السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    بدر للطيران تدشن رسميا خط بورتسودان دنقلا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    توجيهات بحجز جميع المركبات والشاحنات المخالفة لقرار حظر تداول الحديد الخردة ونقل الحطب بالخرطوم    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    لجنة (الجاز).. المريخ (هوَ اللي بيطلع جاز)..!!    وزير الشباب والرياضة بنهر النيل يؤكد دعمه لتفعيل العمل الشبابي والرياضي بالولاية    المنصوري يتعهد بتقديم الدعم لتنمية الثروة الحيوانية بمحلية الحصاحيصا وجامعة الجزيرة    موعد تجربة سيري 2.0 لأول مرة على آيفون    مان سيتي يسرق الفوز من ليفربول    "إيغاد" ترحّب باستئناف السودان المشاركة في المنظمة    عبلة كامل حديث السوشيال ميديا رغم الغياب    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    انخفاض أسعار النفط والذهب والفضة يواصلان مكاسبهما    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    السودان.. الإعلان عن توفير 40 ألف وظيفة حكومية    السودان..تمديد فترة تسجيل طلاب الشهادة الثانوية للوافدين    ترامب يهاجم مغنيا شهيراً.. "رقصه مقزز وكلامه غير مفهوم"    وزير الشباب والرياضة يخاطب جماهير السَّلَمة الكباشي ويتكفّل برعاية البراعم والناشئين    مدير مستشفى سنار التعليمي يشيد بالمقاومة الشعبية والمنظمات لتطوير المستشفى    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    مشروب من مكونين يخفض وزنك ويحافظ على استقرار سكر الدم    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    شاهد بالفيديو.. قائد ميداني من أبناء "المسيرية" يعلن انشقاقه من الدعم السريع ويقسم على المصحف بسحب كل أبناء القبيلة من المليشيا    شاهد بالفيديو.. افتتاح مستشفى بمواصفات عالمية بمنطقة شرق النيل بالخرطوم والجمهور يشببها بأكبر المستشفيات بالخليج    شاهد بالصور.. مواطن سوداني محتجز بأحد إقسام الشرطة بمصر يرسل رسالة لأقاربه على قطعة "كرتون" (أحضروا لي ملابس)    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    اكتشاف وجود علاقة بين الاكتئاب وهشاشة العظام    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    السودان يرحّب بالقرار 1591    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الماسونية في عِقر دارك يا جُحا..اا
نشر في الراكوبة يوم 05 - 12 - 2010


فتحي الضَّو
ثمة أمثولة شعبية تحكي عن لا مبالاة جُحا. إذ قال له الناس إن ناراً اندلعت في قرية مجاورة، فقال لهم الحمد لله بعيدة عن قريتنا. وعادوا وقالوا له لقد وصلت قريتكم، فقال لهم بعيدة عن بيتي. ثم جاءوا وقالوا له هي الآن في بيتك، فقال لهم نعم ولكنها بعيدة عن حجرتي، وأخيراً قالوا له لقد وصلت حجرتك، فسكت جُحا عن الكلام المباح ولم ينبس ببنت شفة. وفي رواية أخرى قيل إنه بعد أن حاصرته ألسنة اللهب بدأ يحصي في فوائد النار، والأخيرة هذه من شطحات خيالنا! تذكرت هذه الأمثولة عندما طاف بذهني كيفية تعامل الأنظمة الديكتاتورية والشمولية مع الأحداث والقضايا.. بالطرق التبريرية حيناً ومنهج اللامبالاة أحياناً أُخر. فهي تغرق في التفاصيل الهامشية إلى أن تحدث الطامة الكبرى. ولنضرب في ذلك مثلاً بأنظمة السوء في البلد الصابر أهله، والتي تطابقت مع النموذج المذكور حذوك الكارثة بالكارثة. قيل والعهدة على الراوي - فيما لم أجد له سنداً توثيقياً يُعتد به - إن الرئيس الأسبق إبراهيم عبود أو الرجل الذي أُرغم على استلام السلطة، كان يسير في باحة القصر بداية اندلاع ثورة أكتوبر 1964 فسمع هتافات داوية كانت قد انتظمت في الشوارع، منددة بالسلطة الغاصبة وسقوط حكمها الديكتاتوري. وقيل إنه استفسر عن الهتافات، ولمّا عرف مغزاها قال لبعض مشايعيه من أعضاء المجلس العسكري (يا جماعة الناس قالوا ما عايزننا، طيب نحكمهم ليه؟) وبالطبع كان له ما أراد، بعد طلب متواضع قضى بالتقاط صورة تذكارية له مع أعضاء المجلس العسكري أو السبعة العظام، فيما سموا تندراً!
ثم دارت دورة الأيام، فخرجت ذات الحناجر الراعدة تطالب برحيل النظام المايوي في أبريل 1985 مع فارق أن الديكتاتور الذي كان على رأس النظام، قُدر له أن يسمع ويرى الوجوه الغاضبة وهو في طريقه للمطار. جاء ذلك بعد خطبة الوداع الاستفزازية التي تقيأها في قاعة الصداقة قبيل سفره للولايات المتحدة الأمريكية. ومع ذلك لم يحسن تقدير الموقف، وظنّ أن التظاهرات مجرد سحابة صيف ستنقشع بعد حين. وطبقاً لذلك كان قد أدلى بآخر حديث لصحيفة الشرق الأوسط اللندنية وقال (ما حد يقدر يشيليني) ويُذكر أن الصحيفة التقطت هذه العبارة ووضعتها في صدر صفحتها الأولى، كأنها بذلك تقرع جرساً في رأس قارئها ضد ناموس الكون، وتُذكره أن تلك هي شيم الديكتاتوريين في لحظات الغرور والغطرسة. وبما أن الشيء بالشيء يذكر، هل يستطيع أحد التنبوء بالذي يمكن أن يقوله صنوهما الآن.. إذا ما فار التنور وافصحت الصدور؟ هذا وذاك يذكرني بالطُرفة المروية عن الديكتاتور الأعظم الجنرال فرانسيسكو فرانكو، وكان الاسبانيون قد تداولوها في أخريات عهده بعد أن أذاقهم الويل والثبور. إذ لزم سرير المرض ودخل في غيبوبة، كان يصحو خلالها بين الفينة والأخرى. وأثناء هذا حدث أن سمع هتافات راعدة آتية من الخارج، فاستفسر عنها ممن يجلسون بقربه، فقالوا له: إنهم شعبك الاسباني يا سيادة الرئيس! فقال لهم: وماله الشعب الاسباني. فقالوا له تخفيفاً: إنهم يودعونك يا سيادة الرئيس. فقال على الفور: وإلى أين هم مسافرون؟
نعايش هذه الأيام إثارة الوثائق التي تسربت من الموقع الشهير ويكليليكس Wikileaks بيد جوليان أسانج المسؤول عنه. وكلنا يعلم أن الجدل تقاطر من عاصمة إلى أخرى، أما في الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، فقد أصبح التسريب مأزقاً لأهم مكتسبات الشعب الأمريكي ومنجزات الآباء المؤسسين. فالدستور المناط به حماية الحريات العامة وصونها، تحظر المادة 18 منه نشر أي معلومة قد تضر بالدفاع الوطني أو الأمن القومي من قِبل أي فرد يرغب في توفيرها لشخص غير مرخص له، أو حتى الاحتفاظ بالمعلومات عن عمد إذا طالبت الحكومة الأمريكية باعادتها. وبالطبع فإن الإدارة التي لزمت صمت القبور عدا ناطقوها الرسميين، تقف إلى جانب الالتزام بنصوص الدستور، في حين أن مناصري جوليان من الإعلاميين لم يروا في الأمر شيئاً نشازاً بغير الانتفاع بالحريات التي يكفلها ذات الدستور. وإلى حين حسم الجدل سيستمر تدفق أكثر من ربع مليون وثيقة، ولكن من المؤكد أنه في غضون ذلك، أن ثمة كسوف سيغشي وجوه نضرة وخسوف سيحيق بوجوه غبرة. وقد تهتز عروش، ولربما هُدمت بيع وصوامع. المهم في الأمر أن الشفافية كما ينادي بها البعض قد وجدت طريقها نحو أجندة الرأي العام. وما ظنه البعض محصناً (في سور وداخل سور) أصبح متاحاً على قارعة الطريق بنقرة بسيطة على جهاز كمبيوتر. وفي تقديري ليست ثمة مناص أمام الذين أدمنوا الكذب سوى مزيد من الكذب، وسيكون الإنكار سلاحهم، ولكن طالما أن ثمن الخطيئة باهظ، لن يزيدهم ذلك إلا خبالاً!
عندما يكون عنوان بريدك الالكتروني مبذولاً للغادي والرائح من رواد الأسافير أو رواد الشبكة العنكبوتية كما يقال عنها تعريباً، فينبغي في هذه الحالة أن تكون مهيأ لرسائل قد تقتحم عليك خصوصيتك من حيث تدري ولا تدري. أقول ذلك وقد استقبل بريدي الالكتروني وثيقة هي في الطريق إليك أيضاً يا عزيزي القاريء. وفي ضوء تسريبات ويكليليكس يبقى الاستفسار عن مصدرها ضرب من ضروب السذاجة، فهي إن لم تكن من بطن الحوت، فعلي الأقل يمكن أن يقال إنها دست أنفها وسط تلك التسريبات حتى يتفرق سرها بين المواقع. فالوثيقة تتحدث عن تغلغل الماسونية في أوساط دولة الصحابة، وإن كان ذلك لا يدهشني في كبير شيء، لكن الذي يسترعي الانتباه حقاً ذكرها أسماء شخصيات يشار لها بالبنان، وبالقدر نفسه تفجعك بآخرين من شاكلة ما نقول عنهم في ثقافتنا السودانية (يضع سره في أضعف خلقه) فضلاً عن كشفها وقائع وأحداث تثير شهية الباحثين. بيد أن كل ذلك لم أر فيه ما يصقل طبلة أذني كما يفعل هواة حب الاستطلاع، اللهم إلا في اسم واحد عرفته كما عرف العبسي الدار بعد توهم. فالحقيقة أن اسم أو كنية أو سيرة (قاطع الأوصال، وعازف الأوتار البشرية) تكاد تخرج العيون من محاجرها، وقد تهوي إليها أفئدة بمجرد ذكرها طالما أن (كل الصيد في جوف الفرا) فما بالك والوثيقة كشفت عن علاقاته المتشابكة وأزاحت الغطاء عن طموحاته السادرة، وقالت بوضوح لا يحتمل التأويل، إنه يا مولاى يسعى بل يخطط من أجل أيلولة كل الإرث لحضنه الدافيء الحنون!
الوثيقة تحدثت عن الرحلتين الغامضتين اللتين قطع فيهما بحوراً وأنهاراً ومحيطات. ودور المحفل الماسوني في غنائم ساكن (تورا بورا) التي حملها معه واستقرت في خزائن (لانغلي) وتشير الوثيقة إلى الوعود التي نثرها (الجنود الغامضون) ومن بينها كيفية الوصول إلى رأس الهرم، مكافأة له على حسن صنيعه. ولم أجد أبرع من تلك الأوصاف التي اتسمت بواقعية مذهلة في رسم شخصيته، إذ قالت الوثيقة بثقة من لا يأتيه الشك من بين يديه ولا من خلفه، إنه (لبق ويتمتع بذكاء حاد، وطموحاته غير متناهية، ويحب السلطة حباً جماً لدرجة يمكن أن يستخدم في سبيلها أي وسائل ميكافيلية) وتوسعت الوثيقة أكثر في الإيضاح بقولها (يمكنه الضغط على رقبة خصمه وفي فمه ابتسامة عريضة) واشارت إلى ما سمته سلبيات (فيه شيء من الحمق وسريع الاستفزاز) وحاولت الوثيقة الربط بينه وبين شهيد سلسلة جبال الأماتونج، بالتحليل المستند إلى وقائع. يا سادتي كلنا يعلم أن الوصول إلى القصور عبر التاريخ محفوف بالمخاطر، كثيراً ما استلزم إعمال الحيل واستخدام المكر وتوسل الدهاء، ولذا كان دائماً ما تتبعه إراقة كثير من الدماء والدموع، حيث يقتل الأخ اخاه، ويصرع الإبن اباه، ويسجن الحِوار شيخه، بل طالت المؤامرات ربات الخدور أيضاً. كان ذلك وأكثر مما توسعت فيه الوثيقة ويحرك غرائز المتربصين. ولكن على ذكر سير القصور وساكنوها، فقد جاء في الأخبار أن الحكومة السنية بصدد بناء قصر آخر ستنفذه الحكومة الصينية بنفقة مالية بنسبة 40% وما نسبته 60% عبارة عن قرض بدون فوائد. وورد في هذه الصحيفة (الأحداث 28/11/2010) أن القصر الجديد (سيكون على الطراز الإسلامي لضرورات مراعاة الموجهات الفكرية) هل أدلكم على مقترح آخر يبعد عنكم الشحناء والبغضاء ويكف عنكم الغيرة والحسد، أفعلوا ما فعله نور الدين زنكي الذي بنى قصراً عام 1174م غرب دمشق سماه (قصر الفقراء) وخصصه لراحتهم واستجمامهم وتنزههم كيفما شاءوا، لئلا تنكسر خواطرهم وتتنامى مشاعر الحقد في قلوب الرعية!
لم يدهشني الحديث عن الماسونية في الوثيقة، إلا بالقدر الذي تغلغلت فيه وسط العصبة ذوي البأس. وأيضاً لم يثر أي من القصرين حفيظتي، إلا عندما رأيت الكلمة مثار الجدل تطل من بين سطور القصر القديم الذي سيصبح في ذمة التاريخ (بعد إعادة بناءه في العام 1900 خصصت قاعة الاجتماعات مقراً للكنيسة الإنجليزية ومركزاً للماسونية) كأن الراصد يود أن يقول ليس هناك ما يشين ذكر الماسونية، فقد ألفها العجمان والعربان والسودان بغض النظر عن كونها تنظيم سري عالمي له طقوسه وقواعده الخفية، مثلما له آلياته الصارمة وهيكله التنظيمي البالغ السرية والتعقيد والذي يتسم بالغموض، ويشترك أفرادها في عقيدة واحدة فيما يخص ميتافيزيقيا تفسير الكون والحياة والإيمان بخالق إلهي. وبالرغم من أنها تنظيم متهم بإدارة العالم عبر محافلها السرية، والتي تضم قيادات وشخصيات من جميع أنحاء الدنيا وتحت شعارات أخلاقية ومثالية. دع عنك أن المعنى الأصلي للكلمة أي الماسونية تعني البناء الحر، وبالتالي فالماسونيون وفق المعنى الحرفي للكلمة باللغة الإنجليزيةFreemasons تعني (البناؤون الأحرار) وفي تقديري أن المعنى شابَهُ الكثير من التحوير وفق مقتضيات (فقه الضرورة) ويعلم البعض أن الماسونية انزوت ولم تتلاشَ في السودان كسائر البلدان العربية كذلك. ومن باب الذكريات فقد كان هناك مركز للماسونية في الخرطوم وإلى وقت قريب بالقرب من وزارة الإعلام الحالية، ونقش في واجهته شعارها، ولا ندري إن كان المبنى والشعار قد أزيلا أم ما يزالان يقفان شاهداً على عصرها!
على الرغم من قِلة ما كُتب حولها، فإن أسماء بعينها توجهت نحوها أنظار الكُتاب، ويُعتقد أن البعض كان يتخذها كواجهة اجتماعية، أو بظنهم إنها (سلوك حضاري) يكفل الوصول لأغراض محددة قد لا تتواءم وأهدافها. ومن القليلين الذين كتبوا عنها وإن كانت معلوماته غير مبرأة من الغرض لأسباب عقدية، ذلكم هو محمد الشريف الفاضل التقلاوي وهو أول رئيس لجماعة أنصار السنة في العام 1936 وتوفي العام الماضي 2009 (يذكر أنه ورهط من أصحابه ممن يسمون بمجلس علماء السودان، هم الذين أصدروا فتوى تكفير من ينضم لحزب الحركة الشعبية لتحرير السودان) وكان قد اصدر كتاباً بعنوان (الماسونية أخطر جمعية سرية في العالم) قال فيه (أدخل الإنجليز الماسونية وكان أول رئيس للمحفل الماسوني هو الحاكم العام نفسه، وقد عيّن للمحفل السيد علي الميرغني والسيد عبد الرحمن المهدي والشريف يوسف الهندي أعضاء شرف فيه وعيّن كبار الموظفين أعضاء منهم عبد المسيح تادرس رئيساً، ومحمد صالح الشنقيطي نائباً له، ومحمد علي شوقي وإبراهيم بدري، ومن التجار السيد الفيل وسيد أحمد سوار الدهب وأبو العلا ومحمد أحمد البرير، ومن رجال الجيش عبد الله خليل وأحمد محمد وإبراهيم عبود وغيرهم.. وقد زاد العدد بعد ذلك ودخل عدد كبير من الأقباط والسودانيين والشوام واليونانيين وبعض الهنود وكذا آخرين من الإدارة الأهلية.
وبذات المنهج كتب أيضاً صادق عبد الله عبد الماجد سلسلة مقالات طويلة في صحيفة (أخبار اليوم 6/7/8/2006) عن الماسونية وقال إنه أفاد من المرجع سالف الذكر ومن مذكرة (أضواء على الماسونية في السودان) ومنهما قال إنه قد تعاقب علي محافل الخرطوم بعد كتشنر وونجت باشا منذ عام 1938 وحتي عام 1979 أربعة عشر رئيس محفل وكلهم سودانيون، وخمسة وعشرون من الأجانب وبعضهم حصل على الجنسية السودانية. وقال إن الذين حملوا الراية منذ عام 1953 كما أوردتهم المذكرة كانوا علي النحو التالي: (محمد صالح الشنقيطي، عبد القادر يوسف، إبراهيم أحمد، م. مكاوي، يوسف شبيكة، محي الدين مهدي، مكاوي سليمان أكرت، يحيى جمال، أحمد عبد العزيز، محمد عبدالرحيم، الزين حمد النيل، محمد علي طه، محمد عبد الرحيم الأمين، حسين حسن أبو. وقال قد أورد هذه الأسماء بذاتها الدكتور أبو إسلام أحمد عبد الله في كتابه (الطابور الخامس في الشرق الإسلامي) وقد أضاف أبو إسلام إلى هذه القائمة في كتابه قائمة أخرى عن أندية الروتاري في الخرطوم التي بدأت بالعام 1938 وكذا أندية اللوينز.
واضاف كثيراً من الأسماء وإن كانت مثل سابقيها بدون دليل يذكر. وقال ثمة أسماء لم ترد في القائمة السابقة وبعضها قد ورد: إبراهيم أحمد، محي الدين مهدي وقد وصف بأنه من أنشط أعضاء روتاري بالسودان، إدريس البنا، يحيى جمال، سمير سعد، الفاضل إبراهيم، عبد السلام المغربي، محمد علي المليك، طه الروبي، حسن العجباني، الصافي علي، حسين حسن أبو، حيدر عبيد، محمد المهدي، أحمد عز العرب، عثمان أحمد البرير، نبيل كبابة، كمال عبدالمنعم، محمد عبد الحليم، محمد سراج، الرشيد الامين، عبد القادر مشعل، عمر طه، أبو زيد عطا المنان، إسماعيل النابري، سيد خليل بيومي، صديق محمد حمد، عبد الله مبارك. ولم يجد حرجاً في طلبه من الذين (بلغوا من العمر ما ينبيء عن النهاية أن يراجعوا أنفسهم فإن الموت في سبيل التوبة والمغفرة خير من الحياة والطاعة في الماسونية) وقد شطح أيضاً بنظرية المؤامرة، وخلط الشامي بالمغربي عندما اعتبر حملات التطعيم ضد شلل الأطفال القصد منها وقف الإنجاب!
في مصر كان أيضاً هناك باحث شاب (وائل إبراهيم الدسوقي) قد أحصى في رسالة ماجستير (الماسونية والماسون في مصر) أسماء مشاهير أبرزهم جمال الدين الأفغاني، محمد عبده، محمد فريد، إبراهيم ناصيف الورداني، سعد زغلول، عبد الله النديم، الخديوي توفيق، الأمير عمر طوسون، سيد قطب، أحمد ماهر باشا، محمود فهمي النقراشي، عبد الخالق ثروت، فؤاد أباظة، خليل مطران، إلخ ومن الفنانين يوسف وهبي، كمال الشناوي، محسن سرحان، محمود المليجي، زكي طليمات، أحمد مظهر وغيرهم. وبعد خروح المستعمر بدأ كثير من الناس ينظرون بعين الريبة للماسونية، حيث منعت في مصر عام 1964 وفي العام 1979 أصدرت الجامعة العربية قراراً باعتبارها حركة صهيونية، وفي العام 1984 أصدر الأزهر فتوى قال إنها تنتهي (بصاحبها إلى الإرتداد التام عن دين الله) ثمّ اعقبه في التحريم رابطة العالم الإسلامي!
ومع ذلك يبقى السر دفيناً.. والهول عظيماً ووراء الأكمة ما وراءها، فمن يدري فقد يكون في بيتك ماسوني زرعه عازف الأوتار وقاطع الأوصال!
آخر الكلام: لابد من الديمقراطية وإن طال السفر!
فتحي الضَّو


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.