رسالة من المرشد الإيراني مجتبى خامنئي    د.إبراهيم الصديق يكتب: الفولة تتفازع..    القتال وضعف الميليشيا..موسى هلال يفجرها مدوية    رئيس مجلس السيادة يؤدي صلاة عيد الفطر بمسجد القيادة العامة    الهلال السوداني يؤدي البروفة الأخيرة مساء اليوم.. و«ريجيكامب» يجهز خطته لعبور نهضة بركان    رئيس الهلال «السوباط» يطير الى كيجالي ليقود شحنة دعم استثنائية للاعبين في معركة الأبطال    نائب رئيس الهلال يتابع مران الفريق..    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    شاهد بالصور والفيديو.. لقطة طريفة.. طفل سوداني يرتبك أثناء محاولته التقاط "سيلفي" مع "البرهان" وقائد الجيش يقابل الموقف بضحكات عالية    شاهد بالفيديو.. قيادي بالدعم السريع: (مرتزقة من جنوب السودان يسيطرون على مدينة "الفولة" ويطردون قواتنا وأفرادنا عردوا وتركوا نساءهم)    شاهد بالفيديو.. مليشيا الدعم السريع تهدي فنانة "سيارة" بعد أن اتهمت أفراد المليشيا بسرقة منزلها ومنازل المواطنين بالفاشر وساخرن: (العربية مشفشفة يا فنانة)    للعام التاسع على التوالي.. الفنلنديون أكثر الشعوب سعادة    996 مؤسسة صحية بالجزيرة لتقديم الخدمات في عطلة عيد الفطر    لجنة أمن سنار توجه بإقامة صلاة العيد داخل المساجد والمباني الحصينة    مفوضية العون الانساني بسنار تدشن كسوة الأيتام    إيران تفتح باب المشاركة في كأس العالم 2026    مشيتك تفضحك.. هكذا يعرف الآخرون إن كنت غاضباً أو حزيناً    غوتيريش يخاطب إسرائيل وأميركا: حان وقت إنهاء الحرب    السيسي يفاجئ الإمارات بزيارة خاطفة.. ويوجه رسالة بشأن الضربات الإيرانية    ترامب: سندمر حقل بارس للغاز إذا قررت إيران مهاجمة قطر    من المستشفى.. منة عرفة تعلن تعرضها ل وعكة صحية شديدة    القوات المسلّحة السودانية تعلن استرداد محطة مهمة    بالصورة والفيديو.. ناشطة سودانية تحكي قصة ارتباطها وزواجها من نجم السوشيال ميديا "برهومي": (الشاريك وعايزك بحارب عشانك وعمرو م يلعب بيك)    مقرّ خاتم الأنبياء العسكري يتوّعد بردّ قويّ    بعد تجريد منتخب بلاده من كأس أفريقيا..الاتحاد السنغالي يعلن أول قراراته    تراجع معدّل التضخّم في السودان    ظهور لنجاة الصغيرة يفرح جمهورها.. والفنانة ترد    "رجعت الشغل تاني".. مطرب المهرجانات مسلم يعلن انتهاء أزمته    مشهد الولادة بمسلسل محمد إمام يثير غضباً.. والممثلة توضح    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    6 عادات يوصى بتجنبها في المساء لحماية القلب    دراسة : الأطعمة فائقة المعالجة تهدد كثافة العظام    ابتكار علاج لسرطان القناة الصفراوية من الحليب    ياسين أقطاي يكتب: كيف وقعت إيران في هذا الخطأ الإستراتيجي؟    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    لافروف قلق إزاء مستقبل نظام عدم انتشار الأسلحة النووية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    الترجي يهزم الأهلي في ذهاب ربع نهائي دوري أبطال أفريقيا    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    انقطاع طويل للكهرباء يضرب مُدناً وقُرى سودانية واسعة في رمضان    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



العنصرية والأنانية هما أسُ الدَاء (5)
نشر في الراكوبة يوم 06 - 09 - 2015

الأحزاب السياسية السودانية، وحركات الكِفَاح المُسلّح:
أولاً: الأحزاب السياسية السودانية
نشأة الأحزاب السودانية ومرتكزاتها الفكرية:
نشأ الحزبان الكبيران فى السودان، الأمَّة والإتحادى، من صلبِ الطائفتين الكبيرتين، الأنصار والختمية. فبينما تأسس حزب الأمّة فى 25 فبراير 1945م وكان شعاره "السودان للسودانيين". وتم انتخاب السيد/ الصديق عبد الرحمن المهدى أول رئيس لحزب الأمة فى فبراير 1949م. وتأسس الحزب الشيوعى السودانى فى أغسطس 1945م بُعَيدَ تأسيس حزب الأمة، وكان بينهما ما صَنَع الحَدَّاد.
تأسس حزب الشعب الديمقراطى (التابع للختمية) فى 26 يونيو 1956م بعد شهور قليلة من الإستقلال.
أمّا الحزب الإتحادى الديمقراطى (الحالى) فقد تأسس فى نوفمبر 1967م نتيجة اندماج حزبى: الوطنى الإتحادى الذى كان يرأسه الزعيم إسماعيل الأزهرى، وحزب الشعب الديمقراطى ورئيسه الشيخ/ على عبد الرحمن، فكان الحزب الإتحادى الديمقراطى (حزب الحركة الوطنية السودانية) وترأسه الزعيم إسماعيل الأزهرى.
ويقوم الحزبان على قواعد شعبية من طوائف دينية. وقاعدة الحزب الإتحادى الديمقراطى هى طائفة الختمية الصوفية ومُرْشِدها السيد/ محمد عثمان الميرغنى. بينما حزب الأمة قوامه طائفة الأنصار بقيادة الإمام عبد الرحمن المهدى. ويغلب عليهما فِكر ومنهج مُستَمد من الدينِ الإسلامى.
وقد أثرى الحزبان الكبيران العمل السياسى فى السودان منذ منتصف القرنِ العشرين، وناضلا لتحقيق الإستقلال حتى تحقق لهما فى الفاتح من يناير 1956م. وقد تسلسل أمر الإستقلال بداية من تقديم مقترح الإستقلال فى جلسة البرلمان عشية يوم 19 ديسمبر1955م، ثم لاحقاً تم إعلان الإستقلال بإجماع الآراء داخل البرلمان فى 23 ديسمبر 1955م، ثم كان الجَلَاء فى الفاتح من يناير 1956م.
ما يميِّز الحزب الإتحادى أنه كان ينادى بالاتحاد مع مصر. بينما كان مطلب حزب الأمة إستقلال السودان كدولة مستقلة ذات سيادة كاملة، ورفع شعار "السودان للسودانيين" وقد تحقق ذلك.
المرجعيات والقيادة:
مرجعيات الحزبان الطائفيان تستنِد إلى إرادة ونفوذ الزعيمين، الإمام والمُرْشِد. وكانت وما زالت المرجعية النهائية فى الحزبين هى التوجيهات الأبوية لزعيم الطائفة وهو رئيس الحزب فى آن. وينطبق ذلك على كلِ هياكل وشئونِ الطائفتين والحزبين.
المرجعية الفكرية والسياسية للحزبين ليست مبادئ واهداف وبرامج مُجَازة من أجهزة الحزب، ومُودَعَة فى ميثاق أو منفستو أو دستور، وتنفذ عبر هياكل تنظيمية قائمة وفق جداول زمنية وخطط عمل محددة. بل تنحصر المرجعية فى شخص الزعيم وأسرته الذين يأمرُون وينهُون، بينما البقية يتحلقون حولهم كالشغِيلة فى مملكِة النحل يستمدِّون الشرعية والتكاليف والإشارة من الإمام/ المُرْشِد.
ولا تُعْرَف فوارق واضحة بين الحزبين من حيث التكوين والتوزيع الجغرافى والفكر والمنهج والبرامج السياسية، غير أن أتْبَاع الحزب الاتحادى (الأشقاء) غالبَهم من شمال السودان والوسط والشرق. بينما أتباع حزب الأمَّة (الأنصار) جُلَّهم من غرب السودان كردفان ودارفور، والجنوب والوسط حيث معقل الإمام المهدى فى الجزيرة أبا والنيل الأبيض وعموم الجزيرة المرْوِية، وشرق السودان معقل الأمير/ عثمان دقنة.
القيادة والزعامة لا يتم تداولها فى الطائفتين والحزبين عبر الطرق الديمقراطية المعروفة بل تُكتَسب بالوراثة داخل الأسرتين، الميرغنى والمهدى. ثم يفوض الزعيمان سلطاتهما للأتباع والمُرِيدين متى وكيف شاءوا. هذان الحزبان الكبيران لا يعدو كونهما طرق صوفية أو طوائف دينية تكرَّس كافة السلطات فيهما بيد زعيم الطائفة الذى هو فى نفس الوقت رئيس الحزب المتحكِّم فى كلِ مفاصلِه.
واعتقد أنَّ حزبا الأمة والإتحادى رغم أنهما الحزبان الذان حققا الإستقلال لكنهما اقعَدَا بالعمل السياسى الحزبى الحديث فى السودان لتركيزهما السلطات بيد الزعيم الدينى والمُرشِد المقدَّس الذى ينتفى بوجوده انتقال زعامة الحزب بمعيار الكفاءة والديمقراطية. ويتعذر بالتالى التحديث والمواكبة من فصل السلطات والديمقراطية والشفافية والمحاسبة. كما أنَّ غاية الإستقلاليين كان تحقيق الإستقلال، دون أى أفكار أو برامج أو خطط عمل لإدارة وتنمية البلد وبناء مستقبل مُشرِق لشعوبه.
كما أنّ واقِعة نقل السلطة طواعية للعسكر فى العملية التى قام بها أول رئيس وزراء السودان السيد/ عبد الله بك خليل الذى اتصل باللواء/ إبراهيم عبود وسلمَه السلطة فى 17 نوفمبر 1958م رغم تقديراته الأمنية وما قد تتعرض له البلاد من فوضى، لكن تلك العملية كانت فاتحة لشهيِّة العسكر للقفز على السلطة فى السودان مراتٍ عُدَّة.
الضمُور الذى لازم الحزبان فى الممارسة السياسية الحقيقية هو السبب فى دخول أفكار وعقائد أجنبية وغريبة فى الحقل السياسى السودانى، مثل جماعة الأخوان المسلمين والشيوعية والبعث والناصرية، التى أضرَّت وأفسدت العمل السياسى فى السودان. وساعدت فى تغريب الهويِّة السودانية، وكرَّست العنصرية والكراهية، وشوَّهَت قِيَم الولاء للوطن، و تنكَّرَت لحق المواطنة المتساوية لجميع شعوب السودان.
لذلك تأخرنا عندما تطوَّرت الممارسة السياسية على مستوى العالم، عبر الوسائل الديمقراطية السليمة التى تنتهِجها النظُم والأحزاب السياسية المُستنيرة، وإزدهرت أنماط الديمقراطية والتبادل السلمى للسلطة عبر انتخابات حُرَّة ونزيهة فى الألفية الثالثة. وصار هناك معايير عالمية للأداء السياسى الحزبى الشفيف، من حريِّة وحقوق إنسان، وديمقراطية وفصل سلطات وحكم قانون ومحاسبة وصولاً إلى الحُكمِ الرشيد.
ولمَّا فشلت القيادات التاريخية المُقدَّسة، ومنظومات الإمامة والزعامة فى الأحزاب السودانية الكبيرة "الإتحادى والأمَّة" فى التعاطى مع قواعد السلوك الحديثة Norms فى العمل السياسى، التى تبلورت خلال الربع الأخير من القرن العشرين والعقد الأول من الألفية الثالثة، إنتظمت حركات إصلاح وثورات تحدِيث داخل الحزبين الكبيرين خرج على إثرِها القيادات "الشابَّة" المسلحة بالعلمِ والخبرة التى كانت تقود العمل التنفيذى داخل تلك الأحزاب، لمَّا تأكَّد لها إستحالة البقاء تحت حُكم الإشارة والزعامة والإمامة، وكوَّنوا أحزاب فرعية بنفس اسماء الحزبين الكبيرين بإضافة ما يميِّزُها ويُبرِر خروجها من عباءةِ الزعامة التاريخية والإرشاد الدينى.
ويُعَابُ على تلك الأحزاب الوليدة المُنسلِخة ذات القيادات الحديثة، أنها أضطرَّت إلى التحالف مع نظام "الإسلام السياسى" الحاكم، فتعطّلت مسيرة الإصلاح التى إبتدرتها ولو إلى حين. وإنشغلت بدلاً من مواصلة برامج الإصلاح، بتقديم تنازلات على مستوى الفكر والمنهج والبرامج والإلتزام الأخلاقى الذى يلزِمها بالوقوف مع قضايا الجماهير، من أجلِ إرضاء السلطة الحاكمة والمشاركة فيها، فخَفَتَ صوت الإصلاح والتجديد فى دواخلِها إلى ما دون درجةِ الهَمْس!. ولاحقاً ألحقَ زعماء الحزبين أبناءهما لمشاركة النظام فى مؤسسة الرئاسة.
الفكر السياسى، الكادر، والتوزيع الجغرافى للجماهير:
بصرف النظر عن التوزيع الجغرافى لجماهير الحزبين الكبيرين، الإتحادى والأمة، تبنّى الحزبان فكراً سياسياً قائماً على أنَّ السودان دولة عربية وإسلامية، فقاما بضم السودان إلى تجمّعات إقليمية ودولية لا تُعَبِّر عن حقيقة التنوع السودانى، وساهما بالتالى فى مفاقمة أزمة الحكم فى السودان.
شكَّلَ ذلك النزوع الإسلامى/العروبى هووياً سِمَة سالبة تنماز بالعنصرية والأنانية والتزييف، ما كان الحزبان الكبيران فى حاجة إلى الإنزلاق إليها. لأن جميع شعوب السودان قد ناضلوا تحت رايتيهما لتحقيق الإستقلال! فكان الأوفق لهما العمل بالعدل والقسط، والمساواة بين شعوب السودان فى كل شئ. وعدم تزوير هوِّية الأمة وإختزالها فى مجموعة وآحدة دون الأخريات .
ويعتقِد كثيرٌ من الناس أنَّ زعماء الأمّة والإتحادى هم الآباء المحقْقِين لإستقلال السودان، أو الآباء الذين أوجدوا السودان الحديث الحُرّ المستقل. وبالتالى يُحَمِّلونَهم كل مثالِب الحكم، وفى مقدمتها الظلم والتهميش وتمثيل الترّمِيز الذى أدَّى بالمُحصِّلة إلى تفتيت وفناء السودان خلال عقود وجيزة من الإستقلال، ودولة الظلمِ ساعَة.
هذا، والأغلبية العظمى من كوادر الدرجة الأولى فى الحزبين الكبيرين من أبناء المركز، أمَّا الزعامة التاريخية والمرجعية الدينية والعقائدية المقدَّسة فهى وراثية يَرِثها سُلالة الزعيم الرمز جيلاً عن جيل.
ويمكن أنْ نلحظ بوضوح، التشابُه فى البناء الداخلى فى الحزبين وبين النظام "الشيعى" فى إيران بعد 1979م الذى يستنِد مرجعياً إلى ولاية الفقيه، الإمام الخمينى ومن بعده الأمام الخامنيئ الحالى. وكذلك الحال فى حزب الله اللبنانى وآل الحوثى فى اليمن، حيث لا يؤمنون جميعاً بفكرة الدولة القطرية، ولكن بولاية الإمام الفقيه وذرْوَة سِنَامِه فى "قُمْ" بإيران.
ويجْدُر ذكر أنَّ فكرة الثورة المهدية ودولتها فى السودان ترجع إلى الفكر الشيعى ذات المرجعية الأخيرة للإمام الفقيه. وأنَّ الإمام الصادق المهدى لمَّا فاز بأغلبية نواب البرلمان 1986م اول ما طالب به نواب حزبه فى أول جلسة إجرائية للبرلمان هو أن يفوضوه تفويضاً كاملاً ليقوم بسَنِّ القوانين والتشريعات وحده بإستخدام نظام "الأوامر التشريعية" (Provisional Orders).. طالبهم بما أسماه ب"التفويض التشريعى". ويُفهَم من ذلك الطلب أن السيد/ الصادق المهدى سعى ليكون هو المُشرِّعِ، وليس البرلمان، هى ولاية الفقيه.
ولمّا صار السيد/ الصادق المهدى رئيساً للوزراء 1986م كانت أولى زياراته الخارجية إلى إيران، وقد أمَّ المسلمون "الشيعة" فى صلاة الجمعة فى معقلهم مدينة "قُمْ" من نفس المسجد والمنبر الذى كان يؤم منه المصلين الإمام الخمينى!.
كما أنَّ المراكز الثقافية الإيرانية قد إنتشرت فى السودان فى الأعوام 1986- 1989م وليس كما يُخيَّل للناس أنها انتشرت فى عهد النظام الحالى! وأذكر أنَّ القائمون على هذه المراكز الثقافية الإيرانية كانوا يأتون إلى الجامعات السودانية ويأخذون أسماء الطلاب دون علمِهم ويرسلون كتيبات الفكر الشيعى "فى مظاريف" يضعونها فى صناديق بريد الكليِّات!.
ثم أنَّ حزب الأمَّة ما عُرِفً له عبر تأريخه، علائق أو مودَّة يربط بينه وبين الدول"السُنّية" وفى مقدمتهم المملكة العربية السعودية ومصر، ودول الخليج الأخرى.
الديمقراطية داخل الأحزاب التقليدية الكبيرة:
لا تُمارس الديمقراطية فى الحزبين الكبيرين، وآلية اتخاد القرار فيهما هو ما يُملِيه الزعيم ويؤيده الدائرة الداخلية الضيقة من آل البيت و"الملأ". وبالتالى يقع كذباً صراح إدعاءات الديمقراطية والحرِّية وفصل السلطات داخل هذه الأحزاب الطائفية التأريخية. لذلك إضمحلّت وصارت شركات عائلية للزعماء/ الأئمَّة وأبناءهم وأصهارهم وتابِعِيهم الذين لم يجدوا مكاناً آخر يذهبون إليه، و"الوُلِف كتَّال". ولا مستقبل لهذه الأحزاب التقليدية وتظل فى حالة إضمحلال وتآكل داخلى إلى أنْ تندثِر ويبقى منها أطلالها. إلَّا إذا فطنَت لسوأتها و وآرته سِراعاً وتبنّت مفاهيم ورُؤي وسياسات ومرجعيات وبرامج حديثة، ومعايير كونية.
علاقتها بالمؤسسة العسكرية:
يرتبط الحزبان الكبيران بالمؤسسة العسكرية إرتباط الحِذاء بالقدم، ولديهما خلايا داخل المؤسسة العسكرية. ولكن الزعيمان، والحق يُقَال، نادراً ما يستخدمان ضباط الجيش "المُغامِرين" فى الوصول إلى السلطة عبر إنقلابات عسكرية كما فعلت الأحزاب العقائدية الأخرى (الشيوعى، والأخوان المسلمين). ويجب الأخذ فى الإعتبار، والربط بين هذه النقطة والحلقة الرابعة التى تناولنا فيها المؤسسة العسكرية السودانية كأداة لتكريس حكم السودان للمركز، عسكرياً أو مدنياً.
دورها فى الإستقرار السياسى والتبادل السلمى للسلطة:
فشلت الأحزاب السياسية السودانية، والحزبان الكبيران على وجه الخصوص، فى خلق الإستقرار السياسى والسلام المستدام فى السودان لأنها أحزاب عنصرية إختزلت السودان فى هوية الوسط (الإسلاموعروبى) واهملت المكون المحلى والأفريقى الغالب لأهل السودان. وفشلت فى تبنى سياسات تحقق المواطنة المتساوية والهوية التى تُعبِّر عن جميع مكونات المجتمعات السودانية، ثمَّ إنها احتكرت السلطة والثروة وجهاز الدولة. وأسوأ من ذلك كله تبنَّت أجندة عسكرية وأمنية لحل مشكلات السودان والإحتجاجات المطالِبة بالعدالة فى الحكم، والمساواة فى المواطنة والحقوق والواجبات. فعجَّلت تلك السياسات بفصل الجنوب، وأشعلت الحروب فى كافة هوامش السودان، وهدَّدت بإنهيار كامل لما تبقى من السودان.
وليس بعدلٍ ولا إنصاف تعليق كل بلاوى السودان واخفاقات الحكم، وإختيار الحلول القمعية العسكرية والأمنية بنظام (الإنقاذ) القائم. لكن العدل أن نقول أنَّ كافة الأنظمة التى حكمت السودان قد شاركت بسياساتها ومناهجها فى تفاقم أزمة الحكم فى السودان. أمَّا النظام الحالى، فهو خاتمة مطاف سُوء حُكم أهل المركز، والفصل الختامى لحُكمِهم الفاشل.
الأحزاب الأخرى ذات الوزن الجماهيرى، نسبياً، هى حزب الحركة الإسلامية بمختلف مسمياتها، والحزب الشيوعى السودانى، ويُعَابُ عليهما أنهما قاما على عقائد مستوردة مُتَّسِمة بالعنف والإقصاء، لا تنبُت فى أرض السودان لإختلاف المناخ والبشر والبيئة والإقليم، سواءً كانت تلك العقائد دينية أو من صُنعِ البشر.
وقد تشاكَسَ الحزبان، الشيوعى والأخوان المسلمين عقائدياً، ومارسا العنف فى العمل السياسى دون غيرهما من الأحزاب والتنظيمات السياسية السودانية إلى درجة التكفير وهدر الدِماء والتصفية الجسدية، أضرَّ ذلك بالوجدان الجمعى للسودانيين. أقام "الكيزان" المنابر فى قلب جامعة الخرطوم، قلعَة الوعِى والإستنارة ليعلنوا أنَّ الصراع بينهم وبين الشيوعيون هو: "صراع بين الله وماركس!" وهل يستطيع (ماركس) المخلوق الضعيف أن يصارِعَ الله جلَّ وتعالى شأنه؟ لكن الكيزان يستخدمون الدين هكذا لتغبيش وعى الشعوب، وقد أفلحوا!
"الكيزان" والشيوعيون أدخلوا التنافس غير الشريف، والعنف العقائدى فى الحياة السياسية السودانية فأفسدوها. وما ضَرَّ السودان مثل مناهج الحزبين الشيوعى، والإسلام السياسى الذى قفز على الحكم فى يونيو 89 ودمَّرَ السودان تدميراً كاملاً شاملاً، لم يُبقِ على شىء، ولم يَذَرْ.
و وجه الإستدلال بعنصرية وأنانية هذين التنظيمين (الإسلامى والشيوعى) أنهما طرحا أنفسهما كحزبى وسط قوامهما الحضَر والمتعلِمين، ولم يقدِّما شيئاً للريف السودانى غير التحريض السالب لتفتيت بنية المجتمع السودانى، ولم يدافعا عن التعدد والتنوع السودانى بكافة أشكاله. ولا شأن لهما بالهوية السودانية الحقيقية "السودانوية". وإنْ تباين الحزبان فى طرح مفاهِيم وسياسات أضرَّت بمصلحة السودان وأهله فإنَّ اختلافَهما فى المِقدار وليس فى النوع.
والعيب الأكبر لهذين الحزبين "الشيوعى والإسلام السياسى" هو عدم إكتراثهما بالسودان كدولة ذات سيادة، لأن مرجعيتهما عقائدية مركزية، لا تعترف بالدولة القطرية ولا بمصالح أهلها، ويختصرون الدولة والشعب فى المنتمين إلى تنظيمهم، فهُمْ الدولة وهُمْ القانون، وهُمْ المُلَّاك لموارد البلاد وأهلها، هُمْ الشعب وهُم الدولة!.
وبينما يستمد "حزب الإسلام السياسى" شرعيته ويتلقى توجيهاته من "مُرشِدِهم" فى مصر، فالشيوعيون يُيَممِّوُن وجهوهم شطر موسكو "الكرملين" حيث "دكتاتورية البروليتاريا" التى تحلم بالقضاء على الرأسمالية! لكن الرأسمالية قد قضت عليهم فى عقرِ دارهم ب "الترويكا". لكن شيوعيو السودان ما زالو متمسِّكون بالشيوعية ويحلمون بتحقيقها رغم موت الفكرة فى بيت أمِّها، مازالوا يغنون:"إستالين لم يَمُتْ، إستالين لا يمُوُت.. إنَّه غادر الكرِمِلين لكى يسكنَ فى قلوبِنا، قلوب الكادِحِين!".
وكذلك (الكيزان) الذين "كَنَسَهم" شعب مصر من على وجهِ أرض "الكِنانة" وقذف بهم إلى مذابِلِ التاريخ، لكنهم فى السودان ما زالوا "يقدِلُون" ويحكمون ويفسدون، ويقتلون ويبدون الشعوب ثمَّ يفلِتُون من العِقَاب.
(فى جزءٍ سادس نتحدث عن العنصرية والأنانية فى حركاتِ الكفاح المسلح السودانية)
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.