الأمم المتحدة تفتتح مقرها بالخرطوم    شبكة أطباء السودان .. قوة تتبع للدعم السريع اقتحمت مستشفى الأسرة بمدينة نيالا واعتدت علي الكوادر الطبية    كانتي.. منذ أن كان حلمًا في أعين الهلالاب    محمد عبدالقادر يكتب: شهادة البوشي.. و"فضيحة صمود "    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    قرارات لجنة المسابقات باتحاد الكرة الدامر    من الرياض إلى موسكو.. "الثلاثية المرتقبة" بين بيفول وبيتربييف تلوح في الأفق    "صمود" يدين اغتيال أسامة حسن ويصفه بجريمة سياسية مروعة    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    أول إصابة بشرية بإنفلونزا الطيور H9N2 في أوروبا.. هل نبدأ القلق؟    ترامب يمثل أمام المحكمة العليا اليوم بسبب «الولادة».. بولتيكو تكشف التفاصيل    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: الحوت تعرض لظلم فادح من هؤلاء وهذا ما فعلته عندما علمت بتعاطيه "السجائر" وهو طالب في الثانوي    مزمل أبو القاسم يكتب مقال ساخن: (لم نرصد لهذه الحكومة إنجازاً واحداً حتى اللحظة بخلاف جرأتها على المواطنين وتفننها في فرض الجبايات والرسوم عليهم)    فرض غرامة على شركة تابعة لأبل لانتهاكها قواعد العقوبات المفروضة على روسيا    مواعيد مباريات الجولة الثانية بمجموعة الهبوط بالدوري    منتخب غانا محطة رينارد القادمة بعد الرحيل عن تدريب السعودية    الحكومة الإسبانية تدين الهتافات العنصرية ضد منتخب مصر    عيد ميلاد جومانا مراد.. مسيرة نجاح من دمشق إلى القاهرة    ريهام عبد الغفور : جمهور الأقصر دافئ وصادق وخريطة رأس السنة يحمل روحا مختلفة    مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة يكرم ليلى علوي بجائزة إيزيس للإنجاز    ألم العين.. أسباب شائعة وأعراض تستدعى استشارة الطبيب    سيلينا جوميز تكشف رحلتها الصعبة لتشخيص اضطراب ثنائي القطب    إزاى تحمى نفسك من نزلات البرد فى الجو الممطر؟    السودان.. زيادة مخيفة للإصابة بالضنك في 7 ولايات    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    معلومات خطيرة حول هلاك قيادي بحكومة "تأسيس".. تم اغتياله بواسطة مسيرة تتبع للمليشيا بتعليمات من يوسف ضبة والسبب منصب الشباب والرياضة!!    شاهد بالصورة والفيديو.. حسناء سودانية تقتحم المسرح وتدخل في وصلة رقص مثيرة مع المطرب عثمان بشة خلال حفل بالقاهرة    شاهد بالصورة والفيديو.. شبيهة هدى عربي تستعرض جمالها على أنغام ندى القلعة وساخرون: (شن جاب الكيكة للويكة وما استخرتي نهائي)    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الخبير الاقتصادي "محمد إبراهيم كبج" يشرح أزمة الاقتصاد السوداني
نشر في الراكوبة يوم 22 - 09 - 2013

يضع الخبير الاقتصادي "محمد إبراهيم كبج" - في هذا الحوار - أصابعه على جرح الاقتصاد السوداني النازف.. إذ استفحلت الأزمة في بلد ما زال الخبراء الاقتصاديون يحسبونه عملاقاً بموارده الضخمة والمتنوعة التي بإمكانها تحقيق الاكتفاء الغذائي من الغذاء، بل والدفع به لحل الأزمة العالمية.
"كبج" يقول بذلك ويرجع إلى الوراء قليلاً.. ليس أكثر من قرابة ربع قرن، ليشرح الأزمة الاقتصادية السودانية الحالية تشريحاً دقيقاً..
ننقل للقارئ الكريم إجاباته المهمة على أسئلتنا العاجلة.
} من 1989 وحتى اليوم.. كيف تقيم سير الاقتصاد في البلاد؟!
- قامت حكومة الإنقاذ في الفترة الأولى من حياتها برفع شعار (نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع)، وألحقت ذلك بالخطة العشرية التي امتدت منذ العام (1992) وحتى العام (2002)، حيث وضعت أهدافاً لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الطعام والكساء، وأن نقوم بتصدير الطعام إلى العالم، ونصدر كذلك المنسوجات إلى العالم الخارجي. كانت هذه هي أهداف الخطة العشرية مع أهداف أخرى وضعتها بحيث تمتد الكهرباء إلى كل مدن السودان، وأن نتمكن في الصناعات لتصل المصانع إلى طاقتها الإنتاجية القصوى، وعليه فيحق لنا أن نتوقف عند الخطة العشرية وأهدافها، وإلى أين وصلنا فيها في (2002)، بل وحتى اليوم، والإنقاذ تقارب ربع قرن في السلطة.
} ماهي أهداف الخطة العشرية الأولى التي كانت تسعى لتحقيقها؟
- هدفت إلى إنتاج (20) مليون طن من الذرة، ولكن عند نهاية الخطة العشرية في العام (2002) كان الإنتاج أقل من (15%) من هدف الخطة العشرية، وما أقوله لك من أرقام هنا وفقاً لمعلومات رسمية سواء من وزارة الزراعة أو بنك السودان بخصوص الإنتاج، أو من وزارة الثروة الحيوانية، أو من الصناعة وخلافه.
} ماذا يعني ذلك؟
- كانت هذه هي البداية غير الموفقة لحكومة الإنقاذ، ودلالة على إهمالها للزراعة، رغم أنه كان لها هدف طموح فيها، في القمح كان الهدف أن ننتج أكثر من مليون طن، وذلك ليس للوصول إلى الاكتفاء الذاتي منه، بل ليتم تصديره إلى البلدان العربية الأخرى، ولكن كان الإنتاج في نهاية الخطة العشرية (214) ألف طن بواقع (11%) من هدف الخطة العشرية. وفي ما يتعلق بالذرة فقد كان إنتاجنا في آخر سنوات "الحكومة الديمقراطية" قبل الإنقاذ (1988 - 1989) كان (4.425.000) طن، وتركت احتياطياً من الذرة بأكثر من مليون طن، بواقع أكثر من (11) مليون جوال تسلمته حكومة الإنقاذ، بعد الاكتفاء من الاستهلاك المحلي.
} أرجو أن تقدم لي أرقاما هنا؟
- ما وصلنا إليه بعد (12) عاماً من حكم الإنقاذ، وبعد نهاية (الخطة العشرية) التي بشرتنا بكل الخيرات، نجد أن ما تم إنتاجه من الذرة بواقع يساوي (65%) من الذي تم إنتاجه في موسم (1988 - 1989)، وليس هنالك انحدار في المستوى أكثر تعبيراً من هذا، أما الدخن فقد هدفت الخطة العشرية لإنتاج مليوني طن، ولكن الذي تم إنتاجه كان (000. 550) طن، وهو بالضبط ما كان موجوداً قبلها ب(12) عاماً في موسم (1988 - 1989)، وكأننا لم نخطُ أية خطوة إلى الأمام، وحتى القمح كان إنتاجنا (214.000) طن، وكان إنتاج حكومة الإنقاذ بعد (12) عاماً من حكمها، وبعد الحديث عن القمح والاكتفاء الذاتي منه وبعد البرنامج الطموح هو بالضبط (214.000) طن، والسؤال: الآن نحن تحدثنا عن الاكتفاء الذاتي من الغذاء، أعظم خطة وضعتها الحكومة، وقد أصابها الفشل الذريع.
} رفعت الحكومة وقتها شعار (نأكل مما نزرع).. كيف هو التقييم الاقتصادي الآن على أرض الواقع؟
- لقد وضعت (الخطة العشرية) ليس فقط لتحقيق هذا الشعار (نأكل مما نزرع)، وإنما ليدفع السودان بمزيد من الغذاء للعالم الخارجي، وإمكانات السودان تحدث عنها السيد الرئيس "عمر البشير" في خطابه الأول.. إمكانات طبيعية من مياه وأراض وبشر، تحدث عنها العالم كثيراً حتى أولئك الذين يعادون حكومة السودان الحالية بما فيها الولايات المتحدة، يعترفون أن لدى السودان من الإمكانات الطبيعية ما إذا تم الاستثمار فيه بطريقة ممتازة فإن السودان سيكون بجانب "كندا" و"أستراليا" هو سلة غذاء العالم.
} هل بالفعل يمكن للسودان أن يعيش في رخاء ويسهم في حل مشكلة الغذاء العالمي. كخبير اقتصادي، هل تؤكد هنا هذه الحقيقة؟
- نعم، فالسودان دولة معترف بأن لها إمكانات يمكن أن تجعل منه أحد الدول التي ذكرتها لك كسلة للغذاء في العالم، ويحق لنا أن نصل إلى الاكتفاء الذاتي للسودان وأن لا نستورد الغذاء كخطوة أولى، وهو أمر ممكن وتحدث عنه الرئيس "البشير"، وشعار (نأكل مما نزرع) يمكن تحقيقه.
} مقاطعة: كيف يمكن تحقيقه؟
- هذا يعتمد على إدارة هذه الموارد ،هنالك أموال كثيرة جاءت من تصدير النفط لنرى كيف تم استثمارها في الزراعة؟ كان السودانيين يشكون من عدم وجود استثمارات عربية في الزراعة، ولكن كيف تم استثمار الأموال الإضافية في الأسبقيات وعلى رأسها الزراعة، هذا هو السؤال. في العام (1972) كان استيرادنا للغذاء يساوي (72) مليون دولار، كان هذا المبلغ هو جملة الاستيراد لكل المأكولات بحسب تقارير بنك السودان، وفي العام (2002) وبدلاً من أن يختفي هذا الرقم ونمزق فاتورة الاستيراد بحسب تعبيرهم في ذلك الوقت، ارتفعت فاتورة استيراد الغذاء إلى (420) مليون دولار، أي بواقع (6) أضعاف!!
} ألم يكن بالإمكان إيقاف تواصل هذا الإرتفاع ؟
- تواصل الارتفاع بطريقة متواصلة ودون انقطاع، حتى وصلنا في العام (2008) إلى أن نستورد غذاء بمبلغ مليار وثلاثمائة ثلاثة وثلاثين مليون دولار بحسب بنك السودان، بما يساوي أكثر من (19) ضعفاً بما كنا نستورده في العام (1972)، وفي العام (2009) ارتفعت تكلفة الاستيراد إلي (22) ضعفاً، أما الكارثة الكبرى فكانت في العام (2010) إذ إننا استوردنا غذاء بمليارين وثلاثمائة خمسة وستين مليون دولار بما يساوي (34) ضعفاً من الذي استوردناه في العام (1990).
والذي قالته الحكومة آنذاك إننا سنتحلل منه مع نهاية الخطة العشرية، وحتى الآن نحن نستورد بملايين الدولارات، وأود أن نتطرق لمسألة مهمة ونحن عن الاكتفاء الذاتي من القمح، فخلال وزارة الزراعة كان يفترض ارتفاع إنتاج القمح وتم ذلك بما يزيد عن (800.000) طن، وكانت تلك قفزة كبيرة، ولكن منذ ذلك الوقت وحتى الآن، نحن استوردنا في (2010) ما يزيد عن (2) مليون وخمسمائة ألف طن من القمح، وهذا عبء على الموارد من العملة الصعبة، وأقول لك إنه كان يفترض منذ العام (2003) التوقف عن الاستيراد، ولكني حسبت استيرادنا منذ ذلك العام حتى (2011) فوجدت أننا استوردنا غذاء ب (8) مليار دولار وبأزيد من ذلك.
} بعض الخبراء يرون أن الحكومة توافرت لها العملات الصعبة في نهاية المطاف.. هل ذلك صحيح؟
- الموارد الطبيعية وموارد البترول التي توفرت لهذه الحكومة، رفعت رصيدنا من العملة الصعبة، ولو كرس العائد للزراعة لما كنا في هذا الوضع.
} ماذا عن الثروة الحيوانية؟
- الثروة الحيوانية وضع لها في الميزانية كاعتماد، وهذا ما أسميه (النية للإنفاق)، (52) مليون جنيه من مبلغ (22) مليار جنيه، ونحن نمتلك من الثروة الحيوانية ما يزيد عن (140) مليون رأس من الماشية، ولها مساهمة أكبر من المساهمة النباتية، لأن الزراعة لها شقيها النباتي والحيواني، ولكن عند التنفيذ الفعلي دفعنا لوزارة الثروة الحيوانية (19%) فقط من هذا الاعتماد الذي يساوي (10) ملايين من إنفاق فاق (22) ملياراً.
} تبدو متشائماً تجاه النتائج المترتبة على ما قدمت؟
- الآن عندما وقعت (الفأس على الرأس) وانسحب بترول الجنوب، وصرنا ليست لدينا موارد، تجد أن الكل يصيح (الزراعة.. الزراعة) بشقيها النباتي والحيواني، وقد فات ذلك الزمان الذي كانت لنا فيه إمكانات ليتم إنفاقها لتنمية الزراعة.
} تحدث اقتصاديون عن ميزانية العام 2005م وعدوها من الميزانيات المهمة؟
- في ذلك الوقت تم اعتماد (4) مليارات "دينار" للثروة الحيوانية، في ميزانية التنمية، وتم رصد (4) مليارات "دينار" للقمح، ومنذ البداية تعدّ هذه اعتمادات غير متوازنة.. ما أهمية القمح، فهو يمكن أن نستورده بأي شكل من الأشكال، وماذا يضيف للدخل القومي؟ لكن الثروة الحيوانية هي باستمرار أزيد من ربع الناتج المحلي الإجمالي، هذا بالنسبة لميزانية العام 2005م، وعندما جاء التنفيذ الفعلي، نجد أن الذي أنفق على الثروة الحيوانية (400) مليون "دينار" حسب المراجع العام، بدلاً عن ال(4) مليارات "دينار"، أي بواقع (10%) من المبلغ الذي أعتمد لها، ولكن على الجانب الآخر الذي أنفق فيه (4) مليارات على توطين القمح أنفق (10) مليارات، وذلك يعني أن الذي تم إنقاصه من التنمية في الثروة الحيوانية ليس لضيق ذات اليد في الموارد، وإنما تضاعف الإنتاج على توطين القمح ليصل إلى (250%) من المبلغ الذي أعتمد له، وكان يفترض أن يحدث ذلك للثروة الحيوانية التي نزل الإنفاق الفعلي عليها إلى (10%).
} يعيب بعض الخبراء على الحكومة إنفاقها الكبير على توطين القمح دون فوائد كبيرة؟
- صحيح، فأنت تجد الآن ورغم كل المليارات التي أنفقت على القمح وتوطين القمح، حيث في العام قبل الماضي كان إنتاجنا يساوي (292.000) طن من الذرة، هذه تعدّ (خيبة كبيرة)، ونحن الآن نستورد القمح، هذه خيبة كبيرة، والحكومة بسياساتها جعلت من القمح الذي لم نتمكن من إنتاجه بطريقة وافرة مكان تنافس مع منتج الذرة والدخن الذي أصاب إنتاجه مشكلة كبيرة.. هنالك أمر آخر، أنه في ذلك العام لم يتم تطعيم القطيع القومي، وما حدث يريك كيف أن وزارة المالية تتعامل ب(قصر نظر)، لم يتم تطعيم الثروة الحيوانية، فظهرت نتيجة لذلك بعد عامين وبائيات، وانخفض تصديرنا من الثروة الحيوانية من (250) مليون رأس، إلى (50) مليون رأس، وكلما يتم الإمساك عن الإنفاق على الثروة الحيوانية سيحدث هذا الأمر.
} كأنك تلمح إلى انهيار السياسات الاقتصادية للحكومة؟
- لقد انهار شعار (نأكل مما نزرع)، فالحكومة رفعت شعارات إلا أنها اتبعت سياسات لا تفضي إلى تحقيقها على أرض الواقع.
} أريد تقييمك لما حدث في المراعي؟
- هنالك تقرير رسمي من الموارد الطبيعية التابعة لوزارة الزراعة الاتحادية، قالت فيه إن المراعي الطبيعية تساوي (49%) من احتياج الثروة الحيوانية، وهذا وضع خطير، يقول إن الثروة الحيوانية تعيش (سوء تغذية)، وأنا أحيلك إلى مصير مشابه يعيشه الإنسان السوداني الآن، حيث قال وزير الصحة في اجتماع لمجلس الوزراء خلال الشهر الماضي إن بالسودان (5.200.000) مواطن لا يجدون غذاءً كافياً، وهذه نتيجة بشعة لبلد كل العالم يترقبه لأن يكون حلاً لأزمة إنتاج الغذاء وتخفيض أسعاره.
} ما الأثر الذي تركه انفصال الجنوب على قطاع الغابات؟
- قبل انفصال الجنوب كانت الغابات تساوي أزيد من (30%) من مساحة السودان، ولكن بعد ذلك أصبح شمال السودان به (10%) فقط من الغابات من مساحتها، وهذا يعدّ وضعاً مريعاً، يعني أن الغذاء الذي كان يأتي من الغابات قد انحسر.. في العام 2005م وضعوا في اعتمادات الميزانية (300) مليون "دينار" لتنمية المراعي الطبيعية التي تعتمد عليها أكثر من (140) مليون رأس من الماشية، ووضعوا، للمفارقة، في نفس الميزانية (300) مليون "دينار" ل(المدينة الرياضية) بالخرطوم، ووضعوا (659) مليون أزيد من ضعف ما وضع للمراعي الطبيعية لكهربة (الفلل الرئاسية).
} إلى ماذا تفضي نتائج ما تقول به؟
- هذا يدل دلالة كبيرة على أن ميزانية العام 2005م قد تم تنفيذها بشكل بشع لا يراعي أسبقية الزراعة النباتية، ولا يراعي أسبقية المراعي التي يستند إليها أكبر قطيع في أفريقيا والشرق الأوسط، كما لا يراعي احتياجاتنا نحن من الناحية العملية من العملات الصعبة، ووجود ثروة حيوانية توفر اللحوم بأسعار معقولة.
} كيف يبدو مستقبل مشروع الجزيرة؟
- مشروع الجزيرة تسلمته حكومة الإنقاذ (صاغ سليم) ومعمر تماماً، لكن أين هو هذا المشروع الآن؟ لقد حولت الحكومة مزارعي الجزيرة من منتجين إلى (فئران تجارب).
} لماذا برأيك انهارت السكة الحديد؟
- السكة الحديد انهارت نتيجة للإهمال.
} ما هو الأثر الاقتصادي لهذا الانهيار؟
- ارتفعت تكلفة النقل، وأضحت أسعاره عالية جداً، الأمر الذي يزيد من تكلفة الإنتاج الزراعي وغير الزراعي، وأقول لك: هذان مثلان لتنفيذ التنمية في 2005م و2008م، وكلها تدل دلالة كبيرة وبنتائج استيراد الكميات الوافرة من الغذاء، على أن قطاع الزراعة بشقيه النباتي والحيواني كان مهملاً تماماً، وذلك منذ مجيء الإنقاذ وحتى اليوم.
} هنالك أحاديث لاقتصاديين عن خلل في ترتيب الأولويات للدولة السودانية واقتصادها.. هل ذلك صحيح؟
- نعم بالطبع، فأنا مثلاً كنت أعتقد أن الأسبقية ليست لمشروع (سد مروي).. صحيح أن الكهرباء أمر مهم، ولكن الأهم هو تنمية الزراعة، وكان رأيي أن نذهب إلى تعلية (خزان الروصيرص)، وقد تمت بالفعل الآن، ولكن المهم في ذلك هو المشروعات المصاحبة له، فحينما نتحدث عن تعلية (الروصيرص) فإننا نفكر في تنفيذ مشروع (الرهد وكنانة) لأهميته، ولكن للأسف حينما انسابت أموال البترول أغفلنا ذلك وأعطينا أسبقية لتنفيذ مشروع (سد مروي).
} أنت ترى أن (سد مروي) لم يكن أولوية في ذلك الوقت؟
- نعم.. لقد أنفق علي (سد مروي) مليار وستمائة مليون دولار، وتم الإنفاق على المشروعات المصاحبة لهذا السد، وأنا أعدّ ذلك تنمية للولاية الشمالية ونهر النيل، حيث نُفذت طرق ومساكن لمدن وقرى جديدة وشُيدت كبارٍ حول النيل، حتى كوبري (شندي – المتمة) الذي لا علاقة له ب(سد مروي)، كان أحد المشروعات المصاحبة لهذا السد، وذلك اتجاه غير صحيح.
} ما هي الأهمية الاقتصادية لتعلية (خزان الروصيرص)؟
- تعلية (خزان الروصيرص) كلفت (500) مليون دولار، وأنا كنت أتحدث عن (600) مليون دولار، أي أقل من الذي حدث أو قلته، تعلية الخزان تؤدي إلى زيادة القدرة الكهربائية، وكنت أتحدث عن (60%)، والآن وزارة الكهرباء تتحدث عن زيادة القدرة لمجرد التعلية ب(50%)، إذا هنا كهرباء وهناك كهرباء، ولكن في (سد مروي) لا توجد زراعة، بينما في (الروصيرص) يوجد الأمران، لا يمكن أن نزرع الصحراء.. وأقول لك مشروع الجزيرة كان لفترة طويلة تُستقطع منه (500.000) فدان بما يساوي ربع المساحة نتيجة لعدم انسيابية الري، والآن بعد تعلية (الروصيرص) بات تخزينه أزيد بأربعة مليارات متر مكعب، علاوة على إتاحته لمشروع الجزيرة أن يستعيد كل المناطق التي كانت عطشى في المشروع.
} أنت تتحدث عن أموال ضخمة كان من الممكن أن تنفق في مشروع أكثر جدوى؟
- نعم، فتكلفة (سد مروي) مع المشروعات المصاحبة له كانت (3.2) مليار دولار، مع أن تعلية (الروصيرص) كلفت (500) مليون دولار، فيصبح الفارق (2.7) مليار دولار، كان من الممكن أن تنفق في إنشاء مشروع (الرهد وكنانة) وهو بمساحة تبلغ (2.6) مليون فدان وهي أكبر من مشروع الجزيرة بحوالي (400.000) فدان.. تصور معي لو أننا لم نشيد (سد مروي)، وأخذنا تلك الأموال وهي من قرض عربي كان ذاته يمكن أن يذهب إلى (خزان الروصيرص).. بالنتيجة كان سيكون لنا أكبر مشروعين زراعيين في الشرق الأوسط (2.600.000) فدان هما (الرهد وكنانة) بالإضافة لمشروع الجزيرة، والتأثير الاقتصادي على السودان كان سيكون كبيراً جداً، لو استثمرنا هذه الأموال في تعلية (الروصيرص) وإقامة مشروع (الرهد وكنانة)، ولما كنا في هذا الزقاق المظلم الضيق.. وهناك أمر آخر بالنسبة للبدائل غير (سد مروي) والمشروعات المصاحبة له.
} ما هو؟
- التوجه لدينا في السودان للزراعة قاصر، فنحن نزرع (20) مليون فدان في القطاع المطري التقليدي الذي به ثلثا سكان السودان، وهذه المساحة أعطتنا في سنة محددة (5.5 بالمائة) من الناتج الإجمالي للسودان، ولكننا نزرع (2) مليون فدان حول النيل وروافده كان الناتج المحلي منه (11.5 بالمائة)، لأن القطاع المطري التقليدي أقل تكلفة في الإنتاج، ولابد من تعميره، ولكان ذلك أحدث قفزة.
المجهر


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.