وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    البرهان يقدم واجب العزاء في الشهيد اللواء معاوية حمد قائد الفرقة 22 مشاة بابنوسة    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات    قرار مثير لرئيس وزراء السودان    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    عثمان ميرغني يكتب: إثيوبيا والسودان: تشابكات الحرب والأمن الإقليمي    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    رشيد الغفلاوي يلتقي قيادات الاتحاد السوداني لكرة القدم    المريخ يواصل تدريباته بقوة بكيجالي والدامر    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات ووكيل الوزارة يشهد ختام دورة شهداء السريحة بولاية الجزيرة    ماساة قحت جنا النديهة    أحمد طه يواجه الأستاذ خالد عمر بأسئلة صعبة    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    شاهد بالفيديو.. الفنان "الشبح" يرد على زميله "ريحان": (رددت الأغنية في حضورك وأنصحك بعدم البحث عن "الترند" بهذه الطريقة)    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    هدى الإتربي تكشف كواليس مسلسل "مناعة": تجربة مختلفة بتفاصيل إنسانية    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    ضياء الدين بلال يكتب: قوش وآخرون... جرد حساب!    عاطف حسن يكتب: بنك الخرطوم.. اعتذارك ماااااا بفيدك .. !!    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



شهادة الترابي على العصر (حلقة 5 )
نشر في الراكوبة يوم 22 - 05 - 2016

في الحلقة الخامسة من شهادته على العصر . كان أهم ما جاء من موضوعات خلافية هو السرد المتعلق بإنتفاضة أغسطس (شعبان) 1973م . ثم إنخراطه وأتباعه في عضوية الإتحاد الإشتراكي ..... وكذلك حفظه للقرآن الكريم في سجون نميري .. ثم إستخفافه بما يصطلح عليه خطأ بالصوفية.
والذي لوحظ أن الترابي وإن كان قد إعترف بمسئولية حزبه عن التخطيط لأحداث شعبان. إلا أنه غمط حق فلول الحزب الشيوعي في الإشارة إلى دورهم خلال هذه الأحداث التي كان لها في نهاية المطاف بعض الثمار الإيجابية لكليهما. وإن كان حظ الترابي منها أكبر.
وشاركت التكتلات الطلابية التابعة للأحزاب الوطنية الديمقراطية الليبرالية ... ولكن جاءت مشاركتها بعيداً عن رعاية وقرار مؤسسي مسبق من جانب قيادات هذه الأحزاب...... ففقدت بذلك ثقلها المعنوي.
أغفل الترابي عمداً الإشارة إلى أن الأحزاب الوطنية الليبرالية التقليدية قد أحجمت عن المشاركة في أحداث شعبان 1973م . وذلك حتى يتفادي الغوص وتفسير أسباب إحجامها.
كان الرئيس جعفر نميري قد أعلن تشكيل الإتحاد الإشتراكي في 8 مايو 1973م .... ولكن يبدو أن إعلانه ذاك لم يلتفت إليه أحد في حينه ؛ فلم يكن مدرجاً ضمن مسببات هذه الأحداث.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا فيما يتعلق ب "أحداث شعبان" دائما هو :
لماذا سعى الترابي إلى تدبيرها .. ولماذا قبل الحزب الشيوعي بالمشاركة فيها على هذا الوجه الذي جمع ما بين طرفي نقيض؟
1) كان من أهم أسباب تدبير الترابي هذه الأحداث هو تقديم حزبه خياراً متاحا أمام تنظيم "الأصولية العالمية ؛ لتتخذ من السودان نموذجاً لتطبيق دولة الأصولية الإسلامية.
إقتناع تنظيم الأصولية العالمية بأهمية الترابي في "اللعبة الإسلامية" يعني بالضرورة توجيه الكثير من الأموال لدعم حزبه السياسي وأنشطته ، والمساهمة في بناء وترسيخ المؤسسات التي يرى حسن الترابي أنها كفيلة بتلبية وتطبيق الخطط الرامية لصعوده إلى كراسي الحكم والسلطة... وسواء جاءت هذه المؤسسات على هيئة جامعات ومعاهد دينية متخصصة أو تشكيلات تنظيمية نستدعي التنظيمات المتأسلمة المثيلة في البلدان الأفريقية... ثم وأبواق إعلامية ما زالت تتطور إلى يومنا هذا ؛ وتأخذ بأسباب التكنولوجيا ووسائل الإتصال الحديثة بهدف التأثير على الأفكار والقناعات ، وتوجيهها على النحو الذي يخدم معتقدات وأهداف تيار الأصولية العالمية .
وبالطبع فقد كان محاولة الترابي إقناع الأصولية العالمية بأن السودان يمثل بديلا لمصر . أو فلنقل الطريق الآخر للعودة إلى مصر ...... كان إفلاحه في هذه المحاولة كفيل بتقديمه زعيما تتجاوز نجوميته و تأثيره حدود بلاده .... ويحقق له مآربه الشخصية وطموحاته بالزعامة والوهج والنجومية اللامعة التي يعشقها .. ولا يدانيها في العشق غيرها.... لا بل وقد إكتشقنا في الحلقة الثالثة من شهادته على العصر أنه لم يخفق قلبه ويحب ويتزوج سواها.
لانستغرب هذه التوجهات الشخصية لدى حسن الترابي ... وتكشف الحلقات السابقة من الأولى وحتى هذه الخامسة من شهادته على العصر ... تكشف جميعها ولعه بالزعامة وحبه لها .. فهو لا يفتأ يشير في كافة تحليلاته للخلافات بين الرؤساء والحكام العرب الإشارة إلى أن مردها إنما يعود إلى الغيرة وحب الإتفراد بالزعامة ليس إلاّ ..... وكذلك الحال في تحليله لأسباب الخلافات الداخلية في قيادات الأحزاب والتنظيمات .... ولا نراه يلتفت إلى تضمين "الأفكار" كجانب أو سبب رئيسي من أسباب هذه الخلافات.
2) وأما عن أسباب مشاركة فلول الحزب الشيوعي في أحداث شعبان رغم علمه وإدراكه النافي للجهالة أنها (شعبان) إنما جاءت بتدبير من الترابي .. وأنها إتخذت إسمها (شعبان) كدلالة على توجهاتها الإسلامية ... فإن أسباب مشاركة الشيوعية إنما تمحورت في الآتي:
أ/ الإنتقام من نظام مايو بعد تصفيته لقيادات الحزب عقب فشل إنقلاب 19 يوليو 1971م.
ب/ إثبات أن الحزب لا يزال موجوداً . وأنه قادر على المشاركة الفاعلة في زعزعة إستقرار النظام الحاكم.
ومن ثم فقد تضافرت أسباب وأهداف الترابي من جهة .. والشيوعي من جهة أخرى .. تضافرتا مسبقاً على تدبير أحداث شعبان.
والشاهد أن أحداث شعبان لم يكن لديها شعارات ذات قيمة أو تأثير على القضايا المصيرية المطروحة بقوة آنذاك.
وإنكمش وتدنى سقف المطالب التي صاحبت أحداث شعبان ؛ لتنحصر في ترديد شعارات جاء معظمها خاص بمفاهيم تلاميذ المدارس ؛ وهي:
لن يحكمنا طيش حنتوب.
سلم تعليمي فاشل.
مصير نميري مصير عبود .....
لن يحكمنا الأمن القومي....
الشعب السوداني ليس بهذا الغباء والبلاهة التي يتصورها الترابي .....
وقد كان التساؤل الأكثر إلحاحاً إنما يدور حول أسباب إحجام الأحزاب الوطنية التقليدية الليبرالية عن المشاركة في تظاهرات شعبان .
كان السبب المنطقي هو إدراك قيادات هذه الأحزاب لألاعيب ومقاصد الترابي من تحريك إنصاره ؛ وإستغلال براءة تلاميذ الثانويات العامة والعليا .. وإيهامهم بأنهم قادرون على إحداث أعمال شغب وإحتجاجات تقلب نظام الحكم في البلاد.
لا الطلاب ولا العطالى يمكنهم الخروج من دائرة وحدود الإحتجاجات وإثارة أعمال شغب ؛ والقفز نها إلى مرحلة تغيير نظام حكم وحدهم . لأنهم وبكل بساطة ليسوا جزءا من القوى العاملة المنتجة ؛ ولا يسيطرون على وسائل الإنتاج .....
وكان الترابي يدرك هذه الجدلية بالطبع . ولكنه كعادته لا يتردد في القذف بالأبرياء حطباً إلى النار في سبيل الوصول إلى كراسي الحكم.
وفي الوقت الذي لم يكن إدراك عامة الطلاب ليصل إلى درجة تؤهلهم لفحص البيانات الصادرة من بعض النقابات العمالية ومصدرها .. وأنها إنما جاءت من نقابات الظل .. أو تلك المنحلة بقرارات حالة طواريء أعقبت فشل إنقلاب 19 يوليو ... وأنها تظل حبر على ورق وعديمة الفاعلية لاسيما من الناحية التطبيقية
وربما لو أدرك أولئك الطلاب هذه الحقيقة . لربما أحجموا عن المسير عمياناً خلف قيادات الإخوان في تظاهرات شعبان 1973م.
في أكثر من مناسبة ؛ سئل الصادق المهدي عن أسباب عدم المشاركة في أحداث شعبان .. فكأن ظائما ما يحيب بالقول أن الزعامات الطلابية التابعة لحزب الأمة قد جاءته عشية الإعداد لها ؛ وطلبت من أمانة الحزب المشاركة في هذه الإنتفاضة... ولكن رأي قيادة الحزب كان عدم التجاوب مع هذه المطالب ؛ وذلك على إعتبار أنه لم يستشيرهم أحد من الأطراف الأخرى في التخطيط لها.... وتابع الصادق المهدي أن قيادة حزبه قد توصلت في نهاية المطاف إلى حل وسط تركت فيه لطلابها حرية المشاركة من عدمها ولكن خارج مظلة الحزب.
على أية حال فقد شهدت الفترة بعد فشل شعبان .. شهدت بتدبير من الترابي الكثير من التظاهرات الطلابية المحدودة الأثر . كان أثر هذه التظاهرات سلبيا على التحصيل العلمي لهؤلاء الطلاب . وأصبحت مصدر إنتقاد من أولياء الأمور قبل الحكومة التي نفضت يدها في نهاية المطاف ، وتركت الأمر لوزارة التربية والتعليم ورئاسة هيئات التدريس في الجمعات . والتي كانت تسارع إلى إغلاق أبواب المؤسسات التعليمية والأكاديمة حتى إشعار آخر والسلام.
من المؤسف أن الترابي قد إستغل براءة نقاء طلاب الجامعات وبراءة تلاميذ الثانويات لمصلحته هو وحزبه أيما إستغلال ... ولم يكن ذلك بالغريب عليه لكونه دائما ما يجعل الغاية مبرراً للوسيلة ؛ ويهزأ بفرضية الأخلاق في كل شيء.
على أية حال فقد كانت هناك بعض المكاسب الجانبية ممتدة الأثر حصل عليها كل من الترابي والشيوعي من جراء فعاليات شعبان وكانت على النحو الآتي:
1) حصل الترابي على الدعم المالي السخي من الأصولية العالمية ؛ بما مكنه من بسط سيطرته الكاملة على حزبه . ومنحته الفرصة لبناء قواعده ومؤسساته المعينة في مجال التجنيد داخل أوساط تلاميذ وطلاب المدارس ؛ عبر تبني وإقامة الأنشطة الحاذبة لإهتمام هؤلاء الصبية وإعدادهم.
كذلك حصل الترابي على دعم إعلامي أكثر تطوراً من أبواق إعلامه المحلي المحدود الأثر . فبدأ نجمه في الصعود خارج السودان . وتحقق له ما أراد من الشهرة التي كان مولعاً بها.
2) تعرفت قيادات الإخوان على مواهب فردية جاهزة أخرى (طافية) على السطح . تؤمن بالديمقراطية . ولكنها لاتحمل أجندة حزبية أو عقائدية وإنما أحلام وطنية خالصة .. وهو ما سمح لاحقاً بتكوين ما يسمى ب (الإتجاه الإسلامي) و (الجبهة القومية الإسلامية) الذي جاء يحمل في رحمه تنوعاً ثقافيا وأدبياً وفنياً إبداعياً أخرج الكيزان من قوقعتهم. وساهم في تقديمهم بصورة آدمية عصرية لائقة بعد أن كانوا معزولين عن المجتمع...... وقد إمتد هذا الألق والعلو حتى تورطوا بتدبير إنقلاب عمر البشير في يونيو 1989م . فوقعوا في فخ المفارقة بين النظرية والتطبيق.... وعدم المؤاومة بين الشعارات الإسلامية الراشدة المتعلقة بإهاب الآخرة ( X ) الإنغماس في الملذات والواقع الحياتي لأهل السلطة وذوي النفوذ الملطخ بأوحال الدنيا الفانية.
وكان جراء ذلك أن إنفض سامر الجبهة القومية الإسلامية (1985 – 1989م) . ولم يتبقى متعلقا بأذيالها سوى المنافقين وأصحاب المصالح ؛ والسابلة والمتسلقين وعديمي الموهبة .. فكان أن إختلط الحابل بالنابل وعلا الضجيج وتصاعدت الأتربة. فلم يعد أحد منهم يعلم حقيقة الذي يقف فيهم إلى جواره.
والعجيب أن الترابي ظل يردد منذ الحلقة الأولى في شهادته على العصر .. ظل يردد ويلوك إتهاماً للحزب الشيوعي بأنه كان يلاحقه .. وهذا إدعاء مغلوط . فالقاصي والداني يعلمان أن الترابي إنما كان هو الذي يستنسخ أفكار عبد الخالق محجوب ؛ لاسيما في مجال تشكيلات (الستار الحديدي) ؛ وتوسع مفهوم مصطلح (التجنيد) لديه ..
نحن هنا لا نفتري على أحد .. ولكن التجربة الشيوعية تظل هي الأسبق بالمقارنة مع تجربة الترابي الللاحقة لها .
3) حصل الشيوعي على الكثير من التعاطف العام بوصفه حزباً يحتاج في هذه المرحلة إلى المواساة والتعاطف جراء ما تعرض له من نحر وتنكيل عقب فشل إنقلاب يوليو 1971م ..... ولكن المؤسف أن الحزب الشيوعي لم يستغل هذا التعاطف الشعبي بإعادة تقديم نفسه كحزب متجدد الوجوه قادر على الخروج من جلباب عبد الخالق محجوب وتجديد أفكاره ... فكان أن إعترى هذا الحزب الشيب وامتلأت أركانه بنسيج العنكبوت.
حفظ الترابي للقرآن الكريم:
كتبت في أكثر من قال سابق عن واقع أن حسن الترابي لم يكن حافظاً للقرآن ... وكان البعض يرفض تصديق ذلك .....
وخلال هذه الحلقة الخامسة من شهادته على العصر إعترف الترابي صراحة بأنه إستغل سنوات دخوله سجون جعفر نميري في القراءة وحفظ القرآن .... ويعني بهذه الفترة التي قضاها داخل سجون نميري تلك التي شهدتها الفترة من عام 1969م – 1977م
إنها كارثة ألمت بالإسلام في لسودان حين نكتشف وعلى نحو موثق كامل التوثيق عبر شهادته على العصر في قناة الجزيرة ..... نكتشف أن عراب الإسلام السياسي ومدمن تأسيس الأحزاب الإسلامية الأصولية لم يكن يحفظ القرآن .... وإنما وجد السبيل إلى الحفظ بسبب أنغلاقه داخل السجن وعلى سبيل إنتهاز الفرصة ليس إلا ... لا بل جاء توثق الترابي حفظه للقرآن الكريم دون تحديد قاطع بما إذا كان قد حفظه كاملا مجوداً أ أنه حفظ بعض أجزائه:
إذن وبتوثيق أكثر دقة نرصد الآتي:
1) أصبح حسن الترابي أمينا عاما لجبهة الميثاق الإسلامي منذ عام 1964م إلى عام 1969م وهو لا يحفظ القرآن الكريم.
2) خلال الفترة ما بين عامي 1969م حتى 1977م دخل الترابي سجون نميري . وهي الفترة التي قال أنه إستغلها لحفظ القرآن ، دون أن يؤكد حفظه له جميعه أو تجويده له وإلمامه بتفسيره ومعانيه......
3) بعد المصالحة مع نميري عام 1977م حتى 1984م خرج الترابي من السجن وإنغمس في عضوية "الإتحاد الإشتراكي" .... تسبقه وتلاحقه فتاويه وفتاوى تلاميذه عن ما يسمى ب "الإشتراكية في الإسلام " .....
وقد كانت فترة إنغماس حسن الترابي وجماعته في عضوية الإتحاد الإشتراكي مهزلة بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى . وكانت أولى الضربات التي خصمت الكثير من مصداقية الحزب ؛ بغض النظر عن المبررات الغير مقبولة التي ساقها الإخوان لتبرير خنوعهم وولعهم بالسلطة وعدم صبرهم على قسوة السجون.
ويتبقى أخيراً التعليق على أسلوب الترابي الساخر من الصوفية ، والتي وصفها بأنها مجرد ذِكِر .....
الصوفية تفتخر بأنها ذاكرة لله عز وجل ... ولذكر الله أكبر ....
ولكن الذي لم يدركه الترابي أن الصوفية تفتخر بالآتي:
1) أنها عنيت بجانب الأخلاق ... وأنما الأمم الأخلاق ما بقيت .... وأن أشرف الخلق إنما بعث متمماً لمكارم الأخلاق.
2) أن الصوفية هي الأسبق والأوفر حظا في الدعوة إلى الإسلام وفق قوله عز وجل [أدع إلى سبيل ربك بالحكمة الموعظة الحسنة].
3) أن الصوفية لا تزال تحافظ على البئة السودانية المحلية وتجعل من مخرجاتها وحاصلاتها الأداة والوسيلة في التعليم ؛ وممارسة العبادات وسبل كسب العيش والمعيشة بوجه عام ... فهي إذن تربط التلميذ منذ طفولته ببيئته المحلية وتجعله الأقدر على إستثمارها لما ينفع الناس.
4) لم يعرف عن الصوفية أنها قتحت سجون أو إغتالت معارضيها أو كفرتهم .. ولم يعرف عنها الإقصاء والسخرية وتسفيه آراء الغير ... ولم ترد في أدبياتها ومقولاتها كلمة (الآخر) التي تزدحم بها أدبيات الإسلام السياسي.
5) تعتاش الصوفية على المحبة بين أفرادها لله في الله ورسوله صلى الله عليه وسلم .... وتبقى العلاقة بين التلميذ والأستاذ علاقة المريد بالقدوة الحسنة .. وأدب المخالطة وأدب الطريق هو السبيل لتنقية الروح من المفاسد والأطماع وحظوظ الشياطين.
6) كانت خلاوى ومسيد الصوفية هو الملاذ والمنهل لكل متعطش لجوار الله وحفظ القرآن والتفقه في الدين . والإعداد النفسي لهؤلاء الطلاب لتحمل الأعباء الحياتية والدعوية في المناطق التي جاءوا منها.
7) لم يعرف عن الصوفية أنها أخرجت إرهابي أو حامل سيخة أو حامل مطوة وسكين وساطور.
8) يحفظ تاريخ السودان للصوفية أن تلاميذها هم الذين توجه إليهم الإمام المجاهد محمد أحمد المهدي بمراسلاته .. وأنهم هم الذين كانوا آنذاك يمثلون الطبقة المتعلمة المثقفة بعلوم اللغة العربية والرياضيات وعلم الفلك والشريعة . وحفظة القرآن الذين حملوا الدعوة المهدية على أكتافهم في قدير وشيكان والخرطوم . وإنشاء دولة السودان الحديث كأول دولة عربية إسلامية خالصة في أفريقيا يحكمها أبناؤها ؛ في زمان كانت تحكم فيه بلدان مجاورة وأخرى عربية عائلات من تركيا ومقدونيا وألبانيا.
9) ثم أنه قد آن الأوان للبحث عن مصطلح آخر لا يظلم الحركة الدعوية في السودان . وبما يعيد مفهوم التصوف إلى المعنى العملي الممارس . والذي يتلقى ظلما فادحا من العامة وتجار الدين والإسلام السياسي الذين يتخذون من "المصطلح" مدخلاً للهجوم على التصوف.
مصعب المشرّف
22 مايو 2016م
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.