استنباط أنواع جديدة من القمح تلائم الأجواء السودانية    "السودانية الإثيوبية" تبحث تأمين الحدود والقوات المشتركة    توافق علي ملء بحيرة سد النهضة خلال 7 سنوات    غندور: لو توفرت أموال قارون للحكومة لن تجاوز التحديات    تحالف المحامين الديمقراطيين: قرار وشيك بحل النقابات    أمجد فريد: المؤسسة العسكرية هي المتهم الأول في فض الاعتصام    اتجاه لرفع دعاوي قضائية ضد المخلوع، غندور وعبدالرحيم حمدي    رفع الدعم عن السلع الاستهلاكية وتحويله لدعم مالي للفقراء .. بقلم: محمد المعتصم حسين    اتحادنقابات العمال يؤكد دعمه لملف الدين الخارجي    وزير النفط: العمل بحقل بليلة لم يتوقف    البدوي: برنامج (الانتقالية) يركز على الانتقال الى التنمية الاقتصادية الشاملة    مشروعات طاقة روسية بنهر النيل    (الثورية): الوساطة لم تبلغنا بتأجيل التفاوض ومستعدون للجولة    توتر في حقل نفطي بغرب السودان بعد احتجاجات للأهالي    مشروع الجزيرة : الماضي الزاهر والحاضر البائس والمستقبل المجهول (4) الأخيرة .. بقلم: صلاح الباشا    فانوس ديوجين السودانى!! .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    حكاية .. بقلم: حسن عباس    الخيط الرفيع .. بقلم: مجدي محمود    السودان جمال لم تره من قبل (الخرطوم) .. بقلم: د. طبيب عبد المنعم عبد المحمود العربي/المملكة المتحدة    السودان يستعيد توازنه برباعية في ساو تومي    فريق كرة قدم نسائي من جنوب السودان يشارك في سيكافا لأول مرة    مبادرات: هل نشيد نصباً تذكارياً له خوار ؟ أم نصباً رقمياً ؟ .. بقلم: إسماعيل آدم محمد زين    ذَاتُ البُرُوجِ (مَالِيزِيَا) .. شِعْر: د. خالد عثمان يوسف    لسنا معكم .. بقلم: د. عبد الحكم عبد الهادي أحمد    نداء الواجب الإنساني .. بقلم: نورالدين مدني    كلنا أولتراس .. بقلم: كمال الهِدي    السعودية توافق بالمشاركة في كأس الخليج بقطر    انفجار جسم غريب يؤدي لوفاة ثلاثة أطفال بمنطقة تنقاسي    جعفر خضر: الدين والتربية .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم    والي كسلا يدعو للتكاتف للقضاء على حمى الضنك بالولاية    زمن الحراك .. مساراته ومستقبله .. بقلم: عبد الله السناوي    الأمم المتحدة تتهم الأردن والإمارات وتركيا والسودان بانتهاك عقوبات ليبيا    أمريكا تدعو العراق إلى إجراء انتخابات مبكرة    لجنة مقاومة الثورة الحارة 12 تضبط معملاً لتصنيع (الكريمات) داخل مخبز    أميركا تدعو العراق إلى إجراء انتخابات مبكرة    اتهامات أممية ل(حميدتي) بمساندة قوات حفتر والجيش السوداني ينفي    شكاوى من دخول أزمة مياه "الأزهري" عامها الثاني    "أوكسفام": 52 مليوناً عدد "الجياع" بأفريقيا    الحكومة السودانية تعلن دعمها لاستقرار اليمن وترحب باتفاق الرياض    87 ملف تغول على ميادين بالخرطوم أمام القضاء    ترحيب دولي وعربي وخليجي واسع ب"اتفاق الرياض"    البرهان : السودان أطلق أول قمر صناعي لأغراض عسكرية واقتصادية    في ذمة الله محمد ورداني حمادة    حملة تطعيم للحمى الصفراء بأمبدة    والي الجزيرة يوجه باعتماد لجان للخدمات بالأحياء    معرض الخرطوم للكتاب يختتم فعالياته    ناشرون مصريون يقترحون إقامة معرض كتاب متجول    أنس فضل المولى.. إنّ الحياة من الممات قريب    وزير أسبق: سنعود للحكم ونرفض الاستهبال    ضبط كميات من المواد الغذائية الفاسدة بالقضارف    الشرطة تلقي القبض على منفذي جريمة مول الإحسان ببحري    فك طلاسم جريمة "مول الإحسان" والقبض على الجناة    مبادرات: استخدام الوسائط الحديثة في الطبابة لإنقاذ المرضي .. بقلم: إسماعيل آدم محمد زين    وزير الثقافة يزور جناح محمود محمد طه ويبدي أسفه للحادثة التي تعرض لها    مولاَّنا نعمات.. وتعظيم سلام لنساء بلادي..    الحكم بإعدام نظامي قتل قائد منطقة الدويم العسكرية رمياً بالرصاص    وزير الشؤون الدينية والأوقاف : الطرق الصوفية أرست التسامح وقيم المحبة    عملية تجميل تحرم صينية من إغلاق عينيها    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





كتاب جديد للدكتور علي السيد المحامي والقيادي الاتحادي والمعارض المعروف بعنوان المذكرة التصحيحية وازمة الحركة الاسلامية


بسم الله الرحمن الرحيم
"والصلاة علي المقدم المعظم المكرم محمد عبده ورسوله وعلي اله وسلم كثيرا "
اما بعد فقد جمعت ابوابا فى معني ما ذهبت اليه المذكرة التصحيحة
مقدمة
اما بعد
فان سعادة الامة ان يكون لديها كل حين من يجدد دينها وطائفة مهتمة بتنويرها بالمعارف الحقة مما يلزم لسد ضرورات الحياة السياسية . بالكلمات الكاشفة النقاب عما غمض من احداث. وجلاء ما استعصي علي الجمهور فهمه ، ولاسيما ممن يشتغلون بأمور السياسة الحزبية بمذكرات وبغيرها .
فمنذ صدور (المذكرة التصحيحية) وقيل انها مقدمة للمؤتمر الوطني بغرض إجراء إصلاحات محددة .اثارت جدلا ولقطا خاصة بعد ان تحدث الرئيس بضرورة محاسبة أصحابها وتهديد الذين كتبوها ثم عاد ونفذ بعض ماجاء بها وما اعقبها من تداعيات . مما جعل البعض يفكر في الوضعية التي سيؤول اليها المؤتمر الوطني في ظل هذا الصراع ؟ الذى ذكرنا بالمفاصلة الشهيرة العاصفة التي جرت في صيف من نهار رمضان عام 1999 فتباينت الاراء لما انفردت به هذه المذكرة من الاشارات الغامضة والالفاظ المشكلة –وكثر الخائضون في كنه هذه المذكرة التصحيحية ماتكون عندما صدرت –حاول كلهم تفسيرها (المشيرون اليها والمجيبون) عنها وعن مسائلها وتوقيتها وكل واحد منهم يضيف الي نفسه كلاما الفه لجلاء حقيقتها ولكن ليس كلهم يستحسن منهم ذلك.
ولما كنت واحدا ممن اطلع علي حقيقتها حاولت ان ادلي بدلوي مع الدلاء ببضع التشخيص علي الجرح- وقد حذفت كثيرا مما ذكر في هذا الصدد واقتصرت علي تشخيص عله الاصولية وبما تولده من صراعات علي السلطة في عصرنا هذا فجمعت ابوابا يشكل هذا الكتاب جزءا من ثلاثية كتبتها لمحاربة هذه الاصولية الاسلامية حين تجنح الي الصراع وماتولده من حروب وعراك ربما يتحول الي مرض اسلامي وفي اذهاننا الشرخ الذي حدث عقب المفاصلة بين(البشير والترابي) ورتبته علي ثلاث اضلاع اولا تاريخ الحركة الاسلامية والبقاء في المناصب وخروج الحركةالاسلامية عن المنهج وماتجده من صعوبة للخروج منها او تركها وختمت بالكسب النظري للحركة فما اصبت من ذلك فبعناية الله عزوجل والحمد لله علي ذلك وما اخطأت في ذلك ووقع فيه شئ من الزيادة والنقصان يعد لازم لي والله يغفر لي من ذلك
فهل اقتربت من دراما (المذكرة التصحيحية ) وهي مازالت عند فجرها ام مازال الافق معتما من حولها ولم يستبين الخيط الابيض من الخيط الاسود فيها؟
كل ذلك ماستقف علي العزوالية عزيزى القارئ بحولة تعالي بين دفتي هذه الصفحات بعد مطالعتك الكتاب .
المذكرة التصحيحية وازمة الحركة الإسلامية
ان تلك المذكرة التصحيحية من أي جهة صدرت ، فقد جاءت فى وقتها المناسب وعلى كافة الأصعدة ،فهي حقيقة لا تعني الذين وجهت لهم فحسب إنما تعني الشعب السودانى بأثره ، صحيح أنها من حيث الظاهر تخاطب الحركة الإسلامية ،ولكنها من حيث مضمونها فهي تخاطب جميع القوى السياسية وغيرها. من الذين يشتغلون بالعمل العام ،إذ خرجت بهذا الشكل أى دون ان تتبناها جماعة او تنظيم ،وان كانت تشير بطريقة غير مباشرة بانها صدرت من بعض منسوبي الحركة الإسلامية دون تحديد لهويتهم او ارتباطهم بالحركة الإسلامية، فالحركة الإسلامية جهاز اتسع بشكل هلامي فى الفترة الأخيرة ،حيث أصبح لا ساحل له من حيث التوسع البشري بفعل السلطة ، اما للتشبث بها او للوصول إليها خاصة بعد المفاضلة التي تمت عام 1999 بحيث يعتقد أي عضو بالمؤتمر الوطني او يود الانتساب اليه بانه حركة إسلامية .
ان خروج هذه المذكرة بهذه الكيفىة فى رأيى المقصود منها قياس الرأي العام ،ومعرفة اتجاهه الحقيقي بعد انفصال الجنوب، والضائقة المالية ،وضعف النظام السياسي وفشله فى اتساع دائرة المشاركة فيه ،وخطأه التاريخي في تزوير الانتخابات ،فالانتخابات الحرة النزيهة كانت هي السبيل الوحيد لتحول البلاد من نظام شمولي الى نظام ديمقراطي، تحتل فيه الحركة الإسلامية قيادتها بما كسبته فى فترة حكمها الانفرادي طيلة الفترة السابقة .
لهذا فإنني أكاد اجزم بان هذه المذكرة من صنع السلطان نفسه ، وهي نفس الطريقة التي تتبعها أجهزة الاستخبارات والأحزاب السياسية فى العالم الغربي ، حيث تعد ورقة كهذه مجهولة الهوية ،او غامضة بحيث تحمل إشارات لجهة بعينها بحيث يصبح كشف مضمونها تخمينا، ويقود لعدة اتجاهات بغرض بناء إستراتيجية سياسية او أمنية فتتشابه فيها الأمور، وتسمي هذه المذكرة (none paper) ،ليقول كل من يطلع عليها رأيه فيها على مستوي الأفراد او المنظمات أو الأحزاب أو الجماعات، لتتمكن الجهة التي أصدرتها من وضع استراتيجيتها القادمة .وبعد سواء كان الأمر كما اوضحنا او غيره ،فانها فرصة طيبة لنبدي رايا خاصا فيما احتوته تلك المذكرة، وليس صحيحا مايقال إن هذه المذكرة معني به جماعة الحركة الإسلامية او الإسلاميون ،( ان كلمة الإسلامية هذه تربطنا فيمن تعنيهم المذكرة ،وهي ايضا تعني غير الإسلاميين ،وكل ممن يهمه أمر البلاد ، حتي ولوكان الأمر صراعا بين الاسلامبين او صراعا داخل الحركة الإسلامية او المؤتمر الوطني فان له انعكاسا على الحياة السياسية فى السودان .
بتركيز شديد نجد ان كلمة الفتنة فى الآية التي افتتحت بها المذكرة ذات مدلول لفظي فهي تعني النزاع وحسب تفسير كثير من المفسرين وخاصة ابن كثير فقد ورد لفظ الفتنة فى القرآن 60 مرة محصورة فى خمسة أنواع من القواعد والأفعال والأقوال، والفتنة التي وردت فى الآية تقع ضمن الصراع بين الجماعات او الحرب الاهلية او الخلاف بين الجماعة الواحدة ،وهذه أسوأ أنواع الفتن التي بينها القرآن الكريم ،وتفسير قوله تعالى )واتقوا فتنةً لا تُصِيبَنَّ الذينَ ظلموا منكم خاصةً واعلموا أن اللهَ شديدُ العقابِ(سورة الانفال الآية (25)و اتقوا فتنة لاتصيبن الذين ظلموا منكم خاصة بل تعمهم وغيرهم ودخول النون المؤكدة فهي فى موضع وصف الفتنة لانها من تفيد ان الفتنة لاتصيب الظالم وان الذين لم يظلموا قد تسببوا للعقوبة باسباب كترك الامر بالمعروف والنهي عن المنكر فتكون الاصابة المتعدية للظالم الي غيره مختصة عن ترك مايجب عليه عند ظهور الظلم وابتغاءها بإنكار موجبها من المنكر واعلموا ان الله شديد العقاب لمن خالفه) والفتنة المقصودة فى هذه الاية معناها النزاع او الاشتجار بين الفئة الواحدة، والنزاع نوعان نزاع بالحجة والبرهان هو نزاع بالمنطق و العقل ،وهذا هو النزاع الودي بالحوار ،وقد أشار تعالي لهذا ايضا فى الاية (62) من سورة طه بقوله تعالى)فتنازعوا أمرهم بينهم واسروا النجوي ( والواضح ان المقصود بهذه الآية الحوار والتشاور والتفا كر هذا اذ حملنا الأمر محملا حسنا حملا لحال الناس علي الصلاح
استهلال المذكرة بهذه الآية فيه إشارة الى ان هذه المذكرة مقصود منها الحركة الإسلامية داخل المؤتمر الوطني ، وليس المؤتمر الوطني انما كيانه الخاص( الحركة الإسلامية) أي (الإخوان المسلمين الأصل) ،وهذه واحدة من الأساليب التي تستخدم لإيهام المسلمون لما هو المقصود وهو غير مقصود، وأستطيع القول ان النزاع والخلاف والصراع بالرغم مافيه من الألم والمرارات والأحزان يفتح باباً للخير وفيه رحمة بالعباد ، لذلك كنت أقول دائما ان الخلاف فى المؤتمر الوطني فيه رحمة لأهل السودان ،مثلما كان الخلاف الذي تم للحركة الإسلامية 1999 فكانت المفاصلة بين الشعبي والوطني رحمة بأهل السودان ،ولا نود ان نخوض فى هذا لأن الأمر سيطول .
تاريخ الحركة الاسلامية السودانية
من أجل التاصيل نرى ضرورة التطرق لتاريخ الحركة الاسلامية السودانية عبر مسيرتها ، فلا حاضر دون ماضً ، نشأت الحركة الاسلامية فى السودان فى الأربعينات من القرن السابق ،من مجموعة من الشباب الذين وفدوا من الجامعات المصرية وبعض المنتدبين من طلاب الجامعات والمعاهد العليا، الرافضين للفكر الشيوعي واليساري الطاغي فى ذلك الوقت فى المؤسسات العلمية، الي ان عقد مؤتمر سمي مؤتمر العيد فى عام 1954 ،تمت فيه تسمية الحركة باسم (الإخوان المسلمين) وهو اسم الحركة الإسلامية فى مصر ،ومن وقتها ارتبط فكر الإخوان المسلمين فى السودان بفكر الأخوان فى مصر ،ولكن أخذت الحركة فى الاستقلال الذاتي تدريجيا الى ان خرجت نهائيا عن فكر الأخوان العالمي كما سوف نبين فيما بعد .
يرى الترابي انه لا تأثير لحركة الإخوان المسلمين فى مصر عليهم ،حيث ان البيئة السودانية كانت مهيأه لتنظيم الجماعة ،حيث يقول الترابي فى كتابه الحركة الإسلامية ( نشأة الحركة الإسلامية الحديثة استجابة تلقائية من الفطرة الدينية العرفية المتمكنة فى وجه الاستفزاز الذي مثلته انماط منكرة من مسالك ومقولات روجتها التوجهات اللبيرالية والشيوعية فى أوساط الطلاب فلا غرو ان تداعت الى الدين عناصره التى كانت فى غمرةٍ وغفلةٍ من جنوح اليسارية او الوطنية اللبيرالية وشكلت نواة الحركة الإسلامية الأولى (حركة التحرير الإسلامي وفى اسمها اشارة لخليفتها) .
غير ان هناك من يقول ان حزب التحرير الإسلامي الذي كان يتزعمه بابكر كرار كان أسبق من الحركة الإسلامية التي تحولت مؤخرا الي (الإخوان المسلمون) ،وهناك من يقول ان السيد الصادق عبد الله عبد الماجد جاء من مصر وهو يحمل فكر الأخوان المسلمون ،ويري انه لابد من الارتباط بفكر الأخوان فى مصر والسير علي هداهم ،وبهذا اختلف مع الترابي بهذا الشأن ،وهناك اقوال كثيرة ومتفاوتة بهذا الشان، المهم ان الحركة الإسلامية (الإخوان المسلمون ) لم يكن لها وجود فى فترة التحرر الوطني فى السودان ،وظهر الأخوان المسلمون كتنظيم سياسي بعد ثورة أكتوبر 1964 وبعدها سمى(الأخوان المسلمون) أنفسهم (جبهة الميثاق الإسلامي)، وهي عبارة عن تحالف ضم بعض التيارات الإسلامية الصغيرة التي ظهرت عند المناداة بالدستور الإسلامي ،وبعض الافراد وقادة الطرق الصوفية الصغيرة ، غير أن هذه التيارات التي انضمت كانت بطبيعتها هشة التكوين ضئيلة الفكرة ، ذابت فى التيار الإسلامي الكبير(الأخوان المسلمون)الذي أصبح يعرف فيما بعد بجبهة (الميثاق الإسلامي) ، متخذين نفس المنهج الذي تتبعه التنظيمات والأحزاب العقائدية ، وذلك لتوسيع قاعدتها الشعبية فى سبيل التحول من حزب عقائدي صغير إلي حزب جماهيري كبير ، وهذه واحدة من مشاكل الأحزاب السياسية فى العالم الثالث .
نشأ تنظيم الأخوان المسلمين فى السودان كحركة ودعوة فى منأى عن الطائفية والطرق الصوفية ، إلا أنهم لم بعيدا عن الفهم العقائدي الولائي كطريق فى استقطاب غالبية قواعد أحزاب الأمة والاتحادي الديمقراطي، غير إنها فشلت فى استقطابهم فى تلك الفترة ، يقول الحسيني فى كتابه الأخوان المسلمين كبرى الحركات الإسلامية فى سبب عدم دخول الإخوان السودان ، فى وقت مبكر (دخلت الحركة الإسلامية السودان متأخرة بسبب وجود أحزاب دينية التوجه واقرب إلي الإسلام الشعبي والصوفية ، لذلك كانت لهذه الأحزاب شعبية واسعة ولم تتجرأ حركة " الإخوان المسلمين " فى السودان علي مواجهتها أثناء صعود الحركة الوطنية ) .
فى فترة ما بعد الاستقلال لم تستطع الحركة الإسلامية الانتشار وسط الجماهير التي بقيت علي ولاءاتها التقليدية حتى اليوم ) ، وأخيرا اضطرت (جبهة الميثاق الإسلامي ) إلي مد جسور عريقة مع الطرق الصوفية بتركيز كبير علي زعماء الطرق الصوفية الصغيرة ، التي لم تكن لها علاقة بالطرق الصوفية الكبيرة ، واهتمت بشكل أساسي بقادة تلك الطرق، وأخذت فى تلميعهم واستفادت من زعامة الطرق الصوفية والبيوتات الدينية فى كسب مؤيديها ، فأصبحت بهذا قادرة علي التحرك السياسي نحو البرلمان والسلطة ، وقد استفادت جبهة الميثاق الإسلامي في بداية عهدها من الانتقادات التي كان يوجهها البعض للقيادات السياسية ، من زعامات الحزب الاتحادي الديمقراطي وحزب الأمة ، فى الوقت الذي كانت زعامة الطرق الصوفية الاخرى الصغيرة بعيدة عن تلك الانتقادات فلما اتت الجبهة الاسلامية القومية بعد انقلاب 1989 اخذت تعمل عن محو الطرق الصوفية الكبيرة التي كانت تسميها الطائفية او التقليدية ،فحلت احزابها وسجنت قادتها ولاقي هذا التصرف الاستهجان من الجميع ،فقادة الطرق الصوفية الختمية والأنصار وغيرهم لهم مكانة لدى الشعب السوداني ليس من مريديهم ،ولكن من كل اهل السودان ،وحتي فى عهد الاستعمار لم يجرؤ المستعمر فى سجن او اعتقال قادة الطرق الصوفية بهذا المسلك فقد بعدت المسافة بين قادة تلك الطرق والحركة الإسلامية رغم وجود مايقارب بينهم.
جبهة الميثاق الإسلامي رغم تمددها ، فشلت فى أن تصبح حركة ودعوة فى وقت واحد، لترسيخ وجودها . لان تكوينها يقوم على أساس ديني شامل ومن الصعب التمسك بالحركة والدعوة معا ، لهذا كانت هناك مجموعة ترى عدم الاستعجال للولوج إلي العمل السياسي ،منهم من رأي أن مسالة تحويل الإخوان إلي تنظيم واسع (جبهة الميثاق الإسلامي) فيه خطورة علي منهج الإخوان، لذا أصر البعض منهم علي التمسك بتنظيم (الإخوان المسلمين) ، وعاد إليهم البعض بعد أن ثبت لديهم أن جبهة الميثاق الإسلامي خرجت عن المنهج المنظوم للإخوان عالميا غير ان الصادق عبد الله عبد الماجد عاد مرة ثانية لجبهة الميثاق الإسلامي الا انه خرج ثانية بعد المصالحة 1977 ليعود ثانية (للإخوان المسلمين) ولكن ظل (الإخوان المسلمون ) هؤلاء حزباً صغيراً إلي يومنا هذا،غير انه ظهر الآن تيار داخل الإخوان المسلمين منخفض الصوت ، يري انه من الأفضل الخروج من هذا التقوقع ، والالتقاء مع الآخرين فى الحركة الإسلامية عموما ، والمؤتمر الوطني خصوصا ، وهذا الاتجاه يقوده بعض الذين استهوتهم السلطة أو رتعوا فى جناتها، فى الفترة الأخيرة مثل الدكتور الحبر نور الدائم ، (الذي صار مرشدا بعد اعتزال زعيمها صادق عبدالله عبد الماجد) والحبر هذا بطبعه متردد فى مواقفه الفكرية يمضي الأمر ثم يرجع متسترا بألفاظ اللغة العربية فى حياء أحيانا ، وعلنا تحت راية المشاركة فى السلطة كضرورة اقتضتها الضرورة ! الإخوان المسلمون هذا الحزب الصغير انقسم الان لعدة اقسام منها ماهو تابع للمؤتمر الوطني تبعية مطلقة وهو القسم الذي يقوده الحبر يوسف نورالدائم .
الشيخ حسن الترابي ومن شايعه فى ذلك الوقت ، قدموا تنازلات كثيرة وخرقوا قواعد الحركة الإسلامية العالمية ، وهو تنظيم الإخوان العالمي، وتحولوا إلي (جبهة للميثاق الإسلامي ) فى سبيل توسيع القاعدة الجماهيرية، واستعداداً للوصول للسلطة، ومن ثم سعت جبهة الميثاق الإسلامي للسيطرة علي الجبهة الوطنية المعارضة لنظام مايو وقيادتها ، ولما فشلت الجبهة فى إزالة نظام النميري ، شاركوه الحكم ، وقاموا بتأسيس مؤسساتهم المالية بنك فيصل وغيره وتمكنوا منه وزرع عضويتهم فى القوات المسلحة وفى جميع مفاصل الدولة .
المصالحة مع نظام مايو
بعد ان فشلت الجبهة الوطنية فى اسقاط نظام مايو قررت الحركة الاسلامية بقيادة الترابي مصالحة النظام ،فكانت المصالحة عام 1977 ،وعلي اثر ذلك خرجت الجماعة الملتزمة بفكر الإخوان المسلمين القائم علي التداول السلمي للسلطة وفقا للمادة 3من نظام الإخوان ، التي توجب قيام مجتمع إسلامي وقيام حكم اسلامي عن تراضي وشورة ،وكان ابرز من خرج ولم يعد بعد هو الصادق عبدالله عبد الماجد ،وكان هذا اول انقسام كبير فى الحركة الاسلامية ،ومن بعده كثيرت الانشقاقات الي يومنا هذا .
ان فكرة مصالحة نظام نميري لم تأت فى عام 1977 انما هي فكرة قديمة، اختمرت فى رأس الترابي منذ عام 1971 بعد فشل حركة 19 يوليو 1971 ،حيث فكر الترابي وهو فى السجن فى المصالحة مع النميري فوسط محمد الفيصل ابن الامير عبدالعزيز لهذا الامر عن طريق الطيب زين العابدين، وهناك من يقول ان الطيب زين العابدين فعل ذلك من تلقاء نفسه الا انه فشل فى ذلك، والجدير بالذكر ان الطيب زين العابدين الان قد فارق الترابي واصبح شخصية إسلامية مستقلة وله اسهامات وطنية مقدرة يجد الاحترام من جميع القوى السياسية والوطنية ومنظمات المجتمع الوطني لموافقه الشجاعة والتي تقف مع الحق اينما كان .
تمت المصالحة عام 1977 وهي مصالحة تمت بين نظام مايو والجبهة الوطنية ، ماعدا الحزب الاتحادي الديمقراطي ،حيث شملت المصالحة حزب الامة والحركة الاسلامية ،دخلت الحركة المشاركة بعد حوار وشد وجذب بين قيادتها والتي انقسمت الي معارضة للمصالحة ومؤيده لها ،ومن الذين عارضوا المصالحة صادق عبدالماجد وعصام احمد البشير والمرحوم الطيب احمد قاسم والدرديري محمد احمد ،وكان القائد والمدافع عن المصالحة الترابي هو الذي فكر فيها كما بينا عام 1971، وكان الخلاف الدائر فى الحركة الاسلامية حول جدوى المشاركة فى نظام مايو الفاسد الذي لايقيم شرع الله ، كما انه نظام اتى للسلطة عنوة ، بخلاف نهج الإخوان ،غير ان الترابي بذل مجهودا كبيرا لاقناع القيادة تحت فلسفة الغاية تبرر الوسيلة ،رغم انه كان يرى ان اشد الحرج ان يضطر الي مشاركة نظام مايو الفاسد ، غير ان الضرورات عنده تبيح المحظورات ،وبهذا قال بفقه الضرورة ،ويري الترابي ايضا انه رضي بالمشاركة لان النظام وعد بتطبيق الشريعة الاسلامية ،ويمكن العمل فى هذا الاتجاه من خلاله وان المشاركة تبيح للاخوان فرصة التطوير والتمكين .
وفى رأيى ان الترابي يريد ان يقول انه يمهد بهذه المشاركة للانقضاض علي النظام فى المستقبل، ولكن احتفظ بهذا لاسباب تتعلق بالتامين ، ومن اجل التمويه كان الترابي دائم الحديث عن ان السلطة ليست هدفا للحركة فقد قال لمجلة الامة القطرية -عام 1405ه( الحركة الإسلامية تفنى اليوم فى المجتمع، وكلما حقق المجتمع حضور ووجود الإسلام، ذابت هي فيه، لأنها ليست غاية لذاتها. وهذا امتحان عسير لكل حركة تدّعي أنها طليعة تحول اجتماعي. ولما وقع التحول أصرت على أن تظل هي متمكنة فى السلطان، وأضر ذلك بقضيتها ذاتها، لأنها بدلاً من أن يحاصرها الأعداء الذين يكيدون لها، رضيت بأن تحاصر نفسها ... وبدلاً من أن يعزلها غيرها، اعتزلت هى وتجردت وأصبحت جسماً منفصلاً عن المجتمع). قال هذا وهو يخطط للانقلاب على الديمقراطية والاستيلاء علي السلطة عنوة وهذا ماتم فعلا فى 30/6/1989، ومما ماقاله بهذا الشان فى كتابه الحركة الاسلامية (يبدو ان صلح الحركة والنظام انما ورد فى سياق تصالح وطني شامل، اشتركت فيه الاحزاب المتحالفة فى الجبهة الوطنية المعارضة بل بادر به بعضها، ولقد استدعت هذا التصالح ضرورات وطنية لدي الجبهة والحكومة اذ اثخنهما الصراع ،وجرهما الي سفك الدماء وتبديد الطاقات الوطنية وألجأهما الي الاستقطاب الدولي وورطهما فى مجابهة لاتنحسم ، ثم ان المصالحة الوطنية وافت حاجة الحركة فى مرحلة استراتيجيتها الجديدة نحو تمكنها من تطوير طبيعتها ودعوتها جذريا ومن بسط فكرها ،ووضعها بين جماهير الشعب والتميز بامرها الاسلامي الخالص، ذلك كله فضلا عما واتي المصالحة من تاييد فى سائر الظروف الوطنية والدولية ، وبالرغم من ان المصالحة لم تلق اجماعاكاملا فان الجماعة انفعلت بتجربة السجون والاضطهاد وذكريات الفتنة ،بما لايدعوها الي الاصرار على العدواة والثأر وشفاء الغيظ وتصفية الحساب بل تجاوزت الماضي بيسر ،واقبلت علي المستقبل بخاطر مطمئن –مقدرة ان الخير فى ان تستكمل شوطا من الصبر الجميل ،والمجاهدة الصادقة بشوط من الدعوة بالحسني والعمل الايجابي المباح ).
ويضيف الترابي (المشاركة فى السلطة حدثت فعلا فى عهد نظام مايو بنصيب محدود مقدر وبوجه حي، اذكانت مشاركة مبنية علي نيات متعارضة وتدابير متكايدة احيانا ،فالجماعةكانت من جانبها لاتبالي مع المشاركة بان تنتقد سياسات النظام تلميحا او تصريحا بل كادت تتبرأ من بعضها، والنظام من جانبه لم يرع عهد المشاركة الا يهاجم الحركة ويكيد لها كيدا .ولا غرو ان ثار جدل كثيف حول هذه المشاركة جراء ما بلغته فى مدي التورط مع نظام عسكري منكر وما لازم اضطراب علاقاتها بالنظام وكدرها ،وما كانت تنذر به من احتمال الغدر بالحركة ،وإن كان ما بطن من الحيثيات الداعية للمصالحة اكثر مما ظهر ، فقد دبت الخلافات بكل وجه فى اصل مشروعها وفى حكمتها السياسية فدار الخلاف حول جواز المصالحة اصلا، من حيث ان النظام لايحكم بما انزل الله ،وقد ورد هذا الاحتجاج من داخل الجماعة نفسها ومن تلقاء حركات إسلامية اخري كانت لاتؤازر السلطان او بوزنها دون ان تقاربه ، وقد ساد الرأى بان المشاركة الصادرة من شوري الجماعة لا من هوى الفرد المؤسسة على اقل تقدير وتدبير يتوخي مقاصد الدين ومصالح تمكينه، وإنها ليست فى شئ من الاعانة على الظلم ،وانما هي فى وجه من المجاهدة والمنازعة للقوي اللادينية المتحكمة لتحويل النظام نحو الاسلام ).
فضاق النميري بالترابي وجماعته ذرعا ، ولكن بعد فوات الأوان، واما العهد الديمقراطي بعد الانتفاضة ، فقد رأت جبهة الميثاق الاسلامية ان تتطور اكثر مما هي عليه فسمت نفسها (بالجبهة الإسلامية القومية) سعيا وراء مزيد من التوسع ، فأثرت تأثيراً مباشرا فى حكومة الانتفاضة فكانت فى تكوينها أسبه بالطريقة التي احتوي بها الحزب الشيوعي حكومة أكتوبر . وفى سبيل ذلك سعت الى توسيع قاعدة الجبهة الإسلامية القومية بأي أسلوب (لان بعض الجماعات الإسلامية كما هو معروف عقائديا كانت تري إنها خارج الشرعية ) أو فوقها ، وتؤمن بان الغاية تبرر الوسيلة ، وان إقامة حكم إسلامي يعلو فوق كل اعتبار ، فقاموا بتزوير انتخابات الخريجين فزادت عضويتهم بالجمعية التأسيسية أضعافا مضاعفة ، ولكنهم رغم هذا لم يفلحوا فى تحقيق أهدافهم ، حيث تضافر عليهم الجميع ، فقرروا الانقضاض على الديمقراطية بما مهدوا لذلك إبان عهد نميري ، ولكى تتحول فعلا إلى حزب سياسي جماهيري استولت علي السلطة كلها فى 30/6/1989 .
وللتاريخ ان فكرة الاستيلاء على السلطة بالقوة كانت فكرة قديمة عند الإخوان المسلمين ،ففى فترة ما قبل الاستقلال كانت حركة الإخوان المسلمين ضعيفة ،بالمقارنة بالاحزاب السياسية الكبيرة فتملكهم اليأس الي الحد الذي فكر فيه الرشيد الطاهر بكر ووقتها كان المراقب العام للإخوان المسلمين ان يرشح نفسه فى قائمة حزب الأمة فى انتخابات 1956، إلا ان طلبه هذا قوبل بالرفض ولما تمكن اليأس منه فكر الرشيد الطاهر مرة أخري فى التخطيط لانقلاب عسكري ضد الفريق عبود ،غير ان الانقلاب فشل وحوكم فيه الرشيد بخمس سنوات سجن ،وفى فترة سجنه انتقلت قيادة الإخوان للصادق عبد الله عبد الماجد، الجدير بالذكر ان الترابي كان ضد فكرة الانقلاب العسكري التي خطط لها الرشيد الطاهر، وهذا يعني ان فكرة الانقلاب العسكري والاستيلاء علي السلطة بالقوة كانت فكرة قديمة عند الإخوان المسلمين ،ويبدو ان هذا الفكرة التي بدأت بذرتها الأولى عند الرشيد اقتنع بها الترابي بعد عقود من الزمان بعد ان أصبح هو المرجعية الفكرية للإخوان المسلمين.
يقول حيدر طه فى مؤلفه (الإخوان والعسكر) يصف الطريقة التي اتي بها الترابي لقيادة الإخوان المسلمين (قد وصف عهد الترابي مابين 59-1964 بعهد الكمون الاول حين فزعت الحركة الي حذر بالغ دون ان تلاقي إى ابتلاء، وانفعلت انفعالا شديد وكمنت كمونا حادا حتي جمدت نفسها، وانتقلت للأنفعال بالاحداث مرة أخرى والى الطلاب فى جامعة الخرطوم وصادف هذا الانفعال عودة قيادات جديدة الي الانضمام الي الحركة بعد غياب دام اكثر من اربع سنوات فى الخارج ،كان ضمن العائدين الدكتور حسن الترابي الذي نال دبلوم الدراسات العليا ثم الدكتوراه فى القانون العام المقارن سنة 1964 ،وعاد ليواصل عمله محاضرا فعميدا لكية القانون بالجامعة كان من ضمنهم الدكتور جعفر شيخ ادريس الذي اكمل دراسته لنيل الدكتوراه فى الفلسفة بانجلترا .
هذه القيادة الجديدة جاءت تحمل معها الاسئلة الصعبة عن التنظيم وماهية الحركة ؟وهل تكون القيادة فردية ام جماعية ،وهل الحركة هيئة للضغط السياسي ام حزبا يسعي للسلطة ؟وهل للحركة الحق ان تستخدم القوة ام هي دعوة بالحسني؟ وطرحت لاول مرة قضية العلاقة بالسياسية والأحزاب السياسية الاخري .
انتهت هذه المسائل الصعبة الي إجراء تغييرات فى شكل القيادة ،كما جرت مراجعات دستورية مست التفاصيل التنظيمية ،وكان عهدا جديدا للحركة قد بدأ بعد ثورة أكتوبر 1964، فقد لمع نجم الدكتور حسن الترابي لاول مرة لدورة فى ندوة عن مشكلة الجنوب بهجومه السافر ضد الحكم العسكري ودعوته لعودة الحرية والديمقراطية وحكم الشوري، ومن ثم انتخابه فى ديسمبر 1964 امينا عاما لجماعة الإخوان المسلمين وجبهة الميثاق الإسلامي وهو لم يتجاوز 33 عاما من عمره .
مبررات المصالحة مع نظام نميري
وهناك من يري ان فكرة الانقضاض علي النظام من قبل الجبهة الاسلامية القومية ايا كان نظام الحكم بدأ من 1985 أي فى عهد الديمقراطية ،حيث ان فكرة الاستيلاء على السلطة عنوة ترسخ فى فكر الترابي منذ زمن بعيد علي الاقل منذ اكتوبر 1964 ،حيث يقول الرشيد محمد ابراهيم([1]) (التفكير بالأعداد للعمل العسكري بدأ عقب فشل العمل المشترك مع الأحزاب (فيما عرف بالجبهة الوطنية) والتي كونت لإسقاط نظام مايو في العام 1976 ،القرار كان هو قرار الحركة الاسلامية ممثل في مكتب شورى الحركة الذي فوض الأمين العام د.حسن عبدا لله الترابي بالإشراف والإعداد لهذا العمل العسكري بغرض الاستيلاء علي السلطة على ان يستعين الترابي بسته من أعضاء مجلس الشورى كمساعدين في اداء هذه المهمة وهم (يسن عمر الإمام –عوض الجاز – على عثمان - علي الحاج – ابراهيم السنوسي- عبد الله حسن احمد ) بمساعدة التنظيم الخارجي للعمل العسكري بقيادة عثمان عبدالوهاب وكان التنظيم جاهزا لاحداث الانقلاب العسكري فى العام 1985 بعد اعتقال قيادات الحركةفى سجن كوبر ابان نظام مايو، الا ان قيام الانتفاضة كفت اوقفت عن التنفيذ كماكانت هنالك بعض الكوادر المسئولة عن الاشراف علي هذا التنفيذ مثل محمد احمد الفششوية –علي كرتي -علي الروي –محمد حسن المقلي –عمر عبد المعروف
يقول الرشيد محمد ابراهيم ان ساعة الصفر الاولى كانت عام 1985والثانية فى 22يونيو 1989 والثالثة 30/يونيو 1989 فكانت الأخيرة .
قلت ان فكرة الإتيان للسلطة بالقوة فكرة قديمة عند الحركة الإسلامية ،وعند الترابي بصفة شخصية، ونسبة لتاثير الترابي علي فكرة الحركة الإسلامية تحولت الفكرة لعقيدة سياسية راسخة فى ذهن كثير من قادة الحركة الإسلامية ، خاصة بعض ان عانوا من السجون والمعتقلات فى الأنظمة الشمولية ،اثناء مشاركة الحركة فى نظام نميري ، تمكنت من تجميع خلايا العسكريين بصورة سرية استعدادا للانقلاب على الحكم فى أي وقت وتكونت لهم القوة الكافية للانقلاب على السلطة ،خاصة بعد ان حققوا مكاسب كبيرة بعد إعلان الشريعة ،وتمكنهم من توجيه النظام برمته نحو أهداف الحركة الإسلامية ،لما قامت الانتفاضة فى ابريل 1985 ،كان قادة الحركة فى السجون وكان من بينهم الترابي لهذا يكن للحركة الإسلامية أي دور فى انتفاضة ابريل 1985 ،غير إنهم استفادوا من الضباط الكبار الذين تم تجنيدهم لصالح الحركة الإسلامية فى تكوين مجلس الثورة مثل المشير سوار الدهب الذي كان عضوا فى الحركة الإسلامية وكذلك الدكتور الجز ولي دفع الله .
الجبهة القومية الإسلامية
بعد الانتفاضة وعودة الحياة الديمقراطية قررت جبهة الميثاق الإسلامي ،وكان هذا هو الاسم السياسي للحركة الإسلامية التوسع نحو المجتمع واستقطاب القوى المتدينة من الطرق الصوفية وبعض البيوتات الدينية ،ولمزيد من العمل الجبهوي قررت ان تتحول الى الجبهة الإسلامية القومية كما بينا استعدادا للانتخابات القادمة ،وهي فى نفس الوقت كانت تخطط للاستيلاء علي السلطة عن طريق الانقلاب العسكري، الا ان الضربات التي أصابت الحركة فى أيامها الأخيرة من قبل نظام نميري لم يمكنها من ذلك لقد كانت فكرة الانقلاب العسكري مخمرة فى فكر الحركة حتي بعد عودة الحياة الديمقراطية عام 1985، ولأسباب كثيرة تم تأجيل الفكرة حتي عام 1989، وفى هذا يقول الرشيد محمد إبراهيم([2]) (بدأت الحركة فى التحول الي المجتمع فى فترة الديمقراطية والحريات ،فانتقلت من تنظيم نخبوي الى تيار شعبي عريض هو (الجبهة الإسلامية القومية ) الذي جاء تكوينها بميدان عبد المنعم بالخرطوم (2) وترأس جلستها البروفسير التجاني حسن الأمين، وفى هذه المرحلة مدت الحركة أواصر التواصل مع قطاعات المجتمع ،وبهذا الاسم الجديد خاضت الحركة الإسلامية الانتخابات وحصلت علي 50معقدا عن طريق التزوير بواسطة دوائر الخارج ،واكتسبت بذلك الموقع الثالث فى البرلمان، ولكنها كانت تعلم ان هذا كسب غير حقيقي تم عن طريق التزوير وان مصيره للزوال، فقررت الانقضاض علي الديمقراطية بحجة تضافر الاحزاب عليها لإخراجها من الحكم، فكان انقلاب 1989 الذي نفذه المكتب التنفيذي للجبهة الإسلامية القومية ،يقول الرشيد محمد إبراهيم (يجدر بنا ان نشير الي أن إمارة الإخوان داخل الجيش حسب الأقدمية العسكرية هم:
1/ اللواء الهادي مأمون المرضي –أحيل للتقاعد أيام نميري
2/ العميد طيار /مختار محمدين –استشهد فى سماء الناصر بطائرته فى فترة الديمقراطية الثالثة
3/ العميد عثمان احمد حسن –تم استبعاده لأنه اشترط أن يكون ولاءه للجيش بعد التنفيذ وليس للحركة الإسلامية
4/ العميد عمر حسن البشير –تولي امر تنفيذ ثورة الإنقاذ الوطني)
العضوية الملتزمة من الإخوان فى مجلس قيادة الثورة )
1/ عمر حسن احمد البشير
2/ الزبير محمد صالح
3/ عثمان احمد حسن
4/ فيصل مدني مختار
5/ محمد الامين خليفة
6/ إبراهيم شمس الدين
_ساعة الصفر الأولى -1985 وساعة الصفر الثانية 22 يونيو 1989 –ساعة الصفر الثالثة 30/يونيو 1989 .
حل الحركة الإسلامية
بعد نجاح الانقلاب طرح فى مجلس الشورى تقليص المجلس بإخراج 60% والإبقاء علي 40% من العضوية الملتزمة لإفساح المجال للمستقطبيين والعسكريين الذين ساهموا فى الانقلاب من غير أعضاء الجبهة الأسلاميةالقومية ،وطلب من الحاضرين ممن يرغب فى التخلي عن موقعه مغادرة مكان الاجتماع فلم يفعل احد، وأخيرا أجريت القرعة بين الحاضرين وتم اخراج 60% من العضوية وتبقي 40% فقط فى ذلك الاجتماع ،تم اختيار آخرين من المستقطبين لمجلس الشورى ومجلس قيادة الثورة من غير الإخوان وآخرين من دونهم ،لهذا ليس صحيحا ما يقال ان الترابي قام بحل الحركة الأسلامية، فهذه هي الصورة التي تم بها الامر بما يعني حل الحركة الأسلامية بصورتها القديمة ،ومن وقتها دب الخلاف داخل الحركة فخرج من خرج دون عودة الي يومنا هذا ،لهذا يقال ان بناء حركة إسلامية جديدة اقتضتها ظروف الانقلاب العسكري .
لابد ان أشير هنا أن قرار تشكيل الحركة الأسلاميةبما يساعد علي استيعاب غير الملتزمين بفكر الحركة تم بناء علي قرار من مجلس الشورى ووفقا للأسس التنظيمية للحركة ،وتم فى اجتماع ترأسه السيد/إبراهيم احمد عمر ومجلس الشورى هو الجهاز الذي من حقه إصدار مثل ذلك القرار فى غياب المؤتمر العام حيث أن الضرورة وقتها تقتضي ذلك ،وقد أشار لذلك عبد الرحمن عمر محي الدين بقوله (إذ أن طرف اقره مجموعة العسكريين الذين شاركوا فى التنفيذ فكان لابد أن يستقطبوا فى شكل التنظيم الجديد، بالإضافة لتوسيع مواعين الشورى لتشمل قطاعات كثيرة من القوى الفاعلة فى المجتمع ،وقد تم الاتفاق علي تسمية (المؤتمر الوطني) باعتباره هو الحركة الأسلاميةبشكيلها الجديد ،غير أن المؤتمر الوطني توسع بعد ذلك توسعا كبير ودخلته عناصر لا علاقة لها بالحركة الأسلامية، بل ليس لهم علاقة حتى بالإسلام نفسه ،ومن وقتها ارتفعت بعض الأصوات رافضة لهذا التوسع ،وان الحركة الأسلاميةفى طريقها للذوبان ،وان من المجموعة التي اسند لها إعادة تشكيل مجلس شوري الحركة قد تجاوزت التفويض الذي أوكل لها، رغم ان المجموعة التي قامت بالتعديل ورأت قيام المؤتمر الوطني أسسته بنفس هيكل الحركة السابق مؤتمر عام مجلس شوري مكتب قيادي الأمانة العامة ،رغم كل هذا هناك من يري ان التفويض الذي أعطي للذين اسند إليهم إعادة هيكلة الحركة (وجلهم من الذين نفذوا الانقلاب العسكري) انهم استغلوا التفويض إلي أقصي حد ممكن ،وان التفويض كان لأجل محدود عبارة عن فترة انتقالية ،إلا ان من اسند إليهم الأمر لم يلتزموا بحدود الفترة الانتقالية.
الحقيقة ان التفويض لم يحدد أجلا له ،وان الظروف لم تسمح لهم بذلك فى بداية الثورة، وفى هذا يقول الترابي فى كتابه الفقه الإسلامي([3]) (ولذلك كانت الحركة لأول عهدها تدعو الافراد فتزكي دينهم وتربي قوتهم ،اما بعد ثورة الانقاذ فقد استمر اول العهد التعويل على طلائع الوعي المتجدد ،وعلي شريحة القيادة فى الحركة الأسلاميةالتي غالبت قوى الباطل التي كانت تطارد الاسلام قهرا من ساحة السلطان ،فقبلتها وسيرت الامور بعد الفتح سرا بدائرة محدودة من اعضائها ، ولربما راودنا الغرور بحركتنا اذا اثرنا الاستغناء عن المجتمع ،بالعكوف عنه تفرغا لتطهير ساحة حياته العامة وتاسيس اركانها وتامين مشروع التوجه الاسلامي والانصراف عن هدايته وتزكيته لاجل مسمي والاكتفاء بتعبئيته ومخاطبته جولات حيثما لزم ليبذل او يصبر فى شان ذي بال ،ومن بعد احطنا الشعب وأظللناه بأشكال هياكل صورية من "المؤتمر الوطني" لا تحيا بإجماع رأى حي ،وولادة صف قوى مخلص بل تعلق الناس بخيوط الولاء الي الجهة العليا لتقطع وشائج الو لاءات المهزومة ) اخلص من هذا ان الاتهام الذي وجه للترابي بانه حل الحركة الأسلاميةليس صحيحا .
الشرعية الدستورية (حل مجلس الثورة)
فى سبيل إرساء أركان النظام وبعد ان ثبتت ثورة الإنقاذ أقدامها رأت ان تتحلل من قبضتها العسكرية ،حيث ان أهل السودان لا يقرون بالأنظمة العسكرية ،ويرون انها أنظمة مؤقتة مصيرها للزوال مهما طال بها العهد ، صحيح ان الانقلابات العسكرية تجد الترحيب فى بداية عهدها ،حيث يكون الشعب قد سئم خلافات الأحزاب وصراعاتها الكثيرة وانشغالها بنفسها حيث يرون ان الانقلاب العسكري سوف يرحمهم من ذلك ،بالإضافة للشعارات التي يرفعها الانقلاب العسكري الا انه لا يمضي زمنُُ حتي يسأم الشعب من ذلك الانقلاب العسكري ويطالب بالديمقراطية والحرية وعودة الأحزاب ومن ثم تدور الدائرة .
رأت ثورة الإنقاذ وبعد بقائها زمنا وبسب المقاومة السياسية والضغوط الخارجية أقرت بضرورة العود للحرية السياسية وشرعية الأحزاب، ومن ثم رأت أن تتحول إلي حزب جامع(المؤتمر الوطني) فحذفت حتى كلمة إسلام من اسم الحزب ، هذا من حيث الشكل. أما من حيث البرنامج فانه نفس برنامج الجبهة الأسلاميةالقومية ،تم هذا التوسع الهائل بوعي ويقظة حتى لا يذوب الإخوان فى عموم الحركة ،و تذوب الحركة فى المؤتمر الوطني ، ذلك الوعاء الجامع ،عملا برأي شيخ حسن المتعلق بالتوسع (وكانت الحركة أكثر ما كانت توكلا علي الله ثم علي متانة نموذجها حين دخلت بجماعة الإخوان المسلمين وهم ألوف فى الجبهة الأسلاميةالقومية ، وهي مئات ألوف وكان حظ الأوائل مقام الإمام فى نمط الفكر والعمل والتنظيم ،فما ذابوا ذوبان انحلال وانطماس بل وجدوا فى حشد الجبهة بعضا ممن كانوا علي ذات مستواهم وبعضا اهتدوا واقتدوا ).
لتغيير وجهها العسكري والتحول تدريجا نحو النظام المدني ،رأت الانقاذ ان الامر يقتضي حل مجلس قيادة الثورة حيث كانت تعتبر الحركة أن القبضة العسكرية مرحلة مؤقتة لمعرفة الحركة بطبيعة أهل السودان، ومن ثم لابد من مد زراعها نحو الحرية والديمقراطية ،فقررت حل مجلس الثورة والتدرج لمرحلة الشرعية الدستورية والاعتراف بالأحزاب والحريات العامة وإيقاف الحرب ،ثم العودة للنظام الديمقراطي التي كانت تأمل ان يؤول الأمر لها فيه ،هذا بالإضافة للضغوط الداخلية والخارجية التي مورست عليها وهذه هي طبيعة الأنظمة الشمولية العسكرية العقائدية .
هنالك حديث مهم حول صدور قرار الحركة بحل مجلس قيادة الثورة ترتبت عليه أثار خطيرة نشاهد نتائجها اليوم، وهو ان رئيس مجلس قيادة الثورة السيد عمر حسن احمد البشير رفض قرار الحل من حيث المبدأ ،وبعد مداولات وحوارات وافق علي حل المجلس عدا رئيسه عمر حسن احمد البشير بحجة انه قائد المجلس وهو صمام أمان للثورة ومشروعها الإسلامي (كما ذكر عبد الرحمن عمر محي الدين )ويعتبر ما قام به عمر للبشير أمر مخالف لقواعد الحركة الأسلامية، رغم ذلك لم يحاسبه احد ولم ينبهه احد لهذا المسلك غير المنضبط ،وظل محتفظا ببذته العسكرية ولبسها مؤخرا وذلك عندما قام بحل المجلس الوطني بخلاف الدستور ، لذلك قلنا فى أول الحديث أن ذلك الموقف كان له أثره فيما بعد ، كما يجب استعادة ذاكرة هذا الموقف ووضعه فى الاعتبار عند انشقاق الحركة الأسلاميةالذي وقع عام 1999 .
استميح القارئ عذرا باني سوف اذكر فى هذه الجزئية تفاصيل قد تبدو مملة وسخيفة ،ولكنها ضرورية للوقوف علي ماآل اليه الامر اليوم لانه كانت له اثار قديمة اخذت تتجدد وتزاد مع الزمن ،وان هناك رواسب قديمة اخذت تطفو علي السطح ،ان مسالة اصرار رئيس مجلس قيادة الثورة علي عدم انصياعه لقرار حل المجلس والتجاوز عنه اصبحت له اثار سالبة علي مجرى الاحداث فى المستقبل ،كما ان وفاة المرحوم الزبير محمد صالح ،ووقتها كان نائب رئيس الجمهورية واختيار بديل عنه كانت محل خلاف فى قيادة الحركة ، ففي منزل الترابي بالمنشية كان الاجتماع الذي ضم كل من حسن الترابي ويسن عمر الامام وابراهيم السنوسي وغازي صلاح الدين فرشح اربعة اشخاص منهم علي عثمان وعلي الحاج وعبدالله حسن احمد وعوض الجاز وقد تم التداول حول هؤلاء واستقر الامر فى النهاية لترشيح اثنين يختار منهم الرئيس منهم واحداً وهم علي عثمان محمد طه وعلي الحاج 0غير ان إبراهيم السنوسي وغازي صلاح الدين كان رايهم ان يكون الترابي هو النائب الاول دون ترشيحات اخري غير ان ياسين عمر الامام رفض ذلك الامر بشدة ،وقال لايمكن لرئيس الحركة الإسلاميةان يكون نائبا لرئيس الجمهورية ،وذلك الامر لان الحركة حاكمة فكيف ياتي الرجل الاول ليكون نائبا حيث ان الحكومة تعتبر أداة من أدوات الحركة ،والأفضل ترشيح علي وعلي الحاج ليختار احدهما وانفض ذلك الاجتماع دون التوصل الى قرار وعقد اجتماع اخر موسع حضره الكاروري وعبد الوهاب عثمان واخرين ،وفى ذلك الاجتماع تم طرح اسم الترابي مرة اخري ، الا ان الترابي اعترض علي الترشيح بحجة ان من تجاوز الستين عاما يجب الا يشغل منصبا تنفيذيا وطرح الاجتماع ترشيح ثلاثة أشخاص يختار الرئيس احدهما وهما علي الحاج وعلي عثمان والترابي ،وقدم الترابي الأسماء للرئيس الذي قال اذا ورد اسم الترابي فى الترشيحات سوف أستقيل لانه لايمكن ان يكون الترابي نائبا ، اما علي الحاج فان العمل معه صعب وعليه فاني سوف اختار علي عثمان محمد طه ،ومن ثم اصبح علي عثمان محمد طه نائباً لرئيس الجمهورية الي يومنا هذا .
ان الطريقة التي تم بها اختيار نائب رئيس الجمهورية تعتبر ِمخالفة للوائح ولم يتم الاختيار بطريقة صحيحة لانها تمت خارج المؤسسات ، الامر الذي احدث شرخا كانت له اثار ظاهر ،يقول البعض ان معظم الترشحات التي تتم بعض الاحيان بطريقة مفاجئة كانت تتم هكذا خارج المؤسسات وهذه واحدة من الاسباب الكثيرة التي ادت لخروج قيادات كثيرة من الحركة الإسلامية.
بعد حل مجلس الثورة كون رئيس الجمهورية لجنة قومية لوضع دستور للبلاد، غير انه لم يلتزم بمسودة اللجنة القومية ،وقدم رئيس الجمهورية مسودة اخرى للمجلس الوطني الذي اجازها وهو ذلك الدستور الذي سمي دستور السودان 1998 ، جاء فيه الحق فى التوالي السياسي أي حرية تكوين الاحزاب، وقد اثارت عبارة التوالي السياسي جدل كبيرا حول المقصود منها الى ان عدلت بقانون الاحزاب السياسية مؤخرا، وبعد صدور الدستور انتقلت البلاد من الشرعية الثورية الي الشرعية الدستورية شكلا والى يومنا هذا، رغم ان دستور 2005 كان دستورا ديمقراطيا احتوىعلي وثيقة لحقوق الانسان وهي من اجود الوثائق ، الا ان القوانين جميعها جاءت مخالفة لها فلا توجد حرية تذكر حتي يومنا هذا ، ظل هذا النظام شموليا رغم انه اجري انتخابات زائفة زورها واصبح بذلك التزوير هو الحزب الذي يحكم السودان حتي هذه اللحظة ، وفي رأيى ان الحديث عن الشرعية الدستورية حديث لامعني له ،خاصة بعد التاسع من يوليو 2011 ،ولانود ان نخوض فى هذا لانه سوف يخرجنا مما نحن بصدده .
المؤتمر الوطني (حزب الحاكم )
لقد قامت الإنقاذ وامعانا فى اخفاء هويتها الإسلامية ،عقدت مؤتمرات شكلية ودعت لها لفيف من المثقفين والمنشغلين بالمسائل محل البحث من كافة الاتجاهات، الا انها وضعت الضمانات الكافية لتخرج تلك المؤتمرات بما يتوافق وتوجيه ثورة الإنقاذ الإسلامية ،والحقيقة ماخرجت به تلك المؤتمرات هو عينه برنامج الجبهة الإسلاميةالقومية التي خاضت به الانتخابات الاخيرة ،قبل انقلاب مع بعض التفصيلات غير المهمة والتي قصد منها (تغبيش الوعي ) عن هوية الانقلاب ، وان الانقلاب العسكري جاء قوميا ومن صنع القوات المسلحة ،وليس له اي توجه سياسي وهدفه هو انقاذ البلاد من الدرك الذي اوصلته الاحزاب السياسية اليه ،وللمحافظة علي وحدة البلاد وسيادتها، وانها أي ثورة الانقاذ جاءت لتجهز القوات المسلحة لدحر قوات التمرد والتصدي للضايقة المعيشية وايقاف التدهور الاقتصادي واصلاح المؤسسات العامة والخدمات الصحية والتعليمية ومحاربة الفساد ، كما جاء فى البيان الاول مانصه ) التمرد : فقد فشلت الاحزاب ايضا فى تحقيق السلام الذي رفعته شعار للكيد والكسب الحزبي الرخيص حتي اختلط حابل المخلصين بنابل المنافقين والخونة ، وكل ذلك يؤثر سلبا علي قواتكم المسلحة فى موقع القتال ،وهي تقوم باشرف المعارك ضدالمتمردين ولاتجد من الحكومة عونا علي الحرب او السلام هذا، وقد لعبت الحكومة بشعارات التعبئة العامة دون جد او فعالية ) .
جاء ايضا ايها المواطنون الشرفاء
لقد تدهور الوضع الاقتصادي بصورة مزرية ،وفشلت كل السياسات الرعناء فى ايقاف هذا التدهور ناهيك عن تحقيق أي قدر من التنمية فازدادت حدة التضخم ،وارتفعت الاسعار بصورة لم يسبق لها مثيل واستحال علي المواطنين الحصول علي ضرورياتهم ، اما انعدامها او لارتفاع اسعارها مما جعل كثيرا من ابناء الوطن يعيشون علي حافة المجاعة ،وقد ادي هذا التدهور الاقتصادي الي خراب المؤسسات العامة فى انهيار الخدمات الصحية والتعليمية ،وتعطل الانتاج وبعد ان كنا نطمح ان تكون بلادنا سلة غذاء العالم اصبحنا امة متسولة تستجدي غذاؤها وضرورياتها من خارج الحدود وانشغل المسوؤلين بجمع المال الحرام حتي عم الفساد كل مرافق الدولة ،وكل هذا مع استشراء التهريب والسوق الاسود بسبب فساد المسؤولين وتهاونهم فى ضبط الحياة والنظام
وجاء ايضا ايها المواطنون الشرفاء
قد امتدت يد الحزبية والفساد السياسي الي الشرفاء فشردتهم تحت مظلة الصالح العام مما ادي الي انهيار الخدمات ،وقد اصبح الولاء الحزبي والمحسوبية والفساد سببا فى تقدم الفاشلين فى قيادة الخدمة المدنية وافسدوا العمل الاداري ،وضاعت علي ايديهم هيبة الحكم وسلطات الدولة ومصالح القطاع العام ).
وامعانا فى التضليل والكذب الضار حول هوية الثورة جاء فى نهاية البيان الاتي:
(اليوم يخاطبكم ابناءكم فى القوات المسلحة ،وهم الذين ادوا قسم الجندية الشريفة الا يفرطوا فى شبر من ارض الوطن ،وان يصونوا عزتهم وكرامتهم وان يحفظوا للبلاد مكانتها واستقلالها المجيد ، وقد تحركت قواتكم المسلحة اليوم لانقاذ بلادنا العزيزة من ايدى الخونة والمفسدين لاطمعا فى مكاسب السلطة بل تلبية لنداء الواجب الوطني الاكبر فى ايقاف التدهور المدمر ولصون الوحدة الوطنية من الفتنة السياسية ،وتامين الوطن من انهيار كيانه وتمزق ارضه ،ومن اجل ابعاد المواطنين من الخوف والتشرد والجوع ،والشقاء وقواتكم المسلحة تدعوكم ايها المواطنين الشرفاء للالتفاف حول رايتها القومية ،ونبذ الخلافات الحزبية والاقليمية الضيقة تدعوكم للثورة معها ضد الفوضي والياس من اجل انقاذ الوطن ، ومن اجل استمرار الوطن موحدا حرا كريما عاشت القوات المسلحة حامية كرامة البلاد عاشت ثورة الانقاذ الوطني 000عاش السودان حرا مستقلا والله اكبر والعزة للشعب السوداني الابي )
تمشيا مع فكر الانظمة الشمولية كان لابد من قيام اشكال ومؤسسات تشبه مؤسسات الانظمة الديمقراطية ، فكان قيام المجلس الوطني كجهاز تشريعي ، وتم اختيار اعضاءه بالتعيين ولم تكتفي ثورة الانقاذ بذلك الجهاز التشريعي الكاذب فكل التشريعات تتم مناقشتها واقرارها داخل كيان الحركة الإسلامية ثم تاتي للمجلس للاجازة ،وهذا ماعهدناه فى كل المجالس التي قامت فى عهد الانقاذ المعينة والمنتخبة انتخابا شكليا حتي المجلس الاخير الذي جاء كل عضويته من المؤتمر الوطني عن طريق التزوير ،ولكي تتحول ثورة الانقاذ من نظام شمولي الي نظام ديمقراطي قررت انشاء حزب جامع لاهل السودان سمته المؤتمر الوطني ،وهذا هو نظام الحزب الواحد السائد فى العالم الثالث ،وفى الانظمة الشمولية العربية فنص فى نظامه بانه يسمح بتعدد المنابر داخله فى محاولة لنقل التجربة المصرية بهذا الشان ، غير انه فشل فى ذلك تماما (لان السودان بقدر ماكان تاريخه حافلا بعهود الظلم والاستبداد والقهر وكبت الحريات بقدر ماكان حافلا بالديمقراطية والحرية واحترام حقوق الانسان ،ومعلوم ان كبت حرية الانسان السوداني وان لم يستخدم العنف كطريق مشروع ،كما نري الان فانه يقود الي مقاومة سلبية تتمثل فى عدم الاشتراك فى التنظيمات الشكلية التي تنشئها الانظمة الشمولية )
المؤتمر الوطني وهو الاسم الجديد للحركة الإسلامية، كما بينا عند تحديد او تجديد هيكل الحركة الإسلاميةبعد حل مجلس الشوري القديم بالكيفية التي بيناها فيما سبق ، هذا من حيث الظاهر اما الحركة الإسلاميةبشكلها الجديد ظلت قائمة غير معروفة العدد وليست مسجلة كتنظيم سياسي او دعوي او غيره حتي الان. وتعقد مؤتمراتها سرا من حيث المكان والزمان
اصبح المؤتمر الوطني منذ ميلاده محلا للصراع ،وكانت مؤتمراته التي تعقد متباعدة من حيث الزمن لاتمر بسلام ومخرجاته تتم بصعوبة وتطور الصراع داخله، وهذه هي طبيعة الانظمة الشمولية وهي تحاول الخروج من عزلتها فتخلقٍ مزيداً من الكيانات والهياكل او تعيد ترتيبها بقدر يسمح بالمنافسة الداخلية او يفتح مجالا اوسع للمشاركة وذلك لتقليل النظرة اليه باعتباره نظاما سلطويا وعادة ماتدخله هذه التغيرات فى تناقضات تعجل بفنائه ، ومعلوم ان الانظمة الشمولية التي تاتي بها الجماعات الدينية ،والتي تستغل الدين لاغراض سياسية وخاصة الإسلامية منها تستعجل الأمور فى الوصول الي اهدافها التي جاءت من اجلها ، او التي وعدت بها واذا ماطال انتظار الهدف عادة ماينشب نزاع داخل النظام الشمولي او المنظمة العقائدية التي تديره ويكون الصراع واضحا بين الشيوخ والشباب كما نراه الان. وهو فى حقيقته ليس صراعا فكريا ولكنه صراع من اجل الوصول الي القيادة او الاحساس بفقدان القيادة او ترهلها وان كان ياخذ شكل الصراع الفكري ، الامر الذي يجعل الأنظمة العقائدية التي تديره تراجع الخطة من وقت الي اخر للإسراع بها قفزا فوق المراحل ،وذلك لإسكات القيادات الشابة التي عادة ما تجنح فى نقدها للقيادة لتقليدية رغم وفائها لها وذلك من اجل إفساح المجال لها فى المشاركة او تسليمها القيادة وهذه الجماعات معروفة بانها لا تعترف بخطأ ولاتؤمن بالنقد الذاتي لذلك تلجأ الي تصفية خلافاتها الداخلية بصورة حادة قد تصل الي درجة التصفية الجسدية والتكفير ،لهذا لما ضاقت الحركة الإسلامية من الحزب الجمهوري وهو الحزب الوحيد الذي كان ينافسها ويهدد بقاء الجبهة الإسلامية ،قررت تصفية مفكره الاستاذ الشهيد محمود محمدطه جسديا ،وذلك بوسمه بالردة والخروج عن الاسلام فى محاكمة صورية قال القضاء اخيرا بعدم صحة الحكم فيها ،بعد ان فارق المرحوم محمودمحمد طه الحياة وكانت محاكمة محمود محمد طه هي بداية حقيقية للتصفية الجسدية بين الجماعات الإسلاميةفى السودان ،ومؤشر خطير للعنف فى العمل السياسي، ورأيى ان محمود محمد طه لم يقتله نظام نميري انما من قام بقتله حقيقة هم جماعات الجبهة الإسلاميةالقومية تنظيما وقضاءا وتنفىذا ،فقد استقلت الجبهة الإسلاميةنظام نميري للقضاء علي خصومها السياسيين الحقيقيين خاصة فى الحركة الإسلامية ، ولتبرير أخطائها او فشلها تعتمد علي القدريات والإرهاب الفكري ، والحديث عن الخروج عن الملة والابتلاءات وغير ذلك من التبريرات غير المنطقية .
مذكرة العشرة
بعد مضي عشر سنوات اشتد الصراع داخل المؤتمر الوطني فكانت مذكرة العشرة التي كانت القشة التي قصمت ظهر المؤتمر الوطني ، مذكرة العشرة عبارة عن مذكرة أعدها عشر من قيادات الحركة الإسلامية وهم:-
1.احمد علي الإمام
2.غازي صلاح الدين
3.إبراهيم احمد عمر
4.نافع علي نافع
5.سيد الخطيب
6.بهاء الدين حنفي
7.حامد تورين
8.عثمان خالد مضوي
9.بكري حسن صالح
10. علي احمد كرتي
وكانت مطالبها تتنحصر فى المذكرة نصا(نقدم هذه الاصلاحات الهيكلية التي تعتبر اساسا لاصلاح جسم الحركة والتنظيم من اعلي رأسها الي اسفل اقدامها ،هذه الاصلاحات تناول مؤسسة الشوري والقطاع القيادي بما يحقق الاهداف الاربعة المتمثلة فى :
· توسيع الشوري وتيسيرها واكتسابها معني واثرا
· توحيد القيادة العليا واكسابها فاعلية ومضاء
· تكريس العمل المؤسسي فى المؤتمر رأسا وجسما
· تحقيق الاساس الصحيح لوحدة داخلية منيعة
نسال الله ان يهبنا بصيرة نافذة الي حيث ينبغي ان نسير وان يوحدنا بالعمل كما وحدنا بالامل وان يلهمنا التوفيق .)
هذه المذكرة اتت بعد عشرة سنين من تاريخ استيلاء الحركة الإسلاميةعلي حكم السودان، وفى هذه الفترة عقدت عدة اجتماعات للحركة وللمؤتمر الوطني ،ولم تنظر تلك المؤتمرات لما احتوته المذكرة من مطالب ،التي تبدو للعيان انها مصوبة بطريق مباشر نحو الامين العام للحركة الدكتور الترابي لصلاحياته كامين عام للحركة الإسلامية والحزب، الشخصية والطاغية علي الاخرين من اعضاء الحركة او المستقطيبن ،فقد شكل الترابي المرجعية الاساسية للحركة والحزب والحكومة ،والمسافة بينه وبين من يليه بعيدة بعد السماء للارض ،وهذا ليس عيب فى شخصية الترابي وانه لم يعمل لاحداث تلك المسافة البعيدة ،ولكن مادونه كانوا ضعيفي الثقافة الدينية والاجتهاد الفكري والسياسي ،لهذا بعدت المسافة، ولكن بعض الافراد من قادة الجماعة صوروا الامر بانه كان استعلاءاً من الترابي واضطهاداً لهم وانه انفرد بالمرجعية بما يتجاوز صلاحياته كامين عام للحركة ، لهذا كان الرأي ان يحل محله شخص آخر ،وبالعدم تقليص تلك الصلاحيات والسلطات ، او تصبح تلك السلطات والصلاحيات مشاركة بينه و السلطة التنفيذية لكي لاينفرد بها وحده ، ومن هنا بدأ الصراع ولكن يبدو ان الذين اعدوا تلك المذكرة لم يكونوا علي قدرها ،واعتبروا ان السلطة قادرة علي حمايتهم ،وان فى ما احتواته المذكرة سيجد القبول من عضوية الحركة الإسلامية ،ومن المؤتمر الوطني ،صحيح ان بعض من اعدو المذكرة لهم تاريخ فى الحركة الإسلامية ،وقد يكون قلبهم علي الحركة الإسلامية وخشيتهم علي الثورة الإسلامية من الانهيار ،وحكم الفرد غير ان البقية فكانت عيونهم علي السلطة أي الحكومة والترقي فيها وفى الحركة الإسلاميةوالمؤتمر الوطني.
الذين اعدو المذكرة نسو او دفعتهم السلطة لمواجهة كبيرهم الذي علمهم السحر، فلم يقدروا الامر حق تقديره ،فلما راي الترابي ان الامر يعنيه بشكل مباشر اعد العدة للمنازلة ،وفى هذا يقول عبدالماجد عليش ([4]) (ادرك د.الترابي حجم الاستهداف الذي اعده من يقفون خلف مذكرة العشرة فبدأ التجهيز لميدان وزمان النزال ، اما الميدان فقد اختاره ليكون المؤتمر الوطني ،وكان الزمان هو لحظة انعقاد المؤتمر العام للحزب ،وفى سبيل ذلك قامت الامانة العامة للحزب بقيادة د.لترابي بحملة طواف شملت كل ولايات السودان ،وقد كانت تحت شعار (اعادة بناء التنظيم من القاعدة الي القمة ) (لقد كان الاسلاميون يواجهون زلزالا والحركة الإسلاميةتجتهد لتواجه الزلزال بادوات ،ماقبل الزلازال ولعل د.الترابي كان يرد علي اصحاب مذكرة العشرة بان الفيصل هو الجماهير والقواعد والعمل عبر مؤسسات الحزب واجهزته ، وليس التدبير بليل كما حدث بشان مذكرة العشرة التي حجبت عنه وتفاجأ بها تماما فى لحظة تقديمها ) . فكان يوم الجمع انعقاد المؤتمر العام للمؤتمر الوطني وفيه اعيد الترابي كامين عام للمؤتمر الوطني وبكافة صلاحياته بل تم استثناءه من الجمع بين الوظيفة التنفيذية والتشريعية وقيادة الحزب ) ،هكذا هزم اصحاب المذكرة بصورة ديمقراطية داخل المؤتمر ،وباغلبية ساحقة وعندها عرف اصحاب المذكرة قدرهم وعجزهم فى مواجهة الترابي ، ولكن الامر لم ينته بهذا الحسم الديمقراطي فتفاكر العشرة وانضم اليهم البعض منّ لم يجد له مكانا فى مخرجات ذلك الاجتماع ،بالاضافة لمن كانوا وراء المذكرة دون التوقيع عليها فلجؤا للسلطة القاهرة ولكن عن طريق اخر غير المذكرات والمؤتمرات فالسيف اصدق انباءً من الكتب .
من الواضح ان جماعة المذكرة تعلم ان الترابي يعمل علي ان تغل يد رئيس الجمهورية من سلطانه واختصاصاته الكثيرة ، ولا يتم ذلك الا عبر تعديل دستوري يحد من تلك السلطات والصلاحيات التي يتمتع بها ،رأس الدولة والتئم مؤتمر الحزب الحاكم فكانت مخرجاته لصالح الترابي ،كان لزما عليه أي الترابي مواصلة الثورة ليس انتقاما من أصحاب المذكرة كما يعتقد البعض ،ولكن لمواصلة مسيرة الإصلاح الحزبي والدستوري وتمكن الحركة الإسلاميةمن السلطة ودفع المشروع الحضاري ،والعودة للحرية والديمقراطية بعد مسيرة عشر سنوات من الحكم الشمولي، اذ يري الترابي ان مذكرة العشرة اعدت فى ذلك الوقت استباقا لمشروع التعديل الدستوري المتعلق بتوسيع ميدان الشوري والديمقراطية والعودة للحرية التي هي اصل فى الاسلام مع تقليص سلطة السلطان ،فمشروعات القرار التي كان من الواجب طرحها فى المجلس هي :-
1.اختيار وعزل الولاة شان ولائي خاص بالمجالس التشريعية بالولايات
2.إعطاء البرلمان سلطة عزل لرئيس الجمهورية بأغلبية الثلثين
3.استحداث منصب رئيس للوزراء.
هذه المشاريع اذا أجيزت كانت القول الفصل والرد والردع لمذكرة العشرة الكرام بل قفل الباب نهائيا علي أصحابها ،ولكن وقتها تمايزت الصفوف داخل الحركة الإسلامية ،ولا أقول المؤتمر الوطني فهذا وعاء جامع تحركه اتجاهات الحركة الإسلاميةكيفما تشاء باعتبار الكيان الخاص ،أكاد اجزم ان أعضاء المؤتمر الوطني فى كل ماجري فى ذلك الوقت كانوا كما يقال (أطرش فى زفة ) لا يعرف ما المقصود من هذا او ذاك ،فقد اشتد الصراع داخل الحركة الإسلاميةفى المؤتمر الوطني بين جماعة المذكرة المسنودة من رئيس الجمهورية والعسكر وجماعة الترابي التنظيمية ،ولما اشتد الصراع وقرب موعد انعقاد المجلس الوطني لإقرار تلك المشروعات تحرك سيف السلطان فى الرابع من رمضان ،فقرر حل المجلس الوطني وأعلن حالة الطوارئ فى البلاد وبهذا سقط الأمر من يد الترابي فكانت ثورة داخل الثورة ، لهذا يقال ان الثورة تأكل بينها ،صحيح انه ليس من حق رئيس الجمهورية حل المجلس الوطني بنص الدستور ،ولكن تم الامر هكذا بقوة السلطان ،لم يجد الترابي سبيلا سواء اللجوء للمحكمة الدستورية التي اختار نظامها وعين قضاتها فلجأ إليها ،وكان كمن استجار من الرمضاء بالنار فأيدت المحكمة الدستورية حق رئيس الجمهورية فى الدستور، ولكن وفقا لما تعارفت عليه بعض دساتير العالم ،كانت تلك فضيحة قضائية ،لهذا كنا ننادي باستقلال القضاء وسيادة حكم القانون ،فقرار المحكمة الدستورية كان متوقعا فهذه هي طبيعة العدل فى الأنظمة الشمولية خاصة فيما يتعلق بادارة الدولة .
لم يكتف رئيس الجمهورية رئيس المؤتمر الوطني بحل المجلس الوطني ،فقرر ايضا بخلاف نظام المؤتمر الوطني تجميد الأمانة العامة للمؤتمر الوطني ،وقتها كان يمكن ان ينتهي النظام فى خضم ذلك الصراع ،غير ان المعارضة كانت تتفرج خارج المسرح ،وان كانت سعيدة بذهاب الترابي الذي نراه زعيما لها الآن وقائد الحرية والديمقراطية، وهذا يذكرنا بقوله تعالي )وتلك الأيام نداولها بين الناس(بعد ذلك الانشقاق او قل الانقسام انشطر المؤتمر الوطني الي وطني وشعبي واشتد الصراع بينها الي يومنا هذا ، غير ان البعض كان يتوهم الي وقت قريب بان الأمر مسرحية فلا خلاف بين هذا وذلك ،إلا ان كل الدلالات تشير الآن ان بأسهم بينهم شديد ولا سبيل للتلاقي حتى عند الدعوة المنهزمة التي قدمها المؤتمر الوطني بضرورة وحده (اهل القبلة ).
المذكرة التي يقال عنها انها صادرة من الحركة الإسلاميةمن اجل التصحيح ، وما حوتها من افكار ومطالب ليس ببعيدة عن ما دار فى مؤتمر الحركة الإسلامية السابع فما احتوته المذكرة من توجيهات ومقترحات لاتبعد كثيرا من مقرارت مؤتمر الحركة السابع ،ويبدو انها اعدت بتلك الطريقة اما استعداداً للمؤتمر الثامن القادم فى أغسطس من هذا العام ، لتذكر القائمين علي امر الحركة بضرورة تنفيذ توجيهات وتوصيات المؤتمر السابع هذا اذ كانت المذكرة فعلا صادرة من الحركة الإسلامية او بإيعاز من مجموعة لها اهداف خاصة متعلقة بما دار فى مؤتمر الحركة السابع ، لهذا لابد من القاء الضوء علي ما اثير فى ذلك المؤتمر من وجهات نظر متباينة فى كيفية الفصل بين الحزب والحركة والحكومة وتكاملها ، وضرورة العود للتربية المجتمعية والتمسك بالسلطان فى مناظرة تمت بهدوء بين بعض القيادات الفاعلة فى الحركة الإسلاميةفى ذلك المؤتمر ،إن ماتم فيه من توجهات لا تكاد تخرج عن ما جاء بتلك المذكرة بطريق مباشرة تارة او غير مباشرة تارة اخري ،ويمكن للقارئ ان يستيستقرئ ذلك بوضوح مما سوف نورده من تحليل وتوضيح فى تعليقنا لماتم فى ذلك المؤتمر .
ننوه ان مانورده هنا بشان مؤتمر الحركة السابع سبق ان تم عرضه عبر الصحف، غير ان ايراده هنا ثانية مقصود منه الربط بين مخرجات وتوصيات ذلك المؤتمر ،والمؤشرات التي وردت فى المذكرة ليستبين الامر ،لان من بين سطور هذه المذكرة وغيرها من المذكرات والاراء وما نراه الآن علي الساحة السياسية هو ثمار ما تم فى مؤتمر الحركة الإسلاميةالسابع ،ومؤتمر المؤتمر الوطني الثالث اللذان عقدا قبل الانتخابات التشريعية والرئاسية ، حيث اقر مؤتمر الحركة الإسلاميةبقاء المؤتمر الوطني فى الحكم بأي طريقة يراها ،ثم كان التامين عليه فى مقرارات المؤتمر الوطني فما تشهده الساحة السياسية اليوم ، هو خلاصة لما دار فى المؤتمرين وهذه الدراسة محاولة توثيقية وتحليلية لمقررات المؤتمرين وما صاحبها من نتائج حاضرة وأخري مستقبليه.
الصراع داخل المؤتمر السابع للحركة
نناقش مؤتمر الحركة الإسلاميةالسابع ما آل اليه حال المؤتمر الوطني بعد الانشقاق والضعف الذي اعتراه، وتراجع الدعوة وضعف الانضباط الروحي والفساد والتراجع عن الجهاد وأدبه ، والقيود التي تحول دون نشر الدعوة وتحدث البعض بان الحركة الإسلاميةما عادت كما كانت ، وقد قال البعض بضرورة بحث أمر توحيد الحركة الإسلامية، ويقصدون بذلك عودة الشيخ الترابي ومن معه ،غير أن هذا الاتجاه حسم بنظرات من السلطان، دون أن يتفوه به حد بشئ ذي بال هذا حسب ما تسرب من مؤتمر الحركة الأخير ، رغم سياج السرية الذي ضرب عليه ، الأمر الذي اسكت البعض عن البوح خشية اتهامهم (بالانتماء للشعبي) حيث أن هناك رصيد كبير مع الشيخ بقي مع السلطة ،وتم ضبطهم بواسطة الأجهزة المختصة ومن ثم تم إبعادهم من موقع القرار ،غير أن هناك نافذين وآخروين ذوى عصبية لا يمكن أبعادهم ، إلا بقرار من المؤتمر الثالث للمؤتمر الوطني كما سوف نري لاحقا .
الناظر لمؤتمرات الحركة الإسلاميةيجد علي غير العادة، ان هناك مواجهة ساخنة دارت فى مؤتمر الحركة الإسلاميةالسابع فقد تم رفع الراية القديمة مرة ثانية ،وبشكل حاد خاصة تلك التي تري دفع الأتباع والمؤيدين إلي القيادة، كما كان فجر الرسالة أو فجر الإنقاذ الأولى ، وذلك عن طريق حشو الجماهير بالانفعال والجهاد والاستشهاد أن لم يكن فى السودان لظروفه فليكن فى العالم ، فالحركة الإسلاميةليست حركة إقليمية ،هذه الدعوى قديمة حسمت من قبل خاصة بعد نيفاشا ،غير أن الذين ضد نيفاشا أعادوها ثانية تحت مظلة (توسيع قاعدة الأتباع المذهبيين دون العامة) ، غير أن هذه الأفكار قوبلت بالرفض فقد حسمها شيخ حسن من قبل حيث فتح باب التنظيم للكل مع إرجاء المشروع الحضاري إلى حين التمكين، ووقتها كان الشيخ هو المرجع النهائي فى كل أمر أو خلاف ، الأمر الذي أصبح غير موجود الآن فلا بد من معالجة الأمر، هذا ما قاله د/عبد الرحيم علي فى ورقته بين الحركة والدولة ،حيث قال (أذن فى جانبها الفكري والروحي تحتاج الحركة فى هذه المرحلة إلي تحديد مرجعياتها الفقهية والفكرية بكتب ومراجع محددة ولا تحيل العضوية علي الفكر الإسلامي الواسع ، وكذلك فى تربيتها الروحية يلزمها نسك يربط أفرادها ويضمن صلتهم الروحية فى ظروف الحياة المختلفة (انظر إلي تجربة الختمية والأنصار) ، وهذا يعني أن الرابط الروحي للختمية والأنصار اقوي من رابط الحركة الإسلاميةإذ بقي الختمية والأنصار علي طريقهم رغم ضعف الأحزاب وتلاشيها فى بعض الأحيان ، فقد بقي الرباط الروحي بين أفراد الطائفة حتى عندما تراخت الرابطة السياسية )، ولم يكتفي د/عبد الرحيم علي بذلك بل عزا ذلك الضعف إلي عدة أسباب أهمها :
أ/ وقوع الانشقاق قبل تمام انتقال الوظائف من الحركة إلي الحزب .
ب/ انقسام الحزب أدي إلي حيرة أفراد الحركة وبحثهم عن مرجعية ملزمة .
ج/ لجنة رأب الصدع استجابت لمطالبة القواعد باقتراح إعادة تكوين أجهزة للحركة فى شكل كيان خاص يمثل مرجعية لأفراد الحركة فى شئونهم ويضمن الإشراف الجماعي لا الفردي علي ما تختص به الحركة دون الحزب .
يري-د/عبر الرحيم علي أن الأمر يحتاج إلي وقفة من الحركة لمراجعة الأداء ، هذه المراجعة كما يقول (أن تجربة الحركة فى الحكم بعد قريب من عقدين من الزمان لابد أن تخضع للتقويم والنقد، وينظر فى مدي تحقيقها للأهداف الاجتماعية والسياسية التي انطلقت من اجلها وجهرت بالدعوة إليها منذ النشأة الأولي .)
فى رأينا أن ما جاء بورقة د/عبد الرحيم علي (الحركة والدولة ) صحيح من حيث المنهج، إلا أن الخطأ يأتي فى التحليل والنتيجة فالمؤتمر الوطني لم يعد تحت يد الحركة بعد التوسع أو التعميم الذي طرأ عليه ، وهو نفس الخطأ الذي وقع فيه الحزب الشيوعي فى نظام نميري ، عندما حاول استيعاب الرأي العام والحركة النقابية والديمقراطية من اجل التوسع، أن أسلوب الضم والاستيعاب والاستقطاب لا يمكن أن يكون بديلا عن التحالف والمشاركة السياسية الحقيقية، فالعبارات التي يطلقها د/نافع حول حقهم فى الاستيعاب والاستقطاب سوف يحصدها حنظلا فيما قريب ، فمجموعة المستوعبين أو المستقطبين ،ٍ لا تعني بأي حال زيادة عضوية المؤتمر الوطني ،فهي فى النهاية كتل متصلة بالمؤتمر الوطني بمصالح تتدحرج كل كتلة لحالها ، بزوال مصالحها ، أو بمجرد زوال الغطاء العسكري الذي يجمعها اليوم ، خاصة وان المؤتمر الوطني الآن يعاني من حالة الترهل لطول بقائه فى الحكم ، الأمر الذي دفع (التنظيم الخاص) كما برز هذا فى مؤتمر الحركة السابع فى شكل كتلة صلدة صغيرة وحاكمة ، بما لديها من قوة هدفها الحفاظ علي الاستمرارية فى الحكم ، إلي أقصى فترة ممكنة ، ومن ثم يأتي التباين بين الهم فى البقاء فى السلطة ومشروعية الحكم لتدوال السلطة وفقا لاتفاقية السلام الشامل .وغير أن التنظيم الخاص لم يكن كما كان فى فجر الإنقاذ الأولى . وهذا ما عناه د/عبد الرحيم علي بقوله (لابد من مرجعية فقهية فكرية ) حيث انه من المعروف أن الحركة الإسلاميةكانت مرجعيتها الشيخ حسن ، وهناك مساحة كبيرة بينه وبين من يليه ، وستظل شاغرة طالما أن الحركة مصرة علي البقاء فى الحكم تحت أي ظرف وتحت أي مسمي.
التنسيق بين الحركة والحزب
تاريخ انعقاد المؤتمر السابع للحركة كان مقررا له أن ينعقد لخمسة اشهر قادمة من تاريخ انعقاده فى أغسطس من العام السابق ،وقد تم ذلك التقديم بناء علي طلب المؤتمر الوطني ، حتى يتمكن من عقد مؤتمره الثالث بعده للاسترشاد بمقرارته لهذا كان التقديم .
الحركة الإسلاميةوهي تتنصل من فكر الإخوان يوماً بعد يوم وصل بها الأمر وهي تسعى للوصول للسلطة ، أن تعمل علي الاستثمار السياسي للإحساس الديني ، الأمر الذي وجد قبولا عند الشعب السوداني، وسلكت الحركة عدة دروب للهيمنة علي مؤيديها وضمان طاعتهم وولائهم الأعمى ، استنادا علي إن فريضة الجهاد والاستشهاد قائمة إلي يوم القيامة ، فكانت الدعوة للجهاد والاستشهاد وعرس السماء فى فترة الإنقاذ الأولى بمثابة الاختيار الحقيقي للتأكد من عمق هذا الاعتقاد الديني ، غير أن الأمر اعترته بعض الصعوبات العملية، خاصة بعد اتفاقية نيفاشا ، لهذا كان لابد من التمسك والاحتفاظ ولو شكليا بمؤسسات ذلك الاعتقاد الإيماني ، الذي تعلق به الشباب من الجنسيين ،فامن المؤتمر الوطني فى مؤتمره الثالث علي عدم إلغاء قانوني الدفاع الشعبي والشرطة الشعبية ، رغم أن الأخير لم يعد له وجود يذكر ،وقد ناقش مؤتمر الحركة هذه الجزئية، واثني علي بقاء تلك المؤسسات والدفاع عنها ، من ثم كان حديث صلاح قوش الذي دفع به الصراع السياسي خارج حلبة الحكم وعبد الرحيم محمد حسين وزير الدفاع على بقاء الدفاع الشعبي جنبا إلي جنب القوات المسلحة .غير أن هذه المؤسسة ستظل مجرد هياكل ومباني ، وتحت ضغط القوي السياسية والحركة الشعبية والمجتمع الدولي ، الذي يعمل فى اتجاه إلغاء كافة القوانين المخالفة للدستور، وهذا يشمل بالطبع مؤسساتها ،لهذا سوف يضطر المؤتمر الوطني للاتجاه لسلوك طريق آخر ليحي به هذه الشعيرة.
أن الإصرار على فريضة الجهاد ، كما تراه الحركة الإسلاميةالسودانية ، يعني تحويل السودان إلي دولة جهادية ، أو إلي دولة رسالية ، تجعل البلاد فى حالة حرب دائمة، وتعزلنا عن العالم ، وتحكم استمرار الحصار القائم علينا الآن ، وتزيد امرنا تعقيدا ، وتنافي المقصود من تشريع الجهاد حتى بمعناه القتالي.. أن الجهاد لا يعني القتال وحده، لأنه ليس كل جهاد قتال ، ولكن يمكن أن يكون كل قتال جهاد ، والجهاد حقيقة شٌرِع من اجل دفع الشر ، فى الحرب الدفاعية التي تتعرض ارض الاسلام للغذو والهجوك وحماية المسلمين من الاعتداء عليهم (هذا هو جهاد القتال ) ، والجهاد بمعناه القتالي، وسيلة يلجا إليها المسلمون للضرورة ، فليس الجهاد من اجل فرض الإسلام علي الناس بحد السيف ، أو ابادة المخالفين فى الدين ، و استعمار الشعوب والتسلط علي الأمم ، أو تغيير الأنظمة الإسلاميةأو اسلمة الدولة التي بها أغلبية مسلمة بالقوة أو بالحيلة، بقصد إقامة زعامة علي سكان العالم ، وليس من واجب أهل السودان اسلمة العالم أو تغيير الأنظمة فى البلاد الإسلاميةبالقوة، فالذي يري فى نفسه انه المفكر الأول والقائد الإسلامي الفذ يمكن أن يؤدي دوره هذا عن طريق الحوار والإقناع والفكر ، لا أن يجعل من أهل السودان "حصان طراودة " كي يصل إلي أهدافه فى زعامة العالم أو زعامة العالم الإسلامي، فهذا الصنف من القادة ينتهي أمره بفشله الداخلي (كما هو حاله الان )لان تنظيمه يتحول إلى منظمة تامرية بدلا من ان يتحول الى ٍمؤسسة رحبة وتنظيم فكري ،وهذا ما نراه الآن فالجهاد دفعاً للعدوان لا للكفر، فلا يقتل الشخص لكفره ، فقتل الكافر ليس مقصودا فى ذاته ، هدايته ما أمكن بإقامة الدليل بغير جهاد أو قتال ، وهذا هو الرأي المعتبر لدى الأئمة ، اذ لا يمكن الآن تقسيم العالم إلي دار حرب ودار سلام ، لان ذلك أصبح مستحيلا الآن ، فالجهاد بمعناه الشامل فرض عين علي كل مسلم ، والجهاد بمعني القتال عند جمهور الفقهاء فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقين، والجهاد بالمعني الشامل ماض إلي يوم القيامة ، كما جاء فى الحديث الشريف والقتال عارض يقوم ويزول بزوال سببه.
أن الشريعة الإسلاميةصالحة لكل زمان ومكان هذا ما قاله القرضاوي ، أقول أن الإسلام لا يعتمد القتال وسيلة لتبليغ الرسالة أو اسلمة الشعوب فى زمننا هذا ، بل أن آيات القرآن تشدد فى النهي عن ذلك واستنكاره ، لأنه لا يمكن فى هذا الزمان أن تصل إلى ضمائر الناس وقلوبهم وفكرهم بالسهام أو السيوف أو القنابل اليدوية ، والذي يقول بهذا يعلن صراحة عجز حجته ويظهر إفلاسه الفكري ، فرسالة التبليغ أولا والى أن يتم ذلك يظل القتال عنصرا معطلا ويجب على المسلمين فى هذا العصر بالذات أن يصبحوا دعاة لا بغاة ،
صحيح أن هناك خلافا بين الفقهاء فى الماضي ،فمنهم من يرى أن الدعوة للإسلام يجب أن تتم بالسيف وهؤلاء اقلية ، اما الأكثرية فهى ترى أن السيف كان لحماية الدعوة وليس بالقوة لنشرها او تمكينها ويرى بعض العلماء والفقهاء الذين ظهروا مؤخرا ومنهم الإمام محمد عبده ورشيد رضا والشيخ شلتوت وعبد الوهاب خلاف وسيد قطب ومحمد الغزالي يرى هؤلاء أن السيف لحماية الدعوة وليس لنشرهاكما نوهنا . يقول الأستاذ محمد المبارك فى كتابه(نظام الإسلام) أن أهداف الإسلام ودولته هو نشر الإسلام والدعوة إليه عقيدة ونظاما بالحجة والدليل والتعليم والحوار علي الصعيد العالمي ، فالغرب يفهم إننا امة إرهابية ، وسنظل هكذا فى قائمة الإرهاب . وهذا ليس فى مصلحتنا أو فى مصلحة المسلمين عموما ، وأهل الغرب جميعا كل ما سمعوا كلمة (جهاد) تمثلت أمام أعينهم كما يقول الماوردي (صورة موكب من الهمج المحتشدة شاهرة سيوفها متقدة صدورها بنار الغضب، يتطاير من عيونها الشرر ،والفتك والنهب عالية أصواتها بهتاف الله اكبر، زاحفة إلي الإمام ما أن رأت كافرا حتى أمسكت بخناقة، وجعلته بين أمرين أما أن يقول لا اله إلا الله محمد رسول الله فينجو بنفسه وإما أن تُضرب عنقه ).
صحيح أن المؤتمر الوطني ظل يعمل جاهدا لإيجاد بديل لتراخيه عن الجهاد ٍحيث انه وفى فجر الانقاذ ، اعتمد علي الشباب المجاهد المدرب وتم تعبئته فى هذا الاتجاه ٍحيث اصبح هؤلاء هم الاحتياطي المركزي لتلك المؤسسات ٍولكن هذا الشباب أخذه الإحباط واكتشف انه كان مجرد حرس للثورة، بالنظر لزملائه من القاعدين الذين لم يرهم معه فى ساحات القتال وغيره . من الذين أصبحوا فى السلطة، والمناصب الحزبية العليا ، واقتصر الأمر عليهم فصاروا ينتقلون من موقع فى الحزب إلي موقع فى السلطة والعكس صحيح ، فضعف عند هؤلاء الولاء المطلق فذهب من ذهب منهم لتنظيم حياته الخاصة ، ورأى البعض أن يلوذ بجماعات صوفية ، ولجأ آخرون إلي الحركات السلفية والحركات التكفيرية ، وأصبح هؤلاء من اعداء النظام، وسعوا فى تكفيره ، لتنازله عن الشريعة فقد قال القذافى-يوما (أن نظام الخرطوم يحتضن الإرهاب والإرهابيين وسيكون يوما ضحية لهؤلاء ) .
لم يتعظ المؤتمر الوطني بمن سبقوه فى هذا الحشو العقائدي المسلح بالجهل والاندفاع العاطفي، غير الواعي القائم علي الخطاب السياسي دون غطاء فكري حقيقي، فقد سبقه فى ذلك حزب الأمة حيث كان يدفع أنصاره للمواجهة غير المتكافئة مع الخصم ، بعد حشوهم بالانفعال الديني ، إلا أن هذا الأمر اخذ فى التلاشي بسبب الوعي ، وان الأمر سياسة وليس دينا وان الجنة لا تقسم بالأمتار ،وان ما يقومون به لا يعدو أن يكون دفاعا عن الطائفية ، أو زعيم الطائفة، ورعاية مصالحه التي لا ينوبهم منها شئ .وقد وقعت العديد من الصدامات المسلحة بين الأنصار والآخرين ، لمجرد خصومات سياسية ، غير أن هذا الأمر اخذ فى الاضمحلال يوما بعد يوم، ٍ فلم يعد الأنصار اليوم تحت الإشارة من اجل القتال كما كانوا فى السابق، يدعون للخرطوم لقتال الكفار من السياسيين وذلك بفعل الوعي النسبي خاصة وسط الأجيال الجديدة ، أما الأجيال القديمة، فقد أتي عليهم الزمن لم يعودوا قادرين علي فعل شئ .
الشباب بين الفكر والواقع
يعزي د/عبد الرحيم على ضعف الحركة الإسلاميةبين الشباب فى الوقت الحالي لأسباب منهابس ان ٍ الرأى العام يحمِّل الحركة الإسلامية أى نقص فى الحكومة أو عيب فى أدائها ، وان الشباب هم أكثر الفئات تأثراًً بمثل هذه الأمور بحكم تكوينهم .ومن ثم فقد وافق مؤتمر الحركة السابع علي ضرورة الرجوع لفلسفة الإصلاح المتكامل ، بدايةٍ بالفرد ثم المؤسسة ، واعتبار الحكم أو السلطة أداة من أدوات الإصلاح إذ ليس هي الهم الوحيد، ويعتبر هذا الفهم مراجعة لسياسة لما هو قائم ، حيث ثبت أن التوجيه الذي تقوم به الدولة عن طريق الإعلام والقانون غير ذي فعالية، حيث يري الشباب إن ما تقوم به الحكومة من توجيه ، مهما كان صوابا دافعاً للنفور ، و ينطوي علي إكراه ونفاق ، غير أن غازي صلاح الدين الذي قدم ورقته التي سماها الحركة الإسلامية (الجديدة) وهي حقيقة مجموعة من أفكار متفرقة، يراه فيها غير ما يري د/عبد الرحيم علي ومعروف أن غازي صلاح الدين يتبع في كتاباته طريقة شيخ حسن ، ٍالتي يخلط فيها الفكر بالقواعد الأصولية والقواعد الفقهية ، واستعمال اللغة المنمقة المرسلة التي لا تشرح كثيرا ولا تفصح مهما كان نوع المخاطبين ،ويضيف عليها أدعية كثيرة ، وهو يطرح فكرته ، ويقتبس من القرآن كلمات فى شكل جمل ، ولكن ليس آيات تامة ، فيأتي حديثه اقرب للوعظ من الفكر ، وقد تكون له أفكار جيدة تضيع وسط هذا المنهج الذي يتعمده الترابي ، حيث يري الترابي أن جماعته ليس لهم من الفقه شئ ، فهو يطرح فكرة ويتراجع عنها فيما بعد، دون أن يقف عندها الأتباع كثيرا لقلة معرفتهم بالدين وأصوله ، لهذا كان مجازاً عندهم للتنظير دون غيره ، وبخروجه أوجد فراغا ولهذا نجد أمثال غازي وآخرين أن حاولوا ان يملاؤا ذلك الفراغ بنفس منهج الشيخ .
الحقيقة ان الترابي يري بشكل عام أن أهل السودان ضعيفين من حيث الثقافة الإسلامية، وكان هذا سببا فى تمكينه من وقيادتهم ،حيث يقول ذلك فى كتابه تجديد المنهج (من حسن حظنا فى السودان إننا فى بلد ضعيف التاريخ والثقافة الإسلاميةالموروثة وقد تبدوا تلك لأول وهلة ، ولعلها ببعض الوجوه نعمة إذ لا تقوم مقاومة شرسة لتقدم الإسلام المتجدد ذلك فى مرحلة الانتقال ويعلق د/حيدر إبراهيم علي ما يعنيه الترابي بالإسلام المتجدد( المقصود هنا بالإسلام المتجدد رؤية أو قراءة (الجبهة) للإسلام كما يعني هذا انه فى مرحلة ماقبل التمكين من السلطة لن تجدوا مقاومة كبيرة لتاويلاتها من قبل أصوليين صالحين أو دينيين محدثين ومخلصين ) .
الموازنة بين البناء المجتمعي والمحافظة علي السلطة
يطرحد/ غازي أفكاره بخلاف د/عبد الرحيم علي النقاط التي أثارها د/عبد الرحيم ببساطة ووضوح ، فلم يتعرض لحاضر الحركة إنما ينتقل للحديث عن مستقبل الحركة ، وهذا يعني أن الحركة الآن علي ما يرام ،هذا بخلاف ما طرحه د/عبد الرحيم فى حديثه المتكامل عن أزمة الحركة والدولة والحزب والمرجعية والصراع بين وظائف الحركة والحزب والبناء المجتمعي بعيدا عن السلطة للتأصيل ، فى الوقت الذي يرى فىه د/غازي صلاح الدين وهو المهموم ببقاء السلطة وثبات النظام الذي يراه قائم علي منظور إسلامي وفق منهج الحركة الإسلامية ، فقد عالج كل القضايا التي ٍشكي منها د/عبد الرحيم فى ورقته حيث يري ( اهتمام الحركة بمعالجة المسائل التي طرحتها مسيرة الفكر الإنساني فى قيادة المجتمعات مثل قضايا الحكم والديمقراطية والاقتصاد والثقافة والفنون والرياضة ،إضافة إلي قضايا المراة والأقليات وغير المسلمين وكل وجه من وجوه الحياة من مندوب أو مباح ينشط فيه المجتمع )ليس هذا فحسب بل يرى د/غازي انه ليس من الضروري النهوض بالحركة كتنظيم متكامل ، بحيث يمكن توزيع قادتها للقيام بإعمال متفرقة ، لتتكامل فى نهاية المطاف ،حيث فروض الكفاية، فيسقط عن البعض الدعوة ليقوم بها غيرهم ، وتنشط المساجد ليقوم بها آخرون ، وينشط البعض للقيام بمهام الدولة وآخرون بمهام الحزب ، وهكذا ثم يعود غازي ليتحدث عن ركائز الحركة فيقول إنها حركة ودعوة ، وان من أهم مهامها تجديد أمر الدين وإثرائه بالفقه المعاصر بنظريات إسلامية مفسرة فى جميع مناحي الحياة الاقتصادية والسياسية وغير ذلك ، فى الوقت الذي يري فى بداية ورقته بان أمر الحركة قد استكمل بوصولها للسلطة ، فما عليها إلا النظرة للمستقبل ، والنظرة هذه حسب خلاصة ورقته هي الحفاظ علي السلطة والبقاء فىها لأنها الأصلح للمجتمع ، مع البقاء علي تنظيم الحركة وإصلاح حالها من حيث التنظيم والقيادة والمؤسسات ،يتحدث د/غازي عن الإصلاح وقد نعيٍ الحركة والمؤتمر الوطني فى ورقته التي قدمها فى ندوة الأعمال الفكرية بعنوان ( دعوة لإحياء العمل الإسلامي فى الوطن ) بالقول (أن بعض ما أصاب الإسلاميين فى السودان كان أحساسا متداخلا بتاكل المشروع ونقصان المصداقية الذاتية وانعكس ذلك فى تراجع نفوذ الإسلاميين داخل الأوساط الطلابية والنقابية والمهنية والجماهيرية وتخلف الإنتاج الفكري الإسلامي . الذي يقول بهذا القول يجب أن يتحدث عن إعادة النظر فى نهج الحركة وفكرها وبرنامجها وماجري لها من إتيانها للسطة عنوة ، وبقائها عن طريق التزوير،وهذا ما دفع د/عبد الرحيم علي بالقول أن هناك من أعضاء الحركة وقادتها الذين يمسكون بالدولة دون تربية مجتمعية، ومن ثم يتم التداخل بين فكرة الحركة وضوابط المحافظة علي الحكم ، يقول غازي أن الحركة أحيت فريضة الجهاد واستعدادها لتقديم الشهداء ،ويري ضرورة أن تبقي فريضة الجهاد والاستشهاد قائمة ولكن خلف إمام واحد وهذا مالم يتيسر-فى المؤتمر الوطني ولا فى الدولة مما يعد تنازل عن هذه الفريضة، وبدلا من القول صراحة أن الدستور واتفاقية نيفاشا لم يجعل لهذه الفريضة مجالا مما دفع د/غازي ليحتمي بالإمام الواحد ،وهذا من المستحيلات ليس هذا فحسب بل ربط إحياء فريضة الجهاد بشروط الشريعة، ولم يبينها، وهي محل خلاف فى داخل الحركة الإسلامية، بل بين المسلمين علي اختلاف مدارسهم .
الخلاف حول مفهوم الدولة فى الإسلام
معلوم أن مفهوم الدولة الإسلامية، مازال يعاني تعدد الاتجاهات والتيارات والسياسات من النقيض إلي النقيض ، مثال الدولة الإسلاميةفى إيران (الشيعة) ، حيث ولاية الفقيه وعصمته والخلاف حولها الذي حتما سيتحول إلي حرب تدور بين المسلمين أي بين الدولة والأحزاب الإسلامية، ونموذج حزب الرفاه الإسلامي فى تركيا الذي ضعف أمامه العلمانيون المتطرفون الذين قاموا بحل الحزب وهو الحزب الحاكم ديمقراطيا ، أن الخلاف بين المسلمين حول الخلافة أو رئاسة الدولة هل هي واجبة ؟ ام جائزة , فالشيعة يقولون إنها واجبة على الله تعالى ، والشيعة يرون أن الخلافة أو الإمامة ليست من المصالح العامة التي يترك أمر تدبيرها للأمة، ليس لنبي ان يغفل أمرها أو يفوضها للأمة ، وعنهم أيضا أن الإمام او الخليفة معصوم من الكبائر والصغائر . وان الاعتراف بالإمام وطاعته يعتبر جزءا مكملا للإيمان ، وان سيدنا علي بن أبي طالب هو الخليفة الأول ، ويستدلون على ذلك بأدلة كثيرة يقول أهل السنة إنها مشكوك فى صحتها ، ورغم (اتفاق الشيعة ) علي ان الخليفة الأول هو سيدنا علي اختلفوا فىما بعد إلي فرقتين علي حسب قول الأستاذ محمد سلام مدكور فى كتابه (مناهج الاجتهاد فى الإسلام ) هما الأمامية والزيدية فىرى الأمامية أن الإمام بعد سيدنا على الذي يجب أن يقود الإسلام والمسلمين من الظلمات إلى النور ، ويملا الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا ، وقد غاب ، وهو عندهم الإمام المهدي الثاني عشر ، وقالوا أيضا أن فترة غيابه قد طالت ، ولابد من ولاية فقيه ليكون إماما وهذا هو مذهب الإمام الخميني قائد الثورة الإيرانية ، وقد أوضح ذلك صراحة فى الدستور الإيراني ، فى المادة الخامسة منه وهي تقرأ كالاتى: (تكون ولاية الأمر فى غيبة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه فى جمهورية إيران الإسلاميةللفقيه العادل التقي العارف بالعصر الشجاع (المدير والمدبر الذي تعرفه أكثرية الجماهير وتتقبل قيادته). ولا أود أن أخوض فى الخلاف بين أهل السنة والشيعة فى مسالة الإمامة أو الخلافة ، ونظام الحكم فى الإسلام لان الخلاف كبير وجذري يمتد إلي العقائد ، ولا أود أن أشوش علي القارئ بهذا الخلاف الحاد لأنه ليس موضوعنا ، ولكن أوردته حتى لا يعتبر البعض أن جمهورية إيران الإسلاميةمثال يحتذي للحكم فى الإسلام .
أن المؤتمر الوطني لم يحدد موقفه من الخلاف الدائر حول الإسلام دين ودولة أو دين فقط ،وآرائه فى الدولة المدنية ودولة المواطنة ٍ، ولم يبين لنا أي مذهب اتبع ، لان الذين قالوا ان الإسلام دين ودولة اختلفوا فى كيفية إقامة الدولة الإسلاميةأو نظام الحكم فى الإسلام ، قال بعضهم أن نظام الخلافة هو النظام الإسلامي فى السياسة والحكم ليس غير، والذين قالوا بهذا اختلفوا فيما بعد حول سند الخلافة إلي ثلاثة مذاهب مذهب يقول بان الخليفة نائب عن الله وهذا قول الزجاج وحكاه الماوردي فى الأحكام السلطانية وأجاز وأيد ذلك "ابويعلي " عن بعض العلماء ،وذكر ذلك ابن خلدون في المقدمة ، وقال البعض أن الخليفة هو خليفة من قبله وهذا قول الطبري فى تفسيره لقوله :أني جاعل فى الأرض خليفة " والمذهب الثالث يقول بان الخليفة نائب عن النبي (صلي الله عليه وسلم )واليه ذهب جمهور العلماء منهم ابن خلدون وأبو يعلي والماوردي والبيضاوي وعضد الدين الابيجي والنووي وابن تيمية ، ولكل مذهب من هذه المذاهب مساندوه ومعارضوه والذين قالوا بضرورة وجود الخليفة او الإمام ، اختلفوا أيضا فى هل وجوده واجب علي الأمة شرعا أم عقلا ، والذين قالوا بوجوبه شرعا قالوا انه فرض كفاية ،وهولاء هم أهل السنة والشيعة والخوارج ، أما الجاحظ وابوالحسن البصري فقالوا إنها واجبة عقلا واتفق معهم بعض فرق الشيعة والزيدية ، وهناك فريق ثالث يري أن منصب الخليفة أو وجود راس للدولة ليس بواجب مطلقا قال بهذا المعتزلة منهم ضرار وهشام الفوطي وبعض الخوارج وهم النجدات، وهذه الفرقة اندثرت منذ زمن بعيد.
ٍمن المعاصرين من قال بذلك الشيخ علي عبد الرازق وعبدا لحميد متولي، ويقول البعض أن الشيخ خالد محمد خالد قال بهذا إلا انه رجع عن ذلك فيما بعد ،وهذا الرأي يعني أن الإسلام دين فقط ، ٍوالذين اتفقوا علي ضرورة نصب الأمام وانه واجب شرعا ذكروا أربع طرق لنصب الخليفة ، لم يحدد لنا المؤتمر الوطني أي طريقة اتبع فأهل الشيعة يقولونٍ نصب الخليفة يتم بالتعيين بالنص عليه وحصروا الإمامة فى سيدنا علي بن أبي طالب ،والطريق الثاني هو ولاية العهد(الاستخلاف) والطريق الثالث هو نصب الخليفة عن طريق القهر والغلبة هذا هو تبرير الحركة الإسلاميةللانقلاب 30/يونيو1989 مسنودا بفكرة الغاية تبرر الوسيلة وفكرة غير اسلامية بل مخالفة للاسلام والطريق الرابع هو نصب الإمام عن طريق الرضي والاختيار من أهل الحل والعقد وأهل الرأي ويسمون أيضا بأهل الاختيار ،ويسمي هذا الطريق أيضا بطريق البيعة التي قال بها قانون الانتخابات ،(من غير تزوير ) والذين قالوا بنصب الخليفة عن طريق أهل الحل والعقد والذين اجمعوا علي وجوب نصب الإمام بالطرق الثلاثة التي قال بها أهل السنة ذكروا شروطاً لابد من توفرها فى من يتقلد منصب الإمام ،ولم يحدد لنا المؤتمر ذلك ولم يحدد دكتور غازي من هو الإمام الذي يعنيه ؟ وما هي شروطه ؟ فقد قال بعض الفقهاء ان تلك الشروط عشرة أو أكثر ، بعضها جاءت به النصوص الشرعية وبعضها لم يأت به نص، واتفقوا جميعا علي بعض الشروط ، واختلفوا فى بعضها ، لذا أري ليستقيم الأمر بيان جميع الشروط التي جاءت علي لسان الفقهاء، وتحديد ما اتفقوا عليه فيه والشروط التي يجب توافرها فى الإمام وهي كالأتي:-
الإسلام والبلوغ والعقل والذكورة والحرية والعدل والاجتهاد الشجاعة ،وان يكون بصيرا بأمور الحرب سليم الحواس قرشي النسب وان يكون معصوما أي من آل البيت (وهذا عند الشيعة) ، وقسم الفقهاء هذه الشروط إلي شروط انعقاد وشروط أفضلية ، أما شروط الانعقاد فان الشرع قد أوجبها للشخص وليكون أهلا للخلافة فى ستة شروط، إذا فقد شرط منها لا تنعقد البيعة له ، ولا يجوز أن يكون رأسا للدولة الإسلاميةوهذه الشروط هي :-
الإسلام ، الذكورة ، البلوغ، الحرية ، العقل ، العدالة والذين أصروا علي شروط الانعقاد هم جميع أهل السنة والشيعة وبعض المعتزلة ،والذين قالوا بضرورة نصب الإمام أو لابد للدولة الإسلاميةمن رئيس ، اختلفوا إلي قسمين، قال قسم منهم لابد من أن يكون فى الدنيا كلها أمام واحد أو خليفة واحد لجميع المسلمين ، وقال القسم الآخر بتنصيب أكثر من خليفة، وقال القسم الآخر بتنصيب أكثر من خليفة والقول بوحدة الخلافة هو قول جمهور الفقهاء ، وجاء به الدليل من السنة وإجماع الصحابة وقال به ابن حزم والكمال ابن الهمام وأبو يعلي والفراء والقاضي عبد الجبار والجرجاني، إلا أن المؤتمر الوطني ود/غازي لم يحددا أي طريق سلُك ؟وأي مذهب اتبع ؟ ولم يحددا لنا طريق الاجتهاد أن كان هناك اجتهاد ، لأنهما لم يستطعا أن يقولا أن الإسلام دين الدولة الرسمي ولم يحددا المذهب الواجب الإتباع عند الاختلاف أو التفسير . ٍوقد كان الدستور الإيراني واضحا فى هذا وضوح الشمس ، فقد حددت المادة الثانية عشرة ما يلي ( الدين الرسمي لإيران هو الإسلام والمذهب هو الجعفري الاثني عشري " وهذه المادة غير قابلة للتغيير إلي الأبد والمذاهب الإسلاميةالاخري سواء الحنفى أو الشافعي أو المالكي أو الحنبلي أو الزيدي تتمتع باحترام كامل وأتباع هذه المذاهب أحرار فى أداء مراسيمهم الدينية حسب فهمهم وتتمتع هذه المذاهب الإسلاميةبرسمية التعليم والتربية الدينية والأحوال الشخصية (الزواج والطلاق والإرث والوصية ) والدعاوى المرتبطة بها فى المحاكم وكل منطقة يتمتتع بها إتباع احد هذه المذاهب بأكثرية فان المقررات المحلية لتلك المنطقة تكون وفق ذلك المذهب فى نطاق صلاحيات مجالس الشورى مع حفظ إتباع سائر (المذاهب الاخري ) .
يرى د/غازي ضرورة تنظيم الحركة وقيادتها، وتوسيع عضويتها والتسريع فى ذلك التوسع لا من اجل بناء الحركة ولكن لتوسيع قاعدة الحزب،ويقترح استقطاب الأتباع من المسجد ،والمسجد هذا يخص المسلمين دون غيرهم ، فهذا توسيع فىه ضعف وتمييز ،حزب جامع وهو اتجاه نحو وضع الحزب فى يد أعضاء الحركة عموما الملتزمين القادمين من المساجد ، لا بالقدرات والكفاءات ،ولا غير المسلمين أو الاحزاب الأخرى ، من غير المنحدرين من الحركة الإسلامية، وهذا ما اخذ به المؤتمر الثالث للحزب .
اسلمة الدولة
يرى د/غازي بان الحراك السياسي والمرافعة السياسية هي وسيلة لاكتساب النفوذ الروحي والمادي، وهذا فهم غير صحيح ، فأمر المرافعة السياسية التي يقوم بها حزب الحركة الإسلامية المؤتمر الوطني ، لا علاقة لها بالنفوذ الروحي والمادي، وهذا ماخالفه فيه د/عبد الرحيم على فى تصحيح هذا الأمر، بتقديم التربية المجتمعية والأخلاقية أولا، ومن ثم تصبح السلطة والمحافظة عليها من الأهمية بالدرجة الثانية ، فدكتور فغازي يري أن قيام دولة الإسلام مقدم علىغيره،فالنفوذ الروحي والمادي يمكن أن يتم عن طريق السلطان ، وهذا يرجع إلي فهمه فيما يتعلق بمضمون الدولة فى الإسلام ،حيث يرى غازي أن إسلام المسلم لا يكتمل إلا فى الدولة الإسلامية،( فالدولة الإسلاميةعنده هي الدولة التي تديرها حكومة ملتزمة بالحركة الإسلاميةوفكرها )صحيح أن الحركة الإسلاميةترى انه من الضروري اسلمة الدولة،وهذا ليس بجديد ،وقد امن على ذلك التقرير الذي قدم للمؤتمر السابع إذ جاء فيه (لم يخل دستور أو نظام أساسي للحركة عبر تاريخها الطويل من الإشارة إلي ضرورة اسلمة الدولة ولما كانت الحركة تعول على الدولة ومؤسساتها منطقا لإصلاح المجتمع فإنها لم تدخر جهدا فى سبيل الوصول إليها والتقرب من مؤسساتها ويمكن الجزم بان جل نشاط الحركة قد تمركز حول موضوع السلطة (معارضة مصالحة أو مشاركة) حتي تهيأ لها الظرف للوصول إلي السلطة والحكم فيها عام 1989 ) .
سبق وان قلت بان المؤتمر الوطني فى خطابه السياسي ، خلط ما بين الدولة والحكومة والسلطة، أما هنا فيقصد بضرورة استلام الحكم ، وعن طريقه يقوم باسلمة الدولة ،وفى هذا نقول ان الدولة هي مجموعة من المؤسسات والقواعد الإجرائية التي لا يمكن أن تكون إسلامية ولا مسيحية ولا علمانية بالمعني الديني ، تلك المؤسسات لا تؤمن ولا تكفر ، وإنما يتعلق فعل الإيمان والكفر بالإنسان العاقل ، أي بالقائمين على الدولة ، فتعبير الدولة الإسلاميةكتعبير الدولة الماركسية تعبير غير دقيق ، لأنه يفتقر للتحديث وهو مستخدم فى إطار الدعاية الأيدلوجية ، والأصح القول سلطة إسلامية وسلطة ماركسية أو نظام سياسي إسلامي أو ماركسي ، أي يستلهم القواعد والقيم التي يرتكز عليها الإسلاميون أو الماركسيون فى إقامة أنظمتهم ، أما الدولة فهي مؤسسات لا عقيدة لها فى ذاتها وقوتها نابعة من إنها أمور إجرائية ، ويمكن التمييز بالمقابل داخل الدولة بين دولة ذات مؤسسات تقليدية مرتبطة ببيروقراطية أبوية وسلطة مطلقة للحاكم الفرد (الملك) وبين دولة حديثة ، أي تعتمد السبل الإجرائية التي تجسدها الإدارة التي أطلق عليها عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر الإدارة الببيروقراطية العقلانية .
وقد كانت نتيجة الخلط بين الدولة بوصفها مؤسسات والدولة ، وصفها عقيدة باستمرار نشوء ما سمي فى القرن الراهن بالدولة العقائدية ، وقد عاني المسلمون فى الدولة الشيوعية كما عاني غيرهم وعاني العرب فى ظل الدولة القومية التي عرفناها عندنا وعانين منها نحن الأمرين بسبب هذه الفكرة الخاطئة حول (ادلجة ) الدولة ، فلم تكن نتيجتها الا شيئا واحدا هو توحيد الحزب الحاكم والدولة وإباحة السلطة لنفسها باسم العقيدة التي تمثلها التدخل فى ضمير الناس وفرض الوصاية عليهم ، أي فرض نوع من المحنة الروحية شبيهة بتلك التي عاني منها المسلمون فى عهد المأمون ، عندما بدأت الدولة تفرض مذهب خلق القرآن علي عامة المسلمين وخاصتهم
غير أن الإسلام باعتباره دينا ، لم يأت لبناء دولة سياسية ، الأمر الذي قاد للخلاف حول المقصود من الدولة الإسلامية ومفهومها الذي سبقت الإشارة إليه ، ولوكان كذلك لما كان دينا إنما عقيدة سياسية، ولذلك لم يسم المسلمون دولتهم بالدولة الإسلامية ، إنما ظهرت هذه التسمية مؤخرا لتميزها عن التنظيمات السياسية الاخرى ، فالدين الإسلامي لم يأت بنظرية فى الحكم ولا فى السياسية تكون واجبة الإتباع نصا ، إنما أتي بقواعد عامة صالحة لكل زمان ومكان ، ويمكن أن يقمها المسلمين وغيرهم ،تكون للمسلمين ديناً فى بعض أجزائها وتكون لغيرهم نظام للحكم ،(انتم اعلم بأمور دنياكم )
وفى نهاية فكره غازي رغم أنها صاغها فى شكل رسائل ، إلا أن نهاية فكرته ترى ضرورة البقاء علي النظام الشمولي واسلمة الدولة ، ووضع اعتبار لغير المسلمين بما يحفظ كيان الدولة من الصراعات والنزاعات ،وذلك بإعمال فقه الأقليات فى الدول الإسلاميةوإعطاء هذه الأقليات مساحة في الحزب، تحت رعاية الحركة الإسلاميةبعد أعداده بواسطة الكيان الخاص ، بحيث يتم الأمر أو يطبخ داخل دار الحركة الإسلامية ومن ثم يقدم للحزب لإجازته في مؤسساته التي يجب أن يحرسها أيضا أعضاء الحركة ، لهذا يقول د/ غازي ( وللدولة كما للحزب خصوصياته فلئن كان الحزب ينشأ من صيغة تعاقد من (الموالين والمتعاطفين) فان الدولة تنشأ تعاقد بين أفراد المجتمع حتى المتخاصمين منهم . لذلك تقوم العلاقة بين تنظيم الحركة الخاص والدولة علي ميزان دقيق من الفصل بين الاختصاصات ، بحيث يسمح للدولة بان تنفذ برامجها من خلال أفكارها وافكار أبنائها الذين يتقدمون لتقلد مناصبها عبر الحزب السياسي).
المحافظة علي الكيان الخاص
إن فكرة د/غازي بعد استخلاصها بجهد وقد يكون خاطئا ،تعني انه لابد من تنظيم خاص للحركة ، فالتنظيم الخاص هو الذي يحدد المسائل التنظيمية والمؤسسة للحركة وحزبها ، فالحركة هى التنظيم العام والمؤتمر الوطني هو التنظيم الاعم والتنظيم الخاص لابد ان يكون بيد المجموعة النافذة من القياديين المدنيين والعسكريين ، ثم يأتي الحزب في شكله العام ثم من الآخرين من غير المسلمين والمتعاطفين معه من الأقليات وأصحاب المصالح الخاصة ، وهذا ما أكده د/غازي حيث يقول في ورقته ( وأخيرا فان هناك وظائف ذات خصوصية لا تقوم بها إلا الحركة ، وهذه تنفرد الحركة بإعداد أوعيتها التنظيمية وصياغة برامجها وأداء تكاليفها ، والتقرير عنها إلي أجهزتها القيادية .ماعدا ذلك من المهام التي يقوم بها الحزب أو الدولة فتتلقي الحركة التقارير عنها وتصدر أحكامها التقويمية عنها) وهنا اود أن أننبه د/غازي ان التنظيم الخاص في مصر هو الذي أدى الى تحجيم حركة الإخوان المسلمين حينما ضخم فتحول الى (منظمة تآمرية )فصار يتصرف بغير توجيه من المرشد او القيادة ،ومن ثم قام بأمور ظلت تشكل مأساة الإخوان المسلمين الي يومنا هذا .
والواضح أن موضوع الدولة في النظام الإسلامي مازال محل تشويش في فهم د/غازي ، إذا يعتبر أن نظام الإنقاذ مثال ويجب المحافظة عليه وهذا ماجاء في (مقدمة المذكرة التصحيحية ) ،ومن ثم ينظر إلى المستقبل في سبيل ثبات الإنقاذ ، ويرى أيضا تأجيل المشروع الحضاري بل نسيانه تماما ، والعمل من اجل التمكين في الوقت الحاضر ، عن طريق السلطان والإجراءات والحزب ، على أن تحرس الحركة النظام ، حيث يوافق الرأى القائل أن الدولة الإسلامية هي التي يكون الحزب المسيطر عليها من الإسلاميين ، بأى وسيلة وصل للحكم بانقلاب أو ديمقراطية أو ثورة أو أى وسيلة ، ولو عن طريق الخدعة كما تم فى الإنقاذ 1989اقول لدكتور غازي أن للإسلام مبادئ مثل الحرية والشورى والعدل والصدق ، لا يمكن المساس بها ليس في الإسلام فقط، ولكن في أى معتقد ، لا تخضع للتأويل أو الالتفاف ولا للسيولة كما قال د/حسن حاج علي في ورقته للمؤتمر السابع للحركةولا تخضع للأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، ولا تتغير الفتوى بما يلائمها ، ولا تخضع للتكتيك ولا للمرحلية ، فالذي يقول هذا سوف يضطر لتزوير الانتخابات للبقاء في السلطة كما حدث هذا، بخلاف ورقة الدكتور حسن حاج علي المعنونة (بالنظام السياسي ) التي وقف المؤتمر عندها كثيرا ، ولا اعلم من أين أتي الدكتور حسن بهذه المبررات للإتيان للسلطة عنوة هكذا بواسطة الحديد والنار واستخدام الجند للانقلاب على النظام الشورى القائم في عام 1989، فقد نص دستور الجبهة الإسلاميةفي المادة 3 من الفصل الأول (تسعي الجبهة لإقامة الحكم الإسلامي الهادف لرعاية مقاصد الدين وكفاية مصالح الناس والمؤسس علي الشورى والمساواة وحق الجمهور في تقرير الشئون العامة في اختيار ممثليهم من أهل الحل والعقد والقيادة والتنفيذ في ممارسة النصيحة والمحاسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حني تتوالي الأمة الأمر بحرية وفعالية وإخلاص) هذا هو النص الواجب الأتباع لان هذا اصل الإسلام فإتيان السلطة عنوة ليس من الإسلام في شئ .
ان فكرة الاتيان للسلطة عنوة التي تبنتها الحركة الاسلامية السودانية وادخلتها في دائرة فقه المنهج أي الوسيلة مخالفة بذلك فقه المبدأ أي فكر الحركة الاستراتيجي فالوسيلة غير السلمية لاتخدم المبدأ السامي بل تهدمه من اساسه لهذا يمكن القول بمجرد ان فكرت الحركة الاسلامية في الاستيلاء علي السلطة دخلت في ازمة منهجية عميقة لم تقدر علي تجاوزها حتي اليوم بالرغم من ان الترابي يحاول ان يصحح ذلك بكفره بالانقلابات العسكرية والعسكريين الا انه لم يقل صراحة حتي الان بخطأ الاتيان بالسلطة عنوة الا تلميحا بكلمات تحمل عدة تفاسير
الواضح ان الحركة الاسلامية السودانية عموما فشلت في التوفيق بين المبدأ والمنهج بخلاف الحركات الاسلامية في البلدان الاخرى فانها استطاعت ان توفق الى حد كبير وظهرت هذه النتيجة مؤخرا بعد الربيع العربي .
ان ميول الحركة الاسلامية السودانية لمبدأ الغاية تبرر الوسيلة وتفسد المبدأ الخالد هو الذي اوقعها في ذلك الخطأ القاتل اذ ان الغاية السامية تفرض ان يكون الوسيلة لها ايضا سامية او علي اقل تقدير شريفة والحركة بهذا تكون قد خالفت مبدأ التوكل والاقدام اذ ان مبدأ التوكل الاقدام من اهم المبادئ العقدية والفكرية التى قام عليها فكر الإخوان المسلمين الاوائل (الاسترايجي-والتنظيمي الحركي) الصبور ابتغاء مرضاة الله والصبر علي حكمه وتحمل اذي الجاهلين وفقا لمنهج الترفق والتدرج.
صحيح ان للسودان واقع يختلف جزئيا عن واقع الحركات الاسلامية في بعض البلدان ويحتاج لترتيبات خاصة تتعلق بالمبدأ والمنهج رغم ان كل الحركات الاسلامية تتفق في المنطلق والمبدأ او تتحد اتحاد درجة الا انها تختلف في التجربة والتكوين في الوسيلة للوصول للسلطة . بخلافها عن المبدأ المتفق عليه لدي كافة الحركات الاسلامية تم عزلها عن التنظيم العالمي للاخوان المسلمين و الحركات الاسلامية عموما وفشلت فى محاولة تعويض ذلك بفكرة المؤتمر الشعبي العربي والاسلامي الذي كان مصيره الفشل عند الانشقاق الاخير فالخطأ في الاسباب يعني الخطأ في النتيجة وفقا للفقه القانوني .
أن الإسلام يرفض أن يفرض علي المسلمين من يقودهم برغم أنوفهم ، حتى لو كان يقودهم من نصر إلي نصر، فان الذي يقاد برغم انفه هو كالبهيمة العجماء وليس بالإنسان المؤمن الذى كرمه الله تعالى كما يقول القرضاوي " في كتابه الصحوة الإسلامية" فالذي قاله د/غازي وشاطره فيه د/حسن حاج علي ، تحت أي غطاء او فكرة تبريرية يهدم هذه المبادئ.
اذ كان الدين يذم إمام الصلاة الذي يؤم قوما لا يرضون عن إمامته ، مع انه يؤمهم في عبادة كما جاء في الحديث عن الثلاثة الذين لا ترتفع صلاتهم فوق رءوسهم شبرا "منهم رجل ام قوما وهم له كارهون" فإذا كان هذا في "الإمامة الصغرى" مذموما ومرفوضا عند الله تعالي فكيف يقبل في الإمامة الكبرى ان يقود رجل قوما وهم له كارهون وعليه ساخطون .
أما حكاية ( المستبد العادل) الذي لا ينهض بالشرق بغيره كما قيل فهي دعوة مرفوضة إذ لا يجتمع العدل والاستبداد ، فالعادل لا يكون مستبدا والمستبد لا يكون عادلا ، وكيف يكون عادلا من يرى نفسه عليما بكل أمر ، وحكما فى كل قضية لا يسال عما يريد ،ولا يسال عما يفعل ،كأنما هو اله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ولا معقب لحكمه ؟ أن الإسلام يرفض الاستبداد والطغيان ويقيم الحكم على أساس البيعة والاختيار ثم علي التشاور والتفاهم موجبا الشورى على الحاكم والنصيحة والمساءلة على المحكومين ومن مجموع هذين تتكون مجالس الشورى أو النيابة .
أن الإسلام يرفض أن تزوج الفتاة البكر بغير إذنها وان تفرض عليها زيجة لا ترضاها فكيف يقبل الإسلام أن تجبر المرء على حياة لم يختارها ولم يؤخذ رأيه فيها ؟
أن الإسلام جعل أمر الأمة بيدها ، هي التي تختار أمامها وحاكمها عن اقتناع وتبايعه عن رضا حين تجد فيه تحقق الشروط ، وتكامل الأوصاف العقلية والنفسية والخلقية والعملية اللازمة لقيادة الأمة ، وقد أفتي الإمام مالك بان من بايع إماما وهو مكره فان بيعته باطلة ، لان شرط البيعة توافر الحرية والاختيار .
أعود فأقول هناك خلاف بين التيارات الإسلامية ،حول أساس الدولة الإسلامية (فمنهم من يعتقد أن الأمر يحتاج إلي إعادة اسلمة الشعوب الإسلامية الخارجة عن الدين بالقوة إذا احتاج الأمر ، ومنهم من يعتقد انه من الممكن تحقيقها باسلمة بعض القوانين أو المواد القانونية التي لا تتفق مع الشريعة في الدول القائمة نفسها ،ويدفع المفهوم الأول إلي تبني استراتيجيات متطرفة من نوع التكفير والهجرة ، والإعداد لفتح المجتمعات بالقوة المسلحة ،بينما لا يحتاج تحقيق المفهوم الثاني إلا إلي تكوين كتلة برلمانية قوية تفرض التعديل ، فمفهوم الدولة الإسلامية لا يزال يعاني من تعدد الاتجاهات والتيارات والسياسات من النقيض إلي النقيض )كما بينا .
يرى د/غازي لكي يستقيم أمر الحركة ، إنه لابد من ان يكون لعضويتها السيادة والريادة في المؤسسات والهئيات والتنظيمات الطوعية والأهلية ، مثل الحركة الطلابية هيئات الدعوة هئيات الفكر ،الحوار الثقافي والحضاري المؤسسات الاقتصادية مؤسسات العمل الاجتماعي التعليم والتدريس العمل النقابي ،الهئيات الطوعية وهذا يعني أن تكون الحركة جاهزة في جميع مناهج الحياة العامة الطوعية والرسمية. لهذا نجد ان المؤتمر الوطني اخذ بما جاء في التقرير السياسي ونفذ الفكرة تماما كما نرى اليوم .
كسب الحركة السياسي
لقد اعد التقرير الذي قدم لمؤتمر الحركة الإسلامية السابع بشفافية ، غير انه لم يعرض أى حلول لمشاكل الحركة التنظيمية والسياسية القائمة أو المستقبلية ، والناظر لنص البيان الختامي للحركة الإسلامية يجد أن هنالك ورقة أعدت بطريقة أخرى والغالب أن يكون قد ناقشها (الكيان الخاص) بعد ذهاب العامة.
جاء في مقدمة التقرير الذي لم يوضح من أعده (شهدت الفترة موضع التقييم والممتدة من 1988-2008 تطورا نوعيا في العمل السياسي للحركة لم تعهده من قبل . فمنذ نشأتها ظلت الحركة في خانة المعارضة ،ولم تجرب المشاركة في السلطة إلا لفترتين قصيرتين كانت أحداهما عقب المصالحة الوطنية (1977) وكانت الثانية خلال فترة الديمقراطية الثالثة حينما شاركت في السلطة مؤتلفة مع حزب الأمة لكن الحركة –وهذا هو التطور النوعي الذي أشير إليه –تمكنت بالتنسيق مع عناصرها داخل القوات المسلحة من الاستيلاء علي السلطة في 30 يونيو 1989 م . لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ الحركة تحولت فيها من (تنظيم معارض إلي (تنظيم حاكم ) .
يتحدث التقرير عن انتقال الحركة من التنظيم إلي الدولة وما يواجهها من صعاب دون تحديد ماهية تلك الصعاب. الواضح أن الحركة تستخدم كلمة الدولة وتعني بذلك الحكومة أو السلطة التنفيذية
لهذا سوف اضطر لاستعمال كلمة الدولة بمعني السلطة أو الحكومة كما أوضح التقرير حتى لا أشوش على القارئ
بقراءة متأنية للتقرير السياسي للحركة الإسلامية ، يستطيع أى شخص له ادني إلمام بالسياسية أن يصفه بالضعف ، لا من حيث المنهج فقط بل بأي مقاس يمكن أن يقدم به تقرير سياسي لجهة تملك أن تقرر بما يحتويه ، فقد تجاهل التقرير أمهات المسائل ولم يتعرض لها من قريب أو بعيد ، وهو في مضمونه خلط بين أمور كثيرة ، فتارة يتحدث عن الحركة ثم يعود للحديث عن حزب الحركة تم عن الحكومة ، هذا الخلط هو محاولة توفيقية بين الحزب الحاكم والقيادة المدنية والعسكرية التي تجمعها إدارة الدولة ، ومثل هذا الالتحام بين المستويات الثلاثة والتقائها بين هياكل الحزب وهياكل السلطة يؤدى إلى تحجر وتعقيد الحياة السياسية داخل هذه المؤسسات الثلاثة ، في سبيل عدم تصادمها وبإيجاد مسافة بين المستويات الثلاثة ، ليستقيم الخطاب المذهبي ولو إلي حين ، لأنه من الصعب للحزب الواحد ذو الاتجاه الواحد ممارسة واجب المحاسبة ، خاصة بين المستويات الحزبية والعسكرية ، ومن ثم تضعف ملكة النقد عنده ويزداد الأمر تعسرا أن كان راس الدولة هو نفسه رئيس الحزب .
ركز التقرير السياسي علي إللامركزية ، وعدد إيجابياتها وسلبياتها باعتبارها القضية المركزية التي أدت إلي انشقاق جماعة شيخ حسن، وهذا تغبيش لوعي جماهير الحركة الإسلامية، فمسالة اللامركزية هي مسالة جزئية وليس سببا من الأسباب الأساسية التي أدت إلى الانقسام
يبدو من صياغة التقرير انه اعد بشكل يتجاوز الخلاف الدائر الآن داخل الحركة ، وهو خلاف قديم يتجدد من وقت لآخر ، وهو أن السلطة جاءت خصما علي رصيد الحركة وادي ذلك للفساد ، فأوضح التقرير المزايا والإنجازات التي قامت بها الحكومة والحزب ، مما يؤكد أن السلطة لم تك خصما على الحركة ليس هذا فحسب بل أن الوصول للسلطة زاد من عضوية الحركة وتمكينها كما جاء في التقرير اما لماذا هذا ما لم يتعرض الىه التقرير الذي خلاصته مايلي (برغم الجدل المحتدم حول هذا الأمر ،وما يثيره البعض من أن السلطة جاءت خصما على رصيد الحركة ووحدتها ،فلاشك أن الوصول للسلطة يعد من اكبر إنجازات الحركة على الإطلاق ،ذلك أن الحركة لم تقدم نفسها للجمهور في يوم ما على إنها جمعية خيرية أو تنظيم دعوى ،بل أعلنت عن أهدافها السياسية منذ البداية ،وجهرت بنيتها ورغبتها في تسلم مقاعد الحكم ،وتوسلت الى ذلك بكافة الوسائل ،قناعة منها بان السلطة هي المدخل الأساسي لإصلاح المجتمع وتوجيهه على هدي الدين ومقاصده .)ليس هذا وحسب بل إبان التقرير أن السلطة وجهت المجتمع وأسلمته تماما (لقد استطاعت الحركة بعد وصولها الى مقاعد الحكم في عام 1989 أن تتحكم في توجهات المجتمع مستخدمة السلطة ومناهج التعليم وقامت بحركة دعوى شاملة انتظمت المجتمع وعمرت المساجد بحلقات الذكر والتلاوة وقيام الليل الجماعي وتوجت ذلك كله بمؤتمر الذكر والذاكرين .لقد أدت جهود الحركة والدولة الى حركة تدين عامة انتظمت المجتمع بكافة فصائله )
نسي التقرير أن يقول شئيا عن غير المسلمين ،وماذا حاق بهم ،واختصر أمرهم بالاهتمام بهم والأقليات هذه كلمة غير محبذة ، قد استبدلت مؤخرا بكلمة القوميات واصحاب الدينات الاخري وكريم المعتقدات وغير ذلك ، وعبارة الاهتمام بالأقليات فيه نوع من التحقير والدونية والمخاطبة بها يحث بتعالى المخاطب رغم هذا لم يحدد من أي نوع هذا الاهتمام والسلطة تجاوزت عامها العشرين .
أشاد التقرير بسلامة موقف الحركة في استلامها للسلطة ، إلا انه قال (رغم حديث الحركة المتكرر عن التجديد فان التجديد الذي مارسته الحركة كان في غالبه تجاوزا للمألوف ولم يكن بمعني الإتيان بالجديد ورغم الجهود الكبيرة التي بذلت للتواؤم مع الواقع فان الحاجة لاتزال كبيرة للاجتهاد والتجديد في مجالات عديد مثل مفهوم المواطنة العلاقات الخارجي حقوق الإنسان البيئة علاقات السلطة قضايا المرأة والطفل والشباب 000الخ .)
تطرق التقرير عن تحقيق السلام في السودان فكان عبارة عن سرد تاريخي منذ 1955 مستعرضا كافة الاتفاقيات المتعلقة بذلك ،دون تحليل وأعاد كل ماتم من سلام في السودان هو من صنع حكومة الإنقاذ ، التي سماها حكومة الإنقاذ الأولي واعتبر التقرير قيام المؤتمر الوطني باعتباره تنظيم جامع لأهل السودان خطوة نحو التحول الديمقراطي ، اقر التقرير بان المؤتمر الوطني رغم هذا لم يسلم من النقد باعتبار انه لا يختلف عن الأحزاب في دول العالم الثالث الاستبدادية .وهذا صحيح
خلص التقرير الى نتائج وقسمها الى قسمين الكسب النظري للحركة والكسب العملي لما كانت هذا النتائج هي خلاصة التقرير فإني سأوردها واختصرها بشكل لا يخل بمضمونها كما جاءت نصا
الكسب النظري للحركة
1/ ترسخ لدي الحركة –من خلال التجربة –أن الحرية بالإضافة الى كونها قيمة إسلامية عليا حض عليها الدين وأمر بها فأنها ضرورية للتماسك الداخلي للحركة الإسلامية نفسها
2/ تأكد للحركة – خاصة بعد وصولها للسلطة ومواجهتها للمشكلات الواقعية بشكل مباشر 0 ضرورة الاجتهاد المستمر للتجديد في أمر الدين بما يمكنها من تحقيق مقاصد الدين ومواجهة مشاكل العصر في إطار خصوصية المكان وهو ما نجم عنه اجتهادات مقدرة في مجال علاقات الحكم . وتسوية النزاعات والعلاقات الخارجية وقضايا المرأة والشباب والطفل والبئية وحقوق الإنسان وغيرها
3/ نضجت الرؤية الفكرية للحركة في ما يتعلق بالحكم المركزي فتخطت الحركة الحديث عن الحكم الإقليمي الذي كانت تنادي به في ستينيات القرن الماضي الى الحديث عن الفيدرالىة كحل لمشاكل التنوع العرقي والثقافي في السودان وقامت بالتأصيل لفكرة الفيدرالية كنموذج إسلامي من ناحية ولكونه الأقدر على إتاحة فرص التعبير الحر للأقليات والجماعات المختلفة التي يتشكل منها السودان
4/ زاد وعي الحركة بأهمية إيجاد آليات لتسوية النزاعات وتعزز لديها الإيمان بحقوق الجماعات المختلفة التي تعيش على ارض السودان بغض النظر عن أعراقهم ولغاتهم وأديانهم
5/زاد وعي الحركة بأهمية العلاقات الخارجية وبدأت تدرك الآليات التي تعمل بها السياسة العالمية والقوي المسيطرة على النظام الدولي ومصالح تلك القوي وسبل التعامل معها والموازنة بين تحقيق المصلحة الوطنية من ناحية والحفاظ على المبادئ والقيم الأخلاقية من ناحية أخري .
6/ ازداد اهتمام الحركة بقضايا التنمية السياسية والاجتماعية ، والارتباط الجوهري بين التنمية السياسية من ناحية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية من ناحية أخري
7/ ازداد الوعي بأهمية إيجاد فقه واليات لإدارة وحسم النزاعات الداخلية وفقا للمنهج الإسلامي وروح العصر وظروف السودان المعقدة .
8/ أدركت الحركة بوضوح حجم التآمر الدولي والإقليمي على السودان ودوافع هذا التآمر وعملت من ثم على تطوير إطار فكري لدراسة الدوافع الحضارية والعقدية والاقتصادية وراء الاستهداف الدولي والإقليمي وسبل مواجهته .
9/ ترسخت لدي الحركة قناعات واضحة بإمكانية استغلال قضايا التنمية الاقتصادية والسياسية للولايات من قبل القوي الدولية لنسف الاستقرار بالبلاد وأدركت أهمية بذل الجهود المتصلة لإحلال السلام بالسودان
الكسب العملي
1/ استطاعت الحركة ان تكسر عن نفسها طوق العزلة التي حاولت الأحزاب السياسية الاخري بالبلاد أحكامها حولها واستطاعت رغم دعاية الأحزاب القوية ضد(الجبهة الإسلامية القومية) ان تحقق نجاحا مقدرا في الانتخابات الديمقراطية التي جرت في البلاد في منتصف ثمانيات القرن الماضي
2/ قادت الحركة معارضة فاعلة ضد حكومة الحزبين المؤتلفين وقدمت أنموذجا في المعارضة النزيه والموضوعية
3/ شاركت الحركة الإسلامية بفاعلية في الكوارث والأزمات والفيضانات التي ألمت بالبلاد خلال فترة حكومة الأحزاب الطائفية مما زاد من تعاطف الشعب معها.
2/ اشتركت لفترة قصيرة في الحكومة الديمقراطية الثالثة مؤتلفة مع حزب الأمة خىلها أروع الأمثلة في التضحية والإيثار والسهر على مصالح الشعب .
5/ تمكنت –بعد فشل الأحزاب الطائفية في توفير معايش الناس واتساع رقعة الترد وتدهور الأوضاع الأمنية –من الاستيلاء على السلطة في 30 يونيو 1989م
6/ قدمت الحركة مثالا في ممارسة الشورى من خلال الدعوة لمؤتمرات الحوار حول : النظام السياسي ،قضايا السلام ، الدبلوماسية ، العمل النقابي ، وحشدت لها العلماء من مختلف الاتجاهات ووضعت التوصيات التي تمخضت عن هذه المؤتمرات موضع التنفيذ
7/ أعلنت حكومة الإنقاذ –تأسيسيا على مقررات مؤتمر الحوار حول النظام لسياسي ومؤتمر الحوار حول قضايا السلام – النظام الفيدرالي بالسودان والذي ظل مطلبا للجنوبيين منذ استقلال السودان
8/ توصلت حكومة الإنقاذ من خلال الصبر والجد والمثابرة الى اتفاقي للسلام في جنوب السودان حقن دماء أبناء الوطن وأعاد أفواج الجنوبيين من معسكرات اللجوء والنزوح الى مواطنهم وفتح الباب واسعا إماما التنمية والعمران
9/ ومواصلة لجهودها لتحقيق السلام وقعت الحكومة اتفاقا للسلام في شرق السودان ومع بعض فصائل دار فور ولا تزال الجهود جاري لضم الفصائل الاخري لجهود السلام
10/ عملت الإنقاذ منذ سنواتها الأولي على تأسيس نظام سياسي فعال بالبلاد واستمرت –تدريجيا في تحقيق هذا الهدف حتى جاء الدستور 2005 الانتقالى الذي فتح الباب واسعا أمام المشاركة السياسية وأكد على قيام حكومة منتخبة انتخابا مباشرا ومراقبا دوليا وإقليمية ومحليا .
11/ رغم بداياتها المتعثر في إدارة الشأن الخارجي بسبب موقف الدول الكبرى التي سعت إلي إسقاط حكومة الإنقاذ إلا أن القيادات الإسلامية العاملة في مجال صنع وتنفيذ السياسة الخارجية استطاعت أن تدرك المعادلة الدولية وتمكنت بفضل الله ومثابرة هذه القيادات على تجاوز الكثير من العقبات وان تعبر النفق المظلم في العلاقات وان تبني علاقات راسخة مع اغلب هذه الدول على الأساس ومصلحة الوطن .
12/ استطاعت الحركة وحكومتها أن تتغلغل في العمق الشعبي بسبب صمودها أمام الإخطار الخارجية والمواجهات الداخلية وبسبب الطفرة التنموية الكبيرة التي استطاعت تحقيقها رغم عداء وحصار الدول الكبرى
خلاصة ما ذهب إليه مؤتمر الحركة السابع ، هو تأييد المؤتمر الوطني على الاستمرار في الحكم بأي أسلوب يمكنه من ذلك ، الواضح أن المؤتمر لم يتطرق للقضايا الكبرى وتجاهلها تماما ، ومنها الانتخابات والاستفتاء وابيي والانفصال ، لقد قلت فيما سبق أن تقديم ميعاد مؤتمر الحركة قد عدل حتى يمكن المؤتمر الوطني من عقد مؤتمره بعده ، ومؤتمر الحركة السابع هو عبارة عن محاولة توفيقية بين تيارات الحركة الإسلامية السودانية استعداد للمرحلة القادمة، ولكي يقال بان مؤتمر المؤتمر الوطني استرشد بما جاء من مقررات مؤتمر الحركة ، رأي البعض أن مؤتمر الحركة جاء في ذلك التاريخ لمناصرة رئيس الجمهورية بشان المحكمة الجنائية ، وهذا فهم خاطي وتبسيط للأمور ، فموضوع المحكمة الجنائية هو أمر يخص المؤتمر الوطني ، ويستطيع الفصل فيه وليس في حاجة لمؤتمر للحركة الإسلامية والحديث عن المحكمة الجنائية داخل الحركة الإسلامية قد يضر بتلك القضية ، والصحيح أن مؤتمر الحركة الإسلامية عدل لذلك التاريخ لإعطاء المؤتمر الوطني حق الارتكاز مع مخرجاته بشان المسائل الكبرى الانتخابات الاستفتاء الدستور الإسلامي .
لم يتطرق مؤتمر الحركة لموضوع الانتخابات ، إنما اقر بقاء المؤتمر الوطني في السلطة وهذا ضوء اخضر للمؤتمر الوطني في تحديد الكيفية التي يبقي بها في السلطة إذ أن شرعية اتفاقية نيفاشا سوف تنتهي بعد الانتخابات، ومن ثم قرر المؤتمر الوطني البقاء في السلطة عن طريق تزوير الانتخابات ،وساعد في ذلك ضعف المعارضة وتذبذبها وصراعها الداخلي ، فقرر المؤتمر الوطني الاستفادة من ضعف المعارضة وخلافاتها واستخفافها بالانتخابات والشك في عدم قيامها ، الذي كاد ان يصل حد اليقين فقد استفاد المؤتمر الوطني من ذلك بتمرير قانون الأمن الوطني والقوانين المقيدة للحريات بمساومة الحركة الشعبية بالقوانين التي تهمها وهي الاستفتاء واستفتاء ابيي والمشورة الشعبية ، فكان للمؤتمر الوطني ما أراد ومن ثم عمد على تزوير الانتخابات ، لا للبقاء في السلطة كما كانت ، أو كما جاءت ، ولكن للبقاء عليها بموجب شرعية انتخابية غير عابئ بالتزوير والحديث عنه ، فالمطلوب الوصول للسلطة للمرة الثانية ، ولكن هذه المرة بطريقة تخالف طريقة 1989 من حيث الشكل وبهذا فقد هزم الفكرة السابقة التي تشبس بها د/غازي وهي الوصول للسلطة بأي شكل حتى عن طريق القهر ، ولكن المؤتمر الوطني يعلم انه استولي على السلطة مرة ثانية بطريق غير مشروع وهو التزوير ، ولكن هذا صعب الإثبات ، وهو أفضل من طريق 1989 من عدة وجوه حيث انه مهد الطريق للحصول على مقاعد مريحة في المستقبل ، على فرض تنازله عن التزوير في الدورة القادمة واحتكامه للشعب في اختياره ، لأنه سوف يعمل على تعديل قانون الانتخابات بما يمكنه في اكتساح الانتخابات القادمة دون حاجة للتزوير ، هذه المرة او تزوير بطريقة اخف .
صحيح أن المؤتمر الوطني سيكون له مشاكل جمة إذا ما حدث الانفصال ، ولكنه سيعاجلها بالحرب ومزيد من التسلط والقهر، وقد يضطر إلي رفع الرايات الأولي التي رفعها أيام الإنقاذ ، ونجد أن هذا يهدم استراتيجيته من التحول لحزب وسط ، إلا أن هذا أفضل له من أن يغادر السلطة ، وسوف يعمد إلي مد جسور مع الأحزاب التقليدية والوصول معها إلي حل وسط ، بالمشاركة في السلطة ، وغير ذلك خاصة أن تلك الأحزاب الآن جاهزة بقبول تلك العروض، لأنه سيبقي في الحكم سنين عددا ، يستطيع من خلالها بعد الانفصال أن يوطد أقدامه ، ويكسب شعبية حقيقية في المستقبل بعد أن يقضي على بعض الأحزاب التقليدية أو ما تبقي لها من جذور في هذه الفترة التي سوف يتحول فيها إلي حزب وسط مقدما تنازلات اكبر ، خاصة بعد الانفصال، لان غريمه الحركة الشعبية لن يكون لها وجود بعد ذلك ، أما بقية أحزاب المعارضة فهو كفيل بها، بناء على القوانين القمعية التي سناها قبل الانتخابات، ليس هذا فحسب ، بل سوف يأتي بقوانين أكثر قمعية بعد الانفصال لان البرلمان سيكون له وحده فيمسك السلطة التنفيذية والتشريعية معا كأغرب نظام حكم ديمقراطي في العالم .
لم يتطرق مؤتمر الحركة لموضوع الاستفتاء من قريب أو بعيد ، ومر عليه المؤتمر الوطني في مؤتمره الثالث مرور الكرام ، كل ما أشار إليه انه يجب أن يقوم في مواعيده وان الوحدة هي الخيار المفضل ، هذا ما جاء في بيانه الختامي، والواضح أن المؤتمر الوطني لا مانع له إذ ما تم الانفصال ، ولكن ملزم وبنصوص اتفاقية نيفاشا أن يدعو للوحدة ، ولكن لم يعمل لها منذ إقرارها في 2005 ، ولم ينفذ اتفاقية السلام كما يجب ، بل وضع العديد من العراقيل حتى لا يتم التنفيذ بشكل سلس ، حيث دخل المؤتمر الوطني في عراك مع الحركة الشعبية أدي إلي إقناعها بان الانفصال هو الوضع الأفضل ، وبذلك تنازلت الحركة عن مشروعها السودان الجديد وقررت الانفصال ، وكل ما فعله المؤتمر الوطني بشان الوحدة انه قال بها فقط ومنع الحديث عن الانفصال مؤخرا ، الأمر الذي أعطي الفرصة للانفصاليين وجعلهم يظهرون ذلك ويدعون له في أجهزة الأعلام ، إلي أن قررت الحركة رسميا وقوفها مع الانفصال، أري ان المؤتمر الوطني سيجد وضعا مريحا إذ تم الانفصال فيما يتعلق بمشروعه الحضاري القديم اذ استقر له الامر رغم ان هذا مشكوك فيه ، سوف يضطر إلي عدم الحديث عنه في هذه المرحلة وسوف يسلك طريقاً وسطا ولكن إلي حين ، ليتحسس موقع أقدامه بعد الانفصال .
الدستور الإسلامي
بعد الانفصال سوف يخلي أهل الجنوب مقاعدهم في المجلس الوطني ، ويصبح المؤتمر الوطني وحده وتبقي له أكثر من أربعة سنوات في هذه السلطة التشريعية يستطيع تعديل الدستور ، ووضع دستور جديد أكاد اجزم أن المؤتمر الوطني اعد منذ زمن دستورا جديدا يفاجئنا به عما قريب ، هذا الدستور الجديد سيكون هو مشروع دستور 1968 الإسلامي الذي لم يري النور في حينه ، لهذا خطط المؤتمر الوطني للاستيلاء على شرعية الانتخابات وفاز بجميع مقاعد السلطة التشريعية ، والتي تعطيه الحق في إعداد دستور جديد يضع فيه ما يشاء من متاريس أمام الأحزاب السياسية حتى لا تتمكن من الدخول للبرلمان ، ناهيك عن محاولة تعديل الدستور اذ فعل المؤتمر الوطني ذلك يكون قد أعادنا ثانية للدائرة الشريرة ، رغم أن هذه الدائرة احكم إغلاقها تماما ومن ثم عليه أن يعمل على توسيع سجونه ومعتقلاته فان الشعب يومها لا سبيل له غير المقاومة الميدانية ، والمقاومة المدنية هي سبيل الأحرار ويصبح السجن هو المكان الطبيعي لكل إنسان حر في دولة مضطهدة أعدت الوطن كسجن كبير لمواطنيها .
المذكرة التصحيحية
المذكرة من حيث الشكل والمضمون تحمل مرتكزات أساسية يمكن إجمالها بالاتي:
1/ الاستعداد لاستكمال مسيرة الحركة الإسلامية
2/ انه بفضل الحركة الإسلامية اصبح السودان مجتمع إسلامي
3/ تمجد الحركات الإسلامية العالمية
4/الحركة الإسلامية السودانية بما لها من كسب أصبحت مثالا يحتذي به في بالنسبة للحركات الإسلامية في العالم الإسلامي
ثانيا:-أمنت المذكرة على ان استيلاء الحركة للسلطة في 1989 واعتبرتها انجاز للحركة الإسلامية السودانية
ثالثا "- صمود الحركة فيما وجه لها من سهام من داخل ---الحركة ومن غيرها
رابعا:- الاستعداد ليصبح الاسلام بديلا للاشتراكية والراسمالية
خامسا:- ترتب الأوضاع والخطط بعد انفصال الجنوب الذي كان سبب في مجئ الانقاذ عن طريق الانقلاب العسكري
سادسا: توضيح الايجابيات والمكاسب في ستة بنود
سابعا:- تبيان السلبيات احدي عشر بندا
ثامنا:- برنامج تطلب المذكرة اتباعه ويتلخص في الاتي:-
أ/ مواصلة برنامج الاسلمة وتطبيق الشريعة
ب/ النظر في قضايا الفساد
ج/ حرية ونزاهة الانتخابات لانجاح التحول السياسي
تاسعا:- وسائل تحقيق البرنامج
أ/ وضع دستور دائم
ب/ استقلال القضاء ليصبح جهة للمحاكم العادل
ج/حياد اجهزة الدولة
د/ فك الارتباط بين مالية الدولة ومالية المؤتمر الوطني
ه/ البعد عن الجهوية والقبلية بتقوية العمل الحزبي
و/ الاهتمام بالقطاع الطلابي والشبابي فكريا وسياسيا
ح/ بناء جبهة لاهل القبلة ومحاربة العلمانية
خ/ التداول في المواقع القيادية في السلطة والحزب وعدم بقاء البعض بهازمنا طويلا
ص/ تفعيل القوانين التي تمنع الجمع بين العمل التجاري والعمل في المؤسسات الدستورية
ض/ محاربة المحسوبية
ط/ استحداث مكتب للحسبة في الحزب
عاشرا: الأسباب التي دعت لاعداد المذكرة ليس من بينها شق الصف او تكوين جسم جديد ولكن من اجل ان يستقيم الامر ويتحقق ما ورد بها هذا ملخص ماجاء بالمذكرة التي سميت بالتصحيحة
بقراءة متأنية نستطيع القول ان المذكرة التي وردت بصحيفة الانتباهة هي المذكرة المعنية، لذلك فان حديثي ينصب عليها دون غيرها ،لان هناك مذكرةاخري كثيرة لا يمكن الاعتداد بها لانها ركيكة الصياغة ،ولا علاقة لمن أعدوها بأدب الحركة الإسلامية ،فهي عبارة عن شعارات لم تتم صياغتها بشكل جيد ،وهي تسعي لإلغاء الحركة الإسلامية دون إشارة لبديل رغم انها وصفت نفسها بانها إصلاحية ولم تحتوي على أي إصلاح يذكر، اما مذكرة صحيفة الانتباهة وهي تتحدث عن التصحيح اقرب للغة الحركة الإسلامية ودربها وكذلك المؤتمر الوطني وهي في نفس الوقت تشبه الي حد كبير الطريقة التي تتبعها أجهزة المخابرات عند الأنظمة الشمولية لهذا سوف اعتمد عليها باعتبارها المذكرة المعنية وهي التي حددت اتجاها بانها مذكرة تصحيحة وهناك خلاف بين الإصلاح والتصحيح
فالصحيح السليم ،من العيوب والإمراض ومن الأقوال ما اعتمد عليه
التصحيح اصلاحا :- هو استبعاد الخطأ فيما هو قائم من قول وفعل بالإضافة او الحذف او التحسين
التصحيح : ضابط لما يخرج من المعني ويمكن اختصار الامر بترميم او ترفيع او سد ثقرة من اصل الامر
الاصلاح : فهو تعديل جذري وقد يهد ما هو قائم اما ببناء جديد واصلاح لمفهوم باعتبار انه كان معوجا .يمكن تلخيص الفرق بين التصحيح والاصلاح فالتصحيح بخطا جزئي فيما هو قائم والإصلاح اعم من التصحيح ويشمل كل مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية .
هذا هو التصحيح اما الاصلاح افضل تعريف وجدته هو تعريف د/حسن الترابي([5]) اذ يقول( الصلاح ضد الفساد والاصلاح تقويم للفساد وتغيير المفسدة بما هو مصلحة وهو تبديل ماتغير حوله ظروف البلاد فاحالته قصورا وظلما وفساد وابتغاء كل الصلاح وصولا وظواهر بكل الوسائل المشروعة دعوة رقيقة صبورة متدرجة واجتهادا حميما مسرعا نحو المقاصد الخيرة والحركة الإصلاحية للمجتمع هي حركة ( احياء)بعد (موات) )
وبالرجوع الي الاية التي استهلت بها المذكرة كما بينا امرها في بداية حديثنا هذا وقراءتها بنهاية المذكرة فهي تحاول ان تجنب نفسها أي اتهام بالانشقاق والصراع او سوء القصد حيث جاء في نهايتها مايلي (نحن نقوم بهذه المبادرة نؤكد اننا لن نسعي لشق صف او تكوين جسم جديد مهما حدث وسنتعاهد على ذلك بل سنظل داخل البيت نكافح ونبشر بهذه الرؤية بكل الوسائل المشروعة وبكل قوة مهما كلفنا ذلك من زمن او جهد عبر الطرق المشروعة حتي يستقيم الامر وسنظل في حالة رباط دائم الي حين تحقيقها والله من وراء القصد)
اولا:- مقدمة المذكرة أتت بمسلمات غير صحيحة و الثناء على الانقاذ وحربها المؤتمر الوطني الابن الشرعي للحركة الإسلامية السودانية، وان المقدمة هي عبارة عن تمهيد لما سياتي بعدها ،وعادة ماتحتوي على المنهج والتاريخ او الثوابت والمسلمات التي ليس محل خلاف ، ولكن في المسائل الفكرية فان الامر يختلف تماما ، اذا يجب الابتعاد عن كل هذا ، اذ يجب ان تكون المقدمة عبارة عن قراءة تمهيدية لفكرة المذكرة ، والمقصود من اعدها ،غير ان هذا ورد في مؤخرة المذكرة ،الأمر الذي يضعفها فينا صحيح انه من حق الحركة استكمال المسيرة وذلك وفق المنهج والفكر الذي تود اتباعه، وفقا لادب الاجتهاد الذي يقتضي الموافقة على اجتهاد الآخرين وعدم اتهامهم بالكفر او الجهل طلما ان الامر اجتهادا ،ومن باب اولي الا تحتكر فئة من الحركة الإسلامية موضوع الاجتهاد دون الفئة الاخري ،فمن وجهت لهم المذكرة أيضا اجتهدوا فيما يقيمون به بل يرونه الحق الذي لاياتيه الباطل .
جاء في المذكرة انه بفضل الحركة الإسلامية أصبح الجميع في السودان مجتمع تحكمه وتنظيم حياته قيم السماء اذكان الامر هكذا فلماذا هذه المذكرة ؟ ان المطلوب وفقا لفكر الحركة الإسلامية وهي تعرف الإخوان المسلمين في المادة (3) من دستورها والتي تقرا(الإخوان المسلمون جماعة اسلامية تتربي بالبندين وتسعي بالدعوة والجهاد لاحداث تغيير اجتماعي من اجل تمكين قيم الاسلام في المجتمع واقامة حكمه ) ولكن الحقيقة انه حتي يومنا هذا لم يصل السودان الي المجتمع الاسلامي المقصود ولم تحكمه وتنظمه قيم السماء، وموضوع الحكم الإسلامي في الدولة الحديثة محل خلاف كبير بين المسلمين وبين الحركات الإسلامية ايضا، غير ان الحكم الإسلامي الذي تعنيه الحركة الإسلامية تنص عليه المادة(5) من دستور الإخوان المسلمين حيث جاء فيها (اقامة الحكم الاسلامي القائم على الشوري والمساواة وحرية المواطنين في اختيار الحاكم وممثلي الامة وحقهم في النصيحة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر دون تسلط او ارهاب) .
فالحكم القائم الان ليس حكما اسلاميا لانه لم يقم على الشوري والمساواة وحرية المواطنين في اختيار الحاكم وهذا ماقالت به المذكرة نفسها في ثناياها بل في نهايتها تطالب بهذا النوع من الحكم هذا مادفع حسن الترابي بان الحكم القائم على القهر والتسلط ليس حكما اسلاميا ولابد من اعمال الشورى والحرية والانتخابات النزيهة ويعتبر هذا نقد ذاتي من الشيخ لانه كان هو وراء اتيان الانقاذ للحكم عنوة
لقد اخذت المذكرة في تمجيد الحركات الإسلامية العالمية وانها كانت تقود حركة التحرر الوطني والرجوع للهوية الإسلامية وهذا غير صحيح فالحركة الإسلامية السودانية باعترافها لم يكن لها وجود او كسب في اخراج المستعمر من السودان ولم توضح المذكرة حركة واحدة اسلامية علمت على اخراج المستعمر الشئ الوحيد الذي يمكن ذكره هنا هي الحركة المهدية وهي في خلاف مع الحركة الإسلامية من حيث التوجه والمنهج كما انه لا توجد حركة إسلامية يمكن ان يقال انها واجهت الاستعمار بل هناك بعض الجماعات كانت تقف مع المستعمر بطريق غير مباشر اما سقوط الدولة الإسلامية في تركيا فان الحديث عنها سيطول والحكم الإسلامي الحقيقي انتهي عند الخلافة الراشدة ويمكن ان يوصف حكم عمر بن عبد العزيز انه كان حكما إسلاميا اما كل الحكام بعد ذلك والي يومنا هذا لم يحكموا بالإسلام انما بالقهر وقد قال الشيخ حسن في كتابه السياسة والحكم(في تاريخ الاسلام بعد الخلافة الراشدة الشوروية –للمؤمنين التوحدية للسياسة والحياة العامة غلب الاستبداد والاستلاب مع بقية من شعار الخلافة وخرج السلطان والسياسة من أحكام الشريعة نظما وعلاقات وحدودا واخلاقا بينما حفظت الشريعة في مجال الشعائر للمجتمع والمعاملات الخاصة للمجتمع).
أوضحت المذكرة ان الحركة الإسلامية السودانية بما لها من كسب أصبحت مثلا يحتذي به بالنسبة للحركات الإسلامية الاخري وهذا غير صحيح ،فالحركة الإسلامية منذ زمن بعيد فارقت الجماعة وخرجت عن خط الإخوان المسلمين العالمي، واتخذت منهجا مخالفا لاهل السنة بوقوفها مع الحركات الإسلامية الشيعية من اجل الكسب المادي والمعنوي للحركة، واخيرا من اجل البقاء في الحكم كما هو قائم الان ،بل قامت الحركة الإسلامية بما لم تقم به حركة تنسب نفسها للاسلام اذا قامت بطرد اخوانها في الإسلام وسلمتهم حكوماتهم التي بطشت بهم حتي تنفي عن نفسها صفة ايواءها للإرهاب والارهابيين ،ومن بين ماتم طردهم اسامة بن لاند الذي كان يمول الحركة قبل وبعد استيلاءها على الحكم ،وحلت تنظيمها المؤتمر الشعبي العربي الاسلامي لنفس السبب فلاتوجد حركة اسلامية في العالم اهتدت بما تفعله الحركة الإسلامية السودانية
ان معظم الجماعات والحركات الإسلامية في العالم لا تؤمن باتيان السلطة عنوة انما تقر التعددية والحزبية والانتخابات باعتبارها الوسيلة الصحيحة للتداول السلمي للسلطة يقول الأستاذ الطيب زين العابدين في كتابه الحركة الإسلامية في السودان (-تقف الجماعة الإسلامية التي اسسها الأستاذ ابوالاعلي المودودي وتنتشر الان في باكستان وبنجلاديش والهند بصلابة مع التعددية الحزبية ولاتفكر في الغاء حزب مهما كان اختلافه معها ،كما انها لا تفكر في الاستيلاء على السلطة عن طريق غير طريق الانتخابات، ونجد ذات الموقف عند حزب الرفاه في تركيا والحزب الاسلامي في ماليزيا ،وقد اقامت بعض المراكز الإسلامية المشهورة ندوات عن قضية التعددية السياسية فانتهت بقبول الفكرة من وجهة النظرة الإسلامية ، منها ندوة المعهد العالمي للفكر الاسلامي عن :التعددية في الاسلام (واشنطن 1995)،وندوة مركز الدراسات الحضارية بالقاهرة عن التعددية في الفكر الاسلامي). هذا بالإضافة الي ان معظم المفكرين الاسلامين المحدثين يؤمنون بالتعددية والحرية والشوري كسبيل للتداول السلمي للسلطة منهم على سبيل المثال يوسف القرضاوي وابوالاعلي المودودي ومحمد سليم العوا وفهمي هويدي ومحمد عمارة حتي عبدالقادر عودة وحقيقة لم اجد مفكرا اسلاميا عاقلا يقول باتيان السلطة عنوة الا في السودان
مجدت المذكرة استيلاء الحركة على السلطة في 30/6/1989 واعتبرها من اكبر انجاز للحركة اذانها قطعت الطريق على من كان يرغب في الاستيلاء عليها من العملاء والصلبيين ومن كان يحلم بتطهير العنصر العربية واخيرا لانها جعلت السلطة في يد امنية ومؤمنة وجادة وحمتها بالشهداء
ان اتيان السلطة عنوة عن طريق العسكر فيه جهل باصول الحكم في الاسلام ، وفيه مخالفة صريحة بفكر الحركة الإسلامية ذاتها، كمابينا ووصول الحركة الإسلامية للحكم عن طريق الانقلاب العسكري تعتبر اول ظاهرة في التاريخ الخركات الاسلامية المعاصرة ،اذ لم يسبقها عليها احد من قبل ،ومعلوم ان الانظمة الإسلامية التي تاتي الحكم عنوة هي سبب الفساد في الامة الإسلامية، فمثلا هذه الانظمة هي بطبيعتها غير شورية وهي بطبيعتها انظمة تقوم على الظلم والتعسف والتحكم .
لقد اثبتت التجارب التي مرت بها مختلف لشعوب في مختلف الازمنة ان مثل هذه الانظمة تؤدي في النهاية الي الفساد والتحلل والانهيار ،لانها بطبيعتها غير شورية وغير عادلة ،ولاتقوم على مبدأ المساواة بين مواطني الدولة ،ويقول ابن خلدون (الملك اذا كان قاهرة باطشا بالعقوبة كاشفا عن عورات الناس معددا ذنوبهم شملهم الخوف والذل ولاذوا منه بالكذب والخديعة وفسدت بصائرهم ، وربما خذلوه في الحروب فتفسد الحماية بفساد النيات فتفسد الدولة ).ولو ان الدولة الإسلامية في عهد الامويين وفي العهود التي تلت كانت قد تمسكت بقيام نظام الحكم على اسس الشوري لما حل بالامة الإسلامية من الكوارث المعلومة التي ادت بها في النهاية الي التخلف والتحلل وخضوعها للاستعمار الأجنبي في اشكاله المختلفة .كما ان اتيان السلطة عنوة لغرض مبادئ واراء للحركة الإسلامية دون قيام مجتمع إسلامي حقيقي لايشفع له تصديها لانقلاب صليبي سوف يقع وانقلاب للعملاء او غيره ، ان كل تغيير حقيقي لنظام الحكم والمبادئ التي يقوم عليها يجب كما قدمنا وبينا ان تسبقه تمهيد تدريجي طويل وتهيئة والنفوس " ان الله لا يغير ما بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم" .ويقول الموردوي ولعل خير مثال نذكره في هذا المقام ،مايرويه لنا تاريخ الهند حيث قام فيها في اوائل القرن التاسع عشر مصلحان من علماء المسلمين المجددين ،وقد استطاعا ان يكونا جيشا للجهاد في سبيل رفع راية الإسلام ،ونحجا في الاستيلاء على بقعة صغيرة نائية من الارض في شمال غربي الهند ، فأقاما فيها نظاما إسلاميا للحكم " على مثال طراز ذلك الحكم الصالح الذي اقامه الخليفتان العظيمتان ابوبكر وعمر ،لم يكن يهدف اهذان المصلحات الهنديان من وراء جهودهما الي فتح ممالك اوجمع مال او الي شئي من متاع الدنيا ،ومع ذلك فقد كتب الفشل على هذه الحركة الإصلاحية ،اما السبب الأهم الذي دعا الي ذلك الفشل فهو انهما لم يعملا على تهئية النفوس والعقول من قبل في تلك البقعة الصغيرة من الارض التي اقاما فيها حكمهما لتقبل نظام الحكم الجديد ومبادئه ).
تقر المذكرة بانه قد اصاب الحركة الإسلامية كثير من السهام القاتلة حتي من داخل الصف الاسلامي (والصحيح حتي من داخلها )، رغم هذا فقد صمدت الحركة رغم الانشقاق ،هذا الانشقاق والسهام التي أصابت الحركة هو في الحقيقة ماعنيناه من نقد سابق بخطا الحركة اتيان السلطة عنوة .
تقول المذكرة انهم تقدموا بها لاحياء سنة التجديد ونفخ الروح لعمل كبير في وسط الجماعة والدولة بعد ان تهاوت الانظمة الغربية والاشتراكية والراسمالية ،الواضح من المذكرة وهي تتقدم للجماعة والدولة لم تذكر تهاوي الأنظمة الشيوعية لان هناك انظمة شيوعية تسند الحركة ومؤتمرها الوطني، لذلك لم يرد ذكر للشيوعية اما الأنظمة الرأسمالية فقد تعاونت معها الإنقاذ الي اقصي حد ممكن في مكافحة الإرهاب ، كما بينا ، مجدت المذكرة بوصول الإسلاميين للحكم بعد ثورة الربيع العربي غير ان وصول هؤلاء لم يقم عن طريق العسكر انما عن طريق الانتخابات والديمقراطية ،فاذ كانت ثمة مراجعة او تصحيح كان من واجب المذكرة الاشارة لهذا المنهج الإسلامي ، والصحيح وان الإسلام لايمكن ان يكون بديلا للاشتراكية والرأسمالية الا اذ اتجه نحو الشورى والديمقراطية والحرية .
المذكرة تقر ان انفصال الجنوب أوجد واقعا جديدا يجب وضعه في الاعتبار ،وتحاول المذكرة تبرير اتيان السلطة عنوة عن طريق الدبابة ،هو ذلك الخطر القادم من الجنوب ،وهذا تبرير يرفضه الواقع فالانفصال هو من فكرة الجبهة الإسلامية ،كما بينا ثم ان الدبابة التي قالت عنها المذكرة لم توجه للجنوب ، انما وجهت لاهل شمال السودان لإسكاتهم ثم دخلت الحركة الإسلامية مع الجنوب في اتفاق لفصله في 2005 وحققت مبتغاها ،وكذلك حقق الجنوب مبتغاه من الانفصال، ولا نود ان نسترسل في هذا لان الامر سيطول، ثم عادة المذكرة ثانية تدافع عن اتيان السلطة عنوة فقالت انه اجتهاد مبروك وانه حقق الكثير للحركة الإسلامية والبلاد ،واعتبر ذلك مكسب كبير تم عددت المذكرة المكاسب وهي كالاتي:
1/ماتم في 89 اجتهاد مبروك نري انه حقق الكثير وفي ذلك لما منطق ودفوع يطول فيه الحديث
2/ قدمت كثير من القيادات والقواعد ومازالت نماذج طيبة في التجرد والتضحية والقدوة والجدية والكفاءة والذي كان السبب في صبر الشعب السوداني معنا بل الوقوف مع برامج الثورة بحماس وفي احلك الظروف رغم العوز والفقرة والحاجة .
3/ حدثت نهضة اقتصادية كبيرة في كافة المجالات واقيمت مشروعات غير مسبوقة واسست بنية تحتية عززت ثقة المواطن في الدولة وفي هذا الارقام نتحدث عن نفسها وتصدق ماتقول وهو شعور وشهادة الشارع السوداني كما نعلم .
4/ تم التصدي للتمرد وصل الي اطراف الشمال وكسره واجباره للتفاوض وجعل اماله تجيب من ان يكتسح الشمال ويغير هويته وهو المخطط الرئيسي الذي حملته فكرة السودان الجديد وقدمت في ذلك تجربة جهادية متميزة كان قربانها قرابة عشر الف شهيد من المجاهدين والمتطوعين فقط غير النظاميين
5/ تم تاهيل المقدرات العسكرية للبلاد بقدرات عالية شملت الصناعة الحربية وتأهيل القوات بالاسلحة المتطورة وتدريب الشباب وتجربتهم في مواقع القتال المختلفة مما شكل رصيدا دفاعيا قويا للبلاد.
6/ وقف حرب الجنوب عبر تفاوض مضن لسنوات وصل الي اعطاء شعب الجنوب الحق في تقرير مصيره بكل حرية تقديرا لراي لانسانه واخذا بقراره لمعالجة مشكلته بما يريد وهو مايحسب لنا فكريا وسياسيا لمعالجة مشكلة عانت منها البلاد اكثر من ستين عاما فخضناها بجدية حربا وسلما وفي هذا لنا مانقول من رؤية رغم محاولة جعلها لنا سُبّة انها قادت لانقسام البلاد.
سبق ان قلت ان هذه المذكرة اعده لطرحها لمؤتمر الحركة الثامن او تمهيدا له ،اذا اعدت من قبل بعض اعضاء الحركة ولم يقم السلطان باعدادها لصنع خطة لمجابهتها او بناء استراتيجية جيدة، وعليه سواء كان الامر هذا او ذاك فانني سوف اورد نصا للايجابات التي وردت في التقرير السياسي لمؤتمر الحركة السابع، وكذلك السلبيات تم التوصيات كما اوردت نصا وماطالبه به المذكرة واترك للقاري حق المقارنة ،والخروج بما يراه صحيحا وذلك بالرجوع لمخرجات مؤتمر الحركة السابع من حيث كسبها السياسي والنظري والعملي كما ورد في الصفحات السابقة ،غير انني سوف اعلق على بعض السلبيات والتي تتمثل في الاتي:-
1/الانشقاق الذي تم في 99
صحيح ان امر الانشقاق اسقط هيبة الحركة واذهب بريقها وحولها لجامعة تطلب السلطة عن طريق السيف وقهر السلطان ورفض العودة للديمقراطية والحرية التي هي اهل في الاسلام واسقط دعوة هي لله هي لله وحولها هي للجاه والسلطان
2/ هناك اخطاء ارتكبت من الجماعة والافراد
المقصود من هذا ماتم بشان استيعاب الاخير من غير الحركة الإسلاميةفي مجلس شوري الحركة بعد التعديل الذي ادخل عليه باستبعاد 60% من العضوية الملتزمة واستبداله بالعسكريين والمستقطبين غير اعضاء الحركة اذ ان الذين خرجوا في ذلك الوقت غير راضين بكل ماتم من وقتها الي اليوم.
3/ العقلية الامنية بغرض تامين الاوضاع
هذه هي طبيعة الانظمة الشمولية فهي تعتمد على القهر والتسلط والقبضة الامنة حفاظا على بقاءها وعندما يضعف النظام الشمولي تحكمه المؤسسة الامنية ويكون الرأي رأيها فهي التي تبعد الاشخاص من قيادة الدولة وتتدخل في التعيين ويعتبر التقرير الامني هو الفيصل في كل شئ ويدور الصراع داخل الاجهزة الامنية بقدر البعد والقرب من السلطان فلهذا السبب وغيره ابعد قوش رغم انه ابلا بلاء حسنا في تثبيت النظام زمنا طويلا
4/ التناقض الذي لازم خطاب الانقاذ
اللجوء للحرية السياسية فكان لابد من حيث ان الانظمة الشمولية عندما يطول بها العهد تلجا لمثل هذه الامور التي تحاكي بها الانظمة الديمقراطية ،فيقول بحرية الاحزاب والديمقراطية كاجراء شكلي لتحفظ بها النظام الشموالي ،ويتم ذلك بناء على ضغوط خاريجية او داخلية ،وحتي هذه اللحظة لاتوجد حرية حزبية او غير حزبية حتي هذا البصيص يحسم بالقهر وحالة الطوارئ ، اما الحديث عن التحرير الاقتصادي كان ناتج المؤتمرات السابقة للمؤتمر الوطني التي رأت القبضةعلى الاقتصاد، ولما فشلت في ذلك قالت بالاقتصاد الحر لكسب العالم الحر، ولكن هذا ايضا لازمه الفشل وعشعش فيها الفساد ومن الصعب التراجع عنه ،خاصة بعد الضايقة المالية الماثلة ،ومن ثم السقوط في امتحان السلطة والمال كما قالت المذكرة، ولكن لم تضع حدا لهؤلاء انما طلب لهم الهداية وللهداة عدة طرق منها الأبعاد عن السلطة ومراكز المال، ولكن كما هو معروف ان من يملك السلطة يملك المال والعكس صحيح ايضا ،فلا بد من تحرير هؤلاء من المال والسلطة يغفرالله لهم بعد ذلك ويكون لهم روؤس اموالهم فقط.
5/ بعض منا ركن الي الدنيا وأصاب منها .
لو لا حديث الناس لما اشارة المذكرة لهذا الفساد وهي أيضا لاتقر به بطريق مباشر فتطالب بحسمه ان تثبت لان حديث الناس عن الفساد يضعف الحركة فكريا وسياسيا وتحاول المذكرة بهذا الشان بان الامر مجرد اتهام وليس حقيقة .
6/ عدم التعامل بحسم بشان الفساد
التحرر الاقتصادي لم يكن هدفه تخفيف المعاناة عن الفقراء بل العكس فالتحرر الاقتصادي حسب عملية رؤوس المال يزيد الأغنياء غني والفقراء فقرا (وويل----------) وفكرة التحرر الاقتصادي كانت ابتكارا لانهاء القطاع العام وتشريد العاملين فيه وانها العمل النقابي من اجل التمكين
7/ الافرازات التي ظهرت نتيجة التحرر الاقتصادي
الفشل في محاربة المورث المحسوبية والرشوة شوهه التجربة ،الرشوة والمحسوبية فيما قبل -الانقاذ كانت شئ لايذكر ام الان فانها اصبحت قاعدة عامة فلا توظيف او اعتماد عطاء وصفقة حكومية الا عن طريق الرشوة والمحسوبية قائمة اصلا على فريضة التمكين وهذه واحدة من وسائل التمكين
8/ ثورة التعليم العالي
ثورة التعليم العالي لم يقصد بها التوسع في التعليم انما تشتيت الحركة الطلابية وضعفها وعدم تمركزها في مدن بعينها باعداد كبيرة لان الحركة حركة الطلبة هي وقود الثورة وهي لاتريد ثورة كما انها عمدت الي القاء الداخليات ومجانية التعليم هذا هو المقصود بالتوسع في التعليم العالي وليس غيره
9/ الفشل في محاربة بعض الظواهر الموروثة
الانظمة الشمولية وهي تعمل علي حل الاحزاب ومنظمات المجتمع المدني تدفع الناس للترابط والتناصر والتجمع من في تلك القبلية والجهوية والنظام الشمولي يستفد من هذه بالتايد القبلي والجهوي في تثبيت اقدامه ويستجيب في بداية الامر لهذه التجمع الجهوي والقبلي ولكن بعدها لايستطيع مقاومة هذا الاتجاه خاصة عند الضغط عليه بمطالبتهم بالسلطة والثروة مواقع في قيادة الدولة ومتي ماعادة الحرية الحزبية عاد الناس اليها فهي ملاذهم الاقوي من القبلية والجهوية
10/ الأخطاء التي ارتكبت في قضية دارفور
-(-----------------) الحديث عن دار فور سيطول ،ولكن لعبت الحركة الإسلامية بشقيها الوطني والشعبي دورا كبيرا في اشتعالها وتدويلها ،حيث عمدت للاعتماد على الجهوية والقبلية وعالجة الامر بإخفاق اشد ومازال امرها قائم وان اتفاقية الدوحة سوف تزيد الأمر تعقيدا او التمرد تمرداً ودارفور هذه هي الباب الذي سوف ياتي منه الريح وكفي .
برنامج الخروج من الازمة
في نهاية المذكرة وضعت المذكرة برنامج تفصيلي ،ولكن ليس عن طريقها انما عن طريق المؤتمر الوطني حزبها الحاكم ، واختصرت امر المعالجة في امرين لا ثالث لهم اولهما التحقيق في الفساد وحسمه، والثاني تحقيق العدالة الاجتماعية والسياسية ان البرنامج يشبه الي حد كبير برنامج المعارضة مع اختلاف أساسي ،وهو بقاء الإنقاذ في الحكم ، ومواصلة برنامج الاسلمة ،وهذا ليس بجديد وهو من توصيات مؤتمر الحركة السابع يمكن الرجوع اليه ،وهو راي غازي صلاح الدين في ورقته التي قدمها لمؤتمر الحركة السابع، وعبارة (دون تزيد)مقصود منها دون وضع اعتبار لما تقوله الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع الدولي ،وتطبيق الحدود الشرعية وغير الشريعة وهي الوسيلة الوحيدة لاستمرار الحركة في الحكم عن طريق السلطان، اما دعم العمل الدعوي فهي ايضا في مخرجات المؤتمر السابع التي لم تنفذ كما بينها د/عبرالرحيم على في ورقته للمؤتمر .
تشكيل آلية عبر القضاء للنظر في الفساد
ان موضوع الفساد اصبح الشغل الشاغل بالنسبة للحركة ،ومن ثم تري ضرورة البت فيه لان الفساد من الاسباب التي تؤدي حتما لانهاء الدولة بعد الظلم ،والحقيقة ان الحركة تعلم الفساد وتعلم المفسدين ،وتعلم من يحميهم ،ولكنها تقول للمرة الثانية في هذه المذكرة (ان ثبت الفساد) وكأن الامر مجرد اتهام ،وهذه الفقرة تذكرني بما يسمي دعوي قطع النزاع، ودعوي قطع النزاع هي( ان يذهب شخص الي القاضي ويقول له بلغني ان فلانا يريد منازعتي ومخاصمتي في الدار التي تحت يدي،او تذهب امراة الي القاضي فتقول له بلغني ان فلانا مطلقي يريد منازعتي في الولد الذي تحت يدي ويرغب في اخذه مني فاطلب من القاضي ان يحضره حتي اذا كان له حق في دعواه اثبته ،وامثال هذه الدعاوي لاتسمع لان المدعي لايجبر على الدعوي ،وفي سماع هذه الدعوي اجبار لصاحب الحق على ان يطلب حقه ،وصاحب الحق لايجبر على طلبه وبهذا افني قاري الهداية كما جاء في ابن عابدين ج 4 ص461).وكأن المذكرة تقول ان من له شبهة فساد على امير او سفير او رأس الدولة او ايا من معاونيه فليتقدم بذلك للجهات المختصة ،فهذه دعوة حق اريد بها باطل.
التحول السياسي السلمي
من البرنامج ايضا العمل على التحول السياسي عبر صندوق الاقتراع ،هذا القول فيه اقرار واضح بان الانتخابات السابقة التي كانت عبر صناديق اقتراع كانت غير حرة ولا نزيهة ولاشفافية، واذا كان الامر كذلك من واجب اهل المذكرة القول بذلك صراحة ،والمطالبة باجراء انتخابات فورية ليستقيم الامر عن طريق صندوق اقتراع حقيقي لبسط الشوري والحرية 000الخ، ماجاء بالمذكرة يؤكد قولي بان المذكرة تقر بعدم نزاهة الانتخابات وانها مزورة ضمنت هذه الفقرة تحت بند الفساد(في هذا تتفق المذكرة مع قوي المعارضة)، اما الامر الثاني فقد وزعته المذكرة الي ثلاثة اقسام تحقيق العدالة الاجتماعية والسياسية .
3/ العمل على وضع دستور دائم للبلاد باجماع القوي السياسية ،ليكون اللبنة الاول للاستقرار السياسي هذا مطلب طيب ،ولكن ليس صحيحا كما جاء بالمذكرة بان البندقية حسمت الامر، وان النفوس قد هدأت ،اما وضع دستور تهتدي له الجماعات الإسلامية في العالم التي تقود الحرية، فتلك جاء عن طريق الانتخابات الصحيحة وليست المزورة ،فهي تعرف كيف تضع دساتيرها وتختار قادتها ،وعليها ان تستعين في عملها وتجوده ،و ان تتعظ من تجربة الحركة الإسلامية التي اتت السلطة عنوة في السودان .
استقلال القضاء
القضاء في السودان مستقل تماما عن السلطة التنفيذية والتشريعية بحكم الدستور والقانون، وهو ايضا ليس محل خلاف داخل الحركة الإسلامية او المؤتمر الوطني ،يبدو ان أصحاب المذكرة وهم يتحدثون عن العدل ويخلطون بين العدل والقضاء ،فالعدل كما يقال هو اساسي الحكم او الملك ،اما القضاء فمهمته الفصل بين المتنازعين والمتخاصمين سواء كانوا من عامة الشعب او كانت الحكومة طرفا في نزاع ،فالعدل هو مسئولية الحكومة ،فالحكم الصالح هو الحكم العادل الذي يحارب الفساد ويقدم الفاسدين للقضاء ،فالقاضي غير مسئول عن الفساد ولا عن المفسدين وليس مسئولا أيضا عن الجرائم التي ترتكب في دارفور ،وليس مسئولا عن جرائم الحرب والابادة الجماعية ،إنما مهمة الفصل في تلك الجرائم عندما تعرض امامه فالقاضي يجلس في مكتبه الي ان تقدم له الشرطة او وزير العدل او الشاكي مظلمته فان حابي او خالف القانون عن عمد فهنا يمكن ان يقال القضاء غير مستقل .
مسالة العدل عموما هي مهمة النائب العام وزير العدل ،وهو صاحب العدالة الجنائية سوء كانت جرائم حرب او اغتصاب او اختلاس او فساد او رشوة ،فهو المسئول عن تقديمها للقضاء للفصل فيها فهل قدمت النيابة دعوي فساد او محسوبية او رشوة لاي شخصية سياسية او حكومة ليحاكمها القضاء، والحقيقة ان الحكومة تعمل بقدر الامكان لحماية الفاسدين بواسطة النائب العام بموجب قانونه، او تصل معهم الي تسوية قد تكون سياسية فلا دخل للقضاء بها ،فالقاضي (لا يرخي اذنيه او يجوب الشوارع او يتسور الحوائط او يداهم المعسكرات باحثا عن الجرائم والمجرمين ، فهذه ليست مهمة القضاء والنائب العام هو المختص بالعدالة الجنائية يعاونه في ذلك مستشاريه ومهمة الشرطة والجمهور ايضا ،فالقضاء وليس مهمته تعقب المجرمين او الفاسدين انما يتم احضارهم امامه لمحاكمتهم او تبرئتهم ،اما الحكم الفاسد([6]) هو الذي ينقصه الاطار القانوني ولايطبق مفهوم حكم القانون بحيث تطبق القوانين استثنا وتعسفيا ويعفي المسؤولين أنفسهم من تطبيق القوانين عليهم . والحكم الذي يتميز بوجود الفساد وانتشار آلياته وثقافته بما في ذلك القيم التي تتسامح مع الفساد، واخيرا الحكم الذي يتميز باهتزاز شرعية الحكم وضعف ثقة المواطنين به مما قد يدفع الي انتشار القمع ومصادرة الحريات وانتهاك حقوق الانسان وسيادة التسلط ، هذا النوع من الحكم لايلجأ للقضاء مستقلا كان او غير مستقل ،في رائ ان الحديث عن استقلال القضاء لايعدو ان يكون عرص لغرض و محاولة للتدخل في شئون القضاء ،وهذا امر جد خطير اذ يجب عدم الزج بالقضاء في الخلافات السياسية ، اذ يجب ان يصبح القضاء في منأ عن هذا التدخل، ومنذ مجئ الإنقاذ لم تشهد أي قضية للرأي العام لم تجد حقها في الفصل العادل، الا قضية حل المجلس الوطني الذي كان يترأسه الترابي اذ خالف المحكمة الدستورية القانون وقفت مع السلطان، وانا هنا لا اتحدث عن المحكمة الدستورية فهذه هي من ادوات السلطان ولا علاقة لها بالسلطة القضائية ، الغريب في الأمر انه لم نري أي اشارة للقضاء واستقلاله في مؤتمر الحركة السابع فماذا جد في هذا الامر .
ان مسالة العدل يقع من صميم النائب العام وزير العدل ،بل ان قانون الاجراءات الجنائية يعطي النائب العام وزير العدل حق الفصل في الدعوي الجنائية فسادا او غيره ،وهو المسئول عن ايصال المجرم للقضاء لمحاكمته ،فاذا لم يفغل ذلك فليس للقاضي يد تتمكنه من محاكمة المتهم، ويستطيع وزير العدل شطب التهمة وتبرئة المتهم والقضاء يتفرج ،لان الامر يخص وزير العدل ،وقد يشطب الاتهام من قبل وزير العدل هكذا قال قانون الاجراءات الجنائية في الوقت الذي يمكن ان تكون التهمة حقيقية ،على عرضها على القضاء للبت فيها، الا ان سلطات وصلاحيات وزير العدل تحول دون محاكمتهم اذ لاعيب في القضاء ان العيب في العدل .
الشئ الوحيد الذي تم في عهد الانقاذ هو فصل اميز القضاة اداءاً وسلوكاً عن طريق احالتهم للصالح العام دون اسباب وهذا مافعلته السلطة التنفيذية (رئيس الجمهورية ) والمحزن حقا في هذا فبعد مرور زمن طويل الذي اصدر رئيس الجمهورية قرار باعادة من فصلوا للصالح العام ماعدا القضاة وهنا يكمن عدم تحقيق العدالة .
اعود فاقول ان استقلال القضاة منصوص عليه في الدستور المادة 123 وكذلك في قانون السلطة القضائية والمقصود باستقلال القضاء و استقلال السلطة القضائية وتمكينها من رد اي اعتداء او تغول على الحقوق والحريات التي كفلها الدستور ان لم تكن الهئية القضائية من القوة والاستقلال والكفاءة والقدرة ولم يكن قضاتها بمنائ من أي تاثير او ضغوط سوي في تعين القضاة وعزلهم وترقيتهم او في شرزط عملهم بصفة عامة فان السلطة القضائية لاتستطيع اداء دورها المناط بها اضيف هنا انه لايمكن ان يقال ان جميع قضاة السودان ليس من بينهم فاسد فهولاء الفاسدين يوجدون في أي موقع والشئ الذي اعلمه ان السلطة القضائية القائمة الان هي الجهاز الوحيد الذي نسمع انه فصل هذا او ذاك لسوء سلوكه او لفساد او غيره ويحدث ذلك دون ضوضاء او إثارة .
أعود فأقول ان أي محاولة لمد يد السلطة التنفيذية في استقلال القضاء يهدم مبدأ العدل الذي يعتبر القضاء جزء منه فاستقلال السلطة القضائية يجب تأكيده أولا وأخيرا في مواجهة السلطة التنفيذية اذ من المفروض ان تكون هي الحكم المحايد النزيه الذي لاتاثير عليه في الحكم في النزاعات التي تثور بين الهئيات والأفراد كطرف بين السلطة التنفيذية كطرف آخر او السلطة التشريعية أحيانا
كما انه معلوم ان القاضي لا يقضي بعلمه الخاص وهذا يعني انه اذ توصل او سمع وتأكد له ان هناك فساد او محسوبية او رشوة فهو لا يحكم بعلمه الخاص وهذا ما يعرف في آداب القضاء (القاضي لا يحكم بعلمه الخاص)وهذا ما بينته المادة 9 الفقرة ب من قانون الإثبات.
الجهاز القضائي الان جهاز محترم من الجميع وان الجميع يحتكمون اليه وليس هناك من قولا فيه ثم ان الحديث عن شخصية مستقلة امر نادر الحدوث فقد يكون للقاضي مذهبا سياسيا الا انه لا يستطيع إعمال مذهبه هذا على المتقاضين او تميزهم والا خرج عن مهمة القضاء كما انه يجب على القاضي تطبيق القانون كما وضعه السلطان فالقاضي مقلد وليس مجتهدا وماعليه الا اتباع القانون الذي حدده السلطان سواء كان مقتنعا به او لم يكن مقتنعا به ارجو ان لايكون استقلال القضاء محل صراع سياسي والا عمة الفوض واضطربت الاحوال .
حياد اجهزة الدولة
قومية اجهزة الدولة امر مهم وهو مايعرف بقومية الخدمة المدنية التي يطلبها الجميع وقومية اجهزة الخدمة المدنية هي السبيل الوحيد لعدم الطعن في شرعية وشفافية الانتخابات وغيره وهنا ايضا اشارة واضحة في المذكرة بان العاملين في الدولة من قاموا بتزوير الانتخابات السابقة والان يدعون للمنافسة الحرة في الانتخابات القادمة وهذه دعوة يؤيدها الجميع
فك الارتباط المالي
ان التداخل في هياكل الدولة والحزب يعني بالضرورة تداخل المال التداول بينهما فالحزب يمد يده لمال الدولة بطريقة مباشرة وغير مباشرة عن طريق الصفقات التجارية والشركات العامة والخاصة التي تدعمها ويصب ريعها لدي الحزب فهذه دعوة جديدة -----فحو-----المؤسسات العامة اول امر في هذا لابد من اعادة الحق لاصحابه (النادي الكاثلوكي) والدعوة لوحدة الكيانات الإسلامية دعوة قديمة وهي محل خلاف شديد ونزاع اشد يصل لحد كبير التكفير والوحدة تحتاج لتنازلات كبيرة من كل الاطراف وهذا لايتم الا عبر التسامح .
بقاء الاشخاص في المناصب العامة
يبدو ان هذه النقطة هي مربط الفرس واتفق مع المذكرة تماما ان بقاء الأشخاص في المنصب العامة زمنا طويلا يفسدهم ويمنع التداول في المهام والأدوار 00000الخ ما جاء بهذه النقطة ولا سبيل للوصول للمطلوب الا ان اختيار الأشخاص في المناصب لأجل محدد والتجدد مهما كانت الظروف وبهذا وحده يتم التداول ليس في السلطة فحسب بل وفي التنظيم السياسي وكافة التنظيمات الاخري .
بقية الفقرات التي تطالب بها المذكرة متعلقة بالفساد في عمومها وان كان التفصيل من اجل المطلوب لذ سوف أتحدث عن الفساد دون الدخول في التفاصيل
تقر المذكرة ان هناك فاسد في جميع مناحي الحياة السياسية والسلطوية كانشغال التنفيذيين والتشريعين بالتجارة باسماءهم وأقربهم وكذلك المحسوبية والرشوة وهي ظواهر تخالف العدل وكذلك استقلال المال العام لأغراض شخصية او حزبية واستقلال أجهزة الدولة للصالح الخاص والحزبي وتقديم من اثري حراما للعدالة وهذه هي مهمة النائب العام ومستشاريه فهي الجهة الوحيدة الكفيلة بالحد من الاعتداء على المال العام المتعلق بالاختلاس او الصفقات التجارية او التمويل البنكي وغير ذلك لا خلاف انه لا يخلو مجتمع من المجتمعات في الشرق والغرب بقدر معين من الفساد غير ان الذي يزعج أهل السودان الآن هو اتساع دائرة الفساد وحجمه وتشابك حلقاته وترابط نظامه بدرجة لم يسبق لها مثيل في الأنظمة السابقة وكاد الفساد ان يتخذ شكلا مقننا تحت ستار السترة و أحيانا أخري تحت عدم إشاعة الفساد في كافة مناحي حياتنا والاقتصادي والاجتماعية والسياسية والإدارية والفساد والمقصود هنا ليس فساد (الافندية) وهو ما يعرف بالفساد الصفير الذي يتم فيه يختلسون المال العام فهذا فساد مقدور عليه يستطيع المراجع العام ان يطلع الجميع عليه وهي في الحقيقة لا يساوي شئ يذكر .
أما الفساد الكبير المرتبط بالصفقات في عالم المقاولات وتجارة السلاح والحصول على التوكيلات التجارية للشركات الدولية الكبرى المتعدية الجنسية وما إلي ذلك من ممارسات ويحدث مثل هذا( الفساد الكبير ) عادة على المستويين السياسي والبيرقراطي مع ملاحظة ان الأول يمكن ان يكون مستقلا بدرجة او باخري عن الثاني او يمكن ان تكون بينهما درجة عالية من التداخل والتشابك اذ عادة ما يربط "الفساد السياسي " بالفساد المالي حين تتحول الوظائف البيروقراطية العليا الي أدوات للإثراء الشخصي المتصاعد.
هذا الفساد الذي يعنيه ابن خلدون في مقدمته بان المال تابع للجاه والسلطة وليس العكس خاصة عندما تخلط التجارة بالأمارة وفساد الإمارة يمكن تلخيصه في الأتي :
أ/ تخصيص الأرض من خلال القرارات الإدارية
ب/ إدارة أموال المنح والمعونات الأجنبية التي لا تدخل حزينة الدولة
ج/ القروض البنكية التي تعطي دون ضمانات لرجال السلطة او من يهمهم امرهم
د/ عمولات عقود البنية التحية وصفقات السلاح .
ه/العملات والإتاوات التي يتم الحصول بحكم المنصب والاتجارة بالوظيف العامة (ربيع المنصب ).
ان محاربة الفساد الكبير لايتم بالمذكرات ولا دعوة بالكف عنه الفاسدين انما يتم بثلاثة محاور أساسية وهي :-
1/محور توسيع رقعة الديمقراطية والمساءلة
ويقتضي ذلك توسيع دائرة الرقابة والمساءلة من جانب المجالس التشريعية والأجهزة الرقابية ومنظمات المجتمع المدني لتحقيق درجة اكبر من "الشفافية" في العقود الدولية والعطاءات واتفاقات المعونة للقضاء على ما يسمي ب"الفساد الكبير" وليس هناك من شك في ان الضمان الحقيقي لحل "مشكلة الفساد" بشكل أساسي يكمن في تداولية السلطة حتى لا يعشش الفساد لمدة طويلة ويتم توارثة والتستر عليه وهنا يبرز الدور المهم للأعلام والصحافة في تسليط الضوء على لفساد الكبير" في اعلى الموقع مع توافر الضمانات القضائية اللازمة لحضانة الصحفي ورجل الأعلام
2/ محور الإصلاح الإداري والمالي
لابد من وضع القواعد والضبواط اللازمة لمنع "التداخل" بين الوظيفة العامة وممارسة النشاط التجاري والمالي كما جاء بالمذكرة (بالاصالة او الوكالة ) لمنع اختلاط المال العام الخاص وهذا يقتضي بدوره إعادة النظر في اللوائح المالية والإدارية وتشديد القيود والضوابط والقضاء التدريجي على مفهوم "الدولة –المزرعة "
3/ محور إصلاح هيكل الأجور والرواتب
كي يمكن محاصرة الفساد عند ادني المستويات لابد من تحسين أوضاع صغار وكبار الموظفين في الخدمة المدنية من حيث مستويات الأجور والمرتبات وما يتمتعون به من مزايا عينية حتى تصبح تلك حصانة "صغار الموظفين " أداة" العيش الكريم " "living wages" مما يساعد في زيارة درجة حصانة "صغار الموظفين " "كبارهم " إزاء الفساد والمفسدين وبما يساعد في القضاء على "الفساد الصغير "بأشكاله وصورة المختلفة [7].
موقف السلطة من المذكرة
هذه المذكرة التي شغلت الرأي العام زمنا طويلا لا لما حوته المذكرة تحديدا ولكن من أعدها ولماذا تم إعدادها الآن وهي مقصود لذاتها أم أن لها ما ورائها كل هذه الأسئلة لم تجد إجابة تذكر غير أن راس الدولة اشهر سيفه في أجهزة إعلام بأنه لم يلتفت إليها وان محل هذه المذكرات وما حوتها هو مجلس شوري الحزب ويعني المؤتمر الوطني وزاد إذ كانت أن هذه المذكرة اوعدت من أعضاء من لمؤتمر الوطني سوف يحاسبون عليها وانه لا يقر أسلوب المذكرات سواء جاءت من جماعة أو مجموعة أفراد اوكيانات والمقصود بالكيانات بالطبع الحركة الإسلامية لان المذكرة تحمل اسمها
يبدو واضحا أن رئيس الدولة ليس عابئا بالحركة الإسلامية وليس على استعداد لسماع رأيها انما الأمر عند المؤتمر الوطني الذي هو رئيسه وان كل شئ يجب عرضه و حسمه في داخل مجلس شوري المؤتمر الوطني الذي يعتقد انه قادر عليه وفي اعتقادي فان راس الدولة رئيس الحزب سوف يقوم بجولة في كل أنحاء السودان يبشر بفكره هذا كما فعل شيخ حسن من قبل المفاصلة إذ حشد جماهير وفاز بالجولة إلا أن يد السلطات كانت اقوي منه فان أراد رئيس الجمهورية يعتمد على المؤتمر الوطني دون الحركة الإسلامية فان الأمر لن يستقيم له فان المؤتمر الوطني دون الحركة الإسلامية(كيانه الخاص) أي المطبخ الحقيقي سوف يصبح كالاتحاد الاشتراكي سوف يتلاشى أمام أعينه فعند ثورة ابريل 1985 عجز الاتحاد الاشتراكي الصمود أمام المد الجماهيري فانهار ولو كانت الحركة الإسلامية السودانية خارج السجون لما كان الانهيار بتلك السرعة غير المتوقعة ولكن لطف الله بأهل السودان بان كان الإخوان بما فيهم شيخهم داخل السجون فأخرجتهم الانتفاضة وكانوا وقتها مكسوري الجناح لوقوفهم مع السلطان الجائر وصدق رسول الله صلي الله عليه وسلم حيث قال (من أعان ظالم سلطه الله عليه ) ان الملايين الخمسة التي قال بها الرئيس هي اعداد ورقية لن يجدها ساعة الجد فهؤلاء او معظم اصحاب مصالح او مغلوب على امرهم سجلت اسمائهم دون رضي كما كان الامر في الاتحاد الاشتراكي لايمكن التعويل عليهم فالمذكرة فيها اشارات لايمكن تجاهلها خاص ان الرئيس بعد حديثه للوسائل الاعلام اخذ يعمل على بعض ما اتت به المذكرة فقال لايمكن بعد اليوم وقال بانتخاب مدير الجامعة ومكافحة الفساد 000الخ
الحركات الاسلامية المعاصرة
الحركات الإسلامية والتي تنعت عادة بحركة الإسلام السياسي والتي شهدها العالم الإسلامي المعاصر هي حركة سياسية تجعل من نظام الحكم الإسلامي هو النظام المعياري باعتباره نظرية ملزمة لنظام الحكم في الإسلام وهي في جوهرها العام حركة اجتماعية سياسية في إطار النظام السياسي الإسلامي ومن ثم فهي حركة اجتماعية سياسية جهادية تعتمد العنف طريقا للحكم ليس في البلدان ذات الأغلبية الإسلامية فحسب ولكن لكل العالم لهذا توصف الحركات الإسلامية أيا كان مقصدها السلمي بأنها حركات إرهابية والمؤسف أن بعض الحركات الإسلامية ينطبق عليها هذا الوصف غير أن هذه الحركات لا يربط بينها رابط سوي العودة للإسلام هذا من حيث العموم ومن ثم تختلف اختلافا كبيرا في وسيلة العودة للإسلام من هذه الحركات الإسلامية ما تدعو للانغلاق على الذات ومعاداة الآخر بصورة نمطية هذا الانغلاق يقود للجمود والهروب إلي الماضي دون اعتبار للحاضر ناهيك عن المستقبل فمن لم يكن معي فهو ضدي ومن لايدين بديني فهو ضدي أيضا ومن ثم يصنف هذا الضد بأنه عدو يجب محاربته ولو كان معتنق الإسلام .
من الملاحظ ان الجماعات الإسلامية السودانية بمن فيهم الحركة الإسلامية (الإخوان المسلمين) لم يقدموا مساهمات نظرية تاصيلية عن الدولة ونظام الحكم رغم الحديث عن حكم الإسلام والدستور الإسلامي الذي اجتمعت فيه تلك الجماعات يوما ما( مشروع الدستور الاسلامي 1968) واعتمدوا على اطلاق شعارات عامة مثل(القران دستورنا)(الإسلام هو الحل) (العودة للشريعة وحكم الشرع) واكتفوا بعموميات يتم تداولها في الندوات والصحف السيارة والليالي السياسية والمناظرات فيما يختلفون فيه من تلك الشعارات رغم أن هذه الجماعات الإسلامية السودانية تعج بالمتعلمين وتدعي انها حركة مثقفين وصفوة كما يقول د/حيدر إبراهيم([8])(لكن من يتأمل المكتبة السودانية والأدبيات السياسية يواجه بجدب وفقر الاسلامويين السودانيين الفكري لذلك حين استولوا على السلطة لجاؤا إلي التجربة والخطأ وكانت الأخطاء كثيرة بسبب تعقيدات الواقع السوداني والتطور العالمي في نهاية قرن ملئ بالإحداث والتحولات حتى اعتبره البعض نهاية التاريخ وواجه الاسلامويون السودانيون هذه التحديات غير مسلحين بمعرفة عميقة متجددة بالدين ولا بالحضارة الغربية الحديثة وكان حلمهم بسيطا تركوا التفكير والتنظير للشيخ الترابي مما جعل ساحتهم الفكرية تبدو مثل مسرح الرجل الواحد). الواضح ان معظم قادة الحركة الاسلامية ضعيفي الثقافة الاسلامية سوي قلة من خريجي المعاهد الاسلامية وبعض خريجي العلوم السياسية هذا كان واضحا في صياغتهم للقوانين التي سميت قوانين الشريعة تم اقتباسها من بعض قوانين البلاد العربية ولم تراعي فيها اختلاف الزمان المكان والعادات والتقاليد فقانون المعاملات المدنية مأخوذ نصا من القانون المدني الاردني حتى باخطاءه الطباعية وعباراته الركيكة التي تحتمل كل تفسير وقانون المعاملات هو في الحقيقة قواعد أعدها الفقهاء حسب ظروف مجتمعهم والشريعة الإسلامية لم تحدد في المعاملات وماهو واجب الإتباع غير آية واحدة (احل الله البيع وحرم الربا) اما بقية المعاملات هي اجتهاد للفقهاء فقانون المعاملات لا خلاف بينه وبين القانون السابق له سوي الغاء الفائدة وتحريمها لقانون الجنائي ليس فيه جديد سوي الحدود والقصاص دون غيرها فالقانون هو نفس القانون السابق كل تفاصيله وعباراته ومفرداته وتطبقه المحاكم كما كان في السابق والقضاة خاصة في المحاكم الاعلي مازالوا أسيري الفقه القانوني القديم يطوعون العبارات والمفردات الجديدة لتستقيم مع ماهو معرف لديهم في دارستهم السابقة فكل هذه القوانين لم تكن لها مرجعية واضحة ولا مذكرة تفسيرية أما بقية القوانين حتى يومنا هذا هي نفس القوانين السابقة لهذا أقول أن الحركة الإسلامية ضعيفة من حيث الفقه الإسلامي العام والفقه السياسي وكذلك الفقه القانوني رغم كثرة الحديث عن الإسلام وتحكيمه والناس لا يزالون يذكرون محاكم الطوارئ عند بداية تطبيق القوانين في عهد نميري وما صاحبها من اخطاء ترجع في الأساسي للجهل بالإسلام وقوانينه وليس للتطبيق كما يقال
ويتضح هذا الجهل بانه لما اشتد الصراع قبل انشقاق الحركة الاسلامية الاخيرلاذ كل فريق ليجد له مخرجا فقهيا يسعفه في تحديد موقفه مع الترابي أم مع البشير فكان رأي من أراد الانضمام للبشير بان الأمر يحكمه الرأي الفقهي الذي يوجب طاعة الحاكم مهما كان جائرا أو عدلا طالما انه هو صاحب الشوكة حفاظا على دماء المسلين ومن يري الوقوف مع الترابي يري غير ذلك وهذا مايعرف باستقلال الدين في العمل السياسي ويرجع هذا أيضا لجهل الإسلاميين بالفقه السياسي الإسلامي الجميع بايعوا البشير بيعه الطاعة باعتباره إماما للمسلمين فكان الواجب مناقشة هذه البيعة ومواقفهم منها بدلا من الخوض في مسالة صاحب الشوكة والحقيقية أن البيعة لعمر البشير هي بيعة شكلية وليس حقيقية والبيعة الحقيقية لإمام الباطن وهو الشيخ حسن اما ا لإمام الظاهر فلا بيعة له وبيعته شكلية فوجود إمامين احدهما ظاهر وأخر باطن عبث بفقه الإمامة وعدم دراية بأصول الحكم الإسلامي وقد نوقش هذا الأمر في مؤتمر الحركة الخامس وخرج ببيان كما يقول عبدالله ([9])جاء فيه (أما فيما يلي الاجتهادات التي عرضت على المؤتمر في فقه البيعة العامة وعهد الجماعة وعلاقة الجماعة برئاسة الدولة فان المؤتمر قد اقر بان التقدير الشرعي أصول الفكر الإسلامي في البيعة الشرعية يلزم الحركة بالبقاء على بيعتها لراس الدولة لأنها لم تر كفرا بواحا عليه من الله برهان ولم تر خروجا على نهج الجماعة بل سمعت من رأس الدولة تمسكا بأصول الشرع والتزاما بالشريعة معلنا إلي العالم اجمع الذي يناصب كبراؤه الشريعة العداء) في الوقت الذي يعلم الجميع بأن البيعة كانت للشيخ وليس للبشير بل البشير نفسه بايع الشيخ .
الخلاف حول نظام الحكم
وللعدل يجب ان لا نلوم الحركة الإسلامية فيما يتعلق بصفها الفقهي بشان نظام الحكم في الإسلام فان الفقه الإسلامي فيما يتعلق بالقانون العام ([10])نقصد بذلك القانون الدستوري والاداري يعاني تخلفا شديدا وتاخرا وعدم وضوح في مسالة السياسة ونظام الحكم حتي بما في ذلك ادارة الدولة يقول السنهوري في هذا( ان الفقه الاسلامي في ميدان القانون العام لايزال في دور الطفولة وان العالم الاسلامي عاش امدا طويلا بدون قانون عام بمعناه المعروف ) ويقول عبدالحميد متولي في تعليقه على قول السنهوري في كتابه مبادئ نظام الحكم في السودان ( ذلك قبل أربعين من السنين ومنذ ذلك الحين لايزال ذلك الطفل في المهد يحبو لايكاد ينهض حتي يكبو) ويري الذين تحدثوا عن نظام الحكم في الاسلام ان هذا التخلف في ميدان الفقه الاسلامي يرجع الي اسباب منها الجمود والتقليد بعد قفل باب الاجتهاد ويري البعض ان ذلك نتج من عدم الاهتمام بالفقه الدستوري من علماء المسلمين وفقهائهم حيث يري البعض ان الاحكام الدستورية هي مسالة شديدة الحساسية بالنسبة للحكام الذين تولوا الامر بعد الخلافة الراشدة فلاذ معظم الفقهاء بالصمت عن الحديث فيها والكل يعلم ما لاقاه بعض الفقهاء من اضطهاد وتعذيب حينما ابدوا رأيا في مسالة الحكم والسياسة وحتي الذين تحدثوا في هذا الامر دار حديثهم حول موضوع الخلافة لهذا من الصعب جدا الحصول على مؤلفات لبعض الفقهاء في الفقه الدستوري وقد امتد الأمر الي يومنا هذا حيث لايوجد فقه اوفقهية متخصص فيالبحوث الدستورية المتعلقة بالفقه الذي يعتقد ان الحال في القوانين الحديثة وانني اعجب من البعض الذي يعتقد ان العلماء في السودان لم يكن لهم رأي واضح فيما يتعلق بالشئون السياسية المتعلقة بنظام الحكم او الدستور وعجبي ينبع من ان العلماء الذين يمكن ان يقولوا شئيا لا يستطيعوا القول به في ظل الانظمة الاستبدادية حتي لايتعرضوا للتهلكة وان كان هذا القول ليس على اطلاقه فهناك من العلماء من قال برايه ولكنه لم يسمع الجميع لمحدودية المكان والزمان ويمكننا القول ان اول من تحدث عن نظام الحكم في الاسلام ذلك الكتاب الذي الفه الماوردي وسماه الاحكام السلطانية والذي طلب ان لاينشر الا بعد وفاته وذلك خوفا من السلطان كما ان الفراء الف كتابا اسماه ايضا الاحكام السلطانية وسلك نفس المسلك الذي سلكه وكذلك يعتبر اول من تحدث عن نظام الحكم في الاسلام ابن خلدون في المقدمة وابن تيمية في السياسة الشرعية وحتي هؤلاء كان معظم حديثهم ينصب حول الخلافة والامامة .
اول امر اختلف فيه المسلمون كان حول السياسية ونظام الحكم واختلفوا فيه يوم وفاة الرسول rوانقسموا حوله انقساما حادا يقول البعض انه هو السبب الاساسي في وجود الفرق الاسلامية وهو الذي ادي ايضا الي ظهور المذاهب الفقهية ويقول البعض ايضا ان المذاهب الفقهية ويقول البعض ايضا ان المذاهب الفقهية في جوهرها عبارة عن خلاف سياسي والملاحظ ان البحوث المتعلقة بالخلافة او الامامة ظهرت بعد ان اشتد الخلاف حولها واصبحت تعرف بعلم الامامة هذا هو رأي ضياء الدين الريس فهو يري ان الامامة هي المشكلة الرئيسية التي دار حولها الخلاف السياسي والدستوري في الاسلام في العصور المختلفة ويقول الشهرستاني في كتابه الملل والنحل ان اعظم خلاف بين الامة خلاف الامامة اذ ما سل سيف في الاسلام على قاعدة دينية مثل ماسل على الامامة في كل زمان ويري البعض ان الخلاف بين المسلمين كان جوهره سياسيا ولكنه اصطبغ بصبغة دينية بظهور رأي الشيعة في الامامة وقد كان موضوع الخلافة يقع ضمن مواضيع علم (الكلام والتوحيد) ثم قال الشيعة مؤخرا بعلم الامامة ومن ثم برز الخلاف الاساسي في مسالة الامامة او الخلافة او النظام الدستوري الاسلامي وادي ذلك الي انقسام المسلمين الي قسمين اهل السنة) واهل (الشيعة)
ولانود ان نتحدث في هذا لان الامر سيطول عموما نستطيع ان نقول باختصار شديد ان نظام الحكم في الاسلام بدأ في دولة المدينة برئاسة النبي r حين شرع في مهمة التبليغ والتنفيذ معا ثم كان ظهور نظام الخلافة بعد وفاة الرسولr فاصبح نظاما جديدا فريدا لانظير له في الدول السابقة للدولة الاسلامية او المعاصرة لها وفتح باب الاجتهاد فاصبحت الخلافة موضوع بحث وجدل واجتهاد بين المسلمين جميعا فظهرت اراء ونظريات جديدة حولها واختلفت الفرق والجماعات السياسية والدينية حول شكل الخلافة وطريقة اختيار الخليفة والبيت الذي يختار منه وادي هذا كله الي ظهور اشكال ونماذج مختلفة من الخلافة فكانت مرحلة الخلافة الراشدة فشهدت اربعة من اعظم خلفاء المسلمين وصولا الي قمة الرشد السياسي والاداري ثم كانت همرحلة الخلافة الاموية حيث انحصرت الخلافة في البيت الاموي واصبحت تتبع مبدأ الوراثة وانتقلت الي بلاد الشام واصطبغت بطابع يميزها عن الخلافة الراشدة ثم بدأت مرحلة جديدة طويلة من الخلافة هي مرحلة الخلافة العباسية التي عاشت اكثر من خمسة قرون وانحصرت البيت العباسي ثم قامت الخلافة الفاطمية في المغرب ثم مصر وهي خلافة علوية شيعية فكان عصرها ازهي العصور الاسلامية كما ظهرت في نفس الوقت الخلافة الاموية في بلاد الاندلس فاصبح في العالم الاسلامي ثلاث خلافات الخلافة العباسية في المشرق ومركزها بغداد والخلافة الفاطمية في قلب العالم الاسلامي ومركزها القاهرة والخلافة الاموية في الجناح الغربي من هذا العالم الاسلامي ومركزها قرطبة .
ثم غربت شمس الدولة العباسية في بغداد لتشرق مرة اخري في القاهرة في عصر دولة المماليك وظلت تحمل لواء الزعامة الدينية حتي كان الفتح العثماني للعالم العربي فتم تنازل اخر الخلفاء العباسيين بالقاهرة للسلطان العثماني سليم الاول
واستمرت الخلافة العثمانية الي سنة1924 حيث اعلن الغاءها مصطفي كمال اتاتورك بعد ان اعلن الغاء السلطنة العثمانية وانشأ الجمهورية التركية فكان فكان هذا اخر عهد العالم الاسلامي بالخلافة وتم القضاء على الدولة الاسلامية ولم يكن للاسلام كنظام سياسي وجود على ظهر الارض وذلك بالنسبة للذين يعتقدون ان نظام الحكم في الاسلام هو الخلافة وليس غيره واقول ان قيام حكم اسلامي واقامة نظام سياسي دستوري باعتباره ان الخلافة هي الاصل وانا هنا ------بهذا الحزب التحرير الاسلامي فهذا امر لايمكن ان يتم بالصورة التي يقسمها علماء الفقة الاسلامي وبالشروط التي يشترطونها يعتبر في مجمله ضرب من ضروب المحال فالصفات المطلوبة في الحقيقة من الصعب الحصول عليها في شخص واحد ولايمكن ايضا ان تكون الدولة الاسلامية دولة واحدة ولايمكن الاتفاق حول اهل الحل والعقد ولايمكن الاصرار على موضوع البيعة ومن الصعب الاعتداد بالسيادة والحق في التشريع والاصرار على ان اول السلطان هو الجهاد لهذا كان امر وضع دستور يراعي متطلبات العصر ولايخالف المبادئ الاساسية لنظام الحكم في الاسلام امرا ضروريا ويحتاج الي اجتهاد كبير والي دراسات ومناقشات اوسع حتي يحصل ذلك الدستور على اجماع او شبه اجماع لاهل السودان)
الحركات الاسلامية السودانية الفكر والسياسة
ان الحركة الإسلامية السودانية اقل حجما مما تبدو من الوهلة الأولي الناظر اليها من بعيد ويجدها اكثر سطحية لمن يقترب منها اذ ليس لها فكر مستقيم ومنهج وان تجازب قادتها هو السبب الحقيقي في فقرها الكمي والنوعي الامر الذي يدعوها ومن وقت لاخر بل يدفعها دفعا للعمل الجبهوي الذي يضطرها من واسع الي اوسع وهذا يعقدها من حيث انتاجها الفكري والثقافي بخلاف انتاجها الحركي والتنظيم والمتاثر باسلوب العمل اليساري القائم على سرية التنظيم وقوته والطاعة الواجبة والمركزية والديمقراطية والشئ الوحيد الذي يميزها عن الفكر اليساري في هذا الشان الموقف العقدي الايماني الذي يفتقده التنظيم اليساري ان تماسك الحركة في بداية عهدها في السودان وقيامها بين الانداد وتقارب الثقافات وبساطة الدعوة من حيث النظرية القائمة عن التوكل على الله والبحث في الاحوال الكتاب والسنة والتمسك بالشرع دون الخوض في التفاصيل الالتزام باداء الفروض ولشعائر لذلك كان الانضمام اليها اسرع دون عناء ثقافي او اجتهاد فكري كما هو حاصل في مذاهب اليسار اذ كان الامر في البداية عبارة عن دعوة وحركة وهذا اطار التدين العام لمن يريد التحاق بالحركة الي ان دخلها افكار التحرير والاستقلال الوطني فاندفعت على السياسة اندفاعا وانفرد بالقيادة من هم اقدر من غيرهم من حيث الالمام الفقهي والمعرفة الاسلامية التي لم تتيسر للدارسين بالمؤسسات التعليمة الافرنجية كما ان الاندفاع نحو اليسار ومواجهته كانت الشغل الشاغل للحركة في بداية عهدها فاهتمت بالتنظيم والحراك والمخاصمةاكثر من الاهتمام بالتثقيف والتفكير نحو المستقبل هذا الامر اقعدها زمنا في خانة المهاجم الذي لايحتاج الا برفع شعارات العداء وكشف العيوب دون توضيح للمواقف المبدئية او البديلة هذا يعني الهدم اولا تم البحث عن البناء في المستقبل هذا المنهج استمر الي يومنا الي ان اضطرت الحركة الاسلامية الي الاستيلاء على السلطة عنوة وبعدها بدأت تفكير في البناء كماسنري فيما بعد لا اجد نفسي قد تجنيت على الحركة الاسلامية السودانية اذ قلت انه غلب عليها الانتشار والكمي والتنظيمي على الجانب الفكري والدعوي (وهذه هي نظرية الضد وانحصر امر الفكر في مجموعة صغيرة وهي التي تتصدي للقيادة وتتصارع بشانها فيخرج المنهزم ويسلك درب اخر وقتها برزت ظاهرة الانشقاقات والوصف الدقيقة في هذا الموضوع ماقال الترابي في كتابه الحركة الاسلامية (ان المنافسة التي كابدتها الحركة الاسلامية الناشئة في البيئة الطلابية انما كانت اساسا مع الحركة الشيوعية بل القول بان الحركة نشات تحت وطاة الاستفزاز والضغط الشيوعي الاكبر ولذلك اضطرت بعامل المقابلة ورد الفعل ان تاخذ عنها بعض التجارب التنظيمة والوسائل الحركية ويضيف مؤكدا عدم اصالة الحركة ويرجع ذلك لظروف النشاة ولكن ذلك اصبح سمة وجود وتطور للحركة يقول " هكذا كان المدد الفكري والنموذج التنظيمي والمنهاج الحركي بغالبها واردة على الحركة الاسلامية الناشئة من خارج السودان او من خارج تجربتها وكانت تلك سمة ضرورية لحركة ناشئة )
الحركة الاسلامية وهي تسعي للسلطة دخلت في تحالفات كثيرة في فترة الديمقراطية ومصالحه مع نظام نميري كان الهدف منه (التمكين) من اجل الوصول للسلطة عنوة يتم كل هذا التحول المريع دون اعتبار للتربية المجتمعية والفكرية انما عن طريق الشحن العقدي اما التفكير وادارة الحركة ترك للقيادات العليا تحت ستار التامين ومن ثم تنفرد القيادة الاعلي بالقرار الواجب التنفيذ تحت غطاء الطاعة الايمانية الواجبة لقد استفادت الحركة من حيث الكم والتمكين من جراء تلك التحالفات والمصالحات الا انها خسرت بعض القيادات المستنيرة رغم قلتها مثل الطيب زين العابدين وحسن مكي وجعفر شيخ ادريس والتجاني عبدالقادر وغيرهم .
وفي الانتفاضة 1985 –اختفي وجود الحركة في الشارع لاسباب كثيرة رغم انها اسطاعت توجيه الثورة بواسطة كوادرها في القوات المسلحة التي شكلت قيادة الدولة من العناصر الموالية للحركة ومن ثم حصلت الحركة عن طريق تزوير الانتخابات على عدد من المقاعد جعلها تاتي في الدرجة الثالثة من القائمة وهو رقم يعتبر مبالغا فيه غير ان الحركة كانت تعلم ان ذلك العديد اتي بطريقة غير مشروعة ومصيره للزوال فدخلت في تحالف كبيرة مع الاحزاب الكبيرة وشكلت حكومات غير ان فكر الحركة الاقصائي حينا والاستيعابي حينا اخر فان اجل تحالفها لايدوم طويلا فتنقل من حليف الي حليف تبرر الحركة تلك التحالفات والمصالحات وتاييد الانظمة العسكرية ومشاركتها الحكم بالفهم القائل بان الله يزرع السلطان اكثر مايزرع بالقران اعتقدت الحركة الاسلامية انه من المفيد اقناع نميري بسن قوانين الاسلامية واعلان الشريعة لمزيد من التمكين ويصبح هدف اسمي يصعب الرجوع عن تلك القوانين ونجحت في ذلك الي حد كبير اذ ان السلطة الانتقالية 1985 لم تتعرض لتلك القوانين وحتي الاحزاب التي اتت السلطة بعد الانتفاضة والي ان طافت عليها الحركة في 30/6/1989 لم تستطيع الغاء تلك القوانين التي اصبحت سارية الي يومنا هذا هذا من حيث الشكل بخلاف ماكانت تقوم الحركة واهم مافي الامر حقيقة تلك القوانين هو اعدم الاستاذ المرحوم الشهيد محمود محمد طه ومن وقتها دم محمود محمد طه يلاحق جماعات الحركة الاسلامية فقام على تقسيمها وجعلها تتصارع بعضها البعض لقد سبق ان طلب الاستاذ محمود محمد طه من اهل السودان ان يجربوا حكم الحركة الاسمية لعرفوا حقيقتها اذ قال (محمود محمد طه –
(من الافضل ااشعب السوداني ان يمرر بتجربة حكم جماعة الهوس الديني
وسوف تكون تجربة مفيدة للغاية اذ انها بلا شك
سوف تكسف مدي زيف شعارات هذه الجماعة
وسوف تسيطر هذه الجماعة على السودان سياسيا واقتصادياحتي ولو بالوسائل العسكرية
وسوف تزيق الشعب الامرين
ويوف يدخلون في فتنة تحيل نهارها الي ليل
وسوف تنتهي فيما بينهم
وسوف يقتلعون من ارض السودان اقتلاعا .) وهذا مانراه اليوم
الحركة الاسلامية قبل وبعد الانشقاق تعاني من ضعف المنهج والنظرة للمستقبل وينقصها التوجه السليم حول ادارة الدولة الحديثة وكيفية الوسائل السلمية للوصول للسلطة برضي أهل السودان هذا الأمر ينطبق على كل الفريقين الشعبي والوطني فالشعبي يسعي لتوطيد اقدامه في السودان والعالم الاسلامي الذي فارقه يوما اذ لاوجود في منظماته العالمية الاسلامية بعكس الوطني الذي له مكانة في المجتمع والمنظمات والتنظيمات العالمية الاسلامية ولكن بمجرد الحضور دون التاثير كما كان يفعل الترابي الذي كان ان يكتفي في يوم من الايام قبل الانشقاق بان يصبح المؤتمر الشعبي العربي والاسلامي هو البديل عن المنظمات الاسلامية العالمية غير ان الامر انقلب عليه فهو الان في حيرة من امره وانكفي على السودان دون غيره لتجعله محطة الانطلاق يعيب عبدالله النفيسي على الحركات الاسلامية عموما بانها (غياب التفكير المنهجي ذي المدي البعيد وعدم بلورة نظرية عملية للاتصال بالجمهور الحلقة المفقودة في التصور الاستراتيجي للحركة وعدم وجود تاريخ رسمي للحركة الاسلامية عين على الحاضر وعين على المستقبل تجاوز العتبة الحزبية –تجاوز الصراع مع السلطة بين الفكر والخطابة اشكالية التنظيم كالميت امام الغاسل )
العودة للحق
ان المذكرة مجهولة الهوية والرد عليها في اجهزة الاعلام وعلى على الهواء مباشرة وهي -ظاهرة لم يسبق لها مثيل ولايعدو ان يكون نقل الصراع الي العلن وهذا يعني اشتراك الاخرين في الصراع بالرغم انه لايعنيهم انما يعني الحركة الاسلامية فهي المسوؤل عن كل ماجري للبلاد من دمار وانحطاط فهذه دعوة لن تجد اذن صاغية فالانتهازيين جميعهم في السلطة منذ زمن بانفسهم او عن طريق احزابهم الوهمية والحقيقية ان أي فرصة لبقاء النظام قد انعدمت تماما فالازمة اكبر من البقاء في السلطة او الي من يجب ان تعود واكبر من التغيير والاستبدال او الصحيح او الاصلاح فالازمة هي ازمة فكرية منهجية وتجاوز المبادئ الاساسية التي يقوم عليها فكر الحركة الدعوي القائم على التوكل على الله والبناء المجتمعي السليم بالتراجع عنه والقفذ فسوف المراحل الانقلاب على السلطة الشرعية على مبدأ الغابة تبرير الوسيلة وهي مبدأ على اسلامي فالوصول للسلطة شرعا وحسب فكر الحركة الاسلامية والشوري والحرية والتربية المجتمعية تم الوصول للحكم عن رضي وهو ماعلمت الحركة عليه منذ تاسيسها وخاضت به الانتخابات وحصلت على مقاعد بالبرلمان اخذت تزداد تلك المقاعد يوما بعد يوم مما يعني قبول اهل السودان بفكر الحركة الا ان الخطأ التاريخي الذي قامت به الحركة الانقضاض على الحكم عنوة لابد ان تقر به فتترجع عنه فهذا افضل من التمادي في الباطل فلا مستقبل للاسلام ولا المشروع الحضاري اذ دخلت البلاد في الفوضي وانهارت فيها اسس الحياة المدنية وفي نظري ليس هناك وسيلة لتجاوز ازمة الحركة بما قاله خالد التجاني النور بصفحة الصحافة بعددها 6670 بتاريخ 23/2/2012 (وماسبيل امام (الاسلامين) اليوم الا التحلي بالشجاعة الكاملة والوعي العميق والافق الواسع لاجراء مراجعة جذرية شاملة بداية من الافكار المؤسسة للتيار الاسلامي وتصوراته الاساسية تاخذ في الاعتبار نتائج هذا الفشل الذريع للغارة الانقلابية التي جاءت وبالا عليهم وعلى البلاد ليس مطلوبا من "الاسلاميين" ان يكونوا هناك استعداد للتحلي بفضيلة المراجعةالحقيقية والاعتراف بالاخطاء واعمال النقد الذاتي الامين والعمل على اصلاحها بجد واجتهاد وتعاليم الاسلام تهدي الي ان ( خير الخطائين التوابين ) والتيار الاسلامي سيظل موجدا لايمكن شطبه او الغاء دورة او محوه ليس باشخاص بعينهم بالضرورة او بهذه اللافتة او تلك وسيظل هناك من يدعون لتيار اسلامي رشيد لانه يعبر عن افكار وتوجيهات لها جذور اصلية في المجتمع السوداني بيد ان أي دور مستقبلي يعتمد في قيمته او مداه وقبل ذلك القبول به شعبيا على القطيعةمع هذه النزعة الانقلابية على قيم الدين قبل ان تكون على الشرعية السياسية فقط من اجل الحصول على السلطة والمحافظة عليها باي ثمن .
د/على احمد السيد
المحامي
مراجع :-
1/القرآن الكريم
1/أحكام الأقليات – د/ يوسف القرضاوي
2/الصحوة الإسلامية د/يوسف القرضاوي
3/ أوراق مؤتمر الحركة الإسلامية السابع
4/ أوراق المؤتمر الوطني الثالث
5/ الحركة الإسلامية السودانية د/حسن الترابي
6/ تجديد الفقه الإسلامي د/ برهان غليون
7/ الطريق إلي الدولة : سالم احمد سالم
8/ الأحكام السلطانية الماوردي
9/ الأحزاب السياسية السودانية د/ حيدر إبراهيم علي
10/ نظام الحكم الإسلامي د/ محمد المبارك
11/ الفكر السياسي فى الإسلام – فضل الله محمد إسماعيل
12/ دعائم الحكم فى الشريعة الإسلامية – إسماعيل إبراهيم البدوي
13/ الحركة الإسلامية فى السودان - الأستاذ الطيب زين العابدين
14/ (الإخوان والعسكر) حيدر طه
15/ السياسة والحكم د /حسن الترابي
16/ الحركة الاسلامية واليسار والديمقراطية الليبرالية د/ عبدالله علي ابراهيم
17/ ازمة الاسلام السياسي – د/حيدر ابراهيم علي
18/ الاسلام والخلافة – د/حازم عبدالمتعال
19/ المشروع الاسلامي السوداني -قراءات فى الفكر والممارسة – معهد البحوث والدراسات الاجتماعية
20/ الحركة الاسلامية فى السودان –الدكتور حسن مكي الدار السودانية للكتب -1969-1985
21/ الفساد والحكم الصالح فى البلاد العربية – بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز الدراسات الوحدة العربية .
22/مقالات فى دستور الانقاذ 1998 –د/علي احمد السيد
23/انشقاق الحركة الإسلامية -الرشيد محمد ابراهيم الرشيد -1999-2011 دراسة تحليلة نقدية
24/ فى الفقه الاسلامية –مقاربات فى تاصيل الفكر السياسي الاسلامي –حسن عبدالله الترابي -الدار العربية للعلوم –الطبعة الاولي 2010
25/ المقدمة –ابن خلدوان


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.