"العاصفة الحمراء" التي ضربت دولا عربية.. هل هي خطيرة؟    ما حقيقة زيارة وفد إيراني إلى السودان سرًا؟    الرابطة السليم تكتسح بركيه بخماسية اعداديا    ساردية تختتم التحضيرات لمواجهة الموسياب    يكررون الأخطاء.. وينتظرون نتيجة مختلفة..!!    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    القبض على أمريكى هدد 8 مرات بقتل ترامب    إحالة رئيس الأركان السوداني للتقاعد بالمعاش    المذيعة تسابيح مبارك تعبر عن حزنها لإغتيال القيادي بحكومة تأسيس: (شاب هميم التقيته في نيروبي ويحمل جواز سفر أميركي ما يعني أن لديه فرصة أخرى في الحياة)    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    المغرب يثبت نفسه بين الكبار ويواصل الهيمنة عربيا في تصنيف فيفا    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    مفاجآت عمرو دياب لجمهوره التركى فى أول حفل له أغسطس المقبل    ريهام حجاج : كممثلة لا أهتم بالمظهر بقدر اهتمامى بصدق الشخصية    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    5 نصائح للوقاية من جرثومة المعدة    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    الصحفية عائشة الماجدي: (لاحظت في الخرطوم مجموعة من الناس نشطة عايزة تبيع بيوتها وفي كمية عرض بيوت للبيع ما طبيعية)    بالفيديو.. شاهد ماذا قالت الفنانة توتة عذاب عن أغنيتها التي تصدرت "الترند" في الوطن العربي؟ وتوجه رسالة للمطربة بلقيس فتحي والممثلة إيمي سمير    وزير التربية يدشن استلام الدفعة الثانية من كتب الصف الاول الثانوي للولايات    "معاناة 5 سنوات".. برشلونة يتلقى نبأ سارا من رابطة الليجا    شاهد بالفيديو.. علاء الدين نقد يدخل في حالة بكاء هستيري في سرادق عزاء القيادي بحكومة "تأسيس" أسامة حسن    الأمم المتحدة تفتتح مقرها بالخرطوم    شبكة أطباء السودان .. قوة تتبع للدعم السريع اقتحمت مستشفى الأسرة بمدينة نيالا واعتدت علي الكوادر الطبية    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    محمد عبدالقادر يكتب: شهادة البوشي.. و"فضيحة صمود "    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



زخرف القول: بين أنبياء الحقِّ والأنبياء الكَذَبة (5)


+++++
بسم الله الرحمن الرحيم
مفهوم الإيمان:
عندما نتحدَّث عن مفهوم الإيمان فنحن نعني التصديق بشيء في الغيب أي لا يُمكن أن يُشاهد والمعني الغالب هو الإيمان بالله.
ولذلك عندما أقول لك بأنَّ شخصاً ما قد فعل فعلاً ما وأنت لم تشهده فهو غيب عليك، ولك أن تصدِّق صحَّة القول مباشرة لأنَّك "تثق" في المبلِّغ للخبر حسبما عهدته عليه من صدق في الماضي أو أن تطلب الحجَّة وهي الدليل والبرهان.
ولفهم موقف أهل الكتاب في عصر التنوير لا بُدَّ من وضعه في سياقه التاريخيِّ الصحيح وإلا اختلطت المفاهيم وظهر العلم الزائف في لبوس العلم الحقَّ وانتقلنا من حقيقة المعرفة إلى وهم أو جهل المعرفة وهذا كثير منه في أيَّامنا التي نعيشها.
فالذين يريدون للإسلام أن يتبع المنهج العلمي النَّقدي التَّاريخي، حذوك النَّعل بالنَّعل كما فعل أهل الكتاب في القرنين الثامن والتاسع عشر الميلادي، لربما لا يضعون الأمور في سياقها التَّاريخي لجهلهم به، أو تجاهلاً لأنَّه لا يستقيم مع دعوتهم، أو جهلاً بدين الإسلام وسياقه التاريخي. فالحقائق تظلُّ حقائق وهي متاحة لمن يريد أن يعلم ولا ينفع معها النَّظرة الانتقائيَّة إن كانوا يبغون علماً حقيقيَّاً بحياديَّة علميَّة منضبطة بالذكاء الأخلاقي، أي الضمير، فالحقُّ يعلو ولا يُعلى عليه.
ولذلك فالغرض الأساس من كتابة هذه المقالات هو توضيح الفرق بين العلم الحقّ وبين العلم المزيَّف، لتمكين الشباب، ممَّن تساورهم الشكوك ويقلِّبون الفكر في ورثتهم الدِّينيَّة، أن يمتلكوا وسائل البحث والتَّفكير العلمي المستقل المُّحايد ليستطيعوا أن يصلوا إلى نتائج علميَّة مُستقِّلة تعتمد على الدليل والبرهان، لا على الافتراضات الكاسحة المبنيَّة على الهوى والغرض. ومثل هذه الافتراضات تبدأ كخلاصة يقينيَّة يُبحث لها عن البراهين التي تُثبت صحَّتها، بدلاً من اعتبارها كفرضيَّة لا غير تقوم على الشكَّ المنهجي، وتخضع للبحث العلمي الذي يأتي بنتائجه المحايدة والتي يُستخلص منها الحقائق.
ولذلك فلا بُدَّ من تلخيصٍ تاريخي، لربما يكون مُملاً ولكنَّه ضروري، يضع خارطة ذهنيَّة في ذهن القارئ ليعرف تطوُّر المفاهيم والأديان خلال عمر البشريَّة القديم والحديث لأنَّ التَّاريخ نهرٌ متَّصل من منبعه إلى مصبِّه يرفده الزمان بمياهٍ من مصادر كثيرة تختلط وتتفاعل وتُنتج لنا ماءً مختلفاً في كلِّ نقطةٍ نغترف منها وإذا ما حلّلناها فسنجد جميع مكوِّناتها. وهذا لا يختلف عن علم الوراثة الذي يمكن أن يُثبت لك تفاعل جيناتك منذ بداية ظهور البشر إلى اليوم.
فمنذ عهد الحركة الإصلاحيَّة للكنيسة الكاثوليكيَّة، بقيادة القسّ الألماني مارتن لوثر في القرن السادس عشر الميلادي، والتي أعقبتها حرب الفلاحين التي أدانها وانتهت بميلاد الديانة المسيحيَّة البروتستانتية، إلى عصر الأنوار أو التنوير، والذي ترجع أصوله الفكريَّة للفيلسوف فرانسيس بيكون في القرن السابع عشر الميلادي. وقد تبعت عصر التنوير حركة ثوريَّة أدَّت إلى ولادة الدولة الحديثة في القرنين الثامن والتاسع عشر الميلادي.
وقد كان جوهر هذه الحركات هو تحرير الإنسان بتحرير عقله من التَّبعيِّة حتى يُقرِّر لنفسه ما يكون في مصلحته دون وصاية أو قهر وكان أوَّل من صرَّح بذلك هو القسّ مارتن لوثر أثناء محاكمته في مجلس "ورمز" عام 1521 فقال: "إنَّه لا يجوز أن يُكره بأن يعتقد ما هو ضدَّ ضميره". والقس مارتن لوثر لم يرفض المسيحيَّة كدين ولكنَّه اعترض على بعض التَّعاليم والمفاهيم والسلوك الكنسي في ذلك الوقت مثل اعتقاده أنَّ القدسيَّة لا تجوز لغير الكتاب المقدَّس ولذلك فأحكام البابا والمجامع الكنسيَّة ليست مُقدَّسة لأنَّها تخطئ وتناقض نفسها في كثير من الأحيان. وأيضاً مبدأ العفَّة أي الرهبانيَّة التي انتقدها وقال هي ليست من المسيحيَّة وقد كسرها بتهريب راهبة من دير وتزوَّجها وأنجب منها ستَّة أطفال.
وقد انتهت تلك المحاكمة بإدانة القس مارتن لوثر بوصفه خارجاً عن القانون، وحظر مؤلَّفاته، كما طالبت باعتقاله بوصفه "زنديق سيء السمعة". كذلك نصَّ القرار على تجريم كلِّ مواطن في ألمانيا يأوي مارتن لوثر أو يقدِّم له مساعدة، كما أُهدر دمه بمعني أنَّ قتله العمد لن يتسبَّب بأيِّ أثر قانوني.
فقد كانت دعوة القسِّ مارتن لوثر أوَّل دعوة للاستقلاليَّة الفكريَّة في أوروبا ولكن ليس في العالم فقد سبقها القرآن الكريم بقرون قبلها، ولكنَّها، وإن كانت قاصرة على تعديل مفاهيم لاهوتيَّة كنسيَّة، فتحت الباب لمبدأ التَّفكير الحر والدفاع عن القناعات الخاصَّة والتحرُّر من الوصاية.
أي أنَّها دعوات للتَّخلُّص من حالة الطفولة الدائمة والوصول لمرحلة الرشد، باستخدام التَّفكير العلمي، الذي ينتج عنه المنهج العلمي النَّقدي التَّحليلي، بالاعتماد على واستخدام العقل بدلاً من الكسل الذهني الذي تفرضه الكنيسة، بادَّعائها لامتلاكها للحقيقة المطلقة.
وذلك أدَّي لامتلاك السلطة المطلقة لتقرِّر للنَّاس ماذا يؤمنون به، وكيف يفكِّرون وكيف يتصرَّفون حسب النصَّ الديني في الكتاب المقدَّس، على أساس أنَّه كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وهذا الزواج بين السلطة والدِّين لقهر الناس واستعبادهم واستغلالهم قديم منذ خلق الإنسان عقبته في كلِّ فترة ظلم واضح وفسادٍ فاضح حركة ثوريَّة تصحيحيَّة تحريريَّة يقودها الأنبياء والرسل.
فمنذ عهد سيدنا نوح عليه السلام مروراً بعهد سيدنا إبراهيم عليه السلام وسيدنا موسى عليه السلام إلى عهد سيدنا ومولانا محمد بن عبد الله عليه صلوات الله وسلامه عليه فقد ظلَّ الحلف بين السلطة والدِّين قائمة بحيث وحَّد الملوك بين سلطتي الدنيا والدِّين بادِّعاء الألوهيَّة فكان النمرود على عهد خليل الرحمن عليه السلام:
" ‫أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي ‫يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ".
وكان فرعون على عهد موسى وهارون عليهما السلام:
" وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إلهٍ غَيْرِي".
وقد كان الاستثناء الوحيد لفصل صفة الألوهيَّة من الملك في ذلك الزمان بعد قيام المملكة اليهوديَّة والتي أثبتت صفة البشريَّة التي تخطئ وتصيب على الملوك برغم من أنَّهم رسل.
فسيدنا داود عليه السلام حكم بين عامي 1010 و1002 قبل الميلاد بينما حكم سيدنا سليمان الحكيم عليه السلام بين عامي 970 و931 قبل الميلاد والقرآن الكريم يثبِّت هذه النقطة المفصليَّة التاريخيَّة:
"يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً في الاَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى".
بل إنَّ صفة النبوَّة لا تعصمه من الخطأ في الحكم في أمور الناس:
"دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ، فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ۚ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا".
هذا يعني أنَّه قبل قيام الامبراطوريَّة الإغريقيَّة بقرنين من الزمان كانت مملكة الله قائمة بالعدل ولكنَّها كانت في مشرق وجنوب الأرض ولم تذهب شمالاً، ولم يستفد منها أهل أوروبا كثيراً، بل بعد اندثار حكمها وتشتّت اليهود في بقاع الأرض، فقد اليهود لغتهم العبريَّة في المهجر ولذلك كانت أوَّل ترجمة للتوراة من العبريَّة للإغريقية في الإسكندرية في العام الثالث قبل الميلاد.
وفي هذا عار شنيع إذ أنَّ اليهود أصحاب الرسالة والعلم فقدوا أصولهم وبدلاً من أن يؤثِّروا في شعوب العالم تأثَّروا بها نتيجة انغلاقهم وضعفهم الأخلاقي وهو حال المسلمين اليوم.
وبعد مائتي عام قامت الامبراطوريَّة الإغريقيَّة وانتشرت بقضائها على مملكة الفرس بقيادة الإسكندر الأكبر الذي أعلن على سرير موته أنَّه ليس سليل الملك المقدوني فيليب الثاني الأعور وإنَّما هو سليل كبير الآلهة زيوس وبذلك رجع زواج السلطة والكهنوت.
أمَّا الامبراطوريَّة الرومانيَّة، التي قامت في عام 27 قبل الميلاد، بعد قيام الجمهوريَّة الرومانيَّة التي أنشئت عام 509 قبل الميلاد على أعقاب الإمبراطوريَّة الإغريقيَّة، وبرغم علمانيَّتها كجمهوريَّة، فقد كان لها آلهتها الخاصَّة ومعابدها التي تدعم الحاكم من غير أن تُنصِّب هذا الحاكم كإله ولكنَّها تُقدِّم القرابين في المعابد للآلهة بعد العودة من الحرب منتصرة.
ولكنَّها لم تقاوم كثيراً هذا الزواج فقد أعلن مجلس الشيوخ عقب موت القيصر يوليوس بتنصيبه إلهاً، ممَّا أعطي ابنه أوغسطس لقب الامبراطور، فحوَّل الجمهوريَّة العلمانيَّة في انقلاب أبيض إلى مملكة، وأعطاه السلطة الدينيَّة التي تعطيه الحقّ الإلهي للحكم مع السلطة الزمانيَّة المطلقة.
تزامن قيام الإمبراطوريَّة الفارسيَّة في عام 559 قبل الميلاد مع قيام الجمهوريَّة الرومانية وقد اتَّخذت ديناً مُختلفاً يُسمَّي المجوسيَّة يؤمن أنَّ في الكون إلهين (أهورا) إله النُّور و(أهريمن) إله الظلام وهما يتنازعان السيطرة على الكون ويقف البشر الأخيار مع إله الخير والنور (أهورا) والأشرار مع (أهريمن)، وهي ديانة تقدِّس النَّار لأنَّ منها يصدر الضوء وأيضاً تكون مظلمة شرِّيرة.
واتَّخذ الملك صفة (كسرى) وله صلاحيَّات مُطلقة ووضع نفسه في موضع وسط بين الآلهة والبشر فقال (كسرى أبرويز) أنَّه الرجل الخالد بين الآلهة والإله العظيم جدَّاً بين الرجال.
واستمرَّ هذا الوضع حتى ظهور سيدنا عيسى بن مريم عليه السلام في وقت كان الرومان في أوج سلطانهم ولأنَّ رسالته كانت تصحيحيَّة لمفاهيم اليهود المنحرفة، الذين جعلوا من الكتاب المقدَّس وسيلة للكسب المادِّي فأغرقوا في الماديَّة القحَّة، فقد جاء بمفاهيم تُجدِّد وتبعث الروح في الجانب المعنوي لرسالة الله مثل الحب والصبر والتسامح والغفران.
وكان لا بُدَّ وأن يصطدم مع السلطة الرومانيَّة الوثنيَّة وعملاءها من أحبار اليهود الذين هدَّد سلطتهم الزمنيَّة على النَّاس، ولم تكن رسالته غير رسالة تصحيحيَّة في مجال محدود، وتبشيريَّة بمن يأتي بعده ليُقيم مملكة الله في كلِّ الأرض بحيث يحارب الطواغيت أينما كانوا، ويفصل بين سلطة الله وسلطة البشر ويحرِّرهم من الاستغلال والعبوديَّة لغير الله فلذلك فقد قال مقولته التَّوفيقيَّة:
"أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله".
وهذا الرَّد كان على سؤال المنافقين من أحبار اليهود الذين أرادوا الإيقاع به فسألوه عن الجزية التي يدفعها الشعب لقيصر، وقد ضاق بها الشعب وظنَّ أنَّ سيدنا عيسى بن مريم هو مُخلِّصهم من عبوديَّة الرومان كما فعل سيدنا موسى عليه السلام.
فكان سيدنا عيسى بن مريم عليه السلام بين أمرين أحلاهما مرٌّ، فإن وافق على إعطاء الجزية انفضَّ النَّاس من حوله ونجى من السلطان وإن قال برفضها وقع تحت طائلة القانون الروماني، فقال للأحبار المنافقين: "ائتوني بدينار"، فلمَّا رأى أنَّ صورة الإمبراطور عليها أدرك أنَّهم يُقرُّون بسلطته باختيارهم، ولو كانوا يرفضونها لكانوا أوَّل من قاد الشعب للثورة، ولكنَّهم لانتفاعهم من الوضع السائد لا يريدون ذلك، فقال لهم ما معناه أنَّهم قد علموا الإجابة بقرارهم عدم الاعتراض فما وجه السؤال إذن غير محاولة الوقيعة به؟
ثمَّ حدث التَّحوُّل الكبير باعتناق قسطنطين الأوَّل للمسيحيَّة بعد اعتناق أمَّه القديسة هيلانة لها فتحوَّلت الامبراطوريَّة الرومانيَّة تدريجيَّاً نحو المسيحيَّة ولكنَّها ابتدعت صيغة توفيقيَّة أبقت على بعض الشعائر الوثنيَّة ومنعت كلَّ الصيغ الأخرى.
والذي أدَّي لإنكار وجود الله عند الماديِّين منذ بدايات التاريخ وإلى العصر الحديث هو ما يصفونه باستحالة إثبات وجود شيء غير مُشاهد، لأنَّ ذلك لا يخضع لقانون العقل ولا لقوانين التجربة. وعليه فلا يمكن إخضاع المفاهيم الدينيَّة؛ مثل وجود الله وتلك التي في الكتب المقدسة، مثل المُعجزات، لمنطق العقل. ولكن في عهد التنوير الأوروبي، استطاع بعض الفلاسفة المؤمنين التوفيق بين الإيمان بوجود خالق للكون وبين العقل، وذلك بالتَّركيز على صفة الربوبيَّة، أي أنَّ ربَّاً خلق هذا العالم، ولكنَّه لم يُرسل رسولاً وذلك يعني إنكار الوحي لأنَّ المفاهيم التي في العهد القديم والجديد تعارضت مع نظريات العلم الحديثة.
وبما أنَّ الإيمان بهذه الكتب كان إيماناً قاطعاً ويؤخذ ما فيها على أنَّها الحقيقة المُطلقة، لأنَّها كلام الله، عليه فإثبات أنَّ بعضها خطأ يمكن أن يُعمَّم على الكتاب كلِّه لأنَّ مصداقيَّته فيها شكٌّ ممَّا دعا لإنكار مصدر الكتاب المُقدَّس، لأنَّ إيمانهم أنَّ الله الذي خلق كوناً بهذا الجمال والكمال والعلم لا يُمكن يُخطئ ويقول كلاماً يكذِّبه العلم. ولذلك فقد كان من المنطقيِّ أنَّهم اعتبروا مصدر الكلام صناعة بشريَّة لا غير والله سبحانه وتعالى مُنزَّهٌ عنها، وطالما هي صناعة بشريَّة فذلك يعني أنَّ الأنبياء افتروا على الله.
وهذا كان أوَّل فصل بين الله كخالق للكون وبين الكتب المقدَّسة في أوروبَّا. ولكن الذي فات على هؤلاء العلماء هو أن يستخدموا المنهج العلمي ويضعوا احتمالاً آخر وهو أنَّ الكتاب المقدَّس لربما يكون صحيحاً في أصله ولكنَّه تحوَّر، ولذلك فيه أخطاء علميَّة لأنَّها افتراضات بشريَّة وليست حقائق إلهيَّة، أو ينظروا في وظيفة الدِّين الموجبة لتعاليم الدين بالرغم من قابليَّته للتحريف واستغلال الشعوب.
لا أحد يلوم العلماء في أوروبا في ذلك الزمان على ثورتهم على الإقطاع والكنيسة، وهم يرون ما آمنوا به يتضعضع تحت مطارق العلم الحديث بينما تُصرُّ الكنيسة على الدوغما بغير مراجعة، أو رجوع للحقِّ بإظهار مواقع الخلل التاريخي في الكتاب الذي ورثوه مشوَّهاً فينقِّحوا منه الدخيل على كلام الرَّب ويُقرُّوا بالحقائق المُخفاة.
ولا أحد يلومهم وهم أيضاً يرون كيف تستخدم الكنيسة الدين لاستغلال النَّاس وثبيت حكم جلاديهم مع انعدام كامل للعدالة الاجتماعيَّة والنَّاس طبقاتٍ مالكة وطبقات مملوكة. فالنفس البشريَّة لا تقبل الظلم على نفسها وإن كان من الممكن أن تقبله على الآخرين.
ولذلك فقد عانى العلماء والفلاسفة من الاحتفاظ بالإيمان الفطري الذي أحسُّوه وبين حقائق العلم الجديدة التي تثبت بطلان ما يقوله كتابهم المُقدَّس فاستنتجوا أنَّ كلَّ علمٍ اكتشفوه في الطبيعة وأيضاً المنطق العقلي السليم يدلان على وجود خالق ومن ذلك قول ألبرت أينشتاين: "كلَّما أدرس العلم التطبيقي كلَّما أومن بالله أكثر".
وسنواصل إن أذن الله سبحانه وتعالي
ودمتم لأبي سلمي
++++


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.