسة في السودان تدار بعقليات تنفيذية، بعيدا عن العقليات التي تشتغل بالفكر، و هي عقليات لا تقبل النقد، و لا تحمل رؤي تساعدها علي تجاوز العقبات بشكل موضوعي، كما أكد إن قضية الحرية و الديمقراطية هي المعضلة الأساسية، ليس بين الحكومة و المعارضة فقط، بل داخل النظام نفسه، حيث هناك مجموعات لا تقبل النقد، و هؤلاء يشكلون عقبة أمام أية حلول يمكن أن تطرح، و في ذات الموضوع كان حواري مع الدكتور حسن مكي الذي لديه مأخذ عديدة علي التجربة، و يعتقد إن الحركة الإسلامية ليست تحتاج لنقد، إنما هي في حاجة لإعادة بناء من جديد علي برنامج جديد، و هذا التفكير أصبح مطروحا علي كل ذو عقل سليم.
و كان الحوار الأكثر عمقا من الناحية الفكرية مع مرجعية أخري، خارج الدائرة الإسلامية، مع الأستاذين محمد علي جادين و عبد العزيز الصاوي، تركز حول قضايا الديمقراطية و التسوية السياسية، خاصة إن المجموعات ذات المرجعيات العروبية، قد انشطرت للعديد من المسميات، و توقفت بينهم لغة الحوار، رغم إنهم جميعا يرفعون شعار الديمقراطية، و لا يمارسونها في مؤسساتهم، الأمر الذي يبين تناقض العقل السياسي السوداني، و إن كان الأستاذ عبد العزيز الصاوي خرج من هذه الدائرة، و أصبح محصورا في البحث عن قضايا الديمقراطية بمفهمها الواسع، حيث خرج من حصار المؤسسية الحزبية، و التقيت في ذات الموضوع مع الدكتور بكري خليل، الذي كتبت مقاربة بينه و الأستاذ حسن مكي، في قضية الهوية في السودان، و جلست مع الدكتور هشام عمر النور في دردشة حول " النظرية النقدية" و لكن لم أتمكن من إجراء حوار حول تجربته النقدية، و خاصة دراسته للفيلسوف الألماني " هبرماس" الذي يشكل حجر الزاوية في أطروحة هشام الفلسفية، و كيف يمكن الاستفادة من النظرية النقدية في نقد التجربة السودانية، و أيضا كانت الساحة الاتحادية أحدي الساحات العامرة بالحوار خاصة إن الاتحاديين توزعوا بين المشاركة في السلطة و المعارضة، و تفرقوا أيدي سبأ، و النخبة الاتحادية غرقت في السياسة و أهملت القضايا الفكري، الأمر الذي جعلهم يدورون في محور واحد " محلك سر" باعتبار إن الاشتغال بالفكر يجعلهم يعيدوا قراءة الواقع، و الأحداث قراءة جديدة، و يقدموا أسئلة جديدة، تفكك الواقع و تعيد تركيبه من جديد، كما إن الصراعات أخذت منحنيات ذات مصالح خاصة، فسلم البعض زمام أمره للحزب الحاكم، و الآخرين يهتفون من خلف المعارضة، بعد ما كانت الحركة الاتحادية تقدم المبادرات و التصورات و تجعل الآخرين يفكروا فيما يطرحه الاتحاديون، أصبحوا صرعي للأحداث، إن النخب الاتحادية تهتف في الجبهتين حالة يندي لها الجبين، و معضلتهم الأساسية البحث عن الذات و مواقعها و ليس عن الحزب. و أيضا التقيت مع شباب يسمون نفسهم الحركة الديمقراطية، منهم ما زال ينتمي للحزب الشيوعي و هؤلاء هم الذين جعلوني أكتب مقال" الحزب الشيوعي التجديد أو الانهيار" و هؤلاء لهم عقول نيرة و مفتوحة، و يملكون رؤية، و وساع في المعرفة و ثقافة عميقة، و يدركون ماذا يريدون، و يؤكدون إن صراع الأجيال حتمي في كل المؤسسات بين عقليات تصلبت و تحجرت و فقدت الأهلية و أخري عقليات قادرة علي الفعل الإبداعي و لكنها تواجه تحديات جسام داخل مؤسساتها، إن الأمل معقود في هؤلاء الأجيال الجديدة التي تملك رؤى جديدة و فكر جديد.
أخر المطاف كان مع بعض الأخوة في الإعلام، و الضيق الوقت البعض تحاورت معهم في حوارات مفتوحة، و البعض الأخر عبر التلفون، و آخرين استغليت وجودهم في لقاءات اجتماعية، و حاولت أن أنوع في ذلك فالتقيت مع فيصل محمد صالح في طيبة برس و محجوب عروة في مجلة الدستور و الدكتور خالد التجاني في جريدة إيلاف و أشرف عبد العزيز في جريدة الجريدة و مصطفي أبو العزائم في أخر لحظة و ضياء الدين بلال في السوداني عبر التلفون و عادل الباز و صلاح التوم مدير الإذاعة، و حسن فضل المولي مدير قناة النيل الأزرق، و السر السيد، و محي الدين تيتاوي، و مسلمي الكباشي مدير مكتب الجزيرة بالخرطوم و غسان عثمان مدير إدارة النشر بالخرطوم و كل هؤلاء تحدثنا حول لماذا فقد الإعلام دوره التثقيفي، و دور المبادرة، و عن تقليص مساحات الحرية و الرقابة، و غيرها من الموضوعات، و غيرها من الموضوعات المتعلقة بقضايا الإعلام و دوره التثقيفي و دوره في عملية البناء الوطني، و هناك رؤى جديرة بالبحث و الحوار، و سوف أتناولها في مقالات أخري، و نسأل الله التوفيق.
نشر في جريدة إيلاف الخرطوم
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.