كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    ((نار فلوران ولاجنة ريجيكامب؟؟))    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    تعطيل الدراسة في الخرطوم    المريخ يكثف درجات إعداده ويتدرب بالصالة    النخبة بالخرطوم.. كيف؟    "تمبور" يكشف عن توجيهات صادرة جديدة    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    هل تستطيع أمريكا احتلال جزيرة خارك الإيرانية؟    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



دخول السودان – من كتاب "الجندي الأسكتلندي والإمبراطورية، 1854 – 1902م"

Entering Sudan - From the book: "The Scottish Soldier and Empire, 1854 – 190
إيدوارد سبيرس Edward M. Spiers
تقديم: هذه ترجمة وتلخيص لبعض ما ورد في فصل بعنوان "دخول السودان" في كتاب صدر في عام 2006م عن دار نشر جامعة أدنبرا، بعنوان "الجندي الأسكتلندي والإمبراطورية، 1854 – 1902م" للكاتب الأسكتلندي إيدوارد سبيريس والذي يعمل أستاذا للدراسات الاستراتيجية بجامعة ليدز بإنجلترا. ونشر المؤلف عددا كبيرا من المقالات والكتب منها "تاريخ الأسلحة الكيميائية والبيولوجية" و"أسلحة الدمار الشامل" وغيرها.
المترجم
_____ _______ ______ ______ ________
كان احتلال مصر، بصورة مؤقتة، يكفي للحفاظ على النظام والأمن فيها، ويؤمن قناة السويس. ولكنه كان يعني أيضا التصدي للأزمة التي وقعت في السودان وهو تحت حكم خديوي مصر، والذي كان يحكمه باسم الخلافة العثمانية. فعند ظهور محمد أحمد (المهدي المنتظر) وثورته من أجل إصلاح الدين والقضاء على الكفار حاول المصريون هزيمته باستخدام جيوش مديري الأقاليم. غير أن كل تلك المحاولات باءت بالفشل الذريع، فأرسل الخديوي جيشا مكونا من 11000 فردا بقيادة العقيد المتقاعد من جيش الهند وليام هكس باشا. غير أن المهدي وجنوده قضوا على ذلك الجيش في 5/11/1883م في شيكان بالقرب من الأبيض، ولم ينج من جنود وضباط هكس إلا مئات قليلة. وبذا شكل المهدي تهديدا خطيرا لمدن أخرى منها الخرطوم، وربما لمصر أيضا. وذلك خطر لا تستطيع بريطانيا بالتأكيد تجاهله. وشاركت الكتائب الأسكتلندية في معركتين من المعارك الثلاثة التي أعقبت تلك المواجهة، فكسبت بذلك مزيدا من الاستحسان، وفي بعض الأحيان بعض العتاب والخلاف والجدال. وكان الوجود البارز لهؤلاء الجنود الأسكتلنديين نتيجة لمبادرات وزارية أثارت مناقشات عميقة بين الأحزاب البريطانية، وولدت صراعات حادة في أوساط "الأسكتلنديين الأحرار" حول أولويات وممارسات الامبريالية الليبرالية.
وقررت حكومة جلاديستون في البداية إخلاء كل الحاميات المتبقية في السودان والمنتشرة في كل أصقاعه المترامية الأطراف، ومعها الآلاف من المدنيين. وكانت تلك مهمة هائلة وعسيرة. وهنا تبنت صحيفة Pall Mall Gazette الواسعة النفوذ الدعوة الجماهيرية لاستدعاء الجنرال "الصيني" شارلس غردون للخرطوم. ولذا قام أربعة من الوزراء بمقابلة غردون في يوم 18/1/ 1884م وأقنعوه بالذهاب للخرطوم ودراسة الأحوال وكتابة تقرير عنها (وصل غردون إلى الخرطوم في 18/2/1884م. المترجم). ووافقت كل الأطراف السياسية الأسكتلندية من محافظين وليبراليين وغيرهم على ذلك القرار، وذلك لخبرة غردون السابقة في المنطقة، ولمعرفته الدقيقة بمناطقها المختلفة. وكتبت الصحف في أخبارها وتعليقاتها وأعمدتها بأدنبرا وغلاسكو ودنديي وغيرها من المدن الأسكتلندية مرحبة بعودة غردون للسودان، وذكرت قرائها بمآثره في خدمة بلاده في مختلف الأقطار الأجنبية، وبأنه شخصية تجد كل الاحترام في أسكوتلندا لأنه "جندي مسيحي" و"رجل موثوق" و"صاحب طاقة غير عادية لا تنضب". ورافق غردون في رحلته للسودان فرانك بوور محرر "التايمز"، والذي ظل يرسل تقاريره لصحيفته حتى تم قطع خط التلغراف من الخرطوم في يوم 12 مارس، فلجأ إلى تهريب تقاريره بالبر من المدينة المحاصرة.
ورغم انقطاع الأخبار الواردة من الخرطوم بالأسابيع الطويلة، فقد ظلت الصحافة الأسكتلندية، مثلها مثل الصحافة الإنجليزية، منبهرة ومسحورة بالجاذبية الدينية التي حظيت بها حركة محمد أحمد المهدي، وطفقوا يتناولون منشوراته، ويكتبون عن مساعده في شرق البلاد عثمان دقنة، وعن خطابه للأدميرال سير وليام هويت في سواكن. وكان عثمان دقنة قد عبر للأدميرال في تلك الرسالة عن رفض المهدي للرشاوى، وعن أنه لن يقوم أيضا بترك الكفار سادرين في غيهم وكفرهم، وأن المهدي ليس له غير السيف للكفار، وبه سيقوم بالقضاء عليهم قضاءً مبرما. وأتفق الصحفيون في إنجلترا واسكتلندا من الليبراليين والمحافظين على تصنيف المهدي كمتعصب ديني، وأن أتباعه أكثر ولعا بالحرب بمئات المرات من المصريين.
وكان الوضع بشرق السودان، خاصة سواكن، مصدر قلق للبريطانيين بسبب أهمية ذلك الميناء وبقية الموانئ على شواطئ البحر الأحمر، خاصة بعد مقتل العشرات من جنود حامية سواكن. وكتبت الصحافة البريطانية معبرة عن "الاشفاق على النساء والأطفال في سواكن وهم يبكون وينتحبون". وأضطر رئيس الوزراء جلاديستون لإرسال مدد من طوكر لإنقاذ حامية سواكن. ورحبت الصحف الأسكتلندية (مثل Glasgow News) بذلك الاعتراف المتأخر للحكومة البريطانية بمسئوليتها عقب فضيحتها وإذلالها في سواكن، وبمشاركة كثير من الجنود الأسكتلنديين في معارك الشرق ضد عثمان دقنة.
وواصلت الصحافة الأسكتلندية حملتها لإنقاذ غردون، خاصة وأن جنود تلك الحملة كان بها عدد كبير من الأسكتلنديين. ولجأ جلاديستون إلى التأخير والتسويف والتعتيم في إرسال حملة إنقاذ غردون. وحاول تطمين المناصرين لإرسال حملة انقاذ لغردون بأن الرجل بخير في الخرطوم، وبأنه لم يطلب من أحد أن يرسل حملة لإنقاذه من المهدي، بل ووصف السودانيين بأنهم "شعب يسعى لنيل حريته المستحقة". ولكن بعد أن استولى المهدويون على بربر في شهر مايو، وبعد أن أطبق المهدي وجنوده حصارهم على الخرطوم، ورفض غردون لمغادرة الخرطوم، رضخ جلاديستون أخيرا ووافق على إرسال حملة لإنقاذ غردون.
وتقرر أن تقوم الحملة والتي كانت تحت قيادة اللواء قارنت وولسلي بالوصول لغردون بالبواخر عبر النيل، وليس عن سلك طريق الصحراء من سواكن إلى بربر، وهو الطريق الأقصر مسافة، وذلك للنجاح الذي كان قد حققه في رحلة سابقة في النهر الأحمر بالصين وفيتنام في 1870م. وبالفعل قام اللواء وولسلي بتجهيز 800 مركب لتحمل جنوده (12 فردا في كل مركب) لمسافة 1650 ميلا من القاهرة إلى الخرطوم. وطلب اللواء مساعدة 386 من البحارة الكنديين (يطلق عليهم اسم فواجيرز)، فوافقت الحكومة الكندية على اشتراكهم شريطة أن يأتوا كمتطوعين، وأن تتولى الحكومة البريطانية دفع مرتباتهم. وجلب اللواء وولسلي أيضا 300 من رجال الكرومن Kroomen من ليبيريا بغرب أفريقيا لحمل الأمتعة والعتاد عبر الشلالات. وخطط وولسلي لنقل جنوده بالقطار مسافة 229 ميلا إلى أسيوط، ومنها بالبواخر وبالبوارج إلى وادي حلفا. ثم قرر أن تسحب المراكب عير الشلال الثاني بالقرب من صرص، وتبحر إلى كورتي في رفقة قوات محمولة وتنقل على الشاطئين. وفيما بعد قرر اللواء أن يبعث برتل من الجنود على ظهور الجمال عبر صحراء بيوضة إلى المتمة لتلتقي ببواخر غردون، بينما يقوم رتل آخر بالسير بالبواخر على النيل ليتلقي بالرتل الآخر في المتمة.
وعلى الرغم من أن بعض الصحف الأسكتلندية بعثت ببعض المراسلين الحربيين ليرافقوا تلك الحملة، إلا أن أحد مراسلي الصحيفة الأسكتلندية Glasgow News عبر عن عدم رضائه من عدد الصحافيين المرافقين لتلك الحملة، والذي انعكس بدوره عن قلة الأخبار الواردة من غردون المحاصر بالخرطوم، وعن عدم حدوث اشتباكات حتى نهاية ذلك العام. وكانت رسالة غردون السرية الأخيرة والمؤرخة يوم 13/12/ 1884م، والتي نشرت في لندن يوم 2/1/1885م قد أكدت أن الخرطوم "بخير". وربما كان غردون يقصد بذلك خداع من يعترض تلك الرسالة من "الأعداء" كتحذير لجنود حملة الإنقاذ ليعجلوا بالقدوم للخرطوم! وزاد الأمر تعقيدا مجابهة رتلي حملة الإنقاذ لمقاومة عنيفة من مناصري المهدي في معركتي أبو طليح/ كليه Abu Klea (16 – 18 /1/ 1885م) وأبو كرو Abu Kru، وكان النصر فيهما حليف جنود الحملة الإنقاذية رغم تكبدها خسائر فادحة. وخسر اثنان من المراسلين الحربيين أرواحهما في المعركتين ولكن بعد أن أفلحا في إرسال تقريرين عن سير الحملة.
وأحتفظ بعض الجنود الأسكتلنديين بمذكرات وبعثوا لأهاليهم برسائل عن أحداث تلك الحملة، تصف المصاعب والمتاعب التي لاقتهم في غضون أيامها. غير أنه لم تجد إلا قلة من تلك الرسائل والمذكرات طريقها للنشر في الصحف، ربما بسبب تأخير وصولها، أو لأن مضمونها كان يفتقد لقصص الوطنية والبسالة أمام الأعداء التي كانت الصحف تطمع في نشرها. وكان أحد هؤلاء الجنود قد كتب سلسلة من الخطابات الصريحة (وهي محفوظة الآن في أرشيف أحد أقسام الجيش) عن تلك الحملة، وأورد في إحدى تلك الرسائل أن الجنود كانوا قد غادروا القاهرة وهم في "حالة مزرية"، إذ كان بعضهم في حال سكر شديد لا يستطيع الواحد منهم معه الوقوف على قدميه، وطفق بعضهم يسبون المارة بأقذع السباب مما أضطر قائدهم لحبسهم. ورغم كل تلك الأحداث فقد قضى ذلك الفوج أيام رحلته إلى وادي حلفا الاثني عشر في يسر وراحة رغم أن طعامهم في غضونها لم يتعد الخبز الجاف واللحم المحفوظ. ووصف بعضهم المناظر الغريبة عليهم التي أعجبوا بها، والأثار في جزيرة فيلة وطيبة والأقصر، وزيارة قائدهم لهم من أجل رفع الروح المعنوية، وكيف أن الجنود كانوا يمزحون مع من يجدونه من الأهالي على شاطئ النيل. وغدت المسيرة الطويلة جنوبا، والعمل الشاق في المراكب وجر حمولتها الثقيلة تزداد صعوبة مع مرور الأيام. وسجل أحد الجنود في مذكراته عن الإرهاق الشديد الذي أصابه من العمل وعن جرح وتشقق يديه وقدميه، وخوضه في المياه إلى وسطه في غالب ساعات النهار عند عبور مناطق صخرية في منتصف النيل. ولم تسجل بحملة إنقاذ غردون إلا حالات غرق قليلة (كان من ضحاياها الرائد نيكولاس بروفي) مما يدل على جودة صناعة المراكب التي استخدمها البريطانيون. ولم يحدث أي وباء في أوساط الجنود غير تفشي القمل وبعض حالات داء الأسقربوط (نقص فيتامين ج).
ولزيادة حماسة الجند، أمر قائد الحملة اللواء وولسلي بمنح رجال المركب الذي يصل أولا إلى الدبة مبلغ مائة جنيه إسترليني. ولم يحالف الحظ الجنود الأسكتلنديين في ذلك السباق، بل فاز فيه الإيرلنديون. واستمر التنافس بين الجنود الأسكتلنديين والإيرلنديين في المسيرة عبر الصحراء، ولم ينته ذلك التنافس حتى بلغتهما أنباء متضاربة عن السقوط "المفاجئ" و"غير المتوقع" للخرطوم يوم 26/1/ 1885م.
وسادت أسكوتلندا – مثلها مثل أنحاء بريطانيا الأخرى – مشاعر الغم والحزن العميق لمقتل غردون، وتبارى الكتاب والشعراء والصحافيون في رثاء الرجل والكتابة عن ذلك "النبأ الكارثي" و"الضربة الموجعة لبريطانيا" و"الحزن الذي غمر كل بريطاني" و"سقوط البطل". وسجل أكثر من كتاب أسكتلندي عن الرمز الديني الذي كان يمثله غردون، وعن أنه "جندي بروتستانتي عظيم" و"جندي مسيحي شجاع" و"شهيد مسيحي". ووجد الليبراليون الأسكتلنديون العذر للحكومة في تأخيرها لإنقاذ غردون بدعوى أن التوقيت لا أهمية له، فالخيانة قد تحدث في أي وقت من الأوقات.
وفي وسط كل مشاعر الحزن تلك، صار لاسم غردون (خاصة في مقاطعة أبردين) جاذبية خاصة، وصار اسما شائعا للمواليد في تلك الأيام رغم مشاعر المذلة والمهانة التي كان يشعر بها الجميع من مقتله على أيدي "الدراويش". وطالب محرر Glasgow News بالانتقام من قتلة غردون وتحطيم قوتهم وإعادة احتلال الخرطوم. غير أن بعض الليبراليين الأسكتلنديين لم يكن متحمسا للقيام بأي عمليات عسكرية في السودان لاحتلال أرض "قفر عديمة المياه وقليلة الأشجار". ولكن كان هنالك كثير من الأسكتلنديين ممن يؤيدون إرسال اللواء قارنت وولسلي لتحطيم قوات المهدية، وأيضا إرسال حملة أخرى لشرق السودان (دون إرسال جنود أسكتلنديين) تحت قيادة جراهام.
وبغض النظر عن رأيهم في السياسة، فقد غمر الأسكتلنديون الفرح الشديد بانتصار وحيد ل "رتل النيل" على جنود المهدية في معركة كربيكان (يوم 10/2/1885م). وعبرت صحيفة في دنديي عن الحاجة لمثل تلك "الأنباء السعيدة" بعد سقوط الخرطوم المذل. وفي تلك المعركة استخدم الجيش البريطاني، ولأول مرة، سلاح الهجانة مستعملا، ولأول مرة كذلك، بنادق ريمنتقون في قتل كل جنود المهدي، بينما خسر ستين من جنوده وضابط واحد.
ولا ريب أن الصحافة الأسكتلندية كانت قد بالغت كثيرا في تمجيد الانتصار في معركة كربيكان بعد نبأ مقتل غردون وسقوط الخرطوم، وضخمت من أهمية تلك المعركة والتي وصفتها وصفا "احتفاليا" وردت فيه سطور عن قتال الجنود (الأسكتلنديين) لأعدائهم وهم في تنوراتهم التقليدية (kilts)، بينما كان صفير الطلقات النارية يختلط بموسيقى القرب.
وسرعان ما تبخر العزاء الذي وجده الأسكتلنديون في انتصار كربيكان بعد أن سحبت "رتل النيل" بعد انسحاب "رتل الصحراء". فقد قررت الحكومة البريطانية الليبرالية الانسحاب من السودان، آخذة في الاعتبار تجربة التدخل الروسي في أفغانستان في ذلك الوقت.
ورغم وفاة المهدي (ربما بسبب مرض التايفوس) في يونيو من عام 1885م، إلا أن من خلفه ظل يشكل تهديدا للجيش المصري في سواكن ولمصر أيضا. ولما كان الجيش المصري بحاجة ماسة للتدريب، لذا كان من اللازم أن يتدخل الجيش البريطاني. وظلت بعض الفرق البريطانية موجودة لعشرة أشهر في كورسكو بشمال السودان بعد الانسحاب (الرسمي) لحملة الإنقاذ. ولم يجد جنود تلك الفرقة شيئا تفعله في تلك الشهور سوى بناء مساكن من الطين اللبن، وممارسة الرياضة، وخلق علاقات ودية مع الأهالي، والذين كانوا يطربون لموسيقى القرب الأسكتلندية. ولم تغادر تلك الفرقة كورسكو إلا في أكتوبر 1885م لقلعة الكشح، والتي تبعد نحو 87 ميلا شمال وادي حلفا.
وفي بدايات شهر ديسمبر من عام 1885م أرسل خليفة المهدي نحو 6000 رجلا لمهاجمة تلك القلعة، غير أن الفرقة الأسكتلندية، وبعون من الفرقة السودانية معها، صدت ذلك الهجوم بنجاح نوهت به الصحف الأسكتلندية. غير أن ذلك الانتصار لم يثر ضجة إعلامية كبيرة بسبب هجر خليفة المهدي لخططه لغزو مصر.
ومن ناحية سياسية بحتة يعد الكثيرون أن فشل حملة إنقاذ غردون قد أثار بلا ريب الكثير من المشاعر في اسكتلندا (وجنوب بريطانيا أيضا). فقد تسبب ذلك الفشل في إضعاف الحكومة. ورغم غضب الأسكتلنديون المحافظون مما جرى من سقوط الخرطوم ومقتل غردون إلا أنهم وجدوا لكل ذلك احتمالات صلات مربحة بين "الإمبريالية" بصورة عامة وبين السياسة المحلية. فقد كانت "الوحدة الامبريالية" والوصول للأسواق الخارجية مصدر رزق وفير لرجال الأعمال الأسكتلنديين (خاصة في غلاسكو) من قديم. وكانت تلك "الوحدة الإمبريالية" هي مصدر رفضهم للدعوة لاستقلال اسكتلندا عن باقي الإمبراطورية.
لقد أثبتت حملة إنقاذ غردون تلك أن "شغف ومشاعر الإمبريالية imperialist passions " بمقدورها أن ترن في أرجاء اسكتلندا، وأثبتت أيضا أن بسالة الجنود الأسكتلنديين لا تزال تجتذب الكثير من الاهتمام، وتثير النقاش في دوائر الأحزاب السياسية في اسكتلندا حول الدور الإمبريالي الذي لعبه الأسكتلنديون في ذلك المجال.
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.