الشرطة المجتمعية بولاية سنار تدشّن قافلة دعم تكايا رمضان بولاية الخرطوم    سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    المريخ يبارك انتخاب رئيس إتحاد سيكافا وأعضاء اللجنة التنفيذية    مريخ الممتاز يؤدي مرانه الختامي للقاء ملوك الشمال    مساعد قائد الجيش يكشف عن فساد وزير كبير    إبراهيم جابر ينفي خبر حل اللجنة العليا لتهيئة بيئة العودة إلى الخرطوم    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    شاهد بالفيديو.. في مشهد مؤثر.. كابتن طائرة "سودانير" المتجهة إلى العاصمة الخرطوم ينهار بالبكاء أثناء مخاطبته الركاب    الصحفية سهيرة عبد الرحيم: (شعرت للحظة أن وزير الخارجية المصري سيهتف داخل القاعة "جيش واحد، شعب واحد" من فرطٍ حماسه في الجلسة)    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: (اتخذلت في هذا المطرب!! وكل من كانوا حول الحوت منافقون عدا واحد)    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    شاهد بالصورة.. اللاعب هاني مختار يتوشح بعلم السودان في جلسة التصوير الخاصة بناديه الأمريكي    شاهد بالفيديو.. بتواضع كبير "البرهان" يقف بسيارته في الشارع العام ليشرب عصير من الفواكه قدمه له أحد المواطنين بدنقلا    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



«الإنقاذ» تريد إعادة صياغة نفسها بالتخلص من الحرس القديم.. البشير أطاح برجال الصف الأول من الإسلاميين.وأتى ببدلاء من «الصف الثالث»
نشر في الراكوبة يوم 15 - 01 - 2014

تأخر «الربيع السوداني» كثيراً، رغم رياح التغيير العنيفة التي تهب على هذا البلد منذ أكثر من عقدين، وتأخرت «الثورة الشعبية الثالثة» التي يحلم بها السودانيين منذ وقت طويل كثيراً.
حين ثارت شعوب «الربيع العربي»، وتونس تحديداً، وهي جغرافياً قريبة من السودان، ظن الكثيرون أن الربيع التالي سيحل في البلد الذي خبر الثورات الشعبية، وغير نظامين عسكريين دكتاتوريين بثورة شعبية خلال نصف القرن الماضي، وأن نسماته اللطيفة ستظلل الخرطوم ذات صباح، على الرغم من مناخها المتطرف الذي لا يعرف ربيعاً.
بأثر من زخم الربيع العربي، تحرك ناشطون أكثر من مرة خلال العامين الماضيين، ونظموا احتجاجات شعبية آخرها احتجاجات سبتمبر (ايلول) الماضي، التي زلزلت حكم الرئيس البشير، وكادت تطيحه لو لا العنف المفرط الذي واجهت به السلطات المتظاهرين، وأدى لمقتل ثمانين مدنياً باعتراف السلطات، وأكثر من مائتين حسب منظمات حقوقية وناشطين.
ومنذ ذاك الوقت ظلت «الأوضاع هادئة» على الرغم من أوراق النظام الحاكم بدأت تصفر وتذبل وتسقط تدريجياً منذ وقت طويل، دون أن يتبرعم «نوار الربيع» محل الأوراق الساقطة بالطريقة المعهودة، رغم نسمات الفصل البديع.
ورداً على فشل «عشاق ربيع الثورات»، فإن نظام الحكم والرئيس البشير شخصياً قال مباشرة «السودان يعيش ربيعه منذ يونيو 1989»، وهي السنة التي جاء فيها الإسلاميون للحكم بالإنقلاب الذي يحكم منذ ذلك التاريخ، وهو قول أغاظ كثير من المعارضين والناشطين، لكن المحصلة أن «الثورة السودانية» ما زالت كامنة لم تتفتح بعد.
وقد يحمل هذا القول ما يحمل، لكنه تعبير عن استهانة أهل الحكم بقدرة الجماهير على التغيير، وربما يهدف لإصابتها باليأس، وضرب مكامن التفاؤل بتغيير قريب على طريقة اكتوبر 1964م، وأبريل 1985م.
لم يشجع بعض المعارضون التغيير على طريقة الثورة الشعبية، وأبرزهم زعيم حزب الأمة الصادق المهدي، فهو يرى أن التغيير بتلك الطريقة ربما يؤدي ل»إنهيار الدولة»، سيما وأن المعارضة المسلحة ظلت على الدوام تهدد بدخول الخرطوم وإسقاط النظام بالقوة، وهو ما تخشاه شرائح من الإنتلجنسيا «الإسلاموعروبية».
المهدي، وآخرين انشقوا من عظم النظام نفسه، يعتقدون أن الأسلم للسودان أن يتم فيه التغيير «تدريجياً»، وأن تتبرع أوراق ربيعه ورقة إثر أخرى حتى يكتمل الإزهار، وظلوا على الدوام يحذرون من «النموذج السوري».
* التمكين وبراعم التغيير على الرغم من الخلاف حولها، بل وعدم تصديقها، فإن محللين كثر يرون في تصريحات الرئيس ب»إلغاء سياسات التمكين» في الخدمة التي أعلن عنها نهاية العام الماضي، بداية لنمو «براعم التغيير». قال الرئيس عمر البشير في محفل عمالي بالخرطوم قبل يومين من نهاية العام الفائت، إن حزبه يعكف على برنامج إصلاح شامل لإصلاح الخدمة المدنية «وإعادتها لسيرتها الأولى».
وأكد البشير العمل على تمكين الخدمة المدنية لتؤدي واجبها بإستقلالية وحيدة، واعتبار الكفاءة والتنافس الحر لكل السودانيين، المعيار الذي سيتبع في الإختيار للخدمة العامة، وقال: «سنعمل على إبعاد الخدمة المدنية من التسييس والتمكين وأية شعارات أخرى، وسنفتح الباب للترقي في الخدمة على حسب الكفاءة والقدرة والعطاء».
«براعم التغيير» التي رآها البعض بعيد قرارات إلغاء التمكين، ليست الوحيدة ولا الأخيرة، فقد سبقتها قرارات «كبيرة» تمثلت في إطاحة «رموز نظام الحكم» القديمة دفعة واحدة، وأبرز الرموز المطاح بها النائب الأول للبشير علي عثمان محمد طه، ومساعده نافع علي نافع، ووزير النفط عوض الجاز وآخرين.
لم يطح البشير برجال الصف الأول من الإسلاميين فقط، بل أتى ببدلاء لهم، من «الصف الثالث»، والصف الثالث هم الشباب الذين اكتملوا والإنقاذ حاكمة، ما يعني أنهم ليسوا رجال «تنظيم الإسلاميين السودانيين»، ولم يتربوا داخله، بل هم رجال الرئيس البشير الذي تربوا في نعيم السلطة حتى حلّوا في المواقع الأولى بالدولة.
سيرة هذه النفر من رجال الحكم وتربيتهم السياسية ارتبطت بالحكم، وبالتالي حال حدوث أية اهتزازات أو تململ من «الحرس القديم» فإن موقفهم سيكون إلى جانب «السلطة والثروة»، رغم أن سلفهم الأول نفسه اختار في أول تصدعات الإسلاميين 1999م الوقوف إلى جانب الرئيس البشير، وتخلوا عن باني حركة الإسلاميين السودانيين د. حسن الترابي، وهو موقف اختار ذهب المعز على سيفه.
* أوراق جديدة
* الأحد الفائت، ألحق الحزب الحاكم حزمة جديدة من التغييرات بالحزمة القديمة، ذهب بموجبها من يمكن أن ينصفوا بقيادات «الصف الثاني» في الحزب، وجاءت قيادات من «الصف الثالث»، تتناسب عمرياً وولاءً من قيادات الجهاز التنفيذي، وهكذا بدل الحزب الحاكم قياداته القديمة بأخرى جديدة مع وجود رمزي للقيادات القديمة، وحتى هذا «الرمز» يشهد له بأنه موال للسلطة وللرئيس البشير أكثر من ولائه لأيدولوجا «الإسلام السياسي».
وحسبما نقلت صحف الخرطوم الصادرة الإثنين سيتبع الرئيس البشير بإجراءاته القديمة إجراءات جديدة، تذهب في ذات الطريق، وسيعلن عن «مبادرة شاملة» لإصلاح الحزب والدولة، تشمل تعديلات دستورية مهمة خاصة فيما يتعلق بالحريات العامة التي تثير جدلاً بين الحكم ومعارضية، ويتوقع ترتيب لقاءات بين الحكم ومعارضيه، تسوق الأشياء باتجاه «الربيع على الطريقة السودانية».
لعل ابتداع الإسلاميين السودانيين لمصطلح «التمكين، ويعني عملياً «طرد غير الموالين للحكم، وتمكين أنصاره بدلاً عنه في الوظيفة العامة»، هو القشة التي قصمت ظهر العلاقة بين الحكم، وملايين السودانيين الذين تشردوا بفعل تلك السياسات، وتفرقوا في أصقاع متعددة من المنافي والمهاجر والمغتربات.
* قطع الأرزاق
* بعد استلامهم للسلطة عام 1989م، سيطر الإسلاميين على الخدمة المدنية، وإبعدوا منها كل من يشتبه بعدم ولائه للنظام الجديد، وإجلسوا مكانه «إسلاميين»، بغض النظر عن مؤهلاتهم أو كفاءتهم أو خبراتهم.
وضرب النظام الجديد وقتها عصفورين بحجر: أبعد كل من يمكن أن يشارك في «إضراب وعصيان» ضده، وفي ذات الوقت سيطر على أجهزة الدولة، و»مكّن» مؤيديه من احتلالها.
ولم يكتف عرّابي الحكم من الإسلاميين وقتها، بتفريغ الخدمة من كافة كوادرها، بتلك القرارات السياسية التي وصفت وقتها ب»المتعسفة»، بل انتجوا فقهاً برروا به تصفية جهاز الدولة، وأطلقوا عليه «فقه التمكين»، مستندين على فهم خاص بهم للآية الكريمة: «الذين إن مكّناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر»، فصارت مفردة «التمكين» من المفردات «الكريهة» كثيفة التداول.
واشتغل عليها الخيال الشعبي على تلك المفردة، وأنتج مصطلحات مشتقة، وأدوات تشير إلى «المتمكنين من أهل النظام»، مثل: «حقيبة تمكنّا، لحية التمكين، ولحية دعوني أعيش، وغرة الصلاة الصناعية»، واشتعلت الطرائف المريرة الساخرة من الموظفين الجدد، ومن شروط التوظيف.
ميلودراما وعاش رجال خدمة مدنية معتقون حالة من «الميلودراما» الضاجة بالمفارقات، وتجسدها، قصة شاب يدعى «م. ض» عاد من إجازة الزوجية وشهر العسل ليجد «أمر الإحالة للتقاعد للصالح العالم» في انتظاره، وحين سلم «المظروف» ظنه أول الأمر «هدية الزواج من مؤسسته، وحين فتحه وجد نفسه بلا عمل. عاد الشاب مصدوماً إلى بيته، وأخبر زوجته بالخبر الفاجع بإحالته للتقاعد «المعاش»، فاستقبلت الأمر بدعابة: «وا فضيحتي.. أنا شابة تزوجت رجلاً في المعاش، كيف أقول لزميلاتي زوجي بالمعاش»..؟! «الملودراما» التي عاشتها هذه الأسرة الشابة لمجرد أن الزوج ليس إسلامياً، جسدت حال عشرات الآلاف، إن لم يكونوا مئات الآلاف، من الذين فقدوا وظائفهم على أيام الإنقاذ الإسلامية الأولى، بينهم رجال خدمة مدنية، ضباط وعسكريين في الجيش والشرطة وأجهزة الأمن ومهنيين، ولم يستثن من ذلك حتى موظفي القطاع الخاص.
وانعكس ضعف خبرات وكفاءة القادمين الجدد سلباً على الخدمة المدنية السودانية، التي كانت تعرف بتميزها ودقتها وانضباطها، ليس محلياً بل على مستوى الإقليم، بعد صارت «اللحية وغرة الصلاة» هي المؤهلات التي تقدم للحصول على أية وظيفة مهما علا شأنها، وفي هذا يحتفظ الخيال الشعبي بطرائف أضافية، تقول إحداها وأكثرها بلاغة أن لجنة الإختيار للخدمة العامة سألت أحد الإسلاميين عن عدد شهداء الجزائر فأجاب أنهم «مليون شهيد» فحصل على الوظيفة، فيما طلبت اللجنة من متقدم «غير إسلامي» تقديم كشف بأسماء هؤلاء الشهداء..! بيد أن تطور الأوضاع، وتدهور جهاز الخدمة المدنية الذي تسببت به تلك الإجراءات، جعل الحكومة تطلق وعوداً بإعادة من فصلتهم للصالح العام، لكنها لم تفعل رقم أنف «لجنة رفع المظالم والحسبة العامة» التي شكلتها لمعالجة الأمر.
* وعود مجهضة
* على الرغم من مرور أكثر من عقدين من الزمان على إعمال قانون «الصالح العام»، وسياسات التمكين، والوعود الكثيرة المجهضة برفع المظالم، فإن تصريحات الرئيس البشير تلك، مقرونة بقراراته التي أطاحت بكبار رجال الحكم من الإسلامين أخيراً، فإن النظر إلى «إلغاء التمكين والتسييس» في الخدمة العامة، يأخذ ضمن هذا السياق شكلاً مختلفاً.
بيد أن عضو اللجنة العليا للمفصولين للصالح العام كمال حسين، لم يتفاءل بجدية الحكومة في تصحيح أوضاع الخدمة العامة، وقال ل»الشرق الأوسط»: «هذا الكلام قيل أكثر من مرة وليس جديداً»، وأضاف: «التشريد لم ولن يقف، وطالما يسير النظام على سياسات الخصخصة، فإن مزيداً من التشريد للعاملين هو المتوقع، والدولة لا تملك القدرة الإقتصادية، لإعادة المفصولين، ولا تملك في ذات الوقت القدرة على إبعاد من حلوا محلهم».
وأضاف حسين إن سياسات الصالح العام والتمكين أدت لتشريد قرابة الثلاثمائة ألف عامل وموظف، بينهم أكثر من 36 ألف من العسكريين بين ضباط وضباط صف، وخربت الخدمة المدنية، ما يجعل من إصلاحها ضمن الظروف الإقتصادية الحالية شبه مستحيل.
فيما وصف مصدر طلب إبقاء إسمه سراً إلغاء التمكين وتسييس الخدمة المدنية الذي وعد به الرئيس البشير أمس، بأنه امتداد لعملية إخراج الإسلاميين من الحكم والتي بدأت من رأس الهرم نزولاً إلى القيادات الوسيطة.
وأضاف إن القرارات المزمعة، مقروءة مع إكثار الحديث عن محاربة الفساد، وإطلاق يد الصحافة المحلية جزئياً، في تناول قضاياه، مؤشرات إلى أن وراء الأكمة ما وراءها.
وأوضح المصدر، أن الخيارات ليست كثيرة أمام الرئيس البشير، فإما أن يذهب باتجاه الإصلاح الفعلي لا الشكلي، وإما أن ينهار إقتصاد البلاد على رؤوس الجميع، متوقعاً التضحية برؤوس كبيرة من رموز الماضي في قضايا فساد.
وفيما يلي الحزب الحاكم «المؤتمر الوطني»، فقد أقر بوقوع «تجاوزات ومظالم» في الخدمة المدنية، تسببت فيها ما أسماه «الشلليات، ونظرية شيلني وأشيلك»، وأعلن تكوين لجنة لوضع معايير التعيين للخدمة العامة، وقال نائب رئيس الحزب إبراهيم غندور في تصريحات، إن حزبه يريد معاييراً للعمل العام تتجاوز «الإستلطاف والشلة و شيلني وأشيلك»، ووعد بإعمال مبدأ المحاسبة داخل الحزب، وإنفاذ معايير العدالة في الخدمة المدنية، ومبدأ الشفافية، مقراً بأن معظم المؤسسات يقودها شخص واحد «إذا صلح صلحت».
* تمكين جديد
* ورأت رئيسة حركة القوى الجديدة «حق» المعارضة هالة عبدالحليم في حديثها ل»الشرق الأوسط»، أن تصريحات الرئيس البشير بإلغاء «التمكين وتسييس الخدمة المدنية» لا يمكن فهمها إلاّ ضمن الصراع الذي يدور في داخل النظام نفسه.
وقالت: «الحكومة الجديدة التي كونها الرئيس أكثر ضعفاً من سابقاتها، وبالتالي لا تستطيع تنفيذ مثل هذا القرار»، وأضافت: «هذا الحديث موجه لمن كانوا معه، ومن التجربة فإن ما تقوله الإنقاذ لا يمكن تصديقه، إلاّ على الطريقة الجديدة وهي إلغاء تمكين الحركة الإسلامية، للتمكين للقادمين الجدد».
وأوضحت عبد الحليم أن نظام حكم الرئيس البشير لا يستطيع القيام بأي تغيير لصالح الشعب، وأن أية تغيير جدي في سياسات النظام ستطيح بهم، وأن ما هو ممكن الحدوث هو مجرد «تغيير لسياسات التمكين، للقول للإسلاميين إن عهد تمكينهم انتهى».
* خالية من دسم الإسلاميين
* ويربط المحلل السياسي والكاتب خالد التجاني بين السياق الذي أصدر فيه الرئيس البشير قراراته بإلغاء التمكين، وبين ما سماه التغييرات الكبيرة التي حدثت بذهاب الرموز الإسلامية الكبيرة من الحكم.
ويصف التجاني تلك القرارات بأنها انتقال من النسخة القديمة للإنقاذ لنسخة جديدة «خالية من دسم الإسلاميين»، بعد خروج – أو إخراج - الرموز التاريخية للإسلاميين السودانيين، ويعتبرها عودة للإنقاذ الأولى التي بدأت عسكرية، وكان الإسلاميين وقتها قد قدموها باعبارها نظاماً عسكرياً، لتعود عسكرية من جديد.
ويضيف التجاني أن النظام احتفظ بطبيعته العسكرية على الرغم من وجود رموز الإسلاميين ضمنه، لكن بعد تخلصه من هذه الرموز فإن تلك القرارات تحمل رسالة فحواها الإعتراف بأخطاء المرحلة السابقة، وتحميل الرموز الإسلامية مسؤولية تلك الأخطاء.
ويضيف: «كأنه يحمّل من أخرجوا من السلطة مسؤولية الأخطاء الفظيعة التي وقعت فيها الإنقاذ في المرحلة السابقة، هذه رسالة واضحة بأن من خرجوا من السلطة كانوا يقفون في وجه الإصلاح القادم».
ويعتبر التجاني تلك القرارات تمهيداً لعودة الإنقاذ لسيرتها الأول، سلطة عسكرية، تحاول الإستفادة من الإنتماء للمؤسسة العسكرية وتوظيف الصبغة القومية التي ترمز إليها.
وعلى الرغم من إختلاف المذاهب التي ينظر من خلالها المحللون، لما أحدثته سياسات التمكين وتسييس الخدمة العامة، طوال قرابة ربع قرن من الزمان، تحول خلالها جهاز الدولة لأداة حزبية بيد فئة قليلة استأثرت بكل شئ، فقد جرت «مياه كثيرة جرت تحت الجسر» الذي عملت عوامل التعرية الكثيرة بمعاولها فيها، بما يهدد ب»إنهياره الوشيك».
* اعتراف متأخر
* حتما سيكون الشاب «م. ض» الذي قطع رزقة بتلك الطريقة، قد بلغ سن التقاعد «المعاش» فعلاً، بل وربما يكون قد رزق من الزوجة التي سخرت من «إحالته للتقاعد في تلك السن ظلماً وفظاظة»، ببنت أو ولد زوجة، وربما تزوج أحدهما أو كلاهما أحدهما، وأصبح جدّاً يحاول تجنيب أحفاده ما واجهه في بداية الطريق».
كيف يتم تعويضه عن تلك الخسائر الكبيرة، والمعاناة الجمة التي عاشها لكسب عيشه في بيئة معادية وغير صديقه دامت ربع قرن من الزمان، بيئة «تسرق اللقمة من الفم»، ليس لعدم الإستحقاق، بل لأنه «ليس إسلامياً». رجل عاش هذا كله، وربما زاد قليلاً، هل سيكفيه الإعتراف المتأخر بأنه «ظلم»، مثل الآلاف الذين عاشوا ظروفاً مشابهة «قطع رزقهم لتمكين الإسلاميين»، وهل تكفيه تربيته متأخرة لأكثر من عقدين لنسيان الماضي، وبداية مرحلة جديدة وهو في تلك السن..؟
* أكمام الوردة
* قد لا يكفي كل هذا، لكن مثلما كشفت «الشرق الأوسط»، في وقت باكر من شهر أغسطس الماضي، أن نظام حكم الرئيس البشير يتجه للإطاحة بالإسلاميين، وذهبت أكثر بالوصول تحليلاً إلى أن رجل الإسلاميين العتيد علي عثمان محمد طه سيطاح به في التغيير القادم، في وقت لم يكن يجروء فيه أحد على القول بهذا، فإن «إلغاء التمكين»، و»إطاحة القيادات المزمنة»، و»إحلال رجالات الصف الثالث» في الحزب والدولة، خطوات باتجاه تبرعم «ورد الربيع السوداني»، ولو على طريقة «إضعاف قبضة» المجموعة التي تمكنت من السودان لربع قرن، بما يسهل «الثورة عليها»، إذا لم تكن ربيعاً على الطريقة السودانية التي سبق بها السودان كل الثورات العربية، أو اتفاق سوداني لمواجهة الأخطار المحدقة من كل اتجاه..!
* محطات في تاريخ الإنقاذ
* - 30 يونيو (حزيران) 1989 دقت الموسيقى «المارشات» العسكرية معلنة انقلابا عسكريا بقيادة عقيد مغمور في الجيش السوداني اسمه عمر حسن البشير، الذي أطاح بحكم الصادق المهدي الذي عرف بفترة الديمقراطية الثالثة.
- موه الانقلابيون على هوية النظام الإسلامية، لكن تمويههم لم يخف على الأوساط السياسية فاكتشفت من الوهلة الأولى أن «الجبهة القومية الإسلامية» بقيادة حسن الترابي هي التي تقف خلف الانقلاب.
- لمزيد من التمويه اعتقل العسكريون د. حسن الترابي مع قادة القوى السياسية والأحزاب الذين ألقي القبض عليهم وأدخلوا السجن، وأبقى على نائبه علي عثمان محمد طه ليدير دفة الحكم مع العسكريين.
- في عام 1994 أعلنت سياسات «التمكين»، وتقوم على «تطهير» الخدمة من غير الإسلاميين، وتوظيف إسلاميين محلهم.
- تشرد وفصل مئات الآلاف من موظفي الخدمة المدنية مدنيين وعسكريين، تحت مسمى «الصالح العام» وسياسات التمكين.
- أضعفت سياسات التمكين الخدمة المدنية، وأفقدتها أفضل كوادرها، وأدت لتسيب جهاز الدولة فانتشر فيه الفساد المالي والإداري.
- ظل الترابي يدير كواليس الحكم حتى خروجه أو إخراجه من الحكم عام 1999م، في انشقاق الإسلاميين الأول والذي عرف محليا ب«المفاصلة»، وتكوين حزبه المناوئ «المؤتمر الشعبي».
- لم يخرج نائب الترابي علي عثمان محمد طه مع شيخه، بل بقي وآخرون مع البشير فأسند إليه منصب النائب الأول للرئيس.
- تخلى طه عن منصبه لزعيم جنوب السودان الراحل جون قرنق بعد توقيع اتفاقية السلام في 2005م ولنائبه سلفا كير ميارديت.
- بعد انفصال جنوب السودان عام 2011، استرد طه منصبه نائبا أول للرئيس البشير.
- في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أطاح البشير بطه ومعظم رموز الصف الأول من الإسلاميين، ضمن عملية سميت طوعية، لكن كثيرين يرون أنها انقلاب كامل على الإسلاميين.
- وفي الأسبوع الأخير من العام الماضي أعلن الرئيس عن إلغاء سياسات التمكين ليكمل بها إبعاد رجال الصف الثاني من الإسلاميين في جهاز الدولة.
الشرق الاوسط


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.